مذكرة دفاع في قضية تزوير مقدمة من المحامي مؤمن رميح المتخصص في قضايا التزوير
تقدم المحامي مؤمن رميح بمذكرة قانونية في قضية تزوير
مؤمن رميح المحامي في قضايا التزوير


مذكرة بدفاع المتهم الأول
السيد/ إبراهيم السيد متولي
ضــــد
النيابة العامة
والمدعية بالحق المدني/ أسماء موفق علي عبدالله صقر
في الجنحة رقم 6855 لسنة 2022 جنح التجمع الأول
والمحدد لنظر المعارضة فيها جلسة 29 / 9 / 2026
مع التمسك ابتداءً، وبصفة أصلية، وجازمة، ونهائية، بكافة الطلبات الأربعة المتقدمة، والتمسك بها مجتمعةً ومنفردةً، والتمسك بكافة ما ورد بها من أسانيد وأوجه دفاع ودفوع وطلبات، وعدم الانفكاك عنها أو النزول عن أي منها أو التنازل عنها صراحةً أو ضمنًا، وعدم ترتيب أي أثر قانوني أو إجرائي على إبداء هذا الدفاع الموضوعي يمكن أن يُفهم منه – على أي وجه – العدول عن تلك الطلبات أو الانتقاص منها أو المساس بها أو اعتبارها متروكة أو متنازلاً عنها،
وإذ يبدي المتهم الأول دفاعه الموضوعي الماثل، فإنما يبديه على سبيل الاحتياط المحض، وتحتفظًا بكامل مراكزِه وحقوقه ودفوعه وطلباته السابقة، ودون إخلال أو مساس أو انتقاص من أي طلب أو دفع أو دفاع سبق إبداؤه، ودون أن يُستشف من الخوض في موضوع الاتهام أي قبول باختصاص المحكمة بنظر الدعوى، أو تسليم بصحة اتصالها بها، أو إقرار بصحة الإجراءات التي اتخذت فيها، أو نزول عن أي من الطلبات أو الدفوع الإجرائية أو المتعلقة بالاختصاص أو بصحة اتصال المحكمة بالدعوى؛ وذلك تأسيسًا على أن إبداء الدفاع الموضوعي – احتياطًا – لا يُنشئ تناقضًا مع الدفوع والطلبات السابقة، ولا يحول دون التمسك بها، ولا يُرتب سقوطًا أو تنازلاً عنها، وإنما يأتي منها وعلى سبيل الاحتياط الجدلي المحض، اتقاءً لأي فهم أو تأويل قد يُحمل على غير مقصوده،
وذلك كله على النحو الآتي:
الدفع الأول
انتفاء الركن المادي لجريمة التزوير لانعدام فعل تغيير الحقيقة في المحررات محل الاتهام، وثبوت صدور التوقيع من المتهم الأول بصفته وكيلاً وبموجب سند وكالة قائم ونافذ وقت مباشرة التصرف، وانصراف أثر التوقيع والتصرف إلى الأصيل في حدود سلطة النيابة
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع على سندٍ من صحيح الواقع والقانون، تأسيسًا على أن جريمة التزوير – أياً كان وصف المحرر محل الاتهام – لا تقوم بمجرد وجود توقيع على محرر أو بمجرد صدور التوقيع من شخص غير صاحب المصلحة الأصلي، وإنما لا بد لقيام ركنها المادي من ثبوت فعل إيجابي مؤثم ينطوي على تغيير للحقيقة في محرر على نحو من شأنه ترتيب أثر قانوني مخالف للحقيقة التي كان يتعين أن يثبتها المحرر.
ذلك أن مناط الركن المادي في جريمة التزوير هو أن تكون هناك حقيقة معينة كان يتعين أن يعبر عنها المحرر، ثم يعمد الجاني إلى اصطناع أو تغيير أو تحريف هذه الحقيقة بإحدى الطرق التي حددها القانون، بحيث يصبح المحرر في صورته المصطنعة أو المعدلة حاملاً لبيان غير مطابق للواقع، وقابلاً لأن ينشأ عنه اعتقاد أو أثر قانوني مغاير للحقيقة.
وقد جرى قضاء محكمة النقض على أن مناط العقاب في التزوير هو تغيير الحقيقة في محرر في بيان جوهري، وأن المحرر محل الحماية الجنائية هو الذي يمكن أن يولد لدى من يقدم إليه عقيدة مخالفة للحقيقة.
ومن ثم، فإن نقطة البدء الصحيحة في الدعوى الماثلة ليست مجرد السؤال عمن قام بالتوقيع على المحرر، وإنما السؤال القانوني السابق واللازم هو:
هل أثبت الاتهام أن المتهم الأول غيّر حقيقة جوهرية في المحررات محل الاتهام، أم أن الثابت بالأوراق أنه باشر التوقيع والتصرف بصفته نائبًا عن صاحبة الشأن، مستندًا في ذلك إلى وكالة رسمية كانت قائمة وقت مباشرة التصرف، وأفصح عن صفته هذه في المحرر ذاته؟
والثابت – بحسب المستندات الرسمية المقدمة بالأوراق – أن المتهم الأول لم يقدم نفسه في التصرف محل الاتهام باعتباره صاحبة الشأن الأصلية، ولم يتخذ من شخصه ستارًا لانتحال شخصيتها، ولم يوقع على المحرر بما يوهم جهة التعامل أو الموظف المختص بأن صاحبة الشأن هي التي حضرت أو وقعت بشخصها، وإنما باشر التصرف بصفته وكيلاً عنها، استنادًا إلى سند وكالة رسمي قائم وقت إجراء التصرف.
وهذه الحقيقة بذاتها تهدم الأساس المادي الذي أقيم عليه الاتهام؛ إذ إن المحرر – متى أثبت أن الموقع عليه إنما يوقع بصفته نائبًا أو وكيلاً عن صاحب الشأن – يكون قد أفصح عن الحقيقة القانونية المتعلقة بشخص الموقع وصفته، فلا يكون ثمة مجال للقول بأن المتهم الأول قد نسب إلى نفسه صفة ليست له، أو نسب إلى الموكل حضورًا شخصيًا لم يقع، أو اصطنع توقيعًا يوهم بصدوره من الموكل، طالما أن التوقيع قد صدر منه هو باعتباره نائبًا عنها وفي حدود سند النيابة.
فالفارق جوهري بين حالتين لا يجوز قانونًا ولا منطقًا جمعهما في حكم واحد:
الحالة الأولى: أن يقوم شخص بالتوقيع باسم شخص آخر، وينسب التوقيع إليه على خلاف الحقيقة، دون أن يكون مخولاً في التعبير عن إرادته أو دون أن يكشف عن صفته كنائب عنه؛ فهنا قد يثور – بحسب باقي عناصر الواقعة – البحث في توافر فعل التزوير.
أما الحالة الثانية، وهي الحالة الثابتة في الدعوى الماثلة بحسب دفاع المتهم ومستنداته، أن يقوم شخص بالتوقيع بصفته وكيلاً عن صاحب الشأن، مستندًا إلى وكالة رسمية قائمة، ومفصحًا عن هذه الصفة في المحرر، فيكون ما صدر عنه تعبيرًا عن إرادة الأصيل بطريق النيابة، وليس انتحالاً لشخصه أو اصطناعًا لتوقيعه.
والثابت أن سند الوكالة العام رقم 664 حرف ص لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة قد خول المتهم الأول سلطة مباشرة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عن الموكل على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري والجهات المختصة، وما يتصل بذلك من إجراءات.
ومن ثم، فإن الواقعة محل الاتهام لا يمكن تجزئتها عن سندها القانوني المنشئ لصفة المتهم الأول، ولا يجوز النظر إلى التوقيع مجردًا عن الوكالة التي صدر استنادًا إليها؛ لأن التوقيع لم يكن فعلاً منفصلاً قائمًا بذاته، وإنما كان جزءًا من ممارسة سلطة نيابية محددة المصدر والنطاق.
فالتوقيع هو أثر من آثار الوكالة، والوكالة هي مصدر صفة الموقع، والمحرر ذاته يكشف عن هذه الصفة، ومن ثم فإن نسبة التوقيع إلى المتهم الأول باعتباره وكيلاً ليست تغييرًا للحقيقة، وإنما هي عين الحقيقة الثابتة بالمحرر وبسند الوكالة.
وإذا كان الاتهام قد اتخذ من كون المتهم الأول هو الذي باشر التوقيع ذريعة للقول بوقوع التزوير، فإن هذا التصور يكون قد أقام التجريم على واقعة صحيحة في ذاتها، ولكن على استخلاص قانوني غير صحيح منها؛ إذ إن مجرد قيام الوكيل بالتوقيع لا يمثل بذاته تزويرًا، وإنما العبرة بمدى حقيقة صفته وحدود سلطته وكيفية إثباتها في المحرر.
ولا يستقيم قانونًا أن يتحول تنفيذ الوكيل للسلطة التي أسندها إليه الموكل إلى فعل تزوير لمجرد أن الوكيل هو الذي باشر التوقيع ماديًا، وإلا أصبح كل توقيع صادر عن وكيل – متى كان الموكل هو صاحب الحق أو المصلحة في التصرف – محلاً للاشتباه الجنائي، وهو ما يهدر بطبيعة الحال النظام القانوني للنيابة والوكالة ويخلط بين التمثيل القانوني المشروع وبين انتحال الصفة.
والأخطر من ذلك أن الأوراق – وفق الثابت بالمستندات الرسمية – لا تقف عند مجرد وجود وكالة قديمة أو محرر خاص يثار حوله خلاف، وإنما تتضمن سند وكالة رسميًا موثقًا كان قائمًا وقت مباشرة التصرف محل الاتهام، بما يجعل بحث مدى سلطة المتهم الأول أمرًا سابقًا ولازمًا على أي استخلاص بشأن القصد الجنائي أو تغيير الحقيقة.
ولا ينال من ذلك ما تمسك به الاتهام من أن الوكالة قد أُلغيت في تاريخ لاحق؛ إذ إن العبرة في تحديد مشروعية مباشرة التصرف تكون – ابتداءً – بحالة الوكالة وسريانها وقت مباشرة التصرف والتوقيع، ولا يجوز منطقيًا ولا قانونيًا تحويل واقعة لاحقة إلى وسيلة لإعادة توصيف فعل سابق على أنه كان مزورًا منذ نشأته.
فإذا كان سند النيابة قائمًا وقت التوقيع، فإن واقعة إلغائه في تاريخ لاحق لا تغير بذاتها من حقيقة أن المتهم الأول كان يحمل – وقت مباشرته التصرف – سندًا ظاهره الرسمي قائمًا ومحددًا لصفته وسلطته.
وهنا تظهر أهمية التفرقة بين صحة التصرف أو نفاذه مدنيًا وبين قيام جريمة التزوير جنائيًا؛ فحتى على فرض إثارة أي نزاع مدني حول مدى استمرار الوكالة أو مدى نفاذ بعض آثار التصرف أو مدى موافقة الموكل على إجراء معين، فإن ذلك لا يؤدي بذاته إلى تحويل التصرف إلى تزوير جنائي، ما لم يثبت أن المتهم قد تعمد تغيير حقيقة جوهرية في المحرر بإحدى الطرق المؤثمة قانونًا.
بل إن وجود الوكالة الرسمية القائمة وقت التصرف يهدم – في حد ذاته – الفرض الذي يقوم عليه الاتهام، وهو أن المتهم الأول قد تدخل في المحرر دون سند، أو انتحل صفة لا يملكها، أو اصطنع تمثيلاً قانونيًا غير موجود.
وإذا كان المحرر محل الاتهام قد تضمن أن المتهم الأول يوقع بصفته وكيلاً، فإن هذا البيان يمثل إفصاحًا صريحًا عن الحقيقة، لا تغييرًا لها؛ إذ إن الحقيقة الواقعية والقانونية هي أن من باشر التوقيع هو المتهم الأول، وأنه باشره بهذه الصفة، وأن مصدر هذه الصفة هو سند الوكالة المشار إليه.
ومن ثم، فلا يجوز اقتطاع التوقيع من سياقه، أو قراءة الإمضاء بمعزل عن عبارة الصفة الواردة إلى جواره، أو إغفال سند الوكالة الذي استند إليه المتهم، ثم إقامة الاتهام على مجرد كون اليد التي خطت التوقيع هي يد المتهم الأول.
فالجريمة لا تقوم على من كتب التوقيع ماديًا فحسب، وإنما تقوم على حقيقة ما الذي نسبه المحرر إلى هذا الموقع، وبأي صفة، وهل كان ما أثبته المحرر مخالفًا للحقيقة أم مطابقًا لها.
وإذا كان المحرر قد أثبت أن المتهم الأول هو الموقع بصفته وكيلاً، وكانت هذه الوكالة قائمة بالفعل وقت التوقيع، فإن المحرر يكون قد عبّر عن الحقيقة من هذه الناحية، ولا يكون ثمة تغيير للحقيقة يصلح بذاته لتكوين الركن المادي لجريمة التزوير.
ويتعزز ذلك بما انتهت إليه المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بمصلحة الشهر العقاري والتوثيق بوزارة العدل، في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي تناولت سند الوكالة محل النزاع وانتهت – بحسب الثابت بها – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف ص لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة الرسمية لا يطلب الدفاع من عدالة المحكمة أن تعتبرها حكمًا قضائيًا فاصلاً في المسؤولية الجنائية، وإنما يتمسك بها باعتبارها دليلاً رسميًا جوهريًا على حقيقة نطاق سند الوكالة وظروف مباشرته وتاريخ إلغائه، وهي عناصر لا يجوز إغفالها عند بحث الركن المادي للجريمة والقصد الجنائي المنسوب إلى المتهم الأول.
ذلك أن ثبوت أن الجهة الرسمية المختصة بفحص أعمال التوثيق قد انتهت، بعد فحص سند الوكالة، إلى أن الوكالة كانت تبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات والإجراءات المتعلقة بحصص الشركاء، وأن الإلغاء جاء لاحقًا على التوقيع، من شأنه أن يهدم الأساس الذي قد يقوم عليه تصور أن المتهم الأول كان يتصرف ابتداءً دون سند أو خارج أي إطار نيابي.
وإذا كانت المحكمة الموقرة قد عُرض عليها سند الوكالة ذاته، والمحرر محل الاتهام، والمذكرة الرسمية الصادرة عن جهة التوثيق المختصة، فإن مقتضى صحيح القانون أن تُعمل دلالة هذه المستندات مجتمعة، لا أن يُستخلص من مجرد حصول تغيير في الحصص أو من مجرد قيام المتهم الأول بالتوقيع وجود تزوير دون بيان أين وقع تغيير الحقيقة تحديدًا، وما هي الحقيقة التي كان يتعين أن يثبتها المحرر، وما هو البيان الذي خالفها، وما هي الوسيلة التي وقع بها هذا التغيير.
إذ إن القول بوقوع التزوير لا يغني عن بيان عنصره المادي، ولا يكفي في هذا المقام مجرد القول بأن ثمة توقيعًا قد صدر من المتهم الأول، ما دام الثابت أنه صدر منه بصفته وكيلاً، وأن هذه الصفة تستند إلى وكالة رسمية قائمة وقت مباشرة التصرف.
كما أن قضاء النقض قد ميز في شأن التزوير بين مجرد وجود توقيع وبين حقيقة نسبته؛ فليس كل توقيع يصدر من غير صاحب المصلحة تزويرًا، وإنما العبرة بما إذا كان قد نُسب إلى شخص آخر على خلاف الحقيقة وبما يؤدي إلى تغيير الحقيقة في المحرر.
ومن ثم، فإن مناط البحث في الدعوى الماثلة كان يتعين أن ينصرف إلى حقيقة صفة المتهم الأول وقت التوقيع، ومدى قيام الوكالة، ومضمونها، وحدود السلطات التي خولتها له، وما إذا كان قد أفصح عن صفته في المحرر، لا أن ينصرف إلى مجرد واقعة توقيعه المادي.
ويضاف إلى ذلك أن القانون المدني ذاته يقوم على الاعتراف بالنيابة وآثارها، بحيث يرتبط أثر التصرف الذي يباشره النائب باسم الأصيل بنطاق السلطة التي خوله إياها سند النيابة؛ ومن ثم فإن مباشرة الوكيل للتعبير عن إرادة الأصيل في حدود الوكالة ليست اصطناعًا لإرادة غير موجودة، وإنما هي وسيلة قانونية معترف بها للتعبير عن هذه الإرادة.
وعليه، فإذا كان المتهم الأول قد باشر التصرف محل الاتهام مستندًا إلى وكالة رسمية قائمة، وأثبت صفته كوكيل في المحرر، ولم يثبت أنه اصطنع توقيع الموكل أو انتحل شخصيته أو أخفى حقيقة صفته أو نسب إلى الموكل واقعة لم تصدر عنه بطريق الغش والتدليس، فإن الواقعة – بحسب حقيقتها الثابتة بالأوراق – تخرج عن نطاق الفعل المادي المؤثم لجريمة التزوير.
ولا يغير من ذلك ما قد يكون قد نشأ لاحقًا من نزاع حول آثار التصرف أو مدى رضا الموكل عنه أو حول استمرار الوكالة بعد تاريخ معين؛ فهذه مسائل لا يجوز الخلط بينها وبين تغيير الحقيقة الجنائي الذي لا بد أن يكون قائمًا وقت إنشاء المحرر وبطريق من طرق التزوير التي حددها القانون.
بل إن ترتيب المسؤولية الجنائية على مجرد وجود نزاع لاحق حول التصرف من شأنه أن يؤدي إلى نتيجة غير مقبولة مؤداها أن كل تصرف يجري بواسطة وكيل ثم ينازع الأصيل لاحقًا في نطاق سلطته يمكن أن ينقلب بأثر رجعي إلى جريمة تزوير، وهو ما لا يستقيم مع مبدأ الشرعية الجنائية ولا مع الطبيعة المحددة لجرائم التزوير.
ومن ثم، فإن حقيقة الواقعة – كما تكشف عنها المستندات – لا تتضمن اصطناع محرر كاذب، ولا تقليد توقيع موكل، ولا انتحال شخصية صاحبة الشأن، ولا إخفاءً لصفة الموقع، وإنما تتضمن مباشرة المتهم الأول لتوقيع وتصرف بصفته وكيلاً وبموجب سند وكالة رسمي قائم وقت مباشرة التصرف.
ومن ثم ينتفي الركن المادي ذاته، قبل أن يكون ثمة محل للبحث في الركن المعنوي للجريمة.
فإذا انتفى فعل تغيير الحقيقة، انتفى أحد المقومات الجوهرية لجريمة التزوير، ولا يكفي بعد ذلك افتراض الضرر أو احتمال وقوعه لإقامة الجريمة؛ إذ إن الضرر – أياً كان تصوره – لا يقوم مقام فعل التغيير، ولا ينشئ جريمة تزوير من عدم، وإنما يفترض أولاً قيام فعل تزوير مستوفٍ لعناصره القانونية. وقد قررت محكمة النقض أن احتمال الضرر لا يغني عن تحقق سائر عناصر جريمة التزوير، وأن محل البحث في الضرر يأتي في إطار الجريمة بعد قيام فعل تغيير الحقيقة.
ولما كان ذلك، وكان الثابت أن المتهم الأول قد وقع على المحررات محل الاتهام بصفته وكيلاً، وبموجب وكالة رسمية كانت قائمة وقت مباشرة التصرف، وكان مضمون الوكالة – وفق المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق – يتسع للتوقيع على عقود تعديل الشركات والإجراءات المتعلقة بحصص الشركاء، وكان إلغاء الوكالة قد وقع لاحقًا على التوقيع، فإن وصف هذا الفعل بأنه تزوير يكون قد افتقد مناطه المادي، وقام على الخلط بين مباشرة الوكيل للتصرف نيابة عن الأصيل وبين انتحال شخصية الأصيل أو اصطناع توقيعه أو تغيير الحقيقة في المحرر.
ولا ينال من ذلك أن القانون لا يشترط في بعض صور التزوير مجرد تقليد الإمضاء على نحو حرفي، إذ إن دفاع المتهم الأول لا يقوم على مجرد القول بأن الإمضاء ليس مقلدًا، وإنما يقوم على أمر أسبق وأعمق، مؤداه أن الموقع الحقيقي هو المتهم الأول بالفعل، وأنه لم ينسب توقيعه إلى صاحبة الشأن، بل أثبت صفته كوكيل عنها، وأن مصدر هذه الصفة وكالة رسمية قائمة وقت التوقيع؛ وبالتالي فإن الواقعة ليست واقعة توقيع مزور باسم صاحبة الشأن حتى يُبحث مدى إتقان التقليد، وإنما واقعة توقيع حقيقي صادر من شخص حقيقي بصفته القانونية الحقيقية.
وهذا هو الفارق الجوهري الذي يتعين ألا يضيع وسط الجدل حول الإمضاء ذاته.
فمحل التجريم ليس أن المتهم الأول هو الذي أمسك بالقلم، وإنما أن يكون قد غيّر الحقيقة في المحرر تغييرًا مؤثمًا؛ فإذا كان قد وقع بالفعل، وبصفته الحقيقية، وبموجب سند وكالة قائم، وأفصح عن صفته، فإن مجرد مباشرته للتوقيع لا يكفي وحده لإقامة الركن المادي للتزوير.
ومن ثم، فإن الدعوى – على هذا التصور الصحيح للواقعة – لا تتوافر فيها الجريمة المسندة إلى المتهم الأول من الناحية المادية، ويكون ما قام به قد انصرف إلى تنفيذ سلطة نيابية ثابتة بسند رسمي قائم وقت التصرف، لا إلى اصطناع حقيقة أو تغييرها.
وبناءً عليه، يتمسك المتهم الأول بالقضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيسًا على انتفاء الركن المادي لجريمة التزوير، لانعدام فعل تغيير الحقيقة في المحررات محل الاتهام، وثبوت صدور التوقيع من المتهم الأول بصفته وكيلاً، وبموجب سند وكالة رسمي كان قائمًا وقت مباشرة التصرف، مع إفصاح المحرر ذاته عن هذه الصفة، وانتفاء ثبوت أي انتحال لشخصية الأصيل أو اصطناع لتوقيعه أو تغيير مؤثم لحقيقة جوهرية في المحررات محل الاتهام.
.
الدفع الثاني
انتفاء صفة التزوير عن توقيع المتهم الأول، لثبوت صدوره منه شخصيًا بصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، وبموجب سند وكالة قائم وقت مباشرة التصرف، وعدم انتحال شخصيتها أو اصطناع توقيع منسوب إليها، وثبوت صفته التمثيلية في المحرر ذاته
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع تأسيسًا على أن الاتهام قد خلط – على نحو جوهري – بين التوقيع الصادر من الشخص باسمه وصفته الحقيقية بوصفه نائبًا عن صاحب الشأن، وبين التوقيع الذي ينسبه صاحبه إلى شخص آخر على خلاف الحقيقة، مع أن الفارق بين الصورتين هو فارق جوهري يمس صميم الركن المادي لجريمة التزوير، ولا يجوز إغفاله أو تجاوزه بمجرد القول إن المتهم الأول هو الذي باشر التوقيع ماديًا على المحرر.
فالتوقيع في ذاته ليس فعلاً مجرمًا، ولا تنشأ عنه صفة التزوير لمجرد أن يد المتهم هي التي خطته، وإنما مناط التجريم أن يكون التوقيع قد استُخدم على نحو يغير الحقيقة في المحرر، وبخاصة إذا كان من شأنه أن يوهم الغير بأن التوقيع صادر عن شخص لم يصدر عنه، أو أن الموقع يحمل صفة ليست له، أو أن المحرر يعبر عن واقعة على خلاف حقيقتها.
وقد عرفت الأوراق محل الاتهام حقيقة الموقع عليها على نحو ظاهر، إذ لم يوقع المتهم الأول متسترًا خلف اسم صاحبة الشأن، ولم يقدم نفسه باعتباره هي، ولم يضع توقيعًا يوهم بأنه توقيعها الشخصي، وإنما باشر التوقيع بصفته وكيلاً عنها، وهو ما يقطع – من واقع المحرر ذاته – بأن شخص الموقع لم يكن مجهولًا أو مستترًا، وأن صفته لم تكن خفية، وأن التوقيع لم ينسب إلى شخص آخر خلاف صاحبه الحقيقي.
وهذه الحقيقة تكتسب أهميتها القصوى في الدعوى الماثلة؛ لأن الفعل الذي يمكن أن تتوافر به صورة التزوير بطريق الانتحال أو اصطناع التوقيع هو أن يقوم شخص بنسبة توقيع أو محرر إلى غير صاحبه على خلاف الحقيقة، بحيث يتولد لدى من يقدم إليه المحرر اعتقاد بأن صاحب التوقيع أو التصرف هو شخص آخر غير الذي باشره حقيقة.
أما حيث يكون الموقع هو بذاته من باشر التوقيع، ويوقع باسمه، ويعلن في ذات المحرر عن صفته كنائب أو وكيل عن صاحب الشأن، فإن عنصر نسبة التوقيع إلى غير صاحبه لا يكون قائمًا بهذه الصورة، لأن التوقيع قد صدر بالفعل من صاحبه المادي الحقيقي، كما أن صفته التمثيلية قد أُفصح عنها ولم تُخفَ.
ومن هنا فإن مناط الدفاع ليس مجرد القول بأن المتهم الأول لم يقلد توقيع صاحبة الشأن، وإنما يتجاوز ذلك إلى أن الاتهام ذاته لم يثبت أن المتهم الأول نسب توقيعه إلى صاحبة الشأن أصلاً.
فالتوقيع محل الاتهام هو توقيع المتهم الأول بالفعل، وهذه حقيقة لا ينازع فيها الدفاع، ولكنه لم يوقع به باعتباره صاحبة الشأن، وإنما وقع بصفته وكيلاً عنها، وعلى هذا النحو وردت صفته في المحرر، وعلى هذا الأساس استند إلى سند الوكالة الرسمي القائم وقت التصرف.
وبالتالي فإن التوقيع لا يحمل نسبة كاذبة من حيث مصدره؛ فصاحبه الحقيقي هو المتهم الأول، والصفة التي باشر بها التوقيع هي الصفة التي أعلنها في المحرر، ومصدر هذه الصفة هو سند وكالة رسمي قائم في تاريخ مباشرة التصرف.
ومن ثم، فإن محاولة وصف هذا التوقيع بأنه «توقيع مزور» تستلزم أولاً إثبات واقعة مختلفة تمامًا، هي أن المتهم الأول وقع باسم صاحبة الشأن باعتباره شخصها هي، أو أنه أخفى صفته الحقيقية وقدم نفسه إلى الجهة التي تعاملت مع المحرر باعتباره صاحبة الشأن، أو أنه اصطنع توقيعًا ونسبه إليها.
أما والثابت أن المحرر ذاته يثبت صراحة أن المتهم الأول يوقع بصفته وكيلاً، فإن هذا الفرض لا يكون قائمًا.
وقد أرست محكمة النقض في مبادئها المنشورة أن التزوير قد يتحقق إذا نسبت الإمضاء أو البصمة الصحيحة إلى غير صاحبها على خلاف الحقيقة، بما يكشف عن أن مناط التجريم في هذه الصورة هو النسبة الكاذبة لا مجرد وجود توقيع حقيقي صادر من شخص آخر.
كما أن قضاء النقض قد قرر – في سياق التمييز بين تغيير الاسم المشروع وبين انتحال اسم الغير في المحررات التي أعدت لإثباته – أن مناط التجريم يرتبط بما إذا كان الفعل قد أدى إلى تغيير الحقيقة في المحرر وإلى نسبة البيان أو التوقيع إلى غير صاحبه على نحو مؤثم.
والأمر في الدعوى الماثلة أكثر وضوحًا؛ لأن المتهم الأول لم يكتفِ بمجرد عدم تقليد توقيع صاحبة الشأن، وإنما أثبت في المحرر ذاته صفته القانونية التي يباشر بها التصرف، بما ينفي عن الواقعة مظنة الاستتار أو الانتحال.
فلو كان المتهم الأول قد وقع باسم صاحبة الشأن، أو وضع توقيعًا يحمل اسمها دون بيان أنه يوقع نيابة عنها، لكان من المتعين بحث مدى انطباق إحدى صور التزوير بحسب حقيقة الواقعة.
أما أن يوقع الشخص بنفسه، ثم يثبت أمام الجهة المتعاملة أنه يوقع بصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، ويستند في ذلك إلى وكالة رسمية قائمة، فإن ذلك لا يساوي قانونًا انتحال شخصيتها.
والقول بغير ذلك يؤدي إلى نتيجة غير سائغة مؤداها أن كل وكيل يوقع على محرر نيابة عن موكله يكون قد زور توقيع الموكل لمجرد أن الإمضاء صدر من الوكيل، وهي نتيجة تتعارض مع أصل نظام النيابة في التعاقد، ومع الطبيعة القانونية للتوقيع بالوكالة.
فالمسألة ليست: من أمسك بالقلم؟
وإنما المسألة الصحيحة هي: باسم من ولأي صفة تم التوقيع، وهل أفصح الموقع عن صفته الحقيقية، وهل كان يحمل سندًا يجيز له مباشرة التصرف؟
والإجابة المستفادة من مستندات الدعوى هي أن المتهم الأول هو الذي أمسك بالقلم ووقع بالفعل، وأنه لم ينكر ذلك، وأنه وقع بصفته وكيلاً، وأن الوكالة الرسمية كانت قائمة وقت التصرف، وأن المحرر ذاته كشف عن هذه الصفة.
وهذه الوقائع – مجتمعة – تنفي الصورة التي يقوم عليها الاتهام، وهي صورة التوقيع المنتحل لشخصية صاحبة الشأن.
ويؤكد ذلك أن سند الوكالة العام رقم 664 حرف ص لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة لم يكن مجرد محرر عارض ظهر بعد الواقعة لتبرير التوقيع، وإنما كان سندًا رسميًا سابقًا على التصرف، وقائمًا وقت مباشرته، وقد استند إليه المتهم الأول في إثبات صفته التمثيلية.
ومن ثم فإن صفة المتهم الأول لم تكن وليدة المحرر محل الاتهام، ولم تُصطنع من خلاله، وإنما كانت قائمة ومستقلة عنه بموجب سند وكالة رسمي سابق عليه.
وهذا الفارق جوهري؛ لأن من ينشئ لنفسه صفة غير موجودة ثم يثبتها في محرر قد يكون قد ارتكب فعلاً من أفعال تغيير الحقيقة بحسب ظروف الواقعة، أما من يحمل أصلًا سندًا قانونيًا سابقًا يقرر له صفة النيابة، ثم يفصح عن هذه الصفة في المحرر الذي يوقعه، فلا يصح مساواته بمنتحل الصفة.
والثابت كذلك أن الوكالة كانت قائمة وقت مباشرة التصرف، وأن إلغاءها – بحسب المستندات الرسمية التي يتمسك بها الدفاع – جاء في تاريخ لاحق على التوقيع.
ومن ثم لا يجوز النظر إلى واقعة الإلغاء اللاحقة باعتبارها دليلًا على أن صفة المتهم الأول لم تكن قائمة وقت التوقيع؛ إذ إن العبرة في تحديد الصفة التي باشر بها التصرف تكون بحالة سند الوكالة في زمن مباشرة التصرف ذاته.
ولا يستقيم قانونًا أن تنشأ صفة التزوير بأثر رجعي لمجرد أن سند الوكالة قد ألغي بعد ذلك؛ لأن الإلغاء اللاحق لا يمحو واقعة أن الوكالة كانت قائمة عند إبرام التصرف، ولا يحول الموقع بأثر رجعي إلى شخص لم تكن له صفة وقت مباشرته.
ويتعزز هذا المعنى بما انتهت إليه المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بمصلحة الشهر العقاري والتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي تناولت سند الوكالة المشار إليه، وانتهت – وفق الثابت بها – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف ص لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة لا يقدمها الدفاع باعتبارها فاصلة بذاتها في المسؤولية الجنائية، وإنما باعتبارها مستندًا رسميًا جوهريًا يكشف عن حقيقة الصفة التي كان المتهم الأول يستند إليها، ونطاق سند الوكالة، والتسلسل الزمني بين التوقيع والإلغاء.
وإذا انضم إلى ذلك أن المحرر ذاته قد أثبت صفة المتهم الأول كوكيل، فإن الصورة الواقعية تصبح متماسكة من جميع جوانبها: سند وكالة سابق، وصفة تمثيلية قائمة، وتوقيع صادر من الوكيل ذاته، وإفصاح صريح عن هذه الصفة، ثم إلغاء لاحق للوكالة.
وهذه الصورة تختلف جذريًا عن صورة التزوير القائمة على انتحال شخصية صاحب التوقيع.
كما أن وصف التوقيع بأنه «مزور» لمجرد أن صاحبة الشأن لم تباشر التوقيع بشخصها يتجاهل الأثر القانوني للنيابة؛ فالوكالة بطبيعتها تقوم على أن يباشر النائب العمل القانوني باسم الأصيل، وأن يحل تعبيره القانوني محل مباشرة الأصيل للتصرف في الحدود التي رسمها سند النيابة.
ومن ثم، فإن عدم حضور صاحبة الشأن أو عدم إمساكها بالقلم لا يعني بذاته أن المحرر قد تضمن توقيعًا مزورًا منسوبًا إليها، ما دام المحرر قد أثبت أن التوقيع صدر من وكيل عنها.
والفاصل في ذلك هو صفة التوقيع ونسبته، لا مجرد اليد التي خطته.
ومن ثم، إذا كان المتهم الأول قد وقع باسمه الحقيقي وبصفته الحقيقية، فلا يجوز قانونًا أن ينسب إليه أنه اصطنع توقيعًا منسوبًا إلى صاحبة الشأن؛ لأن الفرضين متناقضان: إما أن يكون التوقيع قد نسب إلى صاحبة الشأن، وإما أن يكون قد صدر من المتهم الأول بصفته وكيلاً عنها. فإذا ثبت الثاني بالمحرر وسند الوكالة، وجب أن يكون ذلك محل بحث جدي قبل إسناد صورة التزوير إليه.
ولا يغير من ذلك أن المحرر قد رتب أثرًا يتعلق بحصة صاحبة الشأن أو بمركزها في الشركة؛ إذ إن الأثر القانوني للتصرف لا يغير من حقيقة مصدر التوقيع ولا من صفة من وقعه.
فالوكيل قد يباشر تصرفًا ينشئ أو يعدل أو ينهي مركزًا قانونيًا للأصيل، وهذا هو جوهر النيابة، ولا يتحول التصرف إلى تزوير لمجرد أن أثره انصرف إلى الأصيل ولم يصدر التوقيع منه بشخصه.
ومن ثم، فإن البحث الصحيح كان يتعين أن ينصرف إلى نطاق الوكالة ومدى اشتمالها على التصرف محل النزاع، وهو ما يندرج ضمن مسائل سلطة الوكيل وآثار التصرف، لا أن يستخلص من عدم صدور التوقيع من صاحبة الشأن شخصيًا وجود تزوير دون التحقق من صفة الموقع.
وحتى على فرض وجود منازعة في مدى سلطة الوكيل أو في بعض آثار التصرف، فإن ذلك لا يؤدي بذاته إلى وصف التوقيع بأنه مزور؛ إذ إن مخالفة الوكيل – إن ثبتت – لا تساوي حتمًا تزويرًا، وإنما يتعين تحديد الفعل المادي المؤثم الذي ارتكبه، وطريقة تغيير الحقيقة التي اتبعها، والبيان الذي نسبه كذبًا إلى غير صاحبه.
أما مجرد تجاوز حدود الوكالة – على فرض ثبوته – فليس هو ذاته طريقًا من طرق التزوير، ولا يكفي بذاته لإسناد الجريمة ما لم تقم عناصرها المستقلة.
وهذا التمييز بالغ الأهمية في الدعوى الماثلة؛ إذ لا يجوز أن تختلط المنازعة حول مدى سلطة الوكيل بالمنازعة حول حقيقة التوقيع ونسبته.
فالأولى مسألة تتصل بآثار التصرف ونطاق النيابة، أما الثانية فهي التي يمكن أن تنشأ عنها جريمة التزوير متى ثبت تغيير الحقيقة على نحو مؤثم.
والثابت هنا أن المتهم الأول لا ينازع في أنه هو الموقع، بل يتمسك بذلك صراحة؛ لأن توقيعه هو توقيعه بالفعل، وإنما ينازع في إعادة وصف هذا التوقيع الحقيقي بأنه توقيع مزور لمجرد أنه صدر نيابة عن صاحبة الشأن.
وهذا الوصف لا يستقيم مع حقيقة المحرر ولا مع حقيقة سند الوكالة.
كما أن الإفصاح عن الصفة التمثيلية في ذات المحرر يمثل عنصرًا جوهريًا في الدفاع؛ لأنه ينفي مظنة خداع الجهة التي قدم إليها المحرر بشأن شخص الموقع.
فلو كان المقصود إيهام الغير بأن صاحبة الشأن هي التي وقعت بشخصها، لما كان ثمة مقتضى لإثبات أن الموقع هو المتهم الأول بصفته وكيلاً عنها.
أما وقد أظهر المحرر هذه الصفة صراحة، فإن القول بانتحال شخصية صاحبة الشأن يصبح متعارضًا مع البيان الثابت في المحرر ذاته، ويصبح لزامًا – قبل إهدار هذا البيان – أن يبين الاتهام كيف تم الانتحال رغم الإفصاح الصريح عن الوكالة، وما هو البيان الكاذب الذي أُثبت في المحرر تحديدًا.
فلا يكفي في مقام التجريم أن يقال إن صاحبة الشأن لم توقع بيدها؛ بل يجب تحديد الفعل المؤثم الذي نسب به المتهم إلى المحرر واقعة خلاف الحقيقة.
وإذا عجز الاتهام عن تحديد ذلك، وبقي الثابت بالأوراق أن المتهم الأول وقع بشخصه وبصفته وكيلًا، واستند إلى وكالة رسمية قائمة، فإن الأصل يبقى هو انتفاء الفعل المادي للتزوير، ولا يجوز إقامة الإدانة على الافتراض أو على مجرد استبعاد فرض النيابة القانونية دون دليل جازم.
ويضاف إلى ذلك أن النص الجنائي لا يجوز التوسع في تفسيره أو القياس عليه لإدخال واقعة لا تنطبق عليها عناصر الجريمة؛ وقد أوردت محكمة النقض في مبادئها المنشورة أن النصوص الجنائية المتعلقة بالتزوير لا يصح التوسع في تطبيقها بإدخال وقائع لا تتناولها نصوصها.
ومن ثم، فإن تحويل التوقيع الصادر من وكيل معلن الصفة إلى «توقيع منسوب إلى الموكل» لمجرد أن آثار التصرف انصرفت إلى الموكل، يمثل توسعًا في مدلول الفعل المؤثم، ويهدر الفارق القانوني بين التوقيع نيابةً عن الغير وبين التوقيع باسم الغير وانتحال شخصيته.
والأخير وحده هو الذي يمكن أن يثير وصف التزوير في هذا السياق متى توافرت سائر عناصره.
أما الأول فهو صورة من صور مباشرة الأعمال القانونية بواسطة نائب، متى كان سند النيابة قائمًا وكان الموقع قد أفصح عن صفته ولم ينسب توقيعه إلى الأصيل.
ولما كان ذلك، وكان الثابت أن المتهم الأول قد وقع على المحررات محل الاتهام بنفسه، وبصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، وبموجب سند وكالة رسمي قائم وقت مباشرة التصرف، وكان قد أثبت صفته التمثيلية في المحرر ذاته، ولم يثبت أنه انتحل شخصيتها أو قدم توقيعه على أنه توقيعها الشخصي أو اصطنع توقيعًا منسوبًا إليها، فإن وصف التزوير لا يستقيم على هذا التوقيع من حيث نسبته ومصدره.
ومن ثم، فإن مجرد عدم صدور التوقيع من صاحبة الشأن بيدها لا يكفي قانونًا لإسباغ صفة التزوير عليه، ما دام الثابت أن من وقعه هو المتهم الأول نفسه وأنه لم يخف هذه الحقيقة، وإنما أعلن أنه يوقع نيابة عنها.
وعليه، يكون الاتهام قد أقام وصف التزوير على أساس غير صحيح، إذ ساوى بين عدم مباشرة الأصيل للتوقيع شخصيًا وبين اصطناع توقيع منسوب إلى الأصيل، وهما صورتان مختلفتان قانونًا وواقعًا، ولا يجوز إقامة المسؤولية الجنائية على هذا الخلط.
وبناءً عليه، يتمسك المتهم الأول باستبعاد وصف التزوير عن توقيعه على المحررات محل الاتهام، لثبوت صدوره منه شخصيًا بصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، وبموجب سند وكالة رسمي كان قائمًا وقت مباشرة التصرف، ولثبوت إفصاحه عن صفته التمثيلية في المحرر ذاته، وانتفاء أي دليل على انتحاله شخصية صاحبة الشأن أو اصطناعه توقيعًا منسوبًا إليها أو نسبته توقيعه الشخصي إليها، بما تنتفي معه الصورة المادية التي أقيم عليها الاتهام، ويتعين معه القضاء ببراءته مما أسند إليه.
الدفع الثالث
انتفاء التجاوز في استعمال الوكالة، وثبوت امتداد نطاق التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات، بما في ذلك التعديلات المتعلقة بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وفقًا لما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع تأسيسًا على أن القول بتجاوزه حدود الوكالة لا يجد له سندًا صحيحًا من واقع الأوراق أو من مضمون سند النيابة، وإنما يقوم – في حقيقته – على قراءة مبتسرة لنطاق السلطات التي خولها التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وعلى افتراض أن سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات لا تمتد إلى التعديلات التي يترتب عليها تغيير نسب أو قيم حصص الشركاء، رغم أن الثابت من عبارات الوكالة ذاتها، ومن التفسير الرسمي الذي انتهت إليه الجهة المختصة بأعمال التوثيق، خلاف ذلك.
ذلك أن تحديد ما إذا كان الوكيل قد جاوز حدود وكالته من عدمه لا يجوز أن يتم بطريق التجزئة أو بالوقوف عند عبارة مبتسرة من عبارات التوكيل، وإنما يتعين أن يكون من خلال قراءة سند الوكالة كوحدة واحدة، والوقوف على ألفاظه ودلالاته والغرض الذي قصد إليه الموكل، وطبيعة التصرف الذي باشره الوكيل، ومدى اندراجه في السلطات التي خولها إليه سند النيابة.
فالوكالة ليست مجرد توقيع يضاف إلى المحرر محل النزاع، وإنما هي مصدر الصفة التي باشر بها المتهم الأول التصرف، ومن ثم فإن البحث في مشروعية هذا التصرف يبدأ حتمًا من سند الوكالة ذاته.
والثابت من التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة أنه خول المتهم الأول – في حدود عباراته – القيام نيابة عن الموكل بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، وأن له الحق في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري والجهات المختصة، وما يتصل بذلك من إجراءات.
وهذه العبارة لا يمكن تجريدها من أثرها القانوني أو تفسيرها تفسيرًا يفرغها من مضمونها؛ لأن عقود تعديل الشركات ليست محررات شكلية مستقلة عن موضوع التعديل، وإنما هي الأداة القانونية التي يتم من خلالها إحداث التعديلات التي تطرأ على عقد الشركة ومراكز الشركاء وحقوقهم وحصصهم، بحسب طبيعة التعديل.
ومن ثم، فإن القول بأن الوكالة تجيز التوقيع على «عقود تعديل الشركات» ثم تستبعد منها التعديلات المتعلقة بحصص الشركاء، دون وجود قيد صريح في سند الوكالة، يؤدي عمليًا إلى تضييق نطاق العبارة الواردة في التوكيل بغير سند من ألفاظه.
والأصل أن العبرة في تحديد نطاق الوكالة تكون بمدلول ألفاظ سندها ومقاصده، ولا يجوز تحميل الوكالة قيدًا أو استثناءً لم يرد فيها، ثم ترتيب مسؤولية جنائية على الوكيل تأسيسًا على هذا القيد المفترض.
والمسألة في الدعوى الماثلة ليست افتراض سلطة جديدة للمتهم الأول، وإنما تحديد ما إذا كانت السلطة التي منحها له الموكل بموجب التوكيل العام تشمل التصرف الذي باشره.
وهنا تأتي أهمية المستند الرسمي الصادر عن الإدارة العامة للتوثيق بمصلحة الشهر العقاري والتوثيق بوزارة العدل، في الملف رقم 134 لسنة 2026، والذي تناول سند الوكالة محل النزاع والتصرف موضوع الاتهام، وانتهى – بحسب الثابت بالمذكرة – إلى أن:
«التوكيل العام رقم 664 حرف ص لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء بتقليل أو زيادة حصة الشركاء كما هو ثابت بالوكالة التي تمت بناءً على رغبة الموكل، علمًا بأن التوكيل قد تم إلغاؤه بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة المذكورة».
وهذا البيان الرسمي بالغ الدلالة؛ لأنه لم يصدر في فراغ أو استنادًا إلى مجرد افتراض، وإنما جاء – بحسب الثابت بالأوراق – بعد فحص سند الوكالة والتصرف الذي تم بموجبه، وانتهى صراحة إلى أن نطاق الوكالة يمتد إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات، وإلى الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
ومن ثم، فإن هذه النتيجة الرسمية تنال مباشرة من الأساس الذي يمكن أن يقوم عليه القول بأن المتهم الأول قد تجاوز حدود وكالته.
فإذا كانت الجهة الإدارية المختصة بأعمال التوثيق، وبعد فحص سند الوكالة، قد انتهت إلى أن عباراته تشمل التوقيع على عقود تعديل الشركات والتعديل في حصص الشركاء، فإن نسبة التجاوز إلى المتهم الأول لا يمكن أن تقوم بمجرد التأويل المجرد أو الافتراض، بل كان يلزم أن يقدم الدليل المحدد على أن التصرف الذي باشره المتهم قد خرج عن النطاق الذي تسمح به الوكالة.
ولا يكفي في ذلك مجرد القول بأن التعديل أدى إلى تخفيض حصة شريك وزيادة حصة شريك آخر؛ لأن هذا الأثر هو في ذاته من صلب موضوعات تعديل عقد الشركة، متى كان سند الوكالة قد أطلق سلطة التوقيع على عقود التعديل ولم يستثن هذا النوع من التعديلات.
بل إن التفسير الذي يستبعد تعديل الحصص من عبارة «عقود تعديل الشركات» يؤدي إلى تجزئة غير سائغة لمفهوم التعديل؛ إذ لا يمكن تصور أن تكون للوكيل سلطة التوقيع على تعديل عقد الشركة في المطلق، ثم لا تكون له سلطة في أحد أهم الآثار التي قد يترتب عليها تعديل عقد الشركة، ما لم يكن هناك نص واضح يقيد هذه السلطة أو يستثني هذا النوع من التصرفات.
والأصل أن القيود الواردة على الوكالة لا تفترض افتراضًا، ولا تنشأ بالتأويل الذي يضيف إلى سندها ما لم يرد به، ولا يجوز أن يستخلص القيد من مجرد النتيجة الاقتصادية أو القانونية للتصرف، وإنما يتعين أن يكون القيد مستفادًا من سند الوكالة ذاته أو من دليل قانوني معتبر.
وفي الدعوى الماثلة، لا يقف الدفاع عند حدود التفسير اللغوي لسند الوكالة، وإنما يستند أيضًا إلى التفسير الرسمي الصادر عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل، وهي الجهة التي عُرض عليها سند الوكالة وفُحصت عباراته في ضوء التصرف الذي تم بموجبه.
وهذه المذكرة لا يطلب الدفاع اعتبارها حكمًا قضائيًا في أصل النزاع أو سندًا منفردًا للحكم بالبراءة، وإنما يتمسك بها باعتبارها دليلًا رسميًا فنيًا وإداريًا جوهريًا في تفسير نطاق سند الوكالة، وباعتبار أن ما انتهت إليه الجهة المختصة يعضد القراءة التي يستخلصها الدفاع من ألفاظ الوكالة نفسها.
ومن ثم، فإذا أرادت المحكمة الموقرة أن تطرح هذه النتيجة جانبًا، فلا يكفي مجرد عدم التعويل عليها، وإنما يتعين أن يكون لديها من الأسباب الموضوعية والقانونية ما يبين لماذا خالف التفسير المستخلص من المستند الرسمي مدلول سند الوكالة، وما هو النص أو العبارة في الوكالة التي تقيد سلطة المتهم الأول وتخرج التصرف محل الاتهام من نطاقها.
ذلك أن المستند الرسمي المتعلق بنطاق الوكالة ليس عنصرًا هامشيًا في الدعوى، وإنما هو من المستندات التي تمس صميم الواقعة محل الاتهام؛ لأن ثبوت امتداد الوكالة إلى التصرف محل الاتهام يهدم أحد الأسس التي قد يقوم عليها القول بالتجاوز، كما يؤثر بصورة مباشرة في تقدير القصد الجنائي المنسوب إلى المتهم الأول.
ولا يجوز أن يستخلص التجاوز من مجرد حدوث أثر لم تكن صاحبة الشأن ترغب فيه لاحقًا؛ لأن الرغبة اللاحقة أو الاعتراض اللاحق على آثار التصرف لا تعيد تحديد نطاق الوكالة بأثر رجعي، وإنما العبرة بما كان ثابتًا في سند الوكالة وقت مباشرة التصرف.
فإذا كان الوكيل يحمل سندًا رسميًا قائمًا يجيز له التوقيع على عقود تعديل الشركات، فلا يكفي بعد ذلك القول بأن الموكل لم يكن يقصد – في تقديره الشخصي – نوعًا معينًا من التعديلات، ما لم يكن هذا القيد ثابتًا في سند الوكالة ذاته أو كان الوكيل عالمًا بقيد خاص ثابت ومحدد يحرمه من مباشرة التصرف.
أما إذا كانت الوكالة قد جاءت بعبارات عامة تخول الوكيل مباشرة المسائل المتعلقة بتأسيس الشركات وتعديلها والتوقيع على عقود التعديل، فإن تفسيرها يجب أن ينصرف إلى مدلولها الطبيعي، ولا يجوز أن يتحول عمومها إلى قيد غير مكتوب.
والأهم من ذلك أن الدعوى الماثلة ذات طبيعة جنائية، ومن ثم فإن نسبة التجاوز في استعمال الوكالة إلى المتهم الأول لا يكفي فيها مجرد إثارة احتمال أن التعديل كان خارج نطاق السلطة، وإنما يتعين إثبات ذلك على نحو جازم، باعتباره واقعة يراد أن ترتب عليها مسؤولية جنائية.
فإذا كان هناك سند رسمي للوكالة، وكانت عباراته ظاهرة في منح سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات، وكانت الجهة المختصة بالتوثيق قد فحصته وانتهت إلى امتداد سلطته إلى تقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن الشك في مدى التجاوز – على فرض قيامه – لا يمكن أن يتحول إلى يقين بالإدانة.
بل إن هذه الظروف تكشف – في أقل تقدير – عن أساس قانوني جدي ومشروع لفهم المتهم الأول لنطاق سلطته، وهو ما ينعكس مباشرة على تقدير القصد الجنائي، ويمنع استخلاص العلم بالتجاوز أو تعمد مخالفة إرادة الموكل استخلاصًا مفترضًا.
ذلك أن المتهم الأول لم يباشر التصرف في الخفاء، ولم ينشئ لنفسه سندًا خاصًا، ولم يقدم محررًا يزعم فيه امتلاك سلطة غير موجودة، وإنما استند إلى توكيل رسمي محدد الرقم والتاريخ والجهة، وباشر التصرف في إطار الصفة التي أثبتها في المحرر.
ومن ثم فإن سلوكه – على الأقل من ظاهر المستندات الرسمية – يتفق مع فرض ممارسة سلطة نيابية اعتقد بصورة مشروعة أنها تمتد إلى التصرف محل الاتهام، لا مع فرض اصطناع سلطة أو علم يقيني بانعدامها.
وهذا الفارق بالغ الأهمية في الدعوى الجنائية؛ إذ لا يجوز الانتقال من مجرد الخلاف حول تفسير مدى اتساع الوكالة إلى الجزم بتوافر القصد الجنائي في جريمة التزوير، ما لم تثبت عناصر ذلك القصد بدليل مستقل وجازم.
كما أن إلغاء الوكالة لاحقًا لا يغير من ذلك؛ إذ إن الثابت – وفق المذكرة الرسمية المشار إليها – أن التوكيل قد تم إلغاؤه بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه الواقعة الزمنية ذات دلالة قانونية بالغة؛ لأنها تقطع بأن سند الوكالة كان قائمًا عند مباشرة التصرف، وأن إلغاءه لم يكن سابقًا على التوقيع بحيث يمكن أن يقال إن المتهم كان يعلم بانتهاء سلطته وقت مباشرته للتصرف.
ومن ثم لا يجوز الخلط بين الوكالة القائمة وقت التصرف وبين الإلغاء اللاحق لها.
فالتصرف الذي تم في ظل وكالة قائمة لا يصبح – لمجرد إلغاء الوكالة بعد ذلك – تصرفًا صادرًا من شخص لم تكن له صفة وقت إبرامه.
وبالتالي، فإن الترتيب الزمني الثابت بالأوراق يجب أن يحظى باعتباره عند تقييم الواقعة:
وكالة رسمية قائمة ثم مباشرة التصرف والتوقيع بموجبها ثم إلغاء الوكالة لاحقًا.
وهذا التسلسل الزمني يهدم أي تصور يقوم على أن المتهم الأول كان يعلم وقت التوقيع بأن وكالته قد انتهت أو أنه كان يباشر التصرف رغم زوال سلطته.
كما أن الثابت من صياغة سند الوكالة أنه لم يقتصر على سلطة اتخاذ إجراءات شكلية محدودة، وإنما تضمن – بحسب عباراته – سلطات تتعلق بإنشاء وتأسيس الشركات والتوقيع على عقود تأسيس وتعديل الشركات، وهي سلطات تتصل بطبيعتها مباشرة بالتصرف محل الاتهام.
فإذا كان عقد الشركة قد عُدل، وكان المتهم الأول قد وقع على عقد التعديل باعتباره وكيلاً، فإن ذلك يندرج من حيث الأصل في صميم السلطة التي وردت بصياغة صريحة في سند الوكالة.
أما القول بأن بعض صور تعديل الشركة لا تدخل في نطاق الوكالة لمجرد أنها ترتب تغييرًا في حصص الشركاء، فإنه يستلزم وجود قيد محدد يخرج هذا النوع من التعديلات من عموم سلطة التوقيع، وهو ما لم يثبت في الأوراق على النحو الذي يصلح أساسًا لمسؤولية جنائية.
وإذا كانت هناك منازعة مدنية حول ما إذا كان الموكل يقصد من الوكالة السماح بهذا النوع من التصرفات، فإن هذه المنازعة – على فرض وجودها – لا يجوز أن تُستبدل بها عناصر الجريمة الجنائية، ولا أن تستخدم لإثبات التجاوز والقصد الجنائي بطريق الافتراض.
فالقانون الجنائي لا يعاقب على سوء تفسير الوكالة في ذاته، وإنما يعاقب على الأفعال التي تتوافر فيها أركان الجريمة المنصوص عليها قانونًا.
ومن ثم، فإن القول بتجاوز الوكالة – حتى لو أثير جدل حوله – لا يكفي بذاته لإثبات جريمة التزوير، ما لم يثبت أن المتهم الأول غيّر الحقيقة في محرر بطريقة مؤثمة، أو انتحل صفة غير صفته، أو اصططنع محررًا أو توقيعًا أو بيانًا على خلاف الحقيقة، مع توافر القصد الجنائي اللازم.
أما وقد ثبت أن سند الوكالة كان قائمًا، وأنه يتضمن سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات، وأن الإدارة العامة للتوثيق انتهت صراحة إلى شموله للإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن أساس التجاوز ذاته يصبح منتفيًا أو – في أقل تقدير – محل شك جدي لا يصلح سندًا للإدانة.
ولا يفوت الدفاع في هذا المقام أن يؤكد أن الإدارة العامة للتوثيق لم تكتفِ بإبداء رأي مجرد في صياغة الوكالة، وإنما تناولت التوكيل والتصرف محل الاتهام في سياقهما، وانتهت إلى نتيجة محددة بشأن مدى إباحة التوقيع على عقد التعديل والإجراء المتعلق بحصص الشركاء.
ومن ثم فإن دلالة هذه المذكرة لا تنحصر في تفسير لفظ «التعديل» فحسب، وإنما تمتد إلى بيان أن التصرف محل الاتهام كان – في نظر الجهة الإدارية المختصة التي فحصت سند الوكالة – واقعًا في نطاق السلطة المقررة بموجبها.
وإذا أضيف إلى ذلك أن المتهم الأول قد أفصح في المحرر عن صفته، فإن عناصر الصورة القانونية تصبح مكتملة من ناحية ظاهر المستندات:
وكالة رسمية سابقة وقائمة؛ وسلطة منصوص عليها في سندها؛ وتصرف من جنس التصرفات التي شملتها الوكالة؛ وتوقيع من الوكيل بصفته؛ ثم إلغاء لاحق للوكالة.
وهذه الصورة لا تتفق مع فرض التجاوز المتعمد أو استعمال سلطة يعلم المتهم أنها زالت أو غير موجودة.
كما أن القول بأن المتهم الأول كان يتعين عليه أن يستحصل على إذن جديد أو وكالة خاصة لكل تعديل في حصص الشركاء لا يستقيم مع نص الوكالة ما لم تكن هناك ضرورة قانونية أو قيد صريح في سندها يوجب ذلك؛ إذ لا يجوز إضافة شرط إلى الوكالة لم يضعه الموكل في سندها ثم ترتيب المسؤولية الجنائية على عدم الالتزام به.
وبعبارة أخرى، فإن الوكيل لا يكون متجاوزًا لمجرد أن التصرف كان جوهريًا أو مؤثرًا في المركز المالي للموكل، طالما أن سند الوكالة ذاته قد خوله سلطة مباشرة هذا النوع من التصرفات.
فالخطورة الاقتصادية للتصرف شيء، وحدود السلطة القانونية شيء آخر.
ولا يجوز أن يحل أثر التصرف محل معيار تحديد نطاق الوكالة.
كما لا يجوز الاستدلال من مجرد كون التعديل قد ترتب عليه تخفيض حصة شريك وزيادة حصة شريك آخر على أن الوكيل لم يكن مأذونًا له بذلك؛ لأن هذا الأثر هو عين ما قررت الجهة الرسمية المختصة أن الوكالة تسمح به.
ومن ثم، فإن القول بالتجاوز يحتاج إلى دليل آخر مستقل، لا إلى مجرد النتيجة التي رتبها التصرف.
وإذا لم يوجد هذا الدليل، فإن أصل البراءة يظل قائمًا، ولا يجوز قلب عبء الإثبات على المتهم بإلزامه بإثبات أنه لم يتجاوز، بينما يتعين على سلطة الاتهام إثبات الواقعة المؤثمة وأركانها على وجه جازم.
ولا يغير من ذلك ما قد يكون قد وقع من نزاع لاحق بين صاحبة الشأن والمتهم الأول بشأن آثار التصرف أو مدى رضاها عنه؛ فوجود النزاع اللاحق لا يثبت بذاته أن المتهم كان يعلم وقت مباشرة التصرف أنه غير مأذون له فيه، ولا يثبت أنه تعمد تجاوز حدود سلطته.
والفارق بين الأمرين جوهري:
عدم رضا الأصيل لاحقًا عن التصرف لا يساوي حتمًا عدم وجود سلطة وقت التصرف.
كما أن إلغاء الوكالة بعد التصرف لا يساوي انعدامها وقت التصرف.
والمنازعة في آثار التصرف لا تساوي تغيير الحقيقة في المحرر.
والاختلاف حول تفسير الوكالة لا يساوي بذاته قصدًا جنائيًا.
وهي جميعًا فروق يتعين استحضارها عند الفصل في الدعوى الماثلة حتى لا تختلط المسائل المدنية المتعلقة بآثار التصرف مع العناصر الجنائية اللازمة لقيام جريمة التزوير.
ولما كان الثابت بالأوراق أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة كان قائمًا وقت التوقيع، وأن عباراته تخول التوقيع على عقود تعديل الشركات، وأن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل – بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – انتهت إلى امتداد نطاقه إلى الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، وأن المتهم الأول قد باشر التصرف بذات الصفة الثابتة له في سند الوكالة وأفصح عنها في المحرر، فإن القول بأنه قد تجاوز حدود وكالته يكون فاقدًا لسنده اليقيني.
بل إن أقل ما تكشف عنه هذه المستندات هو وجود أساس قانوني وواقعي جدي ومشروع لاعتقاد المتهم الأول بأن التصرف الذي باشره يدخل في نطاق سلطته، وهو ما يستحيل معه استخلاص العلم اليقيني بالتجاوز أو القصد الجنائي من مجرد وقوع التصرف وآثاره.
ومن ثم، فإن هذا الدفاع لا يقوم فقط على تفسير المتهم الأول للوكالة، وإنما يقوم على نص سند الوكالة ذاته، وعلى حقيقة التصرف، وعلى التسلسل الزمني للوكالة والإلغاء، وعلى المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام.
وهي جميعًا عناصر متساندة يتعين على المحكمة أن تزنها في مجموعها، لا أن تفصل بينها أو تستخلص من بعضها نتيجة تناقض مدلولها الصريح.
ومن جماع ما تقدم، يكون الثابت أن المتهم الأول لم يتجاوز حدود وكالته عند مباشرة التصرف محل الاتهام، وأن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة كان قائمًا ونافذًا وقت التوقيع، وأن نطاقه – وفق عباراته ووفق ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل – يمتد إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات، بما في ذلك التعديلات المتعلقة بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وأن إلغاء الوكالة قد وقع لاحقًا على مباشرة التصرف، بما تنتفي معه دعوى التجاوز، وينتفي تبعًا لذلك ما قد يبنى عليها من استنتاجات بشأن انتحال الصفة أو تغيير الحقيقة أو توافر القصد الجنائي.
ومن ثم، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيسًا على انتفاء واقعة تجاوز حدود الوكالة، وثبوت مشروعية مباشرته للتصرف محل الاتهام في حدود سند وكالة رسمي قائم وقت التوقيع، وما يترتب على ذلك من انتفاء الأساس الذي أقيم عليه الاتهام من هذه الناحية.
الدفع الرابع
انتفاء أثر إلغاء التوكيل على مشروعية التصرف محل الاتهام، لثبوت أن الإلغاء قد تم لاحقًا على التوقيع وإتمام إجراء تعديل عقد الشركة، وعدم جواز إسباغ أثر رجعي على الإلغاء اللاحق يهدر به السلطة التي كانت قائمة وقت مباشرة التصرف
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع تأسيسًا على حقيقة زمنية وقانونية قاطعة في الدعوى الماثلة، مؤداها أن سند الوكالة الذي استند إليه المتهم الأول كان قائمًا وقت مباشرة التصرف محل الاتهام، وأن إلغاء الوكالة لم يقع إلا في تاريخ لاحق على التوقيع وعلى مباشرة إجراءات تعديل عقد الشركة، بما يستحيل معه قانونًا اتخاذ واقعة الإلغاء اللاحقة بذاتها دليلاً على انعدام سلطة المتهم الأول في الزمن الذي باشر فيه التصرف.
ذلك أن تحديد مدى مشروعية تصرف النائب لا يكون بالنظر إلى واقعة لاحقة عليه، وإنما بالنظر – ابتداءً – إلى حالة سند النيابة وقت مباشرة التصرف؛ إذ لا يتصور قانونًا أن تكون السلطة قائمة وقت إبرام التصرف ثم يعاد توصيف ذلك التصرف، بأثر رجعي، على أنه صدر ممن لا يملك سلطة مباشرة من الأصل، لمجرد أن سند الوكالة قد أُلغي في تاريخ تالٍ.
والثابت من الأوراق والمستندات الرسمية أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة كان قائمًا وقت توقيع المتهم الأول على تعديل عقد الشركة ومباشرته الإجراءات المتعلقة به، وأن إلغاء التوكيل قد تم بعد ذلك.
ومن ثم فإن التسلسل الزمني الصحيح للواقعة هو:
قيام الوكالة ثم مباشرة المتهم الأول للتصرف والتوقيع بموجبها ثم إتمام إجراء تعديل عقد الشركة ثم إلغاء الوكالة لاحقًا.
وهذا التسلسل ليس مجرد تفصيل زمني عابر، وإنما هو عنصر جوهري في تحديد المركز القانوني للمتهم الأول وقت ارتكاب الفعل محل الاتهام.
فإذا كانت الوكالة قائمة عند مباشرة التصرف، فإن المتهم الأول يكون قد باشره مستندًا إلى مصدر سلطة قائم بالفعل، ولا يجوز أن يُعامل – بأثر رجعي – باعتباره شخصًا مجردًا من الصفة لمجرد أن هذه الصفة زالت بعد اكتمال التصرف.
وقد أكدت المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بمصلحة الشهر العقاري والتوثيق بوزارة العدل، في الملف رقم 134 لسنة 2026، هذه الحقيقة الزمنية صراحة، إذ انتهت – بحسب الثابت بها – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وأن التوكيل قد تم إلغاؤه بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة المذكورة.
وهذه العبارة الرسمية ذات دلالة مباشرة في الدعوى؛ لأنها تثبت أن واقعة الإلغاء لم تكن سابقة على التصرف محل الاتهام، وإنما جاءت لاحقة عليه.
وبالتالي، فإن الاستناد إلى الإلغاء اللاحق باعتباره دليلاً على انعدام السلطة وقت التوقيع يمثل قلبًا للتسلسل الزمني للواقعة، وإحلالاً لواقعة لاحقة محل الحالة القانونية التي كانت قائمة وقت مباشرة التصرف.
والأصل أن العبرة في تقدير مشروعية عمل الوكيل تكون بحالته القانونية عند مباشرة العمل، لا بما طرأ على سند الوكالة بعد تمام العمل.
فإذا كان الوكيل قد باشر التصرف في وقت كانت فيه وكالته قائمة، فإن زوال الوكالة لاحقًا لا يجعل تصرفه السابق صادرًا بغير وكالة.
ولا يجوز أن يمتد أثر الإلغاء إلى الماضي إلا إذا قام سند قانوني صريح يقرر ذلك، وهو ما لا يجوز افتراضه في مجال التجريم والعقاب.
بل إن القول بانسحاب الإلغاء اللاحق إلى التصرف السابق يؤدي إلى نتيجة غير سائغة، مؤداها أن كل تصرف صحيح صدر في ظل وكالة قائمة يمكن أن يفقد أساسه بأثر رجعي بمجرد إلغاء الوكالة في اليوم التالي، وهو ما يهدر استقرار المعاملات القانونية ويجعل المركز القانوني للمتصرف وقت مباشرة العمل معلقًا على إرادة لاحقة لا وجود لها وقت التصرف.
وهذا يتعارض مع أبسط مقتضيات استقرار المراكز القانونية؛ إذ يجب أن يكون التصرف منسوبًا إلى الحالة القانونية التي كانت قائمة وقت إنشائه، لا إلى حالة لاحقة عليه.
ومن ثم، فإن إلغاء الوكالة لا يمحو واقعة قيامها في الماضي، ولا يمحو الصفة التي كان الوكيل يحملها وقت مباشرته للتصرف، ولا يحول بأثر رجعي التصرف السابق إلى تصرف صادر من غير ذي صفة.
والأهم في مقام الدعوى الجنائية أن الأمر لا يتعلق بمجرد أثر مدني للتصرف، وإنما يتعلق بإسناد جريمة تزوير إلى المتهم الأول؛ ومن ثم فإن مؤدى الأخذ بالإلغاء اللاحق كدليل على قيام الجريمة أن يُنسب إلى المتهم علمٌ بانعدام سلطته في وقت كان سند وكالته لا يزال قائمًا، وهو استخلاص لا يستقيم مع الثابت زمنيًا بالأوراق.
فالقصد الجنائي لا يمكن أن يُستمد من واقعة لم تكن موجودة وقت مباشرة الفعل.
ولا يجوز أن يقال إن المتهم الأول كان يعلم أنه غير مخول بالتصرف استنادًا إلى واقعة إلغاء لم تكن قد وقعت بعد.
وهذا أمر بالغ الأهمية؛ لأن المسؤولية الجنائية تقوم على العلم والإرادة المعاصرين للفعل المؤثم، ولا يجوز استخلاص العلم السابق من واقعة لاحقة إلا إذا قامت أدلة أخرى مستقلة تكشف عن علم المتهم وقت التصرف، وهو ما لا يغني عنه مجرد حدوث الإلغاء بعد ذلك.
ومن ثم، فإن إلغاء الوكالة في تاريخ لاحق لا يصلح – بذاته – لإثبات أن المتهم الأول كان يعلم وقت التوقيع أنه غير مأذون له، ولا يصلح لإثبات أنه تعمد استعمال سند منتهي الصلاحية، لأن السند لم يكن منتهيًا في ذلك الوقت أصلًا.
فالفارق بين الحالتين حاسم:
من يوقع بعد انتهاء وكالته، يعلم أو يفترض بحث علمه بزوال سلطته بحسب ظروف الواقعة؛ أما من يوقع أثناء قيام وكالته ثم تلغى الوكالة بعد ذلك، فلا يجوز مساواته بالأول لمجرد وقوع الإلغاء في مرحلة لاحقة.
والواقعة محل الدعوى تنتمي إلى الصورة الثانية وفق الثابت بالمستندات.
كما أن الترتيب الزمني لا يقتصر على مجرد تاريخ توقيع عقد التعديل، وإنما يمتد إلى إتمام إجراء تعديل عقد الشركة؛ إذ إن المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق أثبتت أن الإلغاء تم بعد التوقيع بموجب الوكالة على تعديل عقد الشركة.
وهذا يعني أن التصرف الذي يستند إليه الاتهام كان قد دخل بالفعل في مرحلة التنفيذ والإتمام قبل حدوث الإلغاء.
ومن ثم لا يجوز فصل واقعة الإلغاء عن تاريخ التصرف وإعادة ترتيب الأحداث بطريقة تجعل الإلغاء سابقًا في الأثر على التصرف، مع أنه لاحق له في الواقع.
كما أن القول بأن الإلغاء اللاحق يهدر السلطة السابقة يخلط بين زوال سلطة الوكيل للمستقبل وبين وجود تلك السلطة في الماضي.
فالوكالة التي أُلغيت بعد إتمام التصرف تكون قد انتهت بالنسبة لما يستجد من أعمال بعد الإلغاء، أما الأعمال التي باشرها الوكيل قبل الإلغاء فلا يمكن وصفها بأنها صدرت بعد زوال سلطته.
وهذا التمييز ضروري في الدعوى الماثلة، لأن الاتهام يتعلق بفعل محدد هو التوقيع ومباشرة تعديل عقد الشركة، وليس بأفعال لاحقة على تاريخ الإلغاء.
فإذا لم يثبت أن المتهم الأول استمر في استعمال الوكالة بعد إلغائها، فإن مجرد استمرار وجود آثار التصرف أو استمرار المنازعة بشأنه لا يحول التصرف السابق إلى فعل لاحق على الإلغاء.
ومن ثم، فإن الأثر الزمني للإلغاء يجب أن يقف عند لحظة وقوعه، ولا يجوز أن يمتد إلى فعل سابق اكتملت مباشرته في ظل وكالة قائمة.
وإذا كانت صاحبة الشأن قد اختارت بعد ذلك إلغاء الوكالة، فإن هذا الإلغاء – من حيث الزمن – يعبر عن إنهاء سلطة الوكيل بالنسبة للمستقبل، ولا يمحو أن هذه السلطة كانت موجودة قبل الإلغاء.
ولا يغير من ذلك أن الإلغاء قد يكون ناتجًا عن خلاف أو نزاع بين الطرفين؛ لأن سبب الإلغاء – أياً كان – لا يجعل الإلغاء سابقًا على تاريخ وقوعه، ولا يمنحه أثرًا رجعيًا بمجرد الرغبة في ترتيب هذا الأثر.
كما لا يجوز استخلاص سوء النية من مجرد الإلغاء اللاحق؛ لأن الإلغاء في ذاته حق أو إجراء قانوني، ولا يشكل بذاته دليلاً على أن التصرف السابق كان غير مشروع.
بل إن العكس هو الذي يكشف عنه التسلسل الزمني في الدعوى: التصرف تم أولاً في ظل وكالة قائمة، ثم وقع الإلغاء بعد ذلك.
ومن ثم فإن الإلغاء اللاحق لا يمكن أن يكون بذاته قرينة على عدم مشروعية التصرف السابق.
وإذا كان الاتهام قد استند إلى أن صاحبة الشأن لم تكن راضية عن التصرف أو أنها قامت لاحقًا بإلغاء الوكالة، فإن هذا لا يغير من حقيقة أن المتهم الأول كان يحمل وقت التوقيع سندًا قائمًا يبرر مباشرته للتصرف.
فعدم الرضا اللاحق لا يساوي انعدام السلطة السابق.
والإلغاء اللاحق لا يساوي عدم وجود الوكالة.
والنزاع اللاحق حول آثار التصرف لا يساوي تزويرًا وقع وقت إنشاء المحرر.
وهي جميعها فروق يجب الحفاظ عليها عند تحديد المسؤولية الجنائية.
ويزداد الأمر وضوحًا في ضوء ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل من أن سند الوكالة ذاته كان يجي التوقيع على عقود تعديل الشركات، بما فيها الإجراءات المتعلقة بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وأن الإلغاء جاء بعد التوقيع.
فالدفاع لا يستند إذن إلى مجرد وجود وكالة من حيث الشكل، وإنما إلى وكالة قائمة، ذات نطاق محدد، ثبت رسميًا امتداده إلى التصرف محل الاتهام، ثم ثبت أن إلغاءها جاء لاحقًا على مباشرة التصرف.
وهذه العناصر الثلاثة متساندة:
أولاً: قيام الوكالة وقت التصرف.
ثانيًا: شمول نطاقها للتصرف محل الاتهام.
ثالثًا: وقوع الإلغاء بعد مباشرة التصرف وإتمام إجراء تعديل عقد الشركة.
وباجتماع هذه العناصر ينتفي الأساس الذي يمكن أن يقوم عليه القول بأن المتهم الأول كان وقت التوقيع شخصًا فاقدًا للصفة أو عالمًا بانعدامها.
ولا يجوز أن تنفصل واقعة الإلغاء عن تاريخها؛ لأن التاريخ في هذه الدعوى ليس مجرد بيان ثانوي، وإنما هو الذي يحدد ما إذا كانت السلطة قائمة أم زائلة لحظة مباشرة التصرف.
فإذا كانت السلطة قائمة، كان التصرف صادرًا في ظلها.
وإذا زالت لاحقًا، فإن زوالها لا يجعلها غير موجودة قبل زوالها.
ومن ثم فإن ترتيب أثر رجعي على الإلغاء اللاحق من شأنه أن يؤدي إلى مصادرة المركز القانوني الذي كان قائمًا وقت التصرف، وهو ما لا يجوز، وبصفة أخص لا يجوز أن يكون أساسًا لإقامة مسؤولية جنائية.
ذلك أن مبدأ الشرعية الجنائية يقتضي أن تكون عناصر الفعل المؤثم قائمة وقت ارتكابه، ولا يجوز استحداث وصف جنائي للفعل استنادًا إلى واقعة لاحقة عليه.
فلا يجوز القول إن التوقيع كان فاقدًا للصفة لأن الوكالة ألغيت بعده، لأن ذلك يجعل واقعة لاحقة عنصرًا منشئًا لوصف جنائي لم يكن قائمًا وقت الفعل.
كما لا يجوز استخلاص القصد الجنائي من الإلغاء اللاحق، لأن العلم بانتهاء الوكالة لا يمكن أن يسبق واقعة انتهائها إلا بدليل مستقل.
ومن ثم، فإذا لم تقدم النيابة العامة دليلاً آخر يثبت أن المتهم الأول كان يعلم وقت مباشرة التصرف أن سلطته غير قائمة أو أنها مقيدة بقيد يمنعه من التصرف، فإن مجرد الإلغاء اللاحق لا يكفي لإقامة هذا العلم.
بل إن الثابت بالأوراق يسير في الاتجاه العكسي؛ إذ كان أمام المتهم الأول سند وكالة رسمي قائم، وكان التصرف من جنس التصرفات التي خلصت الإدارة العامة للتوثيق إلى دخولها في نطاق الوكالة.
وهو ما يجعل افتراض سوء النية أو العلم بالتجاوز أمرًا لا يقوم على دليل يقيني، وإنما على استنتاج لاحق بني على واقعة لم تكن قد حدثت عند مباشرة التصرف.
ولا يجوز في المواد الجنائية بناء الإدانة على مثل هذا الاستنتاج.
ومن ناحية أخرى، فإن استمرار آثار التصرف بعد إلغاء الوكالة لا يعني أن الوكيل قد استمر في استعمال سلطته بعد انتهائها؛ فالأثر الذي نشأ من التصرف السابق شيء، والأعمال الجديدة التي قد يباشرها الوكيل بعد الإلغاء شيء آخر.
وهذا التمييز مهم في الدعوى الماثلة؛ إذ لا يجوز اتخاذ بقاء عقد التعديل أو آثاره أو استمرار تسجيله أو الاحتجاج به بعد ذلك دليلاً على أن التوقيع ذاته تم بعد الإلغاء، ما لم يثبت ذلك بدليل مستقل.
فالواقعة محل الاتهام يجب تحديدها زمنيًا بدقة، ثم مقارنتها بحالة الوكالة في ذلك التاريخ.
وقد ثبت أن التوقيع والتعديل سابقان على الإلغاء.
ومن ثم، فإن أي استدلال على عدم مشروعية التوقيع من مجرد واقعة الإلغاء اللاحقة يكون استدلالاً فاسدًا؛ لأنه استند إلى واقعة لا تنال من الحالة القانونية التي كانت قائمة وقت مباشرة التصرف.
ومن جماع ذلك، يتضح أن إلغاء الوكالة لا يمكن أن يكون سندًا بذاته لنسبة التزوير إلى المتهم الأول، ولا دليلاً على انعدام صفته وقت التوقيع، ولا قرينة كافية على علمه بعدم مشروعية التصرف، طالما أن الثابت أن الوكالة كانت قائمة وأن نطاقها كان يشمل التصرف وأن الإلغاء جاء بعده.
وإذا كان الاتهام قد اتخذ من واقعة الإلغاء أساسًا للطعن في صحة التصرف، فإن هذا لا ينهض وحده دليلاً على وقوع جريمة تزوير؛ إذ إن النزاع حول آثار التصرف أو نفاذه أو استمرار الوكالة بعد تاريخ معين يظل متميزًا عن إثبات فعل تغيير الحقيقة في المحرر.
ولا يجوز إحلال أحدهما محل الآخر.
فمشروعية التصرف وقت مباشرته مسألة، وصحة آثاره بعد ذلك مسألة أخرى، وقيام جريمة التزوير مسألة ثالثة مستقلة لا تثبت بمجرد إثارة الأولى أو الثانية.
ولما كان الثابت بالأوراق أن المتهم الأول قد وقع على تعديل عقد الشركة في ظل وكالة رسمية قائمة، وأن الوكالة كانت – وفق المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل – تتسع للتوقيع على عقود تعديل الشركات وللإجراءات المتعلقة بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وأن إلغاء الوكالة قد وقع لاحقًا على التوقيع وعلى إتمام إجراء تعديل عقد الشركة، فإن هذا الإلغاء لا يصلح قانونًا لإهدار السلطة التي كانت قائمة وقت مباشرة التصرف، ولا لإسباغ أثر رجعي عليه، ولا لتحويل فعل سابق إلى فعل مجرد من السند وقت وقوعه.
ومن ثم، ينتفي أثر الإلغاء اللاحق في قيام جريمة التزوير المسندة إلى المتهم الأول، وينهار ما قد يكون قد أقيم عليه من استنتاج بانعدام الصفة أو تجاوز السلطة أو العلم بعدم مشروعية التصرف، ويتعين طرح هذا الاستنتاج وعدم التعويل عليه في مقام الإدانة.
وبناءً عليه، يتمسك المتهم الأول بالقضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيسًا على أن التوقيع ومباشرة إجراء تعديل عقد الشركة قد وقعا في ظل وكالة رسمية قائمة ونافذة، وأن إلغاءها لم يتم إلا لاحقًا، فلا يجوز قانونًا ترتيب أثر رجعي على هذا الإلغاء يهدر السلطة التي كانت ثابتة وقت مباشرة التصرف، أو ينال من مشروعية الفعل السابق، أو يستخلص منه – بغير دليل مستقل – قيام التجاوز أو العلم به أو القصد الجنائي اللازم للمساءلة الجنائية.
الدفع الخامس
حجية ودلالة التوكيل الرسمي في إثبات مصدر سلطة المتهم الأول في التوقيع، وعدم جواز إنشاء قيد على نطاق الوكالة أو إضافة شرط غير وارد بالمحرر الرسمي استنادًا إلى مجرد أقوال أو ادعاءات لاحقة على التصرف
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع تأسيسًا على أن التوكيل العام الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة ليس مجرد ورقة عادية يمكن تجاوز مدلولها بأقوال لاحقة أو بتفسيرات شخصية لا سند لها من عبارات المحرر، وإنما هو المحرر الرسمي الذي صدر بموجبه التفويض، والذي يتعين الرجوع إليه بذاته لتحديد مصدر سلطة المتهم الأول ونطاق النيابة المخولة إليه وقت مباشرة التصرف محل الاتهام.
والثابت من صريح عبارات هذا التوكيل أن الموكلـة قد فوضت المتهم الأول في «القيام نيابة عني بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات ... وله الحق في التوقيع نيابة عني على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري...»، فضلًا عما تضمنه سند الوكالة من سلطات في التعامل أمام الجهات الحكومية المختصة، وفيما يتصل بإجراءات تأسيس الشركات وتعديلها وتسجيلها ونشرها.
ومن ثم، فإن نقطة الانطلاق القانونية الصحيحة في تقدير الواقعة لا تكون في أقوال لاحقة على التصرف، ولا في تصور شخصي لنطاق الوكالة، ولا في ما إذا كان الموكل قد رضي بعد ذلك بنتيجة التصرف أو اعترض عليها، وإنما تكون في المحرر الرسمي ذاته، وفي ألفاظ التفويض التي صدرت بمقتضاها السلطة القانونية للمتهم الأول وقت مباشرته للتصرف.
ذلك أن الوكالة، في مفهوم القانون المدني، هي مصدر سلطة النائب في مباشرة العمل القانوني لحساب الموكل، وقد قرر القانون أن الوكيل يلتزم بتنفيذ الوكالة دون مجاوزة حدودها، كما أحال في علاقة الموكل بالغير إلى أحكام النيابة، التي تقرر أن ما يبرمه النائب في حدود نيابته باسم الأصيل تنصرف آثاره إلى هذا الأصيل.
ومن ثم، فإن تحديد ما إذا كان المتهم الأول قد باشر التصرف داخل حدود سلطته من عدمه يجب أن يكون مرده أولًا إلى حدود التفويض الثابتة في سند الوكالة نفسه، لا إلى قيد لم يرد فيه، ولا إلى شرط لم يتضمنه، ولا إلى تفسير لاحق ينشئ حظرًا لم يضعه صاحب الشأن حين أصدر التوكيل.
والأهم من ذلك أن عبارة التوكيل لم تقف عند تفويض عام في مجرد «إنشاء» الشركات، وإنما امتدت صراحة إلى «تعديل الشركات»، وهو تعبير قانوني وعملي واسع الدلالة بطبيعته، ما لم يرد في سند الوكالة ذاته ما يقيده أو يستثني نوعًا معينًا من التعديلات.
وبالتالي، فإذا كان سند الوكالة قد منح المتهم الأول سلطة التوقيع نيابة عن الموكلـة على عقود تعديل الشركات، فلا يجوز – بعد وقوع التصرف – إنشاء قيد جديد على هذه السلطة والقول مثلًا بأن التفويض بالتعديل لا يشمل تعديل حصص الشركاء، ما دام هذا الاستثناء أو القيد غير وارد أصلًا في سند الوكالة، ولا يوجد فيه ما يفيد حصر سلطة المتهم الأول في نوع محدد من التعديلات دون غيره.
فالتفسير الصحيح لا يقوم على تجزئة العبارة أو انتزاعها من سياقها، وإنما على قراءة سند الوكالة كوحدة واحدة، والوقوف على ما منحه الموكل بالفعل لوكيله وما استبعده صراحةً منه. فإذا كان الموكل قد أراد استثناء التصرفات المتعلقة بتعديل حصص الشركاء أو تقليل حصة أحدهم أو زيادتها، كان في مقدوره أن يورد هذا الاستثناء أو القيد صراحة في سند الوكالة، وهو ما لم يحدث بحسب الثابت بالأوراق.
ولا يجوز قانونًا أن يتحول ما لم يرد في سند الوكالة كقيد أو استثناء إلى قيد مفترض يستخلص بعد وقوع التصرف من مجرد أقوال أو ادعاءات لاحقة، لأن مؤدى ذلك ليس تفسير المحرر وإنما إضافة مضمون جديد إليه لم يصدر به التفويض أصلًا.
ولا يغير من ذلك ما قد يثار من أقوال منسوبة إلى الموكلـة بشأن عدم علمها بالتعديل أو عدم رضاها بنتيجته أو عدم قصدها تمكين المتهم الأول من إحداث تغيير معين في حصص الشركاء؛ إذ إن هذه الأقوال – على فرض إبدائها – لا تنشئ بذاتها قيدًا مكتوبًا على التوكيل، ولا تمحو السلطة الثابتة فيه وقت مباشرة التصرف، ولا تحول التفسير اللاحق لإرادة الموكل إلى نص جديد يضاف إلى المحرر الرسمي.
وبعبارة أدق، فإن الخلاف اللاحق حول استعمال السلطة لا يساوي بذاته انعدام السلطة وقت استعمالها، كما أن عدم الرضا اللاحق بنتيجة التصرف لا يثبت بذاته أن الوكيل لم يكن يملك سلطة مباشرة التصرف عند إبرامه.
وهنا تتجلى أهمية التفرقة بين أمرين مختلفين تمامًا: أولهما تحديد مصدر السلطة ونطاقها وقت التصرف، وهذا مرده إلى سند الوكالة القائم آنذاك؛ وثانيهما موقف الموكل من التصرف ونتائجه بعد إتمامه، وهو أمر لاحق لا يجوز أن يعاد به تشكيل حدود السلطة التي كانت قائمة بالفعل وقت مباشرة العمل.
ويتعزز هذا النظر بما انتهت إليه المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بمصلحة الشهر العقاري والتوثيق بوزارة العدل، في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، إذ خلصت صراحة إلى أن:
«التوكيل العام رقم 664 حرف ص لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء بتقليل أو زيادة حصة الشركاء كما هو ثابت بالوكالة التي تمت بناءً على رغبة الموكل، علمًا بأن التوكيل قد تم إلغاؤه بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة المذكورة».
وهذه المذكرة الرسمية – وإن كانت لا تحل محل سلطة المحكمة في التقدير والفصل – إلا أنها تظل دليلًا رسميًا جوهريًا ومباشر الصلة بموضوع الاتهام، لأنها صادرة عن الجهة الإدارية المختصة التي فحصت سند التوكيل ذاته، وانتهت إلى دلالته في شأن التوقيع على عقود تعديل الشركات، وإلى امتداد نطاقه إلى الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
ومن ثم، فإن مؤدى هذا المستند الرسمي لا يتمثل فقط في إثبات وجود التوكيل، وإنما في إثبات المصدر القانوني الذي استند إليه المتهم الأول في مباشرته للتوقيع، وطبيعة السلطة التي كان يستند إليها، وفهم الجهة المختصة لمضمون تلك السلطة ونطاقها.
وإذا كانت الأوراق قد تضمنت سند وكالة رسميًا قائمًا وقت التصرف، وكان هذا السند يتضمن صراحة حق المتهم الأول في التوقيع نيابة عن الموكلـة على عقود تعديل الشركات، ثم جاءت الجهة المختصة بالتوثيق – بعد فحص السند والتصرف – لتقرر أن نطاق الوكالة يشمل كذلك تقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن تحميل الواقعة قيدًا غير مكتوب في سند الوكالة يحتاج إلى دليل قانوني مستقل وجازم، ولا يكفي فيه مجرد قول لاحق أو ادعاء لم يرد به المحرر.
ولا سيما أن الدعوى الجنائية لا يجوز أن تقوم في هذا المقام على افتراض أن المتهم الأول كان يعلم أن سلطته لا تمتد إلى التصرف محل الاتهام، بينما المستند الرسمي الذي كان بين يديه وقت التصرف يقرر له سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات دون أن يتضمن الاستثناء المدعى به.
ومن ثم، فإن القول بتجاوز المتهم الأول لحدود وكالته لا يكفي لإسناده بمجرد القول بأن نتيجة التعديل لم تكن مرغوبة من الموكلـة أو أنها أنكرتها لاحقًا، بل يتعين أن يثبت على نحو جازم أن التصرف الذي باشره المتهم الأول كان خارج الحدود الموضوعية للسلطة التي منحها له سند الوكالة وقت التصرف.
أما أن يستخلص القيد من واقعة لاحقة على التوقيع، أو من تفسير لاحق لإرادة الموكلـة، أو من أقوال لا تجد لها سندًا في المحرر الرسمي، فذلك مؤداه إنشاء حد جديد للوكالة لم يرد بها، وإحلال الإرادة اللاحقة محل الإرادة التي أنشأت التفويض ابتداءً.
ولا ينال من ذلك أن الوكالة قد أُلغيت لاحقًا؛ إذ إن الإلغاء اللاحق لا يصلح بذاته لإثبات أن السلطة لم تكن قائمة قبل الإلغاء، ولا يجوز قلب التسلسل الزمني للوقائع بحيث تصبح واقعة الإلغاء اللاحقة دليلًا على عدم وجود السلطة في وقت سابق عليها. فالعبرة في تقدير مدى سلطة الوكيل في التصرف محل الاتهام هي بحالة الوكالة وقت مباشرة التصرف، لا بما طرأ عليها بعد اكتمال التصرف.
ومن ناحية أخرى، فإن التمسك بحجية ودلالة سند الوكالة لا يعني نقل عبء الإثبات على نحو يخالف قواعد الدعوى الجنائية، وإنما يعني أن المحكمة – وهي بصدد تحديد حقيقة الواقعة ومدى توافر عناصر جريمة التزوير – لا يجوز لها أن تتجاوز مستندًا رسميًا قائمًا بذاته يحدد مصدر سلطة المتهم الأول، ثم تستبدل به مجرد رواية لاحقة غير مؤيدة بذات الدرجة من الدليل.
فإذا كان الاتهام قائمًا في جوهره على أن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة التوقيع أو أنه تجاوز حدود التفويض، فإن سند الوكالة ذاته يصبح من الأدلة المركزية في تحديد حقيقة الواقعة؛ إذ لا يستقيم استخلاص التجاوز قبل تحديد حدود السلطة تحديدًا صحيحًا من مصدرها الأصلي.
والثابت أن المتهم الأول لم يباشر التوقيع خفية عن صفته، ولم يقدم نفسه باعتباره صاحبة الشأن، وإنما باشر التوقيع بصفته وكيلًا عنها وبالاستناد إلى سند وكالة رسمي محدد الرقم والجهة والتاريخ، وهو ما يجعل البحث في مدى سلطته بحثًا في نطاق النيابة الثابتة بالمحرر، وليس بحثًا في واقعة اصطناع توقيع منسوب إلى شخص آخر.
ومن ثم، فإن مجرد المنازعة اللاحقة في حدود الوكالة لا تنشئ بذاتها واقعة تزوير، ولا تحول التصرف الصادر ممن يحمل سند وكالة رسميًا إلى فعل مادي من أفعال التغيير في الحقيقة، ولا تكفي – مجردة – لإثبات القصد الجنائي الخاص اللازم لجريمة التزوير.
والقول بغير ذلك يؤدي إلى نتيجة شديدة الخطورة مؤداها أن كل وكيل يباشر تصرفًا استنادًا إلى توكيل رسمي يمكن أن يتحول إلى متهم بالتزوير بمجرد أن يدعي الموكل بعد ذلك أن إرادته كانت أضيق من العبارات التي أثبتها بنفسه في سند الوكالة، حتى ولو خلا التوكيل من القيد الذي يتمسك به لاحقًا؛ وهو ما يهدر وظيفة المحررات الرسمية في تحديد المراكز القانونية ويجعل مضمونها عرضة لإعادة الإنشاء بأقوال لاحقة عليها.
وعليه، فإن الدفاع يتمسك بأن التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة هو المرجع الأول في تحديد مصدر سلطة المتهم الأول ونطاقها وقت التوقيع، وأن عباراته الصريحة في تخويله التوقيع نيابة عن الموكلـة على عقود تأسيس وتعديل الشركات لا يجوز أن يُضاف إليها قيد أو استثناء لم يرد بها، وأن ما خلصت إليه الجهة الرسمية المختصة بالتوثيق في الملف رقم 134 لسنة 2026 يؤيد هذا الفهم صراحةً فيما يتعلق بالتعديلات التي تتضمن تقليل أو زيادة حصص الشركاء.
وبذلك ينتفي الأساس الذي يمكن أن يقوم عليه القول بأن المتهم الأول قد باشر التوقيع دون مصدر سلطة، أو أنه تعمد اصطناع صفة لا يملكها، أو أنه تعمد تغيير الحقيقة مع علمه بعدم مشروعية سلطته؛ إذ الثابت أن مصدر السلطة كان قائمًا ومحددًا بمحرر رسمي، وأن مباشرة التصرف جاءت في إطار الصفة التمثيلية التي أعلنها المتهم الأول، وأن القيد المدعى به لم يثبت في سند الوكالة ذاته، وإنما أثير لاحقًا على التصرف.
ومن ثم، فإن ما يثور بشأن نطاق الوكالة – في أقصى مداه – لا يعدو أن يكون منازعة في تفسير حدود السلطة وآثار التصرف، ولا يجوز أن تتحول هذه المنازعة، دون دليل مستقل على تغيير الحقيقة والقصد الجنائي، إلى دليل على ارتكاب جريمة التزوير.
ولذلك، يتمسك المتهم الأول بأن المحكمة الموقرة، عند تقديرها لعناصر الاتهام، يتعين عليها أن تزن سند الوكالة باعتباره الدليل الأصلي على مصدر السلطة، وأن تقرأه وفق عباراته الثابتة ومضمونه الكامل، وألا تنشئ من الأقوال أو الادعاءات اللاحقة قيدًا لم يتضمنه المحرر الرسمي، أو تستخلص من عدم الرضا اللاحق بالتصرف ما يهدر السلطة التي كان سندها قائمًا وقت مباشرته.
وبناءً عليه، فإن الثابت بالأوراق – في ضوء سند الوكالة الرسمي والمذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق – أن المتهم الأول كان يستند وقت التوقيع إلى مصدر سلطة قائم ومحدد، وأن نطاق هذا التفويض قد امتد إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات، وأنه لا يجوز قانونًا استحداث قيد غير وارد بسند الوكالة لإضفاء صفة عدم المشروعية على تصرف تم في ظل وكالة قائمة، بما تنتفي معه – في حق المتهم الأول – دلالة التجاوز العمدي للسلطة، وينتفي تبعًا لذلك الأساس الذي يمكن أن يقام عليه القول بتوافر فعل التزوير أو القصد الجنائي الخاص اللازم له.
الدفع السادس
عدم جواز تحويل الخلاف حول مضمون التصرف أو مدى موافقة الموكل عليه إلى جريمة تزوير، والتمييز بين المنازعة في آثار التصرف أو حدود استعمال الوكالة وبين تغيير الحقيقة الجنائي المكوّن للركن المادي لجريمة التزوير
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع تأسيسًا على أن الواقعة محل الاتهام – بحسب حقيقتها الثابتة بالأوراق والمستندات الرسمية – لا تكشف عن فعل مادي من أفعال تغيير الحقيقة في محرر، وإنما تدور في جوهرها حول مدى سلطة المتهم الأول في مباشرة التصرف محل الاتهام، ومدى موافقة الموكلـة على مضمون هذا التصرف وآثاره، ومدى امتداد سند الوكالة إلى الإجراء الذي تم بموجبه تعديل عقد الشركة وحصص الشركاء.
وهذه المسائل – على أهميتها في نطاق العلاقة المدنية أو التجارية أو في تحديد آثار التصرف بين أطرافه – لا تتحول بمجرد إثارتها أو الاختلاف حولها إلى جريمة تزوير، ما لم يثبت فوق ذلك وبأدلة يقينية أن المتهم الأول قد أتى فعلًا ماديًا من الأفعال التي اعتبرها القانون تغييرًا للحقيقة في محرر، وأن هذا التغيير قد وقع بإحدى الطرق التي حددها القانون، واقترن بالقصد الجنائي اللازم لقيام الجريمة.
فجريمة التزوير ليست جريمة تقوم بمجرد عدم الاتفاق على مضمون التصرف، ولا بمجرد الادعاء بأن الموكلـة لم تكن ترغب في النتيجة التي انتهى إليها التصرف، ولا بمجرد القول إن الوكيل قد استعمل وكالته على نحو لم يكن متفقًا مع الإرادة الداخلية للموكلـة؛ وإنما مناط التجريم هو ثبوت تغيير للحقيقة في محرر على النحو الذي يتطلبه القانون.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين حقيقتين قانونيتين مختلفتين تمامًا:
الأولى: حقيقة التصرف وآثاره ومدى نفاذه في مواجهة الموكلـة، وهي التي يمكن أن تكون محل منازعة مدنية أو تجارية تتعلق بحدود الوكالة أو مدى الالتزام بتعليمات الموكل أو آثار التصرف الذي أبرمه الوكيل.
والثانية: الحقيقة الثابتة في المحرر ومدى تعرضها لتغيير مادي أو معنوي بإحدى طرق التزوير التي حددها القانون، وهي التي يتعين ثبوتها تحديدًا حتى تقوم الجريمة الجنائية.
ومن ثم، فلا يجوز الخلط بين الأمرين، ولا يجوز أن يُستخلص الركن المادي لجريمة التزوير من مجرد القول بأن التصرف لم يكن مرغوبًا فيه من الموكلـة، أو أنه جاوز – بحسب روايتها اللاحقة – ما كانت تريده، أو أن آثار التصرف لم تتفق مع مصالحها أو مع تصورها اللاحق لنطاق التفويض.
فإذا كان المتهم الأول قد وقع على المحرر بصفته وكيلًا عن صاحبة الشأن، وبالاستناد إلى توكيل رسمي قائم وقت مباشرة التصرف، وبذات الصفة المعلنة في المحرر، فإن الواقعة – من حيث بنيتها المادية – لا تتضمن بذاتها انتحالًا لشخص الموكلـة أو اصطناعًا لتوقيعها أو ادعاءً كاذبًا بصدور التوقيع منها شخصيًا.
بل إن جوهر الواقعة – وفق الثابت بالأوراق – هو أن المتهم الأول أعلن صفته التمثيلية واستند إلى سند وكالة رسمي محدد، ثم باشر التوقيع في حدود ما يتمسك الدفاع بأنه داخل نطاق تلك الوكالة.
ومن ثم، فإن المنازعة في السؤال: هل كانت الموكلـة تريد بالفعل هذا التعديل؟ تختلف قانونًا عن السؤال: هل غيّر المتهم الأول الحقيقة في المحرر؟
كما أن السؤال: هل كانت حصتها في الشركة يجوز تعديلها بهذه الكيفية؟ يختلف عن السؤال: هل ارتكب المتهم الأول فعل تزوير في المحرر؟
والسؤال: هل كان التصرف متوافقًا مع التعليمات الداخلية التي ربما تكون الموكلـة قد أصدرتها لوكيلها؟ يختلف بدوره عن السؤال الجنائي المحدد المتعلق بما إذا كان المتهم قد عمد إلى اصطناع أو تحريف أو تغيير حقيقة محرر بإحدى الطرق التي يعاقب عليها القانون.
وهذا التمييز ليس ترفًا في التكييف، وإنما هو جوهر الفصل بين المسئولية عن آثار التصرف وبين المسئولية الجنائية عن التزوير.
فقد يكون هناك – من الناحية المدنية المجردة – خلاف بين الموكل والوكيل حول مدى الالتزام بالتعليمات أو حول حدود استعمال السلطة أو حول مدى ملاءمة التصرف لمصلحة الموكل، إلا أن وجود هذا الخلاف لا يؤدي تلقائيًا إلى القول بأن الوكيل قد ارتكب تزويرًا.
إذ إن التجاوز في استعمال السلطة – على فرض ثبوته – ليس مرادفًا بذاته لتغيير الحقيقة في محرر، كما أن التصرف غير الموافق لرغبة الموكل – على فرض عدم الموافقة – لا يتحول بمجرد ذلك إلى محرر مزور.
وهذا هو الفارق الجوهري الذي يتعين على المحكمة الموقرة أن تستحضره عند فحص الواقعة: فليس كل تصرف قد يكون محل منازعة في صحته أو نفاذه أو آثاره تصرفًا مزورًا، وليس كل اختلاف بين إرادة الموكل والتصرف الذي باشره الوكيل تغييرًا للحقيقة بالمعنى الجنائي.
والثابت من قضاء محكمة النقض أن جريمة التزوير لا تقوم بمجرد وجود خلاف حول المحرر، وإنما يجب أن تتوافر أركانها الجنائية على استقلال؛ وقد قررت محكمة النقض في أحد مبادئها أن الحكم في جريمة استعمال محرر مزور لا يكفي فيه مجرد الاستناد إلى رأي المحكمة المدنية في المحرر، وإنما يتعين بحث الموضوع من الوجهة الجنائية وبيان مدى توافر أركان جريمة التزوير، لأن ثبوت الاستعمال يفترض أولًا ثبوت التزوير وتوافر أركانه.
كما استقر قضاء النقض في مبادئه على أن القصد الجنائي في التزوير لا ينصرف إلى مجرد العلم بنتيجة التصرف، وإنما يتطلب علم الجاني بأنه يرتكب تغييرًا للحقيقة في محرر بإحدى الطرق القانونية، مع اتجاه إرادته إلى استعمال المحرر فيما زُوّر من أجله.
ومن ثم، فإن مجرد ثبوت أن التصرف أدى إلى تغيير حصص الشركاء أو ترتب عليه أثر قانوني معين لا يكفي بذاته لإثبات أن المتهم الأول قد غيّر الحقيقة في المحرر؛ لأن الأثر القانوني للتصرف شيء، وطريقة إنشاء المحرر وثبوت الحقيقة فيه شيء آخر.
فالقول بأن حصة الموكلـة قد انخفضت من مبلغ معين إلى مبلغ آخر لا يثبت بذاته أن المحرر الذي أثبت هذا التعديل مزور، وإنما يثبت فقط أن هذا هو مضمون التعديل الذي تم إثباته بالمحرر.
أما إثبات جريمة التزوير فيتطلب أمرًا مختلفًا، وهو إثبات أن المتهم الأول تعمد إدخال حقيقة غير صحيحة في المحرر أو اتخذ إحدى وسائل التزوير التي جرمها القانون، وأن ما أثبته بالمحرر لا يعبر عن الحقيقة التي كان يعلمها وأراد تحريفها.
وفي الواقعة محل الدعوى، فإن المتهم الأول لا يتمسك بأن التعديل لم يحدث، ولا بأن المحرر لم يصدر في إطار إجراء فعلي لتعديل عقد الشركة، وإنما يتمسك بأن مباشرة التعديل والتوقيع عليه تمت استنادًا إلى سند وكالة رسمي قائم، وأنه باشر التوقيع بصفته وكيلًا عن الموكلـة.
ومن ثم، فإن محل النزاع الحقيقي – بحسب دفاعه – لا يتعلق باختلاق واقعة مادية لم تحدث، وإنما بمدى السلطة القانونية في مباشرة واقعة حدثت بالفعل.
وهذا الفارق حاسم؛ إذ إن القول بوجود سلطة من عدمه شيء، والقول باختلاق الواقعة أو تغيير حقيقتها شيء آخر.
فإذا كان المتهم الأول قد حضر ووقع بصفته وكيلًا، وكان التوكيل الرسمي قائمًا، وكان عقد تعديل الشركة قد أُعد وأُبرم وأُدخل في الإجراءات الرسمية بالفعل، فإن تحويل المنازعة بشأن مدى السلطة إلى اتهام بالتزوير يقتضي أولًا تحديد فعل التغيير المدعى به تحديدًا دقيقًا: ما هي الحقيقة التي كانت قائمة؟ وما هي الحقيقة التي غُيرت؟ وما وسيلة التغيير؟ وكيف وقعت؟ ومن الذي باشرها؟ وما الدليل على علم المتهم الأول بعدم صحة ما أثبته؟
أما الاكتفاء بالقول إن الموكلـة لم تكن موافقة على مضمون التعديل، أو أنها لم تكن ترغب في تخفيض حصتها أو زيادة حصة شريك آخر، فلا يجيب عن هذه الأسئلة الجوهرية.
كما أن القول بأن الموكلـة لم توافق على استعمال الوكالة في هذا التصرف لا يثبت بذاته أن المتهم الأول اصطنع توقيعها أو نسب إليها حضورًا لم يحصل أو أثبت واقعة مادية يعلم عدم حدوثها.
فإذا كان توقيع المتهم الأول قد صدر منه شخصيًا بصفته وكيلًا، فإن مناط البحث يكون في حدود هذه النيابة، وليس في نسبة توقيع الموكلـة إليه أو إنكار توقيع لم يصدر عنها أصلًا.
ومن ثم، فإن أقصى ما يمكن أن يثار – جدلًا – هو مدى صحة أو نفاذ التصرف في مواجهة الموكلـة، أو مدى تجاوزه للتعليمات التي كانت قد أصدرتها، أو مدى ترتيب آثاره القانونية، وهذه مسائل لا تكفي بذاتها لإقامة الركن المادي لجريمة التزوير ما لم يقترن بها فعل مستقل من أفعال تغيير الحقيقة المعاقب عليها.
ويزداد الأمر وضوحًا في ضوء أن التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة كان قائمًا وقت مباشرة التصرف، وأن المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 انتهت – بعد فحص سند الوكالة – إلى أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل جاء بعد التوقيع بموجبه.
ومن ثم، فإن وجود هذا السند الرسمي يجعل الواقعة – على الأقل من زاوية مصدر السلطة – واقعة قائمة على سند قانوني ظاهر ومحدد، وليس على انتحال صفة أو اصطناع سلطة من العدم.
وحتى على فرض وجود منازعة في تفسير مدى اتساع هذه السلطة، فإن ذلك لا يغير من حقيقة أن المتهم الأول كان يستند إلى محرر رسمي قائم، وأنه أعلن صفته التمثيلية، وأن الخلاف – في هذه الصورة – ينصرف إلى تفسير نطاق الوكالة وآثار التصرف، وليس بالضرورة إلى تغيير الحقيقة في المحرر.
ولا يجوز كذلك الاستناد إلى مجرد النتيجة التي ترتبت على التصرف لإثبات التزوير؛ لأن النتيجة لا تثبت بذاتها الوسيلة الإجرامية.
فكون تعديل عقد الشركة قد أدى إلى خفض حصة الموكلـة وزيادة حصة شريك آخر لا يثبت وحده أن المتهم الأول زور المحرر الذي أثبت هذه الواقعة، ما دام الدفاع يتمسك بأن التعديل تم بالفعل، وأن توقيع المتهم الأول صدر منه شخصيًا، وأنه وقّع بالصفة التي أعلنها، وأن مصدر هذه الصفة كان توكيلًا رسميًا قائمًا.
والقول بغير ذلك يؤدي إلى قلب عبء الإثبات من إثبات فعل التزوير إلى مجرد إثبات عدم رضا أحد أطراف التصرف عن نتيجته، وهو انتقال لا يستقيم مع الطبيعة الجنائية للجريمة.
كما أن قضاء النقض قد أكد في مبادئه أن جرائم التزوير لا يصح التوسع في تطبيقها بإدخال وقائع لا تتناولها نصوصها، وأن مناطها هو توافر عناصر الجريمة ذاتها.
ومن ثم، فإن المحكمة الموقرة – وهي بصدد الفصل في الدعوى – يتعين عليها أن تفصل بين مستويين من البحث:
المستوى الأول: هل كان التصرف محل الاتهام صحيحًا أو نافذًا في مواجهة الموكلـة؟ وهل تجاوز المتهم الأول حدود الوكالة أم لم يتجاوزها؟ وهل كانت الموكلـة راضية عن مضمونه أم معترضة عليه؟
والمستوى الثاني: هل ارتكب المتهم الأول فعلًا ماديًا من أفعال تغيير الحقيقة في محرر على النحو الذي يتطلبه القانون، مع علمه بهذا التغيير واتجاه إرادته إلى استعمال المحرر فيما زُوّر من أجله؟
والدفاع يتمسك بأن المستوى الأول لا يغني عن إثبات المستوى الثاني، ولا يحل محله، ولا يجوز استخلاصه منه بطريق اللزوم.
فحتى لو افترض – جدلًا – وجود خلاف مدني أو تجاري حول حدود الوكالة أو مدى الالتزام بتعليمات الموكلـة، فإن ذلك لا يؤدي بذاته إلى قيام جريمة التزوير، ما لم يثبت فعل التغيير الجنائي مستقلاً وبالدليل المعتبر.
ومن ناحية أخرى، فإن المنازعة اللاحقة في التصرف لا تنشئ بأثر رجعي حالة من عدم الحقيقة في المحرر؛ فإذا كان المحرر قد أثبت واقعة التصرف الذي تم بالفعل، فإن الخلاف حول مدى مشروعية هذا التصرف أو مدى سلطة من أجراه لا يعني أن المحرر قد أثبت واقعة كاذبة بالضرورة.
وهنا يجب التفرقة بين كذب مضمون المحرر وبين عدم مشروعية التصرف المثبت فيه.
فقد يكون التصرف محل نزاع، ومع ذلك يكون المحرر صادقًا في إثبات أن هذا التصرف قد وقع فعلًا. وقد يكون أحد أطراف العلاقة يرى أن من أجراه لم يكن مخولًا به، لكن هذا لا يعني أن إثبات وقوع التصرف ذاته أصبح تغييرًا للحقيقة.
وبعبارة أكثر تحديدًا: عدم صحة التصرف – على فرض ثبوته – لا يساوي بالضرورة عدم صحة المحرر الذي أثبت وقوعه، وعدم نفاذ التصرف في مواجهة الأصيل لا يساوي بذاته تزويرًا في المحرر المثبت له.
وعليه، فإن تحويل المنازعة في آثار التصرف أو في حدود الوكالة إلى جريمة تزوير دون تحديد فعل التغيير ذاته يمثل خلطًا بين نطاقين قانونيين مختلفين، ويؤدي إلى تحميل النص الجنائي ما لا يحتمله.
ويتمسك المتهم الأول كذلك بأن وجود الوكالة الرسمية، وصدور التوقيع منه شخصيًا، وإعلانه لصفته كوكيل، وإتمام إجراءات تعديل عقد الشركة، ثم ثبوت أن إلغاء الوكالة جاء لاحقًا على التوقيع، كلها وقائع يتعين وزنها عند بحث القصد الجنائي؛ إذ لا يجوز استخلاص العلم بعدم المشروعية أو نية تغيير الحقيقة من مجرد وجود نزاع لاحق حول نطاق الوكالة.
ولا سيما أن القصد الخاص في جريمة التزوير لا يُفترض من مجرد حصول منفعة أو تغير في المركز القانوني لأحد الأطراف، وإنما يتعين استخلاصه من ظروف ثابتة تؤدي إليه، وفي مقدمتها العلم بتغيير الحقيقة واتجاه الإرادة إلى استعمال المحرر المزور فيما زُوّر من أجله.
ومن ثم، فإذا كانت الأوراق لا تقدم دليلًا مستقلاً على أن المتهم الأول كان يعلم أن ما أثبته بالمحرر غير صحيح، أو أنه تعمد اصطناع واقعة غير حقيقية، أو أنه انتحل توقيع الموكلـة أو صفتها، أو أنه تعمد إحداث تغيير في الحقيقة بإحدى وسائل التزوير، فإن مجرد المنازعة في مدى موافقة الموكلـة على التصرف لا تنهض وحدها دليلاً على توافر القصد الجنائي.
والخلاصة التي يتمسك بها المتهم الأول أن الدعوى – في جوهرها – لا تتعلق بإثبات أن واقعة التعديل لم تحدث، وإنما تتعلق بالمنازعة في مدى السلطة التي استند إليها في إجرائها، ومدى موافقة الموكلـة عليها وآثارها في مواجهتها؛ وهذه مسائل لا يجوز نقلها تلقائيًا من نطاق المنازعة في صحة التصرف أو آثاره إلى نطاق التجريم الجنائي، ما لم يثبت على نحو مستقل ومحدد فعل تغيير الحقيقة في المحرر ذاته.
ومن ثم، فإن الدفاع يتمسك بأن المنازعة في مضمون التصرف، أو في مدى موافقة الموكلـة عليه، أو في مدى اتساع نطاق الوكالة، لا تشكل بذاتها الركن المادي لجريمة التزوير، ولا تغني عن إثبات فعل التغيير في الحقيقة، ولا تنهض وحدها دليلاً على القصد الجنائي الخاص، وأن الأوراق – في ضوء سند الوكالة الرسمي والتوقيع الصادر من المتهم الأول بصفته المعلنة – لا يجوز أن يُستخلص منها التجريم لمجرد أن ثمة خلافًا لاحقًا حول التصرف أو آثاره.
وعليه، يكون الاتهام قد أقام – بحسب دفاع المتهم الأول – رابطة غير جائزة بين الخلاف على التصرف وجريمة التزوير، مع أن لكل منهما مناطًا قانونيًا مختلفًا، ولا يغني أحدهما عن إثبات الآخر، الأمر الذي تنتفي معه أركان الجريمة في حق المتهم الأول، ويغدو القضاء بالبراءة هو النتيجة التي تتفق مع حقيقة الواقعة وأصل البراءة وقاعدة أن الإدانة الجنائية لا تُبنى على الاحتمال أو مجرد المنازعة في الآثار المدنية للتصرف، وإنما على دليل جازم على تحقق الفعل الإجرامي وأركانه كافة.
الدفع السابع
حجية ودلالة مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 كدليل رسمي جوهري على نطاق الوكالة وصلاحية المتهم الأول للتوقيع على عقد التعديل، ووجوب بحثها وتمحيص أثرها في أركان الاتهام
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع تأسيسًا على أن الأوراق قد تضمنت مستندًا رسميًا جوهريًا ذا صلة مباشرة ومحددة بصلب الواقعة محل الاتهام، يتمثل في المذكرة الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بمصلحة الشهر العقاري والتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي تناولت سند الوكالة الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وبحثت نطاق السلطة التي خولها للمتهم الأول، وانتهت – بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – إلى نتيجة واضحة مؤداها أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وقد ورد بالمذكرة الرسمية – بحسب الثابت بالأوراق – أن:
«التوكيل العام رقم 664 حرف ص لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء بتقليل أو زيادة حصة الشركاء كما هو ثابت بالوكالة التي تمت بناءً على رغبة الموكل، علمًا بأن التوكيل قد تم إلغاؤه بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة المذكورة».
وهذه النتيجة الرسمية لا تتعلق بمسألة هامشية أو فرعية في الدعوى، وإنما تمس مباشرة مصدر السلطة التي استند إليها المتهم الأول في التوقيع، ونطاق هذه السلطة، ومدى اتصالها بالفعل المادي محل الاتهام؛ الأمر الذي يجعلها من المستندات الجوهرية التي لا يستقيم الفصل في الدعوى بمعزل عن بحثها وتمحيص دلالتها وأثرها في أركان الاتهام.
فالاتهام – في أحد أسانيده الجوهرية – يقوم على القول بأن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة التوقيع أو أنه تجاوز نطاق السلطة المخولة إليه، ومن ثم فإن تحديد نطاق الوكالة يصبح مسألة أولية لازمة قبل استخلاص أي نتيجة جنائية من فعل التوقيع ذاته.
وإذا كان سند الوكالة هو مصدر السلطة المدعى استعمالها، فإن ما انتهت إليه الجهة الرسمية المختصة بالتوثيق بعد فحص سند الوكالة ذاته يمثل عنصرًا استدلاليًا مباشرًا لا يجوز إغفاله أو التعامل معه باعتباره مجرد قول عابر أو مستند ثانوي.
ولا يتمسك الدفاع بأن هذه المذكرة تقيد المحكمة في قضائها أو تحل محل سلطتها في تقدير الأدلة، وإنما يتمسك – على نحو أدق – بأن هذه المذكرة دليل رسمي جوهري يتعين إدخاله في منظومة الأدلة التي تبني عليها المحكمة عقيدتها، وأن طرحها أو عدم التعويل عليها لا يكون إلا بعد بحثها وبيان وجه عدم الأخذ بما انتهت إليه، متى كان مؤداها متعلقًا بعنصر جوهري من عناصر الاتهام.
ذلك أن القضاء الجنائي وإن كان لا يتقيد في تكوين عقيدته بدليل معين، إلا أن ذلك لا يعني إهدار الأدلة الجوهرية أو المستندات ذات الصلة المباشرة بالدفاع دون تمحيص، ولا سيما إذا كان من شأنها – في صورة الدعوى – أن تغير وجه الرأي في مدى توافر أحد الأركان اللازمة للجريمة.
وقد قررت محكمة النقض أن الدفاع الذي يتمسك به المتهم ويؤيده مستند يكون دفاعًا جوهريًا متى كان من شأنه – لو صح – أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى، وأن إغفال تحقيقه أو الرد عليه بما يفنده يعيب الحكم بالقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع.
كما جرى قضاء النقض على اعتبار إغفال الرد على دفاع جوهري مؤثر في مصير الدعوى من وجوه القصور التي تعيب الحكم؛ إذ لا يكفي أن يكون المستند موجودًا بالأوراق، بل يتعين أن يكون موقف المحكمة منه مفهومًا إذا كان مؤثرًا في النتيجة التي انتهت إليها.
وبتطبيق ذلك على الدعوى الماثلة، فإن مذكرة الإدارة العامة للتوثيق لا تقدم مجرد واقعة خارجية عن موضوع الاتهام، وإنما تتصل اتصالًا مباشرًا بالسؤال المركزي الذي يتعين الإجابة عنه قبل القول بتوافر التجاوز أو انعدام السلطة، وهو:
هل كان المتهم الأول يملك – وقت توقيعه على عقد تعديل الشركة – سلطة قانونية مستمدة من سند وكالة قائم تخوله التوقيع على عقود تعديل الشركات، بما في ذلك التعديل المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء؟
وقد جاءت المذكرة الرسمية المشار إليها لتقرر – بعد فحص سند الوكالة – الإجابة بالإيجاب.
ومن ثم، فإنها تؤيد بصورة مباشرة دفاع المتهم الأول القائم على أن توقيعه لم يصدر عن انتحال صفة أو اصطناع سلطة من العدم، وإنما صدر استنادًا إلى سند وكالة رسمي قائم ومحدد المصدر والنطاق.
وهذا الأمر بالغ الأهمية في المجال الجنائي؛ إذ لا يجوز أن يُستخلص من مجرد وقوع التعديل أو من النتيجة التي ترتبت عليه أن المتهم الأول قد ارتكب فعل تزوير، قبل تحديد ما إذا كان قد باشر التصرف مستندًا إلى سلطة قانونية ظاهرة ومثبتة بمحرر رسمي.
فإذا كانت الجهة المختصة بالتوثيق قد فحصت الوكالة وانتهت إلى أن عباراتها تشمل التوقيع على عقود تعديل الشركات، وأنها تمتد إلى الإجراءات المتعلقة بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن هذه النتيجة الرسمية تمثل دليلًا مؤيدًا بصورة مباشرة لانتفاء التصور الذي يقوم عليه الاتهام من أن المتهم الأول كان يتصرف دون سند أو خارج سلطة ثابتة بالمحرر.
ولا سيما أن المذكرة لم تقف عند مجرد إثبات وجود الوكالة، وإنما تناولت مدى دلالتها ونطاقها، وهو تحديدًا محل النزاع الذي يحاول الاتهام أن يستخلص منه التجريم.
ومن هنا فإن أهمية المذكرة لا تكمن فقط في مصدرها الرسمي، وإنما كذلك في موضوعها ومحل بحثها وتطابقه مع العنصر محل المنازعة في الدعوى.
فهي تتناول ذات التوكيل الذي يستند إليه المتهم الأول، وذات التصرف محل الاتهام، وذات المسألة القانونية المتعلقة بمدى امتداد السلطة إلى تعديل عقد الشركة وتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
وبالتالي، لا يجوز التعامل معها بوصفها مستندًا بعيد الصلة عن الواقعة، وإنما يتعين وضعها في موضعها الصحيح ضمن أدلة الدعوى، ومقارنتها بسائر المستندات والأقوال، ثم بيان أثرها في تحديد حقيقة الواقعة.
كما أن دلالة هذه المذكرة تتعزز من الناحية الزمنية؛ إذ إنها لا تتناول وكالة انتهت قبل التصرف أو سندًا لم يكن قائمًا وقت التوقيع، وإنما تقرر – بحسب الثابت فيها – أن التوكيل قد تم إلغاؤه بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه الجزئية تحديدًا لها أثر مباشر في تقدير الواقعة؛ لأنها تفصل بين حالتين زمنيتين لا يجوز الخلط بينهما:
الأولى: حالة الوكالة وقت مباشرة التوقيع وإتمام التصرف.
والثانية: حالة الوكالة بعد وقوع التصرف، حين صدر الإلغاء.
فإذا كان الإلغاء لاحقًا على التوقيع، فإن ذلك لا يصلح بذاته لنفي وجود السلطة وقت مباشرة التصرف، ولا يجوز استخلاص عدم مشروعية التوقيع من واقعة لاحقة عليه دون بحث الحالة القانونية التي كانت قائمة في تاريخ التوقيع ذاته.
ومن ثم، فإن المذكرة الرسمية لا تؤكد فقط اتساع نطاق الوكالة، وإنما تؤكد كذلك التسلسل الزمني الذي يظل لازمًا لتحديد ما إذا كانت السلطة قائمة وقت التصرف.
وهذا كله يرتبط مباشرة بالركن المادي للجريمة؛ لأن القول بأن المتهم الأول غيّر الحقيقة أو استعمل محررًا مزورًا يفترض أولًا تحديد الحقيقة التي قيل إنه غيّرها، وطبيعة التغيير الذي نسب إليه، ومدى مشروعية السلطة التي باشر بها التوقيع.
فإذا كان التوقيع قد صدر من المتهم الأول شخصيًا، وبصفته وكيلًا، واستند في هذه الصفة إلى توكيل رسمي قائم، وكانت الجهة الرسمية المختصة قد انتهت إلى أن التوكيل يشمل التوقيع على تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن ذلك يطرح أمام المحكمة دليلًا جوهريًا على أن الواقعة لا يمكن اختزالها في صورة توقيع بلا سند.
كما ترتبط المذكرة كذلك بالركن المعنوي؛ إذ إن وجود سند وكالة رسمي قائم، ثم صدور تفسير رسمي من الجهة المختصة بالتوثيق يفيد اتساع نطاق هذا السند إلى التصرف محل الاتهام، يعد من الوقائع التي يتعين أن تدخل في تقدير مدى توافر العلم بعدم مشروعية الفعل والقصد الجنائي الخاص.
فلا يجوز استخلاص القصد الجنائي من مجرد النتيجة التي ترتبت على التصرف، مع إغفال وجود سند رسمي يستند إليه المتهم الأول، وإغفال ما انتهت إليه الجهة المختصة بشأن نطاق هذا السند.
وإذا كانت المحكمة ترى – رغم ذلك – أن المتهم الأول قد تجاوز حدود الوكالة، فإن هذا الاستنتاج يحتاج إلى تحديد مصدر التجاوز تحديدًا واضحًا، وبيان القيد الذي خالفه المتهم، وبيان موضع هذا القيد في سند الوكالة أو في قاعدة قانونية واجبة التطبيق، ثم بيان سبب طرح المذكرة الرسمية التي انتهت إلى خلاف ذلك.
أما مجرد القول بأن الموكلـة لم تكن تقصد النتيجة التي ترتبت على التعديل، أو أنها لم تكن راضية عنه، فلا يكفي بذاته للرد على المذكرة، لأنها لا تتعلق بمجرد الرضا اللاحق وإنما تتعلق بتفسير نطاق السلطة التي تضمنها سند الوكالة وقت التصرف.
ومن ثم، فإن طرح المذكرة دون مناقشة مؤداها من شأنه أن يترك أحد العناصر الجوهرية في بناء الدفاع بلا إجابة، ولا سيما أنها تتصل مباشرة بالمستند الأصلي الذي استمد منه المتهم الأول صفته وسلطته.
والدفاع لا يطلب من المحكمة أن تعتبر المذكرة حكمًا ملزمًا لها في المسألة الجنائية، وإنما يطلب منها أن تعاملها باعتبارها ما هي عليه: مستندًا رسميًا جوهريًا صادرًا عن الجهة الإدارية المختصة التي فحصت سند الوكالة، وله دلالة مباشرة على نطاق التفويض، ويستوجب – إذا أريد استبعاده أو عدم التعويل عليه – بيان أسباب ذلك على نحو يكشف عن أن المحكمة قد أحاطت بمضمونه وفحواه وأثره في الدعوى.
ذلك أن حرية محكمة الموضوع في تقدير الأدلة لا تعني إغفال الدليل، وإنما تعني وزن الدليل بعد الاطلاع عليه وفهم مؤداه، ثم استخلاص النتيجة التي تطمئن إليها المحكمة بأسباب سائغة لها أصلها الثابت بالأوراق.
والثابت أن محكمة النقض تؤكد في مبادئها الحديثة أن إغفال دفاع جوهري مؤيد بالمستندات، متى كان من شأنه التأثير في مصير الفعل المسند إلى المتهم، يعيب الحكم بالقصور والإخلال بحق الدفاع.
وبالتالي، فإن الدفاع يتمسك بأن مذكرة الإدارة العامة للتوثيق في الملف رقم 134 لسنة 2026 ليست مجرد مستند تأييدي هامشي، وإنما هي مستند متصل اتصالًا مباشرًا بالعنصر الذي يدور حوله الاتهام، إذ تتعلق بنطاق سلطة المتهم الأول في التوقيع ذاته.
ومن ثم، فإن أثرها في الدعوى لا يجوز تقييمه بمعزل عن باقي عناصرها، وإنما يجب بحثها إلى جانب:
سند الوكالة الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة؛
والمحرر محل الاتهام وعقد تعديل الشركة المؤرخ 20/3/2022؛
والصفة التي وقع بها المتهم الأول على المحرر؛
وتاريخ إلغاء الوكالة بالنسبة إلى تاريخ التوقيع؛
وكافة الإجراءات الرسمية التي تمت أمام الجهات المختصة؛
ثم تحديد ما إذا كانت هذه المجموعة المتساندة من الأدلة تكشف عن فعل تزوير جنائي أم عن تصرف باشره المتهم الأول استنادًا إلى سند وكالة قائم يفسر نطاقه على النحو الذي انتهت إليه الجهة الرسمية المختصة.
ولا يجوز تجزئة هذه الأدلة أو عزل المذكرة الرسمية عن سياقها ثم بناء الإدانة على جزء من الصورة، لأن تحديد توافر القصد الجنائي، ومدى وجود تغيير للحقيقة، ومدى مشروعية الصفة التي باشر بها المتهم الأول التوقيع، كلها مسائل لا تنفصل عن بعضها في الواقعة محل الاتهام.
ومن ناحية أخرى، فإن المذكرة الرسمية تكتسب أهمية خاصة لأنها تتضمن تفسيرًا فنيًا وإداريًا لنطاق محرر رسمي صادر في مجال التوثيق، الأمر الذي يجعل إغفالها دون مناقشة مؤداها إغفالًا لمستند يتصل اتصالًا مباشرًا بتحديد مدلول سند الوكالة الذي يستند إليه المتهم الأول.
وحتى إذا انتهت المحكمة الموقرة – في حدود سلطتها الموضوعية – إلى عدم الأخذ بما انتهت إليه المذكرة، فإن مقتضى ذلك أن تُظهر في أسباب حكمها أنها أحاطت بها وبمضمونها، وأن تبين لماذا لا ترى الأخذ بدلالتها، وكيف استخلصت – رغمها – أن التصرف خرج عن نطاق الوكالة أو أن المتهم الأول كان يعلم بعدم امتداد سلطته إلى التصرف محل الاتهام.
أما إغفال المذكرة تمامًا، أو الإشارة إليها دون بحث مؤداها، أو طرحها بعبارة عامة لا تواجه جوهر ما انتهت إليه، فلا يواجه دفاع المتهم الأول مواجهة حقيقية، متى كان مؤدى المستند من شأنه – لو صح – أن يغير وجه الرأي في الدعوى.
ومن ثم، فإن الدفاع يتمسك بأن القول بتوافر الركن المادي أو المعنوي لجريمة التزوير لا يستقيم قبل تمحيص هذا المستند الرسمي وتحديد أثره في مسألة مصدر السلطة ونطاقها، ومدى قيامها وقت التوقيع، ومدى علم المتهم الأول – وقت مباشرته التصرف – بأنه يعمل خارج حدود سلطة يعتقد، استنادًا إلى سند رسمي، أنها تخوله مباشرة هذا التصرف.
وإذ كانت المذكرة الرسمية قد انتهت صراحة إلى أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وأن إلغاء التوكيل تم بعد التوقيع، فإن مؤداها – على أقل تقدير – يثير شكًا جديًا ومؤثرًا في التصور الذي يقوم عليه الاتهام بشأن انعدام سلطة المتهم الأول أو تجاوزه لها، ويحول دون استخلاص التجريم من مجرد المنازعة اللاحقة في نطاق الوكالة.
ومن ثم، فإن إغفال هذا الدليل أو عدم تمحيص أثره في عناصر الاتهام من شأنه أن يحجب عن المحكمة جزءًا جوهريًا من الصورة الحقيقية للواقعة، وأن يحول دون الوقوف على حقيقة ما إذا كان المتهم الأول قد ارتكب فعلًا جنائيًا مكونًا للتزوير أم أنه باشر تصرفًا استنادًا إلى سند وكالة رسمي قائم، ثم نشأت بعد ذلك منازعة حول نطاق هذا السند وآثار التصرف.
ولذلك، يتمسك المتهم الأول بوجوب الاعتداد بمذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 باعتبارها مستندًا رسميًا جوهريًا من مستندات الدفاع، وبوجوب بحث مضمونها وتمحيص دلالتها وربطها بسند الوكالة وبالمحرر محل الاتهام وبالتسلسل الزمني للتصرف والإلغاء، وبيان أثرها صراحة في مدى توافر الركن المادي والركن المعنوي لجريمة التزوير؛ إذ لا يستقيم قانونًا استخلاص قيام الجريمة مع إهدار مستند رسمي جوهري ينتهي إلى أن سند الوكالة ذاته كان يبيح للمتهم الأول التوقيع على عقود تعديل الشركات، بما فيها الإجراءات المتعلقة بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وأن إلغاء الوكالة لم يقع إلا بعد التوقيع بموجبها.
وعليه، فإن هذا المستند – متساندًا مع سند الوكالة الرسمي ذاته، وصفة المتهم الأول المعلنة عند التوقيع، وثبوت إتمام التصرف قبل إلغاء الوكالة – يشكل عنصرًا جوهريًا في منظومة دفاع المتهم الأول، ويجعل نسبة التزوير إليه أمرًا لا يجوز استخلاصه بمجرد القول بعدم موافقة الموكلـة على مضمون التصرف، وإنما يتعين أن يقوم على دليل مستقل وجازم يثبت تغيير الحقيقة وقصد تغييره، وهو ما ينازع الدفاع في توافره وينفيه عن المتهم الأول.
الدفع الثامن
الخطأ في الاستدلال والقصور في التسبيب لتجاوز الحكم المعارض فيه لما انتهت إليه مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بشأن صلاحية التوكيل للتوقيع على تعديل الشركة وتقليل أو زيادة حصة الشريك، دون بيان سائغ لطرح هذا الدليل الجوهري
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع تأسيسًا على أن الحكم المعارض فيه قد أقام قضاءه بالإدانة دون أن يواجه على النحو الواجب مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بمصلحة الشهر العقاري والتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، وما انتهت إليه من نتيجة مباشرة تتصل بجوهر الواقعة محل الاتهام، وهي أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح للمتهم الأول التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويمتد إلى الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، وأن إلغاء التوكيل قد تم لاحقًا على التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة ليست مستندًا هامشيًا أو بعيد الصلة بالواقعة، وإنما تتصل اتصالًا مباشرًا بالمسألة التي دار حولها الاتهام والدفاع معًا؛ ذلك أن جوهر المنازعة يتعلق بمدى سلطة المتهم الأول في مباشرة التصرف والتوقيع على عقد تعديل الشركة، وما إذا كان توقيعه قد تم استنادًا إلى سند وكالة قائم وممتد إلى هذا النوع من التعديلات، أم أنه جاوز حدود السلطة المخولة إليه.
وقد انتهت الجهة الرسمية المختصة – بحسب الثابت بالمذكرة – إلى نتيجة صريحة مؤداها:
«التوكيل العام رقم 664 حرف ص لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء بتقليل أو زيادة حصة الشركاء كما هو ثابت بالوكالة التي تمت بناءً على رغبة الموكل، علمًا بأن التوكيل قد تم إلغاؤه بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة المذكورة».
ومن ثم، فإن مؤدى هذه المذكرة – إذا صح واستخلصت منه دلالته القانونية الصحيحة – يواجه بصورة مباشرة الأساس الذي يمكن أن يقوم عليه القول بأن المتهم الأول قد وقع دون سلطة أو تجاوز نطاق الوكالة.
ومن هنا كان لزامًا على الحكم المعارض فيه، وهو بصدد تكوين عقيدته في الدعوى، أن يواجه هذا الدليل الجوهري وأن يبين موقفه منه بيانًا سائغًا، لا أن يتجاوزه وكأنه غير موجود، ولا أن يستخلص الإدانة من مجرد النتيجة التي ترتبت على التصرف دون بحث مصدر السلطة التي استند إليها المتهم الأول في إجرائه.
فالمحكمة لا تكون مطالبة بأن تتبنى كل ما يرد في مستندات الدفاع، ولا بأن تعتبر المذكرة الإدارية حكمًا ملزمًا لها في المسألة الجنائية، إلا أن ذلك لا يعفيها من بحث المستند الجوهري وتمحيص مؤداه والرد عليه متى كان من شأنه – لو صح – أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى.
وقد جرى قضاء محكمة النقض على أن الدفاع الذي يتمسك به المتهم ويؤيده مستند يكون دفاعًا جوهريًا إذا كان من شأنه – لو صح – أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى، وأن إغفاله أو عدم الرد عليه بما يفنده يعيب الحكم. ومن ذلك ما قررته محكمة النقض من أن تمسك الدفاع بطلب تحقيق دفاعه، وإجابته إلى طلبه، ثم عدم رد المحكمة على هذا الدفاع رغم ثبوت ما يؤيده، يعيب الحكم بالقصور.
كما أن قضاء النقض قرر أن التسبيب لا يتحقق بمجرد إيراد عبارات عامة أو مجملة، وإنما يتعين أن تكون أسباب الحكم كاشفة عن الأساس الذي أقيم عليه القضاء، بحيث يمكن الوقوف على مسوغاته ومراقبة صحة تطبيق القانون عليها.
وبتطبيق هذه المبادئ على الواقعة الماثلة، فإن مذكرة الإدارة العامة للتوثيق تمثل حلقة جوهرية في التسلسل الاستدلالي الذي يتعين بحثه قبل استخلاص المسؤولية الجنائية من مجرد التوقيع.
فإذا كان الحكم قد اعتبر أن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة التوقيع على تعديل الشركة أو أنه جاوز حدود وكالته، فإن هذا الاستنتاج لا يمكن أن يكون سائغًا إلا إذا واجه الحكم سند الوكالة ذاته، ثم واجه المذكرة الرسمية التي انتهت – بعد فحص ذلك السند – إلى خلاف ما انتهى إليه الحكم، ثم بين على نحو واضح ومحدد لماذا يرى أن هذا الاستنتاج الرسمي لا يصلح سندًا لدفاع المتهم.
أما إذا تجاوز الحكم المذكرة دون مناقشة، فإن النتيجة التي انتهى إليها تصبح قائمة على صورة مبتورة من الأدلة؛ إذ يكون الحكم قد استخلص عدم مشروعية التوقيع دون أن يبحث الدليل الذي ينفي أساس هذا الاستنتاج.
ولا يغير من ذلك القول بأن المحكمة تستقل بتقدير الأدلة؛ إذ إن الاستقلال في تقدير الدليل لا يعني جواز تجاهل الدليل الجوهري، وإنما يعني أن للمحكمة أن تزن الأدلة وأن ترجح بينها، بشرط أن يكون استخلاصها سائغًا وأن تكشف أسبابها عن أنها أحاطت بعناصر الدعوى الجوهرية.
فإذا كان هناك مستند رسمي يتناول ذات سند الوكالة، وذات التصرف، وذات المسألة محل النزاع، ثم انتهى إلى نتيجة تؤيد دفاع المتهم الأول، فلا يكفي لإهدار أثره أن يُقال – بعبارة عامة – إن المحكمة تطمئن إلى خلافه، وإنما يجب أن يكون لديها سبب موضوعي وقانوني ظاهر يبرر طرحه.
والأمر هنا لا يتعلق بمجرد اختلاف في تقدير قيمة دليل بعيد عن الواقعة، وإنما يتعلق بمستند يمس مصدر السلطة ذاتها التي يستند إليها الاتهام والدفاع معًا.
فإذا كان الاتهام يريد أن يستخلص من التوقيع وجود فعل تزوير أو تجاوز للسلطة، فإن السؤال السابق منطقيًا هو: هل كان المتهم الأول يملك سلطة التوقيع وقت مباشرة التصرف؟
وقد أجابت المذكرة الرسمية عن هذا السؤال إجابة محددة بعد فحص التوكيل، إذ قررت أن نطاقه يشمل التوقيع على عقود تعديل الشركات، وأنه يشمل الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء.
ومن ثم، فإن الحكم الذي يصل إلى نتيجة مغايرة لا بد أن يفسر مصدر النتيجة المغايرة.
هل رأى الحكم أن عبارات التوكيل لا تحتمل هذا المعنى؟
أم رأى أن هناك قيدًا صريحًا في التوكيل يمنع هذا النوع من التعديلات؟
أم استند إلى مستند آخر يثبت وجود هذا القيد؟
أم اعتبر أن المذكرة الإدارية قد أخطأت في فهم سند الوكالة؟
أم انتهى إلى أن التصرف – رغم دخول موضوعه في نطاق الوكالة – قد شابه فعل مادي مستقل من أفعال التزوير؟
كل هذه مسائل جوهرية كان يتعين على الحكم أن يحدد موقفه منها تحديدًا صريحًا إذا أراد أن يبني الإدانة رغم وجود هذا الدليل الرسمي.
أما أن يستخلص الحكم التجريم دون أن يبين أي أساس قانوني أو واقعي يبرر تجاوز النتيجة التي انتهت إليها المذكرة، فإن ذلك يعيبه بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال؛ لأن النتيجة تصبح غير مستخلصة من جميع عناصر الدعوى، وإنما من بعضها دون البعض الآخر.
ويظهر الخطأ في الاستدلال بصورة أوضح إذا كان الحكم قد ربط بين تغيير حصص الشركاء وبين تغيير الحقيقة في المحرر دون أن يفرق بين الأمرين.
فالمذكرة الرسمية لا تقول إن التعديل لم يحدث، وإنما تقرر أن سند الوكالة كان يبيح للمتهم الأول التوقيع على هذا النوع من التعديلات.
وبالتالي، فإنها تهدم – أو على الأقل تضعف بصورة جوهرية – الاستنتاج الذي يقوم على أن مجرد توقيع المتهم الأول على تعديل يتضمن تغيير حصص الشركاء يمثل في ذاته تجاوزًا للسلطة.
أما إذا كان الحكم قد رأى أن هناك تزويرًا مستقلاً عن مسألة السلطة، فكان يتعين عليه أن يحدد فعل التغيير في الحقيقة تحديدًا دقيقًا، وأن يبين وسيلته، ومحل وقوعه، وكيفية إسناده إلى المتهم الأول، وأساس توافر القصد الجنائي، بدلًا من الاكتفاء باستنتاج التجريم من مجرد النزاع حول نطاق الوكالة.
فلا يكفي أن تكون نتيجة التصرف قد تمثلت في انخفاض حصة أحد الشركاء وزيادة حصة شريك آخر، وإنما يتعين – لقيام جريمة التزوير – تحديد الحقيقة التي قيل إن المتهم الأول قد غيرها، وطريقة هذا التغيير، والدليل عليه.
وإذا كان توقيع المتهم الأول قد صدر منه شخصيًا، وبصفته وكيلًا، وكانت هذه الصفة ثابتة في المحرر، وكان سند الوكالة قائمًا وقت التوقيع، فإن القول بأن هناك تزويرًا يتطلب بيانًا مستقلًا للفعل المادي الذي يشكل التزوير.
وهنا تصبح مذكرة الإدارة العامة للتوثيق ذات أهمية مزدوجة: فهي من ناحية تؤيد وجود مصدر سلطة، ومن ناحية أخرى تؤثر في تقدير العلم والقصد الجنائي؛ إذ إن من يستند إلى توكيل رسمي قائم، وتقرر الجهة المختصة بالتوثيق لاحقًا أن عباراته تشمل التصرف محل الاتهام، لا يجوز استخلاص علمه بعدم مشروعية سلطته بمجرد افتراض أن الموكلـة لم تكن ترغب في النتيجة التي انتهى إليها التصرف.
ومن ثم، فإن تجاهل هذا الدليل عند بحث القصد الجنائي يمثل كذلك قصورًا في التسبيب، لأن الحكم لا يكون قد بحث الظروف والملابسات التي يمكن أن يستخلص منها العلم والإرادة، وإنما يكون قد استند إلى النتيجة وحدها.
ويضاف إلى ذلك أن المذكرة الرسمية قد حسمت – من واقع التسلسل الزمني الثابت بها – أن إلغاء التوكيل وقع بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه الواقعة لا يجوز أن تمر دون بحث؛ لأنها تفصل بين حالة قانونية قائمة وقت التصرف وحالة لاحقة عليه.
فإذا كان المتهم الأول قد وقع في ظل وكالة قائمة، فإن إلغاء الوكالة بعد ذلك لا ينشئ بأثر رجعي حالة عدم سلطة وقت التوقيع.
وإذا كان الحكم قد استند – صراحة أو ضمنًا – إلى واقعة الإلغاء اللاحق كقرينة على عدم مشروعية التصرف السابق، فإنه يكون قد أقام استدلاله على واقعة زمنية لاحقة دون بيان الأساس الذي يسمح بامتداد أثرها إلى الماضي.
أما إذا لم يتعرض الحكم لهذه المسألة أصلًا، مع كونها من عناصر الدفاع الجوهرية، فإن ذلك يمثل وجهًا آخر من وجوه القصور.
ولا سيما أن المذكرة لم تكن مجرد قول صادر عن أحد أطراف الخصومة، وإنما صدرت عن الإدارة العامة للتوثيق بمصلحة الشهر العقاري والتوثيق بوزارة العدل في إطار فحص سند الوكالة محل النزاع.
والدفاع لا يطلب تحويل هذه المذكرة إلى دليل حاسم لا يجوز مخالفته، وإنما يتمسك بأن مخالفتها – إن كانت المحكمة قد رأت مخالفتها – تستلزم تسبيبًا خاصًا يبين وجه هذه المخالفة، لأن المحكمة حينئذ تكون بصدد طرح مستند رسمي جوهري ذي دلالة مباشرة على المسألة التي أقامت عليها إدانتها.
فإذا كانت المحكمة قد استندت إلى تفسير معين لعبارات الوكالة، ثم أغفلت تفسير الجهة المختصة بالتوثيق للعبارات ذاتها، دون أن تبين سبب ترجيحها لتفسيرها وكيفية استخلاصه من ألفاظ سند الوكالة، فإن هذا الاستدلال يكون قد فقد أحد مقوماته الجوهرية، إذ لم تعد النتيجة مبنية على مواجهة حقيقية للأدلة المتعارضة.
ومن المقرر في أصول التسبيب القضائي أن الحكم يجب أن يبين من الأدلة ما يؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها، وأن تكون هذه النتيجة مستخلصة استخلاصًا سائغًا من عناصر الدعوى، لا أن تقوم على عبارات عامة لا تكشف عن كيفية الوصول إليها. وقد أكدت محكمة النقض أن الحكم ينبغي أن يورد الأدلة التي اعتمد عليها ببيان يمكن معه الوقوف على مسوغاته ومراقبة صحة تطبيق القانون.
ومن ثم، فإن الحكم المعارض فيه – بحسب دفاع المتهم الأول – قد وقع في خطأ في الاستدلال حين تجاوز دلالة المذكرة الرسمية دون أن يفكك مؤداها أو يبين سبب عدم الأخذ بها، ووقع في قصور في التسبيب حين لم يواجه دفاعًا جوهريًا مؤيدًا بمستند رسمي من شأنه – لو صح مؤداه – أن يغير وجه الرأي في الدعوى.
ولا ينال من ذلك القول بأن الحكم قد أشار إلى التوكيل أو أورد مضمونه في موضع من أسبابه؛ إذ إن العبرة ليست بمجرد ذكر المستند، وإنما بأن يكون الحكم قد استوعب دلالته الجوهرية وواجه مؤداه الحقيقي.
فإذا كان الحكم قد ذكر وجود التوكيل ثم استخلص منه نتيجة تناقض ما انتهت إليه الجهة الرسمية المختصة دون بيان وجه هذا التناقض، فإن مجرد ذكر التوكيل لا يكفي لنفي القصور.
والأمر ذاته ينطبق على المذكرة؛ فمجرد وجودها بالأوراق أو الإشارة إليها – إن حصلت – لا يعادل بحثها، ولا يكشف بذاته عن أن المحكمة قد وازنت مضمونها وأسبابها وأثرها في أركان الجريمة.
ومن ثم، فإن الدفاع يتمسك بأن القصور هنا ليس في عدم الأخذ بالمذكرة، وإنما في عدم بيان الأساس السائغ الذي يبرر طرح دلالتها الجوهرية.
وهذا التفريق مهم؛ لأن المحكمة تملك تقدير الأدلة، ولكنها لا تملك أن تصل إلى نتيجة مناقضة لدليل جوهري دون أن تكشف عن الأساس الذي أقامت عليه هذه النتيجة، وإلا أصبح من المتعذر مراقبة سلامة استدلالها.
كما أن هذا القصور قد امتد أثره إلى النتيجة النهائية للحكم؛ إذ إن بحث صلاحية التوكيل للتوقيع على عقد التعديل ليس مسألة عرضية، وإنما هو مقدمة لازمة لتحديد ما إذا كان توقيع المتهم الأول قد صدر في نطاق سلطة تمثيلية قائمة، أم صدر بغير سلطة، ثم لتحديد ما إذا كان في الواقعة أصلًا فعل مادي من أفعال التزوير، وأخيرًا لتقدير القصد الجنائي.
فإذا انهارت المقدمة أو بقيت محل شك جدي بسبب مستند رسمي لم يواجهه الحكم، فإن ما بني عليها من نتائج لا يكون قد استقام على أساس يقيني.
ومن ثم، فإن الدفاع يتمسك بأن الحكم المعارض فيه قد أقام قضاءه على استدلال غير مكتمل، إذ لم يستوفِ عناصر الدليل الذي يعارض به دفاع المتهم الأول، ولم يبين وجه طرح المذكرة الرسمية، ولم يوضح سبب مخالفته لما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بشأن نطاق الوكالة، ولم يحدد الدليل المستقل الذي يثبت – رغم ذلك – تجاوز المتهم الأول لسلطته أو ارتكابه فعلًا ماديًا من أفعال تغيير الحقيقة.
ولذلك، فإن هذا الدفاع لا يقتصر أثره على مجرد تقدير قيمة مستند من مستندات الدعوى، وإنما يتصل اتصالًا مباشرًا بسلامة الأساس الذي أقيم عليه الحكم المعارض فيه، وبمدى استيفائه للتسبيب الذي يمكن معه الوقوف على عناصر الإدانة ومراقبة صحة تطبيق القانون عليها.
وبناءً عليه، يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال والخطأ في الاستدلال، إذ تجاوز مؤدى مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، رغم اتصالها المباشر بسند الوكالة وبمدى صلاحية المتهم الأول للتوقيع على عقد تعديل الشركة وما تضمنه من تقليل أو زيادة حصة الشريك، ولم يبين بيانًا سائغًا الأسباب التي دعته إلى طرح مؤداها، ولم يواجه أثرها في تحديد نطاق السلطة وفي تقدير الركن المادي والقصد الجنائي لجريمة التزوير.
وإذ كان مؤدى المذكرة – بحسب الثابت بها – أن التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وأن إلغاءه تم بعد التوقيع بموجبه، فإن تجاهل هذا الدليل أو طرحه بغير تسبيب سائغ يحول دون سلامة استخلاص أن المتهم الأول قد باشر التوقيع بغير سلطة أو بقصد تغيير الحقيقة.
ومن ثم، فإن الحكم – في حدود ما تقدم – يكون قد أقام إدانته دون أن يستنفد عناصر الدفاع الجوهرية التي يتعين بحثها، ودون أن يقيم جسرًا استدلاليًا سائغًا بين الأدلة التي أوردها وبين النتيجة التي انتهى إليها، الأمر الذي يتمسك معه المتهم الأول بفساد استدلال الحكم وقصوره في التسبيب وإخلاله بحق الدفاع، وما يترتب على ذلك من أثر قانوني على سلامة القضاء المعارض فيه.
الدفع التاسع
عدم جواز التعويل على الشهادة الشفهية لإهدار أو مخالفة ما ثبت بالمحرر الرسمي وما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بشأن نطاق الوكالة، متى كان موضوع الشهادة منصبًا على إنشاء قيد أو تحديد لم يرد في سند الوكالة
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع تأسيسًا على أن سند الوكالة الذي يستمد منه مصدر سلطته في مباشرة التصرف محل الاتهام ثابت بمحرر رسمي صادر عن جهة التوثيق المختصة، وأن تحديد نطاق هذه السلطة لا يجوز أن يُعاد تشكيله بأقوال شفهية لاحقة على إصدار سند الوكالة، متى كانت هذه الأقوال تستهدف إنشاء قيد أو استثناء أو تحديد لم يرد أصلًا في عبارات المحرر الرسمي.
ذلك أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة هو المحرر الذي صدر بمقتضاه التفويض، وهو الذي يتعين الرجوع إلى عباراته لتحديد مصدر السلطة ونطاقها، وقد تضمن – بحسب الثابت بالأوراق – تفويض المتهم الأول في القيام نيابة عن الموكلـة بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، ومنحه الحق في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلًا عما تضمنه من سلطات في التعامل مع الجهات المختصة فيما يتصل بإجراءات الشركات.
ومن ثم، فإن تحديد حدود الوكالة لا يكون بالبحث المجرد عن إرادة باطنية مفترضة لم تُثبت في سند الوكالة، وإنما بالوقوف على الإرادة التي أفرغها الموكل في المحرر ذاته، وما تضمنه من عبارات تفويض وما أورده من قيود أو استثناءات.
فإذا خلا سند الوكالة من قيد يمنع الوكيل من إجراء نوع معين من تعديلات الشركات، فلا يجوز أن تنشئ الشهادة الشفهية هذا القيد من العدم، ثم يُنسب إلى المتهم الأول تجاوزه وكأنه كان ثابتًا وقت مباشرة التصرف.
والدفاع لا يجادل في أن الشهادة قد تكون – في الأحوال التي يجيزها القانون – دليلًا يمكن للمحكمة أن تستعين به في إثبات وقائع مستقلة عن مضمون المحرر، وإنما يتمسك بأن الشهادة لا يجوز أن تتحول إلى أداة لإعادة صياغة محرر رسمي أو إضافة عبارة غير واردة فيه أو محو عبارة ثابتة به.
والفارق هنا جوهري بين أن يشهد الشاهد بواقعة خارجية مستقلة عن مضمون الوكالة، وبين أن يشهد بأن الموكلـة – رغم أنها أصدرت توكيلًا يتضمن سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات – كانت تقصد أن تستثني من هذه السلطة نوعًا معينًا من التعديلات، دون أن يكون هذا الاستثناء ثابتًا في سند الوكالة ذاته.
ففي الحالة الثانية لا تكون الشهادة قد أثبتت واقعة خارجية فحسب، وإنما أصبحت تستهدف إنشاء مضمون جديد للمحرر لم يرد به، أو تقييد مضمون قائم فيه بعبارة لم يتضمنها.
وهذا هو عين ما يتمسك الدفاع بعدم جواز التعويل عليه لإسناد التجريم إلى المتهم الأول.
فإذا كانت الشهادة قد انصبت على القول – مثلًا – بأن الموكلـة لم تكن تقصد أن يمتد التوكيل إلى تخفيض حصتها في الشركة، أو أنها لم تكن تسمح للمتهم الأول بزيادة حصة شريك آخر، أو أنها كانت قد أعطت تعليمات شفهية باستثناء هذا النوع من التعديلات، فإن هذه الأقوال – حتى مع التسليم بطرحها جدلًا – لا تثبت بذاتها أن سند الوكالة كان يتضمن هذا القيد.
بل غايتها – في أقصى تصور لها – أن تثبت وجود تعليمات أو تفاهمات أو إرادة داخلية يدعي الشاهد صدورها خارج المحرر، وهو أمر يختلف عن إثبات أن هذا القيد كان جزءًا من نطاق السلطة الثابتة في سند الوكالة.
وهنا لا يجوز الخلط بين التعليمات الداخلية بين الموكل والوكيل وبين النطاق الظاهر للسلطة الثابت في سند الوكالة؛ فلكل منهما مجاله وآثاره، ولا يصح أن تتحول منازعة لاحقة حول التعليمات إلى دليل تلقائي على أن الوكيل ارتكب تزويرًا في محرر.
والأهم أن الاتهام في الدعوى الماثلة لا يقوم على مجرد مخالفة تعليمات داخلية، وإنما يتطلب إثبات فعل مادي من أفعال تغيير الحقيقة، ثم إثبات العلم بهذا التغيير والقصد إليه.
ومن ثم، فإن القول إن المتهم الأول كان قد تلقى تعليمات شفهية أضيق من نص الوكالة لا يكفي – بذاته – لإثبات أنه غيّر الحقيقة في عقد تعديل الشركة، ما لم يثبت أن ما أثبته بالمحرر كان كاذبًا في ذاته أو أنه اتخذ إحدى وسائل التزوير المعاقب عليها قانونًا.
كما أن الشهادة الشفهية لا يجوز أن تستخدم لإهدار النتيجة التي انتهت إليها مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بمصلحة الشهر العقاري والتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، متى كان مضمون الشهادة هو ذات القيد الذي انتهت الجهة المختصة – بعد فحص سند الوكالة – إلى عدم وجوده في نطاق التفويض.
فقد خلصت المذكرة الرسمية، بحسب الثابت بالأوراق، إلى أن:
«التوكيل العام رقم 664 حرف ص لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء بتقليل أو زيادة حصة الشركاء كما هو ثابت بالوكالة التي تمت بناءً على رغبة الموكل، علمًا بأن التوكيل قد تم إلغاؤه بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة المذكورة».
ومؤدى ذلك أن الجهة الإدارية المختصة بالتوثيق، بعد فحص سند الوكالة، لم ترَ أن نطاقه يقف عند مجرد تعديلات شكلية أو إدارية، وإنما انتهت صراحة إلى امتداده إلى تقليل أو زيادة حصص الشركاء.
ومن ثم، فإن القول الشفهي المخالف لذلك لا يجوز أن يُعامل باعتباره حقيقة قانونية قائمة بذاتها تنشئ قيدًا جديدًا على الوكالة، وإنما يتعين – على أقل تقدير – أن يخضع لميزان الدليل والمناقشة الجادة، وألا يُتخذ وحده وسيلة لإثبات عنصر جنائي جوهري يتعارض مع ظاهر سند الوكالة ومؤدى المستند الرسمي الصادر عن الجهة المختصة بفحصه.
وهنا تبرز قاعدة جوهرية في تقدير الأدلة، وهي أن المحرر الرسمي لا يفقد دلالته بمجرد قيام خصم أو شاهد بذكر رواية مخالفة له؛ بل تظل للمحرر حجيته فيما أثبته الموظف العام في حدود اختصاصه، ولا يجوز الانتقال من حقيقة ثابتة بالمحرر إلى حقيقة أخرى بمجرد رواية شفهية لا تحمل في ذاتها القوة اللازمة لإعادة إنشاء مضمون المحرر.
والدفاع لا يطلب من المحكمة أن تعتبر كل شهادة مناقضة للمحرر الرسمي عديمة القيمة تلقائيًا في جميع الأحوال، وإنما يتمسك بأن موضوع الشهادة هو الذي يحدد مجال الاستفادة منها.
فإذا كانت الشهادة منصبة على واقعة مادية مستقلة – كواقعة حضور شخص أو واقعة تسليم مستند أو واقعة إجراء تم بالفعل – جاز للمحكمة بحثها وفق قواعد الإثبات الجنائي.
أما إذا كان موضوعها هو القول بأن عبارة التوكيل الرسمية كانت تعني شيئًا آخر غير مدلولها الظاهر، أو أن الموكلـة استثنت شفهيًا أمرًا لم تستثنه في المحرر، أو أن هناك قيدًا جوهريًا على السلطة لم يثبت في سند الوكالة، فإن الأمر لا يعود مجرد إثبات واقعة خارجية، وإنما يصبح تعديلًا لمضمون المحرر أو إنشاءً لقيد عليه.
وهذا ما لا يجوز أن يُبنى عليه التجريم بمجرد شهادة شفوية، ولا سيما إذا كان هذا القيد هو الأساس الذي يراد من خلاله إثبات أن المتهم الأول قد تجاوز سلطته عمدًا.
كما أن الشهادة – متى استهدفت إثبات إرادة داخلية مخالفة تمامًا لما أفرغه صاحبها في محرر رسمي – لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لإهدار الثقة المفترضة في المحررات الرسمية، وإلا أصبحت العبارات الموثقة قابلة لإعادة الكتابة في كل نزاع لاحق بمجرد استحضار شاهد يقول إن المقصود الحقيقي كان شيئًا آخر.
وفي الدعوى الماثلة، فإن هذا الأمر يكتسب أهمية أكبر لأن التوكيل صدر قبل سنوات من التصرف محل الاتهام، وظل قائمًا حتى تاريخ التوقيع، ولم يرد فيه – بحسب الثابت بالأوراق – استثناء صريح يتعلق بتعديل حصص الشركاء.
ومن ثم، فإن الاستناد إلى شهادة لاحقة للقول بأن هذا الاستثناء كان موجودًا في الحقيقة، رغم عدم إثباته في سند الوكالة، يعني إضافة عنصر جوهري إلى نطاق التفويض لم يكن ظاهرًا في محرره.
وإذا كان هذا القيد هو الذي يراد بناء التجريم عليه، فإن المسألة لا تقف عند مجرد التعارض بين دليلين، وإنما تتعلق بسلامة الاستدلال ذاته؛ لأن النتيجة الجنائية تصبح قائمة على قيد لم يثبت في مصدر السلطة الأصلي، وإنما استُحدث من أقوال لاحقة.
ويزداد الأمر وضوحًا إذا كانت الشهادة لا تقول إن المتهم الأول زور توقيع الموكلـة أو انتحل شخصيتها، وإنما تقتصر على القول بأنه لم يكن مأذونًا له في إجراء التعديل محل الاتهام.
ففي هذه الصورة يكون جوهر الشهادة هو تفسير حدود الوكالة، لا إثبات فعل تزوير مستقل.
والدفاع يتمسك بأن تفسير نطاق الوكالة يجب أن يبدأ من سندها ذاته، ثم يُنظر بعد ذلك – في حدود ما يسمح به القانون – في الأدلة الأخرى ذات الصلة، لا أن يبدأ من شهادة لاحقة ثم يُعاد بناء المحرر الرسمي على أساسها.
كما أن وجود مذكرة الإدارة العامة للتوثيق التي انتهت إلى شمول الوكالة للتوقيع على تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء يجعل المسألة أكثر وضوحًا؛ إذ لم يعد الأمر مجرد قراءة دفاعية لسند الوكالة في مواجهة أقوال الخصوم، وإنما أصبح أمام المحكمة سند الوكالة ذاته، ومذكرة رسمية صادرة عن الجهة المختصة بفحصه، وشهادة شفهية يراد – بحسب مضمونها – أن تنشئ قيدًا مخالفًا لما انتهت إليه تلك المستندات.
وفي هذه الحالة، فإن التعويل على الشهادة لا يكون سائغًا لمجرد أنها شهادة، وإنما يتعين على المحكمة أن تبحث تحديدًا: هل الشهادة تثبت واقعة مستقلة يجوز إثباتها بها؟ أم أنها تستهدف تعديل مضمون سند رسمي وإنشاء قيد لم يرد فيه؟
فإن كانت الثانية، فإن التعويل عليها في إقامة الدليل على تجاوز السلطة يكون استدلالًا غير سائغ، ولا سيما إذا لم يوجد مستند مستقل يثبت هذا القيد.
ويتمسك المتهم الأول كذلك بأن الأصل في تفسير سند الوكالة أن يكون مستمدًا من عباراته، وأن العبرة في تحديد حدود السلطة بما أثبته الموكل في السند، لا بما يستنبطه شاهد من إرادة باطنية لم يعبر عنها المحرر.
فإذا كان الموكل قد منح وكيله صراحة سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات، فلا يجوز أن يضاف إلى هذه العبارة – من خلال الشهادة – استثناء لم يكتبه الموكل في سند وكالته، ثم ينسب إلى الوكيل تجاوزه وكأنه كان يعلم بهذا الاستثناء باعتباره قيدًا قانونيًا ظاهرًا.
ولا سيما أن المتهم الأول لم يكن بصدد التصرف استنادًا إلى قول شفهي مجرد، وإنما كان يحمل توكيلًا رسميًا محددًا برقم وتاريخ وجهة توثيق، وهو المستند الذي استند إليه عند مباشرة التصرف.
ومن ثم، فإن قيام نزاع لاحق حول مضمون التعليمات أو مدى موافقة الموكلـة على التصرف لا يكفي لإهدار الوضع القانوني الظاهر الذي كان قائمًا وقت التوقيع، ولا يكفي لإثبات القصد الجنائي الخاص.
كما أن إلغاء الوكالة بعد التوقيع – وفق ما أثبتته المذكرة الرسمية – لا يغير من ذلك؛ لأن الشهادة اللاحقة لا تستطيع أن تجعل الإلغاء اللاحق سابقًا على التصرف، ولا أن تضيف قيدًا بأثر رجعي إلى سند كان قائمًا وقت التوقيع.
ومن ثم، فإن استخدام الشهادة لإثبات أن المتهم الأول كان يعلم وقت التوقيع بأنه ممنوع من إجراء التعديل، رغم خلو سند الوكالة من هذا المنع ووجود مذكرة رسمية انتهت إلى خلافه، يحتاج إلى دليل مستقل على هذا العلم، ولا يكفي فيه مجرد رواية لاحقة.
وتزداد أهمية ذلك في نطاق التجريم الجنائي؛ إذ إن الشك في نطاق السلطة لا يتحول إلى يقين جنائي بمجرد شهادة متعارضة مع محرر رسمي، ولا يجوز أن يستخلص منه القصد الجنائي الخاص إلا إذا كانت ظروف الدعوى وأدلتها الأخرى تؤدي إليه على نحو يقيني سائغ.
ومن ثم، فإن الدفاع يتمسك بأن الشهادة – أيا كان وزنها في شأن الوقائع المادية المستقلة – لا يجوز أن تكون الأداة الوحيدة أو الحاسمة لإنشاء قيد جوهري على نطاق الوكالة، ثم بناء الإدانة عليه، مع إغفال سند الوكالة الرسمي ومؤدى المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق.
وإذا كانت المحكمة الموقرة قد أخذت بالشهادة وطرحت ظاهر سند الوكالة ومؤدى المذكرة الرسمية، فإن ذلك كان يوجب عليها أن تبين ما هي الواقعة التي تثبتها الشهادة تحديدًا، وما وجه صلاحيتها لإثباتها، وكيف يجوز لهذه الواقعة – إن ثبتت – أن تؤثر في مدلول سند الوكالة دون أن تتحول الشهادة إلى وسيلة لإنشاء قيد لم يرد فيه.
أما الاكتفاء بإيراد أقوال الشاهد باعتبارها دليلًا على أن المتهم الأول لم يكن مأذونًا له، دون مواجهة سند الوكالة ومؤدى المذكرة الرسمية، فإنه يجعل الاستدلال بالإدانة قائمًا على دليل لم يُحدد نطاقه القانوني ولم يُوازن مع الأدلة المكتوبة الجوهرية.
والدفاع يتمسك كذلك بأن الاختلاف بين الأدلة لا يعفي المحكمة من بيان سبب ترجيح أحدها على الآخر، خصوصًا عندما يكون أحدها محررًا رسميًا يتعلق مباشرة بمصدر السلطة، ويكون الآخر شهادة شفوية تستهدف – في جوهرها – إنشاء قيد على هذا المصدر.
فإذا رجحت المحكمة الشهادة، وجب أن تكشف أسباب الترجيح، وأن يكون استخلاصها سائغًا وله أصل ثابت بالأوراق، وأن تبين كيف انتهت من مجرد القول الشفهي إلى إثبات قيد قانوني على الوكالة، وكيف اتسق ذلك مع المذكرة الرسمية التي انتهت إلى أن التوكيل يشمل تقليل أو زيادة حصص الشركاء.
وإلا كان الاستدلال قد قام على مصادرة على المطلوب؛ إذ يفترض ابتداءً أن المتهم الأول لم يكن مأذونًا له، ثم يستدل على عدم الإذن من شهادة تقول إنه لم يكن مأذونًا له، دون تحديد مصدر مستقل لهذا القيد ودون مواجهة المحرر الذي يحدد السلطة.
ومن ثم، فإن الدفاع يتمسك بأن مجرد عدم رضا الموكلـة عن مضمون التصرف، أو شهادتها أو شهادة غيرها بأن إرادتها كانت أضيق من عبارات التوكيل، لا يكفي بذاته لإثبات جريمة التزوير، ولا يصلح بذاته لإنشاء قيد على سند الوكالة، ولا لإثبات القصد الجنائي، ما لم يقم دليل قانوني مستقل على فعل تغيير الحقيقة ذاته.
وإذ كان الثابت بالأوراق أن المتهم الأول قد استند إلى توكيل رسمي قائم، وأن التوكيل تضمن سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات، وأن مذكرة الإدارة العامة للتوثيق انتهت إلى شمول هذه السلطة للإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن أي شهادة يراد بها إنشاء استثناء غير وارد في التوكيل يجب أن تخضع لأقصى درجات الفحص والتمحيص، ولا يجوز اتخاذها بذاتها أساسًا لإهدار الدلالة الظاهرة للمحرر الرسمي أو لإقامة عنصر جوهري من عناصر الجريمة.
وبناءً عليه، يتمسك المتهم الأول بعدم جواز التعويل على الشهادة الشفهية – في حدود ما تستهدف به إنشاء قيد أو استثناء أو تحديد غير وارد في سند الوكالة – لإهدار أو تعديل مدلول التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017، أو لتجاوز ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 من أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويشمل الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء؛ ولا سيما إذا كان هذا القيد الشفهي هو الأساس الذي يراد به إثبات أن المتهم الأول قد تجاوز سلطته عمدًا وغيّر الحقيقة في المحرر محل الاتهام.
ومن ثم، فإن طرح الشهادة – في هذا النطاق – وعدم التعويل عليها في إنشاء قيد لم يرد في سند الوكالة، مع الاعتداد بما ثبت بالمحرر الرسمي وما انتهت إليه الجهة المختصة بالتوثيق، يترتب عليه سقوط الأساس الذي أقيم عليه القول بتجاوز المتهم الأول لحدود وكالته، ويظل الاتهام – بغير دليل مستقل على فعل التغيير الجنائي والقصد إليه – قائمًا على مجرد منازعة في نطاق السلطة وآثار التصرف، وهي لا تكفي بذاتها لإقامة جريمة التزوير في حق المتهم الأول.
الدفع العاشر: بطلان وعدم جواز التعويل على شهادة الموظفين العموميين فيما أدلوا به من معلومات وظيفية وصلت إلى علمهم بسبب وظائفهم، متى كانت تلك المعلومات لم تُنشر بالطريق القانوني ولم يثبت صدور الإذن من السلطة المختصة في إذاعتها، وذلك في الحدود التي تنطبق فيها أحكام المادة 65 من قانون الإثبات والمادة 225 من قانون الإجراءات الجنائية
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع، تأسيسًا على أن ما قد يكون قد صدر من بعض الموظفين العموميين أو المكلفين بخدمة عامة من أقوال أو معلومات بشأن وقائع أو بيانات أو إجراءات أو مستندات وصلت إلى علمهم بحكم مباشرتهم لأعمال وظائفهم، لا يجوز أن يُتخذ دليلًا في الدعوى إلا في الحدود التي رسمها القانون، وبمراعاة القيود الواردة بنص المادة 65 من قانون الإثبات، والتي أقام بها المشرع حماية خاصة للمعلومات الوظيفية التي لم تُنشر بالطريق القانوني، فلم يجز للموظف أو المكلف بخدمة عامة أن يشهد عما وصل إلى علمه أثناء قيامه بعمله من تلك المعلومات، إلا إذا كانت قد نُشرت بالطريق القانوني أو أذنت السلطة المختصة في إذاعتها، كما أجاز لهذه السلطة أن تأذن في الشهادة بناءً على طلب المحكمة أو أحد الخصوم.
ومؤدى هذا النص أن مناط الحظر ليس مجرد توافر صفة الموظف العام في الشاهد، وإنما أن يكون محل شهادته من المعلومات التي وصلت إلى علمه بسبب وظيفته وأثناء قيامه بها، وأن تكون تلك المعلومات مما لم يُنشر بالطريق القانوني، ولم يثبت صدور إذن من السلطة المختصة بإذاعتها؛ فإذا اجتمعت هذه العناصر، قامت الحماية القانونية التي قررها المشرع، ولم يعد من الجائز التعويل على هذه المعلومات باعتبارها شهادة صحيحة صادرة في الحدود التي رسمها القانون، ما لم يستظهر في الأوراق تحقق الطريق القانوني الذي أباح الإدلاء بها.
وهذا القيد التشريعي لا يجوز تجاوزه بمجرد إضفاء وصف «الشهادة» على المعلومات الوظيفية، أو بمجرد حضور الموظف أمام جهة التحقيق أو المحكمة وإدلائه بما يعلمه بحكم عمله، إذ إن مصدر العلم في هذه الحالة هو الوظيفة ذاتها، والمشرع هو الذي نظم على وجه الخصوص مدى جواز إفشاء المعلومات التي تصل إلى الموظف بسببها، وحدد شرطًا لذلك هو النشر بالطريق القانوني أو صدور الإذن من السلطة المختصة.
وإذ كانت المادة 225 من قانون الإجراءات الجنائية قد أوجبت على المحاكم الجنائية، في المسائل غير الجنائية التي تفصل فيها تبعًا للدعوى الجنائية، اتباع طرق الإثبات المقررة في القانون الخاص بتلك المسائل، فإن مؤدى ذلك – في نطاق انطباق النص – أن القيد الوارد بالمادة 65 من قانون الإثبات لا يجوز إهداره لمجرد أن الدعوى المطروحة أمام المحكمة جنائية، ولا يجوز أن تتحول الإحالة العامة إلى قواعد الإثبات الجنائي إلى وسيلة لتجاوز قيد خاص وضعه المشرع بالنسبة إلى طائفة محددة من المعلومات الوظيفية.
والثابت أن مناط تطبيق هذا الدفع يتحدد بحسب مضمون ما أدلى به الشاهد ومصدر علمه به؛ فإذا كانت أقواله قد اقتصرت على وقائع شاهدها بنفسه خارج نطاق المعلومات الوظيفية المحمية، أو على بيانات منشورة بالطريق القانوني، فإن هذا الدفع لا ينصرف إليها. أما إذا كانت الشهادة قد انصبت على معلومات أو بيانات أو إجراءات أو مكاتبات أو مضمون مستندات لم تكن متاحة للشاهد إلا بحكم وظيفته، وكانت تلك المعلومات غير منشورة بالطريق القانوني، فإن الأمر يصبح متعلقًا مباشرة بالقيد الذي فرضته المادة 65 من قانون الإثبات، ويكون على جهة الاتهام – وعلى المحكمة عند التعويل عليها – أن تستظهر وجود المسوغ القانوني الذي أباح للشاهد إفشاءها.
ولا يكفي في هذا المقام القول بمجرد أن الشاهد موظف مختص بالموضوع أو أنه كان قائمًا على فحص الأوراق أو مراجعتها، لأن اختصاص الموظف بالعمل لا يُنشئ بذاته إذنًا قانونيًا عامًا بإفشاء كل ما يصل إلى علمه بسبب وظيفته، وإنما يتعين التحقق من طبيعة المعلومات محل الشهادة، وما إذا كانت قد نُشرت بالطريق القانوني، وما إذا كان قد صدر بشأنها إذن من السلطة المختصة، ومن هو مصدر هذا الإذن، وما إذا كان قائمًا وقت الإدلاء بالشهادة، وذلك كله حتى يمكن القول بأن الشهادة قد صدرت في نطاق الاستثناء الذي أجازه القانون.
ويزداد الأمر أهمية في الدعوى الماثلة إذا كانت أقوال هؤلاء الموظفين قد استُخدمت لإثبات أمور تتعلق بمضمون محررات رسمية، أو بحدود سلطة الوكالة، أو بالإجراءات التي تمت أمام الجهات الإدارية المختصة، أو بتفسير ما كان متاحًا للموظف بحكم عمله من بيانات ومستندات، ثم اتُخذت تلك الأقوال أساسًا لإهدار ما هو ثابت بالمحررات الرسمية أو لإضافة قيود أو شروط غير واردة بها؛ إذ لا يجوز أن تتحول الشهادة الوظيفية إلى وسيلة غير مباشرة لإعادة صياغة مضمون المحرر أو إنشاء واقعة قانونية جديدة لم يثبتها سندها الرسمي.
ومن ثم، فإن المتهم الأول يتمسك بأن المحكمة – إذا أرادت التعويل على ما أدلى به أي من الموظفين العموميين من معلومات مصدرها وظيفته – يتعين عليها ابتداءً أن تتحقق من مدى انطباق المادة 65 من قانون الإثبات على كل شهادة بحسب موضوعها ومصدر العلم بها، وأن تستظهر على نحو سائغ ما إذا كانت المعلومات محل الشهادة قد نُشرت بالطريق القانوني، أو كان قد صدر الإذن من السلطة المختصة في إذاعتها، وأن تبين سند هذا الإذن وحدوده، إن كان موجودًا؛ وإلا غدا التعويل على تلك المعلومات مخالفًا للقيد الذي فرضه المشرع.
ولا ينال من ذلك القول بأن الموظف قد أدلى بأقواله أمام جهة تحقيق أو أمام المحكمة، ذلك أن مجرد الإدلاء بالمعلومة لا يصحح بذاته عدم توافر الشرط القانوني الذي وضعه المشرع لإذاعتها متى كانت من المعلومات التي حظر النص على الموظف الشهادة بشأنها، كما لا يغني عن التحقق من وجود الإذن القانوني أن تكون المعلومة قد وردت في محضر من محاضر الاستدلال أو التحقيق، متى كان مصدرها الأصلي معلومات وظيفية غير منشورة لم يثبت الإذن بإذاعتها.
ومن ناحية أخرى، فإن الدفاع لا يطلب استبعاد أقوال الموظفين على إطلاقها لمجرد صفتهم الوظيفية، وإنما يتمسك – على وجه الدقة – بعدم جواز التعويل على المعلومات الوظيفية المحمية بنص المادة 65 إذا ثبت أن مصدرها الوظيفي وأنها لم تُنشر بالطريق القانوني ولم يصدر الإذن اللازم بإذاعتها، مع التمييز بين هذه الحالة وبين الوقائع المستقلة التي يجوز للشاهد أن يدلي بها باعتباره شاهدًا عليها لا ناقلًا لمعلومات وظيفية محظور إفشاؤها.
ولما كانت هذه الشهادة – متى تعلقت بالمعلومات الوظيفية غير المنشورة – قد يُراد منها في الدعوى الماثلة أن تكون أحد الأدلة التي يُستخلص منها قيام فعل التزوير أو تحديد حدود سلطة المتهم الأول أو إثبات علمه بعدم مشروعية ما قام به أو استخلاص القصد الجنائي لديه، فإن استبعاد أو عدم جواز التعويل على الجزء المحظور قانونًا منها يصبح ذا أثر مباشر في وزن الدليل وتكوين عقيدة المحكمة؛ إذ لا يجوز أن يُبنى الاستدلال على عنصر من عناصر الجريمة على معلومة لم يثبت أن القانون أجاز أصلًا إفشاءها على النحو الذي وصلت به إلى المحكمة.
ويتمسك المتهم الأول كذلك بأن عبء التحقق من مشروعية الدليل المطروح على المحكمة لا يُستعاض عنه بمجرد افتراض صحة الإجراءات، متى أثار الدفاع دفعًا جديًا محددًا قائمًا على نص قانوني صريح، وحدد مصدر المعلومة وطبيعتها وسبب دخولها في نطاق المعلومات التي وصلت إلى الشاهد بحكم وظيفته؛ إذ يصبح لزامًا بحث هذا الدفاع والوقوف على مدى توافر شروط النص قبل ترتيب أي أثر على تلك الأقوال.
وبناءً عليه، فإن المتهم الأول يلتمس عدم التعويل على ما يكون قد أدلى به أي من الموظفين العموميين أو المكلفين بخدمة عامة من معلومات وظيفية لم تُنشر بالطريق القانوني، متى لم يثبت صدور الإذن من السلطة المختصة في إذاعتها، وذلك في الحدود التي تنطبق عليها أحكام المادة 65 من قانون الإثبات، وإعمال حكم المادة 225 من قانون الإجراءات الجنائية فيما تقرره من اتباع طرق الإثبات المقررة في القانون الخاص بالنسبة إلى المسائل غير الجنائية التي تفصل فيها المحكمة الجنائية تبعًا للدعوى، مع استبعاد الأثر الاستدلالي لأي قول قام على معلومات ثبت دخولها في نطاق الحظر القانوني.
وإذا كان الحكم المعارض فيه قد عوّل على أقوال موظفين عموميين في شأن معلومات لم تصل إلى علمهم إلا بحكم وظائفهم، دون أن يستظهر طبيعة تلك المعلومات، وما إذا كانت قد نُشرت بالطريق القانوني، أو يتحقق من صدور الإذن القانوني من السلطة المختصة في إذاعتها، ودون أن يواجه دفاع المتهم الأول القائم على انطباق المادة 65 من قانون الإثبات عليها، فإن ذلك يكون – بحسب الأحوال – قصورًا في التسبيب وإخلالًا بحق الدفاع وخطأً في تطبيق القانون، متى كانت تلك الأقوال قد اتخذت سندًا مؤثرًا في تكوين عقيدة المحكمة أو في إثبات أحد عناصر الاتهام.
الدفع الحادي عشر: عدم صلاحية شهادة من لم يباشر تحرير أو توثيق التوكيل محل الاتهام لإثبات واقعة صدوره أو مضمونه أو نفي السلطة المستمدة منه، متى كان علمه بالواقعة غير مباشر وقائمًا على الاطلاع اللاحق أو الاستنتاج
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع، تأسيسًا على أن الشهادة – بطبيعتها القانونية – إنما تنصب على ما أدركه الشاهد إدراكًا مباشرًا بحواسه، لا على ما استخلصه من قراءة لاحقة لمحرر، أو ما نقله إليه غيره، أو ما استنتجه من ظروف وملابسات لم يشهدها بنفسه؛ إذ إن مناط قيمة الشهادة أن يكون مصدر العلم الذي ينسبه الشاهد إلى نفسه قائمًا على إدراكه الشخصي للواقعة محل الشهادة.
وقد جرى قضاء النقض على تأكيد أن الشهادة إنما تكون تقريرًا لما رآه الشاهد أو سمعه بنفسه أو أدركه بحواسه، وأن إقامة الدليل على واقعة لم تكن مقررة لعلم الشاهد نفسه وإنما منسوبة إلى غيره لا تصلح بذاتها سندًا سليمًا للإدانة.
ومن ثم، فإن تحديد مدى صلاحية الشاهد للإدلاء بأقواله في شأن التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، يتوقف ابتداءً على تحديد مصدر علمه بهذا التوكيل، وما إذا كان قد حضر واقعة تحريره وتوثيقه، أو باشر بنفسه إجراءاته، أو كان طرفًا في الواقعة التي صدر فيها، أو كان ممن عاصروا إنشاء المحرر وسمعوا إرادة الموكل عند صدوره، أم أن علمه به لم يتجاوز مجرد الاطلاع اللاحق على صورة منه أو على ملف احتوى عليه أو على مستندات مرتبطة به.
فإذا كان الشاهد لم يباشر تحرير التوكيل أو توثيقه، ولم يحضر أمام الموظف المختص وقت صدوره، ولم يشهد بنفسه إرادة الموكل عند إنشائه، ولم يكن حاضرًا واقعة تحديد نطاق الوكالة، فإن ما يمكن أن يقرره عن واقعة صدور التوكيل لا يعدو أن يكون علمًا لاحقًا مستمدًا من الاطلاع على المحرر ذاته، وليس شهادة على الواقعة التي أنشأت المحرر.
والأمر ذاته ينطبق – وبدرجة أوضح – على محاولة الاستدلال بأقوال شاهد لم يحرر التوكيل ولم يوثقه لإثبات أن التوكيل لا يخول المتهم الأول سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات، أو أنه لم يكن يتضمن سلطة تقليل أو زيادة حصص الشركاء، أو أن إرادة الموكل لم تكن قد اتجهت إلى منح هذه السلطة؛ ذلك أن هذه المسائل لا يجوز استخلاصها من مجرد المعرفة اللاحقة بالمحرر، وإنما يتعين الرجوع ابتداءً إلى ذات سند الوكالة ومضمونه الثابت فيه.
فالمحرر الرسمي هو الذي يحمل في ذاته البيانات التي أثبتها الموظف المختص في حدود وظيفته، وهو الذي يكشف عن نطاق السلطة التي أضفاها الموكل على وكيله بحسب عباراته ومراميه، ولا يستطيع شاهد لم يشهد إنشاء الوكالة أن يستبدل بمضمونها الثابت تفسيرًا شخصيًا مستمدًا من قراءته اللاحقة أو من استنتاجه الخاص.
ولا يغير من ذلك أن يكون الشاهد موظفًا مختصًا أو ذا صلة بالجهة التي تحتفظ بالمحرر؛ إذ إن الاختصاص الوظيفي أو الاطلاع على الملف بعد إنشائه لا يحول العلم اللاحق إلى علم مباشر بواقعة إنشاء التوكيل، ولا يجعل الشاهد شاهدًا على إرادة الموكل وقت إصدار الوكالة، ولا يتيح له أن يقرر – باعتباره واقعة شاهدها – ما لم يشهده بنفسه.
وبعبارة أدق، فإن هناك فارقًا جوهريًا بين أن يقول الشاهد: «كنت حاضرًا واقعة تحرير التوكيل وسمعت ما صدر من الموكل وشاهدت إجراء توثيقه»، وبين أن يقول: «اطلعت بعد ذلك على التوكيل، وفهمت منه أنه لا يخول الوكيل سلطة معينة»؛ فالأول – متى توافرت شروطه القانونية – شهادة عن واقعة أدركها الشاهد بنفسه، أما الثاني فهو في حقيقته إبداء لرأي أو استنتاج لاحق من محرر قائم، ولا يصلح بذاته لأن يحل محل المحرر أو أن ينشئ قيدًا غير ثابت به.
وتزداد أهمية هذا التمييز في الدعوى الماثلة، لأن جوهر دفاع المتهم الأول يقوم على أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 قد صدر قبل الواقعة محل الاتهام، وأن المتهم الأول باشر التصرف محل الاتهام استنادًا إليه وبصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، وأن نطاق هذا التوكيل هو المسألة الجوهرية التي يتوقف عليها تقدير مشروعية التوقيع ومدى توافر أي تجاوز للسلطة من عدمه.
ومن ثم، فإن إثبات حدود الوكالة لا يجوز أن يتحول إلى مسألة تستخلص من الانطباع الشخصي لشاهد لم يكن حاضرًا عند إنشاء الوكالة، ولا من تفسيره الخاص لمحرر رسمي لم يحرره أو يوثقه، ولا من معلومات تلقاها أو استخلصها بعد ذلك من ملف الدعوى أو من إجراءات لاحقة؛ وإنما يتعين أن يكون أساس البحث هو النص الثابت في سند الوكالة ذاته، وما يحيط به من مستندات رسمية معاصرة لإصداره، وما ثبت على وجه رسمي بشأن تفسير نطاقه أو تطبيقه.
ولا سيما أن الأوراق – بحسب الثابت بها – قد تضمنت مذكرة رسمية صادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، انتهت بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل البحث إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن إلغاء التوكيل قد تم لاحقًا على التوقيع بموجبه.
ومن ثم، فإن إهدار هذا الدليل الرسمي الجوهري أو الالتفاف عليه بأقوال شاهد لم يباشر أصلًا واقعة إنشاء التوكيل أو توثيقه، ثم اتخاذ أقواله أساسًا لنفي سلطة الوكيل أو لإثبات قيد غير وارد في سند الوكالة، يكون قد نقل مصدر الإثبات من المحرر ذاته إلى استنتاج شخصي لاحق، وهو ما لا يستقيم مع طبيعة الواقعة محل الإثبات ولا مع حجية المحرر الرسمي في الحدود التي رسمها القانون.
كما أن الشاهد الذي لم يحضر واقعة تحرير الوكالة لا يملك – من الناحية الواقعية – أن يجزم بما إذا كانت إرادة الموكل عند صدور التوكيل قد اتجهت إلى تخويل الوكيل سلطة معينة أو استبعادها، لأن تلك الإرادة واقعة سابقة على علمه اللاحق بالمحرر، ولا يمكنه أن يشهد عليها باعتبارها واقعة أدركها بنفسه.
وإذا كان الشاهد قد استند في أقواله إلى ما وجده في ملف أو إلى ما قرأه في محررات أو مكاتبات لاحقة، فإن أقصى ما تثبته شهادته – في هذا النطاق – هو أنه اطلع على تلك المستندات، وليس أن ما ورد فيها يمثل واقعة عاصرها أو إرادة شخصية شهد صدورها، فضلًا عن أن استخلاص الأثر القانوني من مضمون التوكيل ليس واقعة حسية يشهد عليها الموظف، وإنما هو أمر يستخلص من المحرر ذاته ومن القواعد القانونية الحاكمة له.
ومن ثم، فإن ما قد يرد على لسان الشاهد من عبارات من قبيل أن «التوكيل لا يبيح كذا» أو أن «الموكل لم يقصد كذا» أو أن «سلطة الوكيل لم تكن تمتد إلى تعديل حصص الشركاء»، لا تكون له قيمة الشهادة المباشرة إذا كان الشاهد لم يحضر واقعة إصدار التوكيل ولم يسمع إرادة الموكل ولم يباشر توثيقه، وإنما استخلص ذلك من اطلاعه اللاحق أو من تفسيره الشخصي للمحرر.
ولا ينال من ذلك أن تكون للمحكمة سلطة تقدير أقوال الشهود؛ فسلطتها في وزن الدليل لا تعني تحويل القول غير المباشر إلى علم شخصي، ولا تعني منح الشاهد علمًا لم يكن له، ولا إعفاء الحكم من بيان مصدر الدليل الذي أقام عليه قضاءه، ولا سيما إذا كان هذا القول قد اتخذ أساسًا لاستخلاص عنصر جوهري من عناصر الاتهام.
وقد أكدت محكمة النقض، في أحد مبادئها المنشورة، أن الأخذ بأقوال شاهد في واقعة لم تكن مقررة لعلمه الشخصي، وإنما كانت منسوبة إلى غيره، لا يصلح سندًا سائغًا للإدانة، وأن الأمر يكتسب أهمية خاصة عندما تكون تلك الأقوال هي عماد الاستدلال في الحكم.
ومن ناحية أخرى، فإن هذا الدفع لا ينصب على مجرد صفة الشاهد، ولا يستهدف استبعاد كل شهادة أدلى بها شخص لم يحرر التوكيل، وإنما ينصب تحديدًا على مدى صلاحية أقواله لإثبات واقعة صدور التوكيل أو مضمونه أو إرادة الموكل عند إنشائه أو نفي السلطة المستمدة منه، متى كان مصدر علمه في هذه المسائل غير مباشر وقائمًا على الاطلاع اللاحق أو الاستنتاج.
فإذا كان الشاهد لم يكن حاضرًا عند تحرير التوكيل، ولم يباشر توثيقه، ولم يسمع إرادة الموكل، ثم انتهى – بعد اطلاعه اللاحق على المستند – إلى تقرير حدود لم ترد فيه أو إلى نفي سلطة استمدها المتهم الأول صراحة من عباراته، فإن أقواله في هذا الشأن لا تعدو أن تكون تفسيرًا شخصيًا للمحرر، ولا يجوز أن تكون لها قوة إنشاء قيد قانوني غير وارد فيه، فضلًا عن اتخاذها أساسًا لإثبات الركن المادي أو المعنوي لجريمة التزوير.
ويستصحب المتهم الأول في هذا المقام أن الأصل هو الرجوع إلى سند الوكالة ذاته لتحديد نطاق السلطة، وأن المنازعة في تفسير عباراته شيء، وإثبات واقعة تزوير أو تجاوز جنائي شيء آخر؛ فلا يجوز الانتقال من مجرد تفسير موظف لاحق للمحرر إلى القول بتوافر فعل تغيير الحقيقة أو العلم بعدم المشروعية أو القصد الجنائي، ما لم يقم الدليل المستقل على كل عنصر من هذه العناصر.
وعليه، فإذا كان الحكم المعارض فيه قد أقام جانبًا من قضائه على أقوال شخص لم يباشر تحرير أو توثيق التوكيل رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017، ولم يكن حاضرًا واقعة إصداره أو شاهدًا على إرادة الموكل عند إنشائه، وإنما استند في أقواله إلى اطلاعه اللاحق على التوكيل أو على ملفاته أو إلى استنتاجه الشخصي لمضمونه، ثم اتخذ من هذه الأقوال سندًا لنفي سلطة المتهم الأول أو لإضافة قيد إلى نطاق الوكالة أو لإثبات عدم مشروعية توقيعه، فإن هذا الاستدلال يكون قد أقيم على غير مصدر مباشر للعلم، ويغدو – بحسب أثره في تكوين عقيدة المحكمة – غير سائغ، وقاصرًا عن حمل النتيجة التي انتهى إليها الحكم.
ويتمسك المتهم الأول، لذلك، بعدم التعويل على أي قول من هذا القبيل في إثبات واقعة صدور التوكيل أو تحديد مضمونه أو نفي السلطة المستمدة منه، متى ثبت أن مصدر علم الشاهد لم يكن مباشرًا وإنما كان قائمًا على الاطلاع اللاحق أو الاستنتاج، مع وجوب الرجوع في تحديد نطاق الوكالة إلى سندها الرسمي ذاته وما ثبت بالأوراق الرسمية ذات الصلة، وبالأخص ما انتهت إليه الجهة الرسمية المختصة بالتوثيق بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام.
الدفع الثاني عشر: انتفاء الدليل اليقيني على وقوع تغيير للحقيقة، وعدم كفاية مجرد الاعتراض على التصرف أو المنازعة في مدى موافقة الموكل عليه لإثبات جريمة التزوير، مع قيام الشك في أصل الفعل المادي للجريمة
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع، تأسيسًا على أن جريمة التزوير لا تقوم بمجرد وجود خلاف حول التصرف محل المحرر، ولا بمجرد ادعاء أن الموكل لم يكن راضيًا عن مضمونه، ولا بمجرد المنازعة اللاحقة في مدى موافقة الموكل على ما تم من إجراءات، وإنما يلزم – قبل الانتقال إلى بحث القصد الجنائي أو نية الاستعمال – أن يثبت الاتهام ابتداءً وبأدلة جازمة ومعتبرة وقوع فعل مادي محدد من أفعال تغيير الحقيقة في محرر مما يحميه القانون، وأن يكون هذا التغيير قد وقع بإحدى الطرق التي نص عليها القانون، وأن يكون من شأنه ترتيب الضرر أو احتماله.
ذلك أن محل التجريم في التزوير ليس مجرد الاختلاف بين إرادة أحد أطراف التصرف وبين ما آل إليه التصرف، ولا مجرد عدم موافقة الموكل لاحقًا على آثاره، وإنما هو العبث بالحقيقة الثابتة في المحرر على نحو ينشئ به الجاني مظهرًا مخالفًا للحقيقة، مع توافر باقي الأركان القانونية للجريمة.
وقد استقر قضاء النقض على أن جوهر جريمة التزوير يتمثل في تغيير الحقيقة بإحدى الطرق التي حددها القانون، وأن القصد الجنائي في هذه الجريمة لا يقوم بمجرد العلم بوجود المحرر أو المشاركة في إصداره، وإنما يتطلب العلم بأن ثمة تغييرًا للحقيقة في محرر على نحو تتحقق به أركان الجريمة، واقتران ذلك بقصد استعمال المحرر فيما زُوِّر من أجله.
ومن ثم، فإن نقطة البدء في الدعوى الماثلة ليست السؤال عما إذا كانت صاحبة الشأن قد رضيت لاحقًا عن التصرف أو اعترضت عليه، وإنما السؤال السابق منطقيًا وقانونًا: أين هو فعل تغيير الحقيقة الذي ارتكبه المتهم الأول تحديدًا؟ وما الحقيقة التي كانت قائمة قبل تحرير المحرر؟ وما الحقيقة التي أثبتها المحرر على خلافها؟ وما وسيلة التغيير التي استُعملت في إحداث هذا الاختلاف؟
فإذا لم تستطع أدلة الاتهام الإجابة عن هذه الأسئلة إجابة محددة قائمة على دليل يقيني، فإن أصل الركن المادي للجريمة يظل محل شك، ولا يجوز القفز فوق هذا الشك إلى افتراض وقوع التزوير لمجرد وجود منازعة في التصرف أو في آثاره.
والثابت بالأوراق – بحسب دفاع المتهم الأول – أن الواقعة لا تتمثل في اصطناع توقيع منسوب إلى صاحبة الشأن، ولا في انتحال شخصيتها، ولا في اصطناع محرر منسوب إليها دون سند، وإنما تتمثل في قيام المتهم الأول بالتوقيع بصفته وكيلاً عنها وبالاستناد إلى التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو سند رسمي سابق على الواقعة محل الاتهام.
ومن ثم، فإن مجرد الاعتراض على التصرف الذي تم بموجب الوكالة، أو القول بأن الموكل لم يكن يرغب في إتمام ذلك التصرف، أو المنازعة في مدى موافقة الموكل عليه، لا يثبت – بذاته – أن المتهم الأول قد غيّر حقيقة مادية أو قانونية في المحرر، ولا يحول التصرف محل المنازعة إلى محرر مزور بمجرد عدم الرضا عنه.
فثمة فارق جوهري بين القول بأن التصرف لم يكن مرغوبًا فيه أو أن الموكل ينازع في نطاق سلطة الوكيل أو في مدى موافقته على آثار التصرف، وبين القول بأن الوكيل ارتكب فعلًا من أفعال تغيير الحقيقة التي جرمها قانون العقوبات. والأول – حتى على فرض صحته – لا يؤدي حتمًا إلى الثاني.
وإذا كان المتهم الأول قد أعلن صفته التمثيلية عند التوقيع، واستند إلى توكيل رسمي قائم وقت مباشرة التصرف، فإن الواقعة تحتاج – لكي تتحول من مجرد منازعة في نطاق الوكالة إلى جريمة تزوير – إلى دليل مستقل يثبت أن المتهم الأول أثبت في المحرر واقعة غير صحيحة على خلاف الحقيقة، أو اصطنع محررًا أو توقيعًا أو غيّر بيانًا جوهريًا بقصد الغش، وليس مجرد القول إن الأصيل لم يكن موافقًا على النتيجة التي انتهى إليها التصرف.
ولا يجوز في هذا المقام الاستعاضة عن الدليل على فعل التغيير ذاته بدليل على وجود نزاع حول التصرف؛ لأن وجود النزاع لا يثبت موضوع النزاع، كما أن اعتراض أحد أطراف العلاقة على تصرف قانوني لا يثبت بذاته أن المحرر الذي جسد ذلك التصرف قد تعرض للتزوير.
ويؤكد ذلك أن قضاء النقض قد قرر أن التوسع في نطاق جرائم التزوير غير جائز، وأن النصوص العقابية الخاصة بالتزوير لا يصح مد نطاقها إلى وقائع لا تتناولها نصوص التجريم.
وعلى ذلك، فلا يكفي أن يقال إن صاحبة الشأن لم تكن موافقة على تخفيض حصتها أو على التعديل الذي تم في عقد الشركة، وإنما يتعين إثبات أن ما أثبته المحرر من واقعة أو بيان قد كان مخالفًا للحقيقة وقت تحريره، وأن المتهم الأول هو الذي أحدث هذه المخالفة بإحدى وسائل التزوير المعاقب عليها قانونًا.
أما إذا كانت حقيقة الواقعة أن المتهم الأول وقع باسمه وبصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، وأثبت في المحرر صفته التمثيلية، وكان يستند وقت التوقيع إلى سند وكالة قائم لم يكن قد أُلغي بعد، فإن القول بعدم موافقة الموكل على التصرف – في ذاته – لا يحدد عنصرًا ماديًا مزورًا في المحرر، وإنما ينقل النزاع إلى نطاق آخر يتعلق بمدى سلطة الوكيل وآثار التصرف ومدى موافقته لإرادة الأصيل، وهي مسائل لا تتحول بمجرد إثارتها إلى دليل على ارتكاب جريمة التزوير.
ويزداد الأمر وضوحًا في الدعوى الماثلة بالنظر إلى ما ثبت بالأوراق من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 كان قائمًا وقت مباشرة التصرف، وأن إلغاءه – بحسب الثابت بالمستندات – جاء لاحقًا على التوقيع بموجبه، فضلًا عما انتهت إليه مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، من أن سند الوكالة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء.
وهذه العناصر لا تعني بذاتها حسم جميع المسائل المدنية المتعلقة بالتصرف، وإنما تكشف – على أقل تقدير – عن قيام أساس جدي ومشروع لمباشرة المتهم الأول للتصرف، بما يجعل الانتقال من مجرد المنازعة في نطاق الوكالة إلى الجزم بوقوع تزوير أمرًا يحتاج إلى دليل إيجابي مستقل على فعل تغيير الحقيقة ذاته.
ولا يجوز أن يكون مجرد وجود خلاف بين الموكل والوكيل حول التصرف هو الدليل الذي يُستخلص منه وقوع التزوير؛ وإلا أصبحت كل منازعة لاحقة حول حدود الوكالة أو حول مدى رضا الأصيل عن تصرف وكيله قابلة للتحول إلى اتهام جنائي بالتزوير، وهو ما لا يستقيم مع مبدأ التفسير الضيق للنصوص العقابية ولا مع ضرورة ثبوت أركان الجريمة ثبوتًا يقينيًا.
كما لا يجوز بناء الركن المادي للجريمة على مجرد الاستنتاج القائم على أن «الموكل لو كان موافقًا لما اعترض لاحقًا»، لأن هذا استنتاج لا يثبت واقعة التزوير، وإنما يستخلص من واقعة لاحقة عليها موقفًا نفسيًا أو مدنيًا، ثم ينقل أثر هذا الموقف إلى لحظة تحرير المحرر، دون إقامة الدليل على أن الحقيقة قد تغيرت بالفعل في ذلك الوقت.
والأصل أن الواقعة الجنائية لا تثبت بالافتراض، ولا يستكمل الركن المادي بالاستنتاج المجرد؛ فإذا كانت الأدلة لا تكشف تحديدًا عن الحقيقة السابقة على المحرر، والحقيقة التي أثبتها المحرر على خلافها، وطريقة التغيير التي نسبت إلى المتهم الأول، فإن الشك في أصل الفعل المادي يظل قائمًا.
ولا ينال من ذلك القول بأن التزوير من الجرائم التي يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات؛ إذ إن حرية الإثبات في المواد الجنائية لا تعني الاستغناء عن وجوب إثبات أركان الجريمة، وإنما تعني أن المحكمة تستطيع أن تستخلص الحقيقة من الأدلة المطروحة عليها متى كانت هذه الأدلة مؤدية إلى النتيجة التي انتهت إليها. وقد قررت محكمة النقض أن واقعة التزوير من الوقائع الجنائية التي يجوز الاستدلال عليها بطرق الإثبات القانونية كافة، وهو ما لا يعفي – بطبيعة الحال – من ضرورة أن يكون الدليل منتجًا في إثبات واقعة التغيير ذاتها.
ومن ثم، فإن القول بوجود شهادة أو قرائن على اعتراض الموكل على التصرف لا يكفي بذاته لإثبات التزوير ما لم تكن هذه الأدلة تكشف بصورة مباشرة أو بطريق استدلال سائغ عن واقعة تغيير الحقيقة وعن نسبتها إلى المتهم الأول.
ولا سيما أن الدعوى الماثلة تدور في جانب جوهري منها حول نطاق الوكالة ومضمونها ومدى امتداد السلطة الممنوحة للمتهم الأول، وهي مسائل يظل سندها الأول هو التوكيل الرسمي ذاته وما ثبت بالأوراق الرسمية ذات الصلة، ولا يجوز اختزال هذا النزاع المعقد في نتيجة واحدة مؤداها أن مجرد عدم رضا الموكل عن التصرف يساوي حتمًا وقوع تزوير.
بل إن الثابت أن الجهة الرسمية المختصة بالتوثيق قد فحصت سند الوكالة في إطار الملف رقم 134 لسنة 2026، وانتهت إلى أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، بما في ذلك الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن إلغاء التوكيل كان لاحقًا على التوقيع بموجبه. وهذا المستند الرسمي – على أقل تقدير – ينشئ شكًا جديًا في التصوير الذي تقوم عليه رواية الاتهام إذا كانت هذه الرواية تفترض ابتداءً أن المتهم الأول لم تكن له أي سلطة في مباشرة التصرف.
ومن ثم، لا يكون أمام المحكمة – في ظل هذا التعارض الجوهري – أن تستبدل اليقين الجنائي بمجرد الترجيح، أو أن تعتبر مجرد اعتراض الموكل لاحقًا قرينة قاطعة على أن المتهم الأول قد ارتكب فعل تغيير الحقيقة.
ويستصحب المتهم الأول في هذا المقام أن الشك لا يدور فقط حول القصد الجنائي، وإنما يمتد ابتداءً إلى وجود الفعل المادي نفسه؛ فإذا كان من الجائز – في ضوء المستندات – أن يكون المتهم الأول قد باشر التصرف باعتباره وكيلاً، وبموجب سند وكالة قائم، وبصفته معلنة في المحرر، فإن فرضية وقوع تزوير مادي أو معنوي لا تكون هي الفرضية الوحيدة الممكنة، بل تقوم إلى جوارها فرضية مشروعة ومؤيدة بالمستندات، هي أن المتهم الأول باشر تصرفًا قانونيًا استنادًا إلى ما اعتقد – وله سند رسمي في ذلك – أنه نطاق سلطته.
وحين تتعدد الفرضيات الممكنة بشأن الواقعة المادية، ولا يكون دليل الاتهام قادرًا على استبعاد الفرضية التي تنفي وقوع التغيير الإجرامي، فإن نسبة الجريمة إلى المتهم لا تستقيم إلا بدليل آخر مستقل يرفع هذا الشك، وهو ما يتعين على الحكم أن يستظهره استظهارًا واضحًا.
كما أن الحكم بالإدانة لا يصح أن يقوم على تحويل النتيجة محل النزاع إلى دليل على الفعل المنشئ لها؛ فلا يصح أن يقال إن التعديل محل الاعتراض دليل على التزوير، ثم يُستدل من التعديل نفسه على وقوع التزوير، لأن ذلك لا يعدو أن يكون مصادرة على المطلوب وإثباتًا للواقعة محل الاتهام بالواقعة ذاتها.
فإذا كان التغيير المدعى به هو أن حصة أحد الشركاء قد انخفضت أو زادت حصة شريك آخر، فإن مجرد ثبوت حدوث هذا التعديل لا يثبت أن التوقيع الذي صدر عليه مزور، ولا يثبت أن الوكيل تجاوز سلطته، ولا يثبت أن البيانات الواردة في المحرر كانت كاذبة وقت تحريره؛ وإنما يتعين إقامة الدليل على كل حلقة من هذه الحلقات بصورة مستقلة.
ومن ثم، فإن المتهم الأول يتمسك بأن الأوراق قد خلت من دليل يقيني كافٍ على أصل فعل تغيير الحقيقة، وأن ما قام به الاتهام – بحسب تصوير الدفاع – لا يجاوز في جوهره الاستناد إلى اعتراض لاحق على التصرف، ومنازعة في مدى موافقة الموكل عليه، وأقوال أو استنتاجات تتعلق بنطاق الوكالة، وهي عناصر لا تنهض منفردة لإثبات الركن المادي لجريمة التزوير.
ويترتب على ذلك أن الشك لا يكون مجرد شك في الوصف القانوني أو في القصد الجنائي، وإنما هو شك سابق على ذلك كله، متعلق بوجود الفعل المادي المجرّم ذاته؛ فإذا لم يثبت أن المتهم الأول قد غيّر حقيقة ثابتة في محرر بإحدى الطرق التي جرمها القانون، انتفى الأساس الذي يمكن أن يقوم عليه باقي البناء الجنائي.
ولذلك، فإن المتهم الأول يلتمس القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيسًا على انتفاء الدليل اليقيني على وقوع فعل تغيير الحقيقة ونسبته إليه، وعدم كفاية مجرد الاعتراض على التصرف أو المنازعة في مدى موافقة الموكل عليه لإثبات جريمة التزوير، وبقاء أصل الفعل المادي محل شك جدي قائم على مستندات رسمية وأسباب موضوعية، مع إعمال أصل البراءة وما يترتب عليه من عدم جواز بناء الإدانة إلا على دليل تطمئن إليه المحكمة ويقطع بقيام الجريمة ونسبتها إلى المتهم.
الدفع الثالث عشر: انتفاء القصد الجنائي لجريمة التزوير تبعاً لثبوت اعتقاد المتهم الأول بقيام صفته التمثيلية ومباشرته التصرف استناداً إلى توكيل رسمي قائم، وما تؤكده الأوراق الرسمية من مشروعية استعمال الوكالة وقت التوقيع
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع، تأسيسًا على انتفاء القصد الجنائي اللازم لقيام جريمة التزوير، إذ إن الثابت من ظروف الواقعة ومستنداتها أن مباشرته للتصرف محل الاتهام لم تكن وليدة انتحال صفة الغير أو اصطناع مركز قانوني غير قائم، وإنما تمت استنادًا إلى سند وكالة رسمي قائم ونافذ وقت مباشرة التصرف، وبصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، وعلى نحو كان من شأنه – في ضوء ظاهر الأوراق والظروف المحيطة بالواقعة – أن يؤكد لديه اعتقادًا جديًا ومشروعًا بأنه يباشر التصرف في حدود سلطة تمثيلية قائمة.
ذلك أن القصد الجنائي في جريمة التزوير ليس مجرد اتجاه إرادة المتهم إلى إحداث الأثر الذي ترتب على المحرر، وإنما يتطلب – في أصل تكوينه – علمًا بتغيير الحقيقة في المحرر على النحو الذي تتحقق به أركان الجريمة، واقتران هذا العلم بقصد استعمال المحرر فيما زُوّر من أجله. وقد استقر قضاء النقض على أن القصد الجنائي في جريمة التزوير ينحصر في العلم بأن المتهم يرتكب تغييرًا للحقيقة في محرر بإحدى الطرق التي نص عليها القانون، مع اقتران هذا العلم بنية استعمال المحرر فيما زُوّر من أجله.
ومن ثم، فإن مناط البحث في القصد الجنائي في الدعوى الماثلة لا ينصرف إلى مجرد ثبوت توقيع المتهم الأول على المحرر أو إلى مجرد علمه بأنه يقوم بإجراء تعديل في عقد الشركة، وإنما ينصرف إلى سؤال جوهري سابق على ذلك كله، مؤداه: هل كان المتهم الأول وقت مباشرته التصرف يعلم أنه يغيّر حقيقة ثابتة في المحرر على خلاف الواقع، وأنه يفعل ذلك بإحدى طرق التزوير المعاقب عليها قانونًا، وأن ما يباشره يمثل استعمالًا لمحرر مزور؟
والثابت بالأوراق أن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تستخلص في جانب الاتهام بمجرد افتراض العلم، ذلك أن المتهم الأول كان يستند وقت مباشرة التصرف إلى التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، الصادر قبل الواقعة محل الاتهام، والذي كان قائمًا وقت التوقيع ولم يكن قد أُلغي في ذلك التاريخ، كما أن توقيعه تم بصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، بما ينفي – من واقع ظاهر المحرر ذاته – فكرة انتحال شخصيتها أو إخفاء مصدر السلطة التي استند إليها.
فالمتهم الأول لم يكن أمام واقعة مجهولة المصدر أو سلطة مفترضة لا سند لها، وإنما كان أمام محرر رسمي منشئ للنيابة ومحدد لسلطته بحسب عباراته، وكان هذا المحرر قائمًا في ذمته القانونية وقت مباشرة التصرف. ومن ثم فإن استعماله لهذا السند في مباشرة التصرف لا يكشف – بذاته – عن علم بتغيير الحقيقة، بل يكشف في الاتجاه المقابل عن اعتقاده بأنه يستند إلى مصدر مشروع للسلطة التمثيلية.
ولا يجوز استخلاص القصد الجنائي من مجرد النتيجة التي انتهى إليها التصرف؛ إذ لا يصح أن يقال إن المتهم الأول كان يعلم بتزوير المحرر أو يعلم بعدم مشروعية سلطته لمجرد أن صاحبة الشأن اعترضت على التصرف لاحقًا أو نازعت في مدى موافقتها عليه. فالموقف اللاحق للأصيل لا يكشف بذاته عن الحالة الذهنية للنائب وقت مباشرته التصرف، ولا يحول بأثر رجعي اعتقادًا كان قائمًا على سند رسمي إلى علم جنائي بعدم المشروعية.
بل إن الترتيب الزمني للوقائع يحمل دلالة مقابلة؛ فالتوكيل كان قائمًا وقت التوقيع، ثم وقع إلغاؤه لاحقًا، وهو ما يعني أن المتهم الأول – وقت مباشرته التصرف – لم يكن يتعامل مع وكالة ملغاة أو منتهية بحسب ظاهر السند، وإنما مع وكالة قائمة لم يكن قد انقضت سلطتها في ذلك التاريخ بإلغاء سابق.
ويضاف إلى ذلك أن الأوراق الرسمية لم تقتصر على مجرد وجود التوكيل، وإنما تضمنت ما يؤيد مشروعية فهم المتهم الأول لنطاق سلطته؛ إذ انتهت مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل، في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل البحث، إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه.
وهذه المذكرة – وإن لم تكن في ذاتها حكمًا قضائيًا يفصل نهائيًا في المسؤولية الجنائية – إلا أنها تمثل دليلًا رسميًا جوهريًا على الأقل في تقدير الحالة الذهنية للمتهم الأول وقت مباشرة التصرف؛ ذلك أن الجهة الإدارية المختصة بالتوثيق، وبعد فحص سند الوكالة والتصرف، انتهت إلى تفسير مؤداه أن الوكالة تمتد إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وإلى تقليل أو زيادة حصص الشركاء.
ومن ثم، فإن القول بأن المتهم الأول كان يعلم – وقت التوقيع – أن سلطته لا تمتد إلى التصرف محل الاتهام يصبح قولاً يحتاج إلى دليل إيجابي مستقل، ولا يكفي فيه مجرد افتراض العلم أو استخلاصه من اعتراض لاحق للموكل، ولا سيما في مواجهة سند رسمي قائم ومذكرة رسمية لاحقة تؤيد امتداد سلطته.
والأصل أن العلم الجنائي لا يُفترض افتراضًا لمجرد قيام النتيجة محل النزاع، وإنما يستخلص من ظروف الواقعة وملابساتها والأدلة المطروحة فيها. فإذا كانت هذه الظروف تكشف عن أن المتهم الأول كان يتصرف استنادًا إلى محرر رسمي قائم، وأن صفته كوكيل كانت معلنة، وأن الوكالة لم تكن قد أُلغيت وقت التصرف، وأن جهة التوثيق المختصة انتهت لاحقًا إلى أن ذات الوكالة تخوله مباشرة هذا النوع من التصرفات، فإن استخلاص علمه بأنه يرتكب تزويرًا يحتاج إلى بيان خاص ودليل جازم لا يقوم على مجرد الاستنتاج.
ولا يغير من ذلك القول بأن المتهم الأول كان يعلم بمضمون التعديل أو يعلم أن حصة أحد الشركاء قد تغيرت؛ فالعلم بمضمون التصرف شيء، والعلم بأن هذا المضمون قد أُثبت بطريق تغيير الحقيقة الجنائي شيء آخر تمامًا.
فقد يكون الشخص عالمًا علمًا كاملاً بالتصرف الذي يباشره، ومقصودًا منه إتمامه، ومع ذلك لا يتوافر لديه القصد الجنائي للتزوير إذا كان يعتقد – استنادًا إلى سند قائم وظروف موضوعية مؤيدة – أنه يباشر التصرف بسلطة قانونية صحيحة، وأن البيانات التي يثبتها المحرر تعبر عن التصرف الذي يملك قانونًا إبرامه.
وعليه، فإن العلم بالتصرف لا يساوي العلم بالتزوير، والعلم بمضمون المحرر لا يساوي العلم بتغيير الحقيقة، والعلم باستعمال المحرر لا يساوي العلم بأنه محرر مزور؛ إذ إن كل عنصر من هذه العناصر له مدلوله المستقل، ولا يجوز دمجها جميعًا في نتيجة واحدة هي توافر القصد الجنائي دون دليل خاص عليها.
كما أن مباشرة المتهم الأول للتصرف بصفته وكيلاً لا تتفق – في ظاهرها – مع فرضية انتحال شخصية الموكل أو اصطناع مركز تمثيلي غير موجود؛ فقد ظهرت صفته في المحرر، واستند إلى رقم توكيل محدد، ولم يخفِ مصدر سلطته، وإنما أعلن أنه يوقع بصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن.
وهذا السلوك الظاهر لا يُنشئ بذاته حصانة من المسؤولية الجنائية، لكنه يمثل قرينة واقعية يتعين وزنها عند بحث الحالة الذهنية للمتهم؛ إذ يختلف مركز من يخفي صفته الحقيقية ويصطنع توقيعًا أو محررًا منسوبًا إلى غيره عن مركز من يكشف صفته التمثيلية ويتمسك أمام الجهة المختصة بسند وكالة رسمي محدد قائم وقت التصرف.
ولا سيما أن الأوراق – بحسب الثابت بها – لا تقدم صورة المتهم الأول باعتباره شخصًا حاول إخفاء الوكالة أو التنصل منها، وإنما باعتباره قد تمسك بها وبصفته المستمدة منها في مواجهة الجهة التي قدم إليها المحرر.
ومن ثم، فإذا كان الاتهام يستخلص القصد الجنائي من مجرد قيام المتهم الأول بالتوقيع أو استعمال المحرر أمام جهة رسمية، فإن هذا الاستدلال لا يكفي بذاته؛ لأن التوقيع والاستعمال هما الفعل المادي الظاهر، أما العلم بأن المحرر يتضمن تغييرًا للحقيقة فهو عنصر ذهني مستقل يجب استخلاصه من أدلة وقرائن تكشف عنه.
ولا يجوز كذلك أن يستمد العلم بالتزوير من مجرد القول بأن التصرف قد عاد بالنفع على أحد أطراف العلاقة أو أضر بمصلحة طرف آخر؛ فالباعث على التصرف، حتى مع افتراض وجوده، لا يثبت بذاته العلم بتغيير الحقيقة، كما أن وجود مصلحة في إتمام التصرف لا يغني عن إثبات العلم بأن الوسيلة المستخدمة في إتمامه كانت مزورة.
وفي الدعوى الماثلة، فإن محاولة استخلاص القصد الجنائي من النتيجة الاقتصادية أو القانونية التي ترتبت على تعديل حصة الشركاء لا تكشف بذاتها عن الحالة النفسية للمتهم الأول، ما لم يثبت أولاً أنه كان يعلم أن سلطته لا تمتد إلى ذلك التصرف وأنه مع ذلك تعمد إحداث تغيير للحقيقة في المحرر.
وهذه الحلقة الجوهرية لا يجوز افتراضها، خصوصًا مع وجود سند رسمي سابق للتصرف، ومع قيام الوكالة وقت التوقيع، ومع ثبوت أن إلغاءها كان لاحقًا، ومع صدور مذكرة رسمية من الجهة المختصة بالتوثيق انتهت إلى امتداد سلطة الوكالة إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
ويتعاظم أثر ذلك في المجال الجنائي؛ لأن الشك في القصد الجنائي لا يأتي هنا منفصلاً عن الشك في الركن المادي الذي سبق بيانه، وإنما يتولد عنه ويؤكده. فإذا كانت الأوراق لا تقدم دليلاً يقينيًا على أن المتهم الأول قد غيّر الحقيقة أصلًا، وكان لديه في الوقت ذاته سند رسمي قائم يعتقد أنه يبيح له مباشرة التصرف، فإن نسبة العلم الجنائي إليه تصبح أبعد من أن تُستخلص بمجرد الافتراض.
وقد عرفت محكمة النقض القصد الجنائي في التزوير على أنه يتطلب إدراك الجاني أنه يغير الحقيقة في محرر بإحدى الطرق القانونية، مع توافر نية استعمال المحرر فيما زُوّر من أجله. ومن ثم فإن ثبوت اعتقاد المتهم، استنادًا إلى ظروف موضوعية، بأن ما يباشره هو استعمال مشروع لوكالة قائمة، يتصل مباشرة بالعنصر المتعلق بالعلم بتغيير الحقيقة، ولا يجوز إغفاله عند استخلاص القصد الجنائي.
ومن ناحية أخرى، فإن الأوراق الرسمية المؤيدة لمشروعية استعمال الوكالة وقت التوقيع لا يُستدل بها فقط على مدى سلطة المتهم الأول المدنية، وإنما لها دلالة مستقلة في مجال تقدير القصد الجنائي؛ إذ تكشف عن أن الاعتقاد الذي تمسك به المتهم لم يكن مجرد ادعاء لاحق اختلقه بعد نشوء الاتهام، وإنما كان قائمًا على سند رسمي موجود بالفعل وقت مباشرة التصرف، ثم جاء الفحص الرسمي اللاحق ليؤيد – في جوهره – امتداد هذا السند إلى التصرف محل البحث.
وبذلك تنتفي عن الواقعة إحدى أهم الفرضيات التي يمكن أن يستخلص منها العلم الجنائي، وهي فرضية علم المتهم بانعدام سلطته مع تعمده إخفاء ذلك؛ إذ إن المتهم لم يكن أمام فراغ في مصدر السلطة، بل أمام وكالة رسمية قائمة، وكان الخلاف – في أقصى مداه – يدور حول تفسير نطاق السلطة التي منحتها الوكالة.
والفرق جوهري بين من يعلم بانعدام سلطته ثم يصطنع مستندًا أو يغير الحقيقة لإخفاء هذا الانعدام، وبين من يستند إلى توكيل رسمي قائم ويباشر التصرف معتقدًا أن سلطته تمتد إليه، ثم تنشأ بعد ذلك منازعة حول تفسير نطاق الوكالة أو مدى موافقة الموكل على التصرف.
والثاني لا يكفي بمجرده لإثبات القصد الجنائي للتزوير، حتى ولو انتهت جهة قضائية أو مدنية – بعد ذلك – إلى تفسير مختلف لنطاق الوكالة؛ إذ إن العبرة في القصد الجنائي تكون بالحالة الذهنية للمتهم وقت ارتكاب الفعل، لا بما قد يستجد من خلاف أو تفسير بعد ذلك.
ومن ثم، فإن إلغاء التوكيل لاحقًا على التوقيع لا يمكن أن يُستدل منه بأثر رجعي على أن المتهم الأول كان يعلم وقت التوقيع أن سلطته غير قائمة؛ بل إن التسلسل الزمني الثابت بالأوراق يقود إلى النتيجة المقابلة، وهي أن الوكالة كانت قائمة عند مباشرة التصرف، وأن الإلغاء لم يقع إلا بعد ذلك.
ولا يصح قانونًا ومنطقًا أن يتحول الإلغاء اللاحق إلى دليل على العلم السابق بعدم وجود السلطة؛ لأن الواقعة اللاحقة لا تنشئ بذاتها علمًا سابقًا، ولا يجوز الاستدلال منها إلا بقدر ما تكشف عنه من ظروف، دون مصادرة على الحالة الذهنية للمتهم وقت الفعل.
وإذا كان الحكم المعارض فيه قد استخلص القصد الجنائي من مجرد توقيع المتهم الأول على المحرر أو من مجرد تقديمه إلى الجهة المختصة، دون أن يستظهر الدليل الذي يثبت علمه بأن ما وقعه يمثل تغييرًا للحقيقة، ودون أن يواجه دلالة التوكيل الرسمي القائم وقت الواقعة، ودلالة إعلانه لصفته التمثيلية، وما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بشأن نطاق الوكالة، فإن هذا الاستخلاص يكون بحاجة إلى بيان سائغ يكشف عن مصدر العلم الذي نسبه الحكم إلى المتهم، ولا يكفي فيه مجرد الاستنتاج.
ويتمسك المتهم الأول بأن وجود تفسير قانوني معقول ومستند رسمي قائم للسلطة التي باشر بها التصرف لا يعني بالضرورة صحة التصرف في كل آثاره المدنية، لكنه – في المجال الجنائي – يمثل عنصرًا جوهريًا عند بحث ما إذا كان المتهم قد أقدم على الفعل وهو يعلم أنه يغير الحقيقة أو يباشر استعمال محرر مزور.
ومن ثم، فإن أي خلاف حول مدى مطابقة التصرف لإرادة الموكل، أو حول الآثار المدنية المترتبة عليه، لا يجوز نقله آليًا إلى مجال القصد الجنائي، ولا يجوز اتخاذه وحده دليلاً على أن المتهم الأول كان عالمًا بالتزوير وقت مباشرة التصرف.
فإذا كانت الأوراق تحتمل – بل وتؤيد بمستند رسمي – أن المتهم الأول كان يعتقد قيام صفته التمثيلية واستمرار وكالته وصلاحية سندها للتوقيع على تعديل الشركة، فإن أقل ما يترتب على ذلك هو قيام شك جدي في توافر العلم الجنائي بتغيير الحقيقة، وهو شك يتعين تفسيره لمصلحة المتهم، ولا سيما وأن الأصل في الإنسان البراءة، وأن القصد الجنائي عنصر من عناصر الاتهام يجب إثباته لا افتراضه.
وبناءً عليه، يتمسك المتهم الأول بانتفاء القصد الجنائي لجريمة التزوير، لثبوت قيام اعتقاده – وقت مباشرة التصرف – بقيام صفته التمثيلية وصحة استناده إلى التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وثبوت بقاء هذا التوكيل قائمًا وقت التوقيع وعدم إلغائه إلا لاحقًا، وظهور صفته كوكيل في مباشرة التصرف، فضلًا عما تؤكده الأوراق الرسمية من أن سند الوكالة يمتد إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وما يتصل بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، بما تنتفي معه – أو على الأقل يثور بشأنها شك جدي – حالة العلم بتغيير الحقيقة اللازمة لقيام القصد الجنائي.
ولذلك يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لعدم ثبوت القصد الجنائي ثبوتًا يقينيًا، وعدم كفاية مجرد الاعتراض على التصرف أو المنازعة في مدى موافقة الموكل عليه أو تفسير نطاق الوكالة لإثبات علم المتهم الأول بأنه يرتكب تزويرًا، مع إعمال أصل البراءة وتفسير الشك لمصلحته.
الدفع الرابع عشر: انتفاء القصد الجنائي وعدم توافر نية استعمال محرر مزور، لثبوت أن المتهم الأول باشر التوقيع علانية وبصفته وكيلاً، وقدم سند وكالته إلى الجهة المختصة وتم توثيق التصرف بموجب الإجراءات الرسمية
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع، تأسيسًا على أن القصد الجنائي في جريمة استعمال المحرر المزور لا يُفترض بمجرد تقديم المحرر أو التعامل به، وإنما يتعين أن يثبت أن من استعمله كان عالمًا بتزويره، وأن إرادته قد اتجهت إلى الاحتجاج به فيما أعد له مع علمه بحقيقة تزويره. فإذا انتفى العلم بالتزوير، انتفى تبعًا لذلك القصد الجنائي اللازم لجريمة الاستعمال.
والثابت من ظروف الواقعة ومستنداتها أن المتهم الأول لم يسلك في مباشرة التصرف محل الاتهام طريقًا خفيًا أو ملتويًا، ولم يقدم نفسه للجهة المختصة باعتباره صاحبة الشأن، ولم ينتحل شخصيتها، وإنما باشر التوقيع علانية وبصفته وكيلاً عنها، وأفصح عن مصدر صفته التمثيلية، وقدم سند الوكالة الذي يستند إليه، وتمت مباشرة إجراءات التصرف أمام الجهة المختصة وفي إطار الإجراءات الرسمية المقررة.
وهذه الصورة الواقعية للواقعة تتعارض – في ظاهرها – مع الفرض الذي تقوم عليه جريمة استعمال محرر مزور، إذ إن من يعلم أن سندًا أو محررًا مزورًا ويقصد استعماله لتحقيق الغرض الذي أعد له، لا يستخلص علمه بمجرد تقديمه، وإنما يجب أن يقوم الدليل على علمه بأن هذا المحرر قد لحقته مظاهر التزوير وأنه مع ذلك اتجهت إرادته إلى استعماله باعتباره محررًا صحيحًا.
أما في الدعوى الماثلة، فإن المتهم الأول لم يقدم سند الوكالة باعتباره محررًا مجهول المصدر أو حاول إخفاء حقيقته، وإنما قدم التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة بوصفه مصدر سلطته، وأعلن صفته التمثيلية، ووقع بهذه الصفة، بما يجعل سلوكه الظاهر متسقًا مع اعتقاده بأن الوكالة صحيحة وقائمة ومنتجة لآثارها.
ومن ثم، فإن مجرد تقديم سند الوكالة إلى الجهة المختصة لا يمكن أن يكون في ذاته دليلًا على توافر نية استعمال محرر مزور، بل إن دلالته – في ضوء ظروف الدعوى – تنصرف إلى أن المتهم الأول كان يعتقد أنه يقدم سندًا صحيحًا لإثبات صفته القانونية ومصدر سلطته في مباشرة التصرف.
ولا سيما أن الوكالة كانت قائمة وقت التوقيع، ولم يكن قد صدر بشأنها إلغاء سابق على التصرف، وأن المتهم الأول لم يتعامل مع سند مجهول أو عرفي مصطنع، وإنما استند إلى توكيل رسمي صادر من جهة التوثيق المختصة، وهو ما يجعل القول بعلمه بتزويره أو بعدم صلاحيته للاستعمال أمرًا يحتاج إلى دليل مستقل وجازم.
ويجب التمييز في هذا المقام بين استعمال محرر صحيح أو الاعتقاد بصحته وبين استعمال محرر مزور مع العلم بتزويره؛ فمجرد تحقق الاستعمال المادي لا يكفي وحده لإثبات الجريمة، وإنما يجب أن يقترن بعنصر العلم، لأن العلم بالتزوير هو الذي يضفي على الاستعمال وصفه الجنائي.
وقد استقر قضاء النقض على أن القصد الجنائي في جريمة استعمال المحرر المزور يتطلب علم المستعمل بتزوير المحرر، وأن مجرد استعمال المحرر لا يؤدي بذاته إلى ثبوت هذا العلم. كما أن ثبوت العلم مسألة موضوعية تستخلص من ظروف الدعوى وملابساتها، بشرط أن يكون استخلاص المحكمة سائغًا وله أصل ثابت في الأوراق.
وعلى هذا الأساس، فإن السؤال الذي يتعين طرحه في الدعوى الماثلة ليس مجرد: هل قدم المتهم الأول سند الوكالة واستعمله؟ وإنما السؤال الأدق: هل كان يعلم وقت تقديمه سند الوكالة واستعماله أنه محرر مزور، ومع ذلك اتجهت إرادته إلى استعماله لتحقيق الغرض الذي أعد له؟
والأوراق – بحسب الثابت بها – لا تقدم دليلاً يقينيًا على تحقق هذه الحالة الذهنية، بل تكشف عن العكس؛ إذ إن المتهم الأول قدم سند وكالته إلى الجهة المختصة، ولم يخفِ وجوده أو مصدره أو صفته، وتمت الإجراءات في الإطار الرسمي، وهو سلوك يتفق مع الاعتقاد بسلامة السند ومشروعية الاستناد إليه.
ويتعاظم أثر ذلك بالنظر إلى أن التوكيل محل الاستناد كان محررًا رسميًا، وأنه كان قائمًا وقت مباشرة التصرف، وأن إلغاءه – بحسب المستندات – تم لاحقًا، فضلًا عما انتهت إليه مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء.
وهذا المستند الرسمي لا يُستدل به على صحة كل أثر مدني للتصرف فحسب، وإنما يمثل – في نطاق هذا الدفع – عنصرًا موضوعيًا مهمًا عند تقدير ما إذا كان المتهم الأول كان يعلم أنه يستعمل محررًا مزورًا؛ إذ إن الجهة المختصة بالتوثيق قد انتهت، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل البحث، إلى أن سند الوكالة يبيح نوع التصرف الذي باشره المتهم الأول.
ومن ثم، فإن افتراض أن المتهم الأول كان يعلم أن سند وكالته لا يخول له مباشرة التصرف، ثم افتراض أنه كان يعلم – تبعًا لذلك – أنه يستعمل محررًا مزورًا، لا يمكن أن يقوم على مجرد النتيجة التي اعترضت عليها صاحبة الشأن لاحقًا، وإنما يحتاج إلى دليل إيجابي يكشف عن هذا العلم وقت الاستعمال.
ولا يجوز استخلاص نية استعمال محرر مزور من مجرد الاستفادة من آثار التصرف؛ إذ إن الاستفادة من التصرف قد تكون نتيجة طبيعية لمباشرة الوكيل لعمل يعتقد أنه يدخل في حدود وكالته، ولا تكشف بذاتها عن علمه بتزوير السند الذي استند إليه.
كما لا يجوز القول بأن مجرد تقديم سند الوكالة إلى جهة رسمية يثبت العلم بتزويره؛ لأن هذا يؤدي إلى مصادرة على المطلوب، إذ يجعل فعل الاستعمال نفسه دليلاً على العلم الذي يمثل عنصرًا مستقلًا في الجريمة.
بل إن تقديم سند الوكالة أمام الجهة المختصة، مع إعلان الصفة التمثيلية، يتيح للجهة صاحبة الاختصاص أن تفحص السند وتتحقق من صدوره ونطاقه، وهو ما يؤكد أن المتهم الأول لم يكن يسعى إلى إخفاء حقيقة السند أو تمريره في ظروف تحول دون مراجعته، وإنما قدمه في سياق إجراء رسمي مهيأ أصلًا للتحقق من المستندات المقدمة إليه.
ولا يغير من ذلك أن الجهة المختصة قد قبلت التصرف أو قامت بتوثيقه؛ فالتوثيق الإداري لا يحسم بذاته المسؤولية الجنائية، كما أن قبوله لا يعني بالضرورة صحة كل أثر موضوعي للتصرف، وإنما دلالة هذا الإجراء في مجال الدفع الماثل هي أنه تم في إطار علني ورسمي وبناءً على تقديم سند الوكالة إلى الجهة صاحبة الاختصاص، وهو ظرف موضوعي يتعين وضعه في ميزان تقدير العلم والقصد.
فإذا كان المتهم الأول قد قدم سند الوكالة صراحة، ووقع بصفته وكيلاً، ولم يدعِ أنه الأصيل، ولم يخفِ صفته، ولم يقدم سندًا مصطنعًا مجهول المصدر، ولم يستعمل محررًا بعيدًا عن الجهة المختصة، فإن استخلاص علمه بتزوير السند يحتاج إلى دليل آخر مستقل عن مجرد فعل التقديم.
ويستفاد من ذلك أن العلانية في استعمال السند، وإظهار الصفة التمثيلية، وتقديم أصل مصدر السلطة إلى الجهة المختصة، وإتمام الإجراءات في إطار رسمي، كلها ظروف موضوعية لا تثبت وحدها البراءة، لكنها في المقابل لا يجوز تجاهلها عند بحث القصد الجنائي ونية الاستعمال.
ولا سيما أن القصد الجنائي حالة نفسية داخلية، لا تُدرك بالحس المباشر، وإنما تستخلص من الوقائع الخارجية والقرائن المحيطة بالتصرف. فإذا كانت جميع المظاهر الخارجية لسلوك المتهم الأول تتجه إلى أنه كان يتعامل مع الوكالة باعتبارها سندًا صحيحًا ومشروعًا لصفته، فإن نسبة العلم بتزويرها إليه لا تستقيم إلا إذا قامت في الأوراق قرائن أخرى جازمة تكشف عن علم مخالف لما يظهر من سلوكه.
والثابت أن المتهم الأول لم يقتصر على الاحتفاظ بسند الوكالة، وإنما قدمه صراحة إلى الجهة التي باشرت التصرف، وهو ما يسمح للجهة المختصة بمراجعته والتحقق من بياناته. وهذه الواقعة تختلف اختلافًا جوهريًا عن الحالات التي يستعمل فيها المتهم محررًا مزورًا في الخفاء أو يتجنب الكشف عن مصدره أو يتعمد إخفاء مظاهر التزوير.
كما أن التوقيع بصفة الوكيل له دلالة مستقلة في هذا السياق؛ إذ إن المتهم الأول لم ينسب التوقيع إلى صاحبة الشأن على نحو يخفي شخصيته، وإنما وقع باعتباره نائبًا عنها، بما يجعل مصدر السلطة ظاهرًا وقابلاً للفحص، وينفي – من حيث السلوك الظاهر – اتجاه الإرادة إلى إيهام الجهة المختصة بأنه هو الأصيل.
ومن ثم، فإن القول بتوافر نية استعمال محرر مزور يتطلب تحديد ما الذي كان المتهم الأول يعلمه تحديدًا: هل كان يعلم أن التوكيل مصطنع؟ هل كان يعلم أنه غير صادر من صاحبة الشأن؟ هل كان يعلم أنه أُلغي قبل الاستعمال؟ هل كان يعلم أن البيانات الواردة فيه غير صحيحة؟ أم أن الاتهام يستخلص العلم فقط من كون صاحبة الشأن نازعت لاحقًا في التصرف؟
فإذا كانت الإجابة لا تتجاوز الاحتمال الأخير، فإن ذلك لا يكفي لإثبات القصد الجنائي؛ لأن المنازعة اللاحقة في التصرف لا تثبت العلم السابق بتزوير المحرر، ولا تحول الاعتقاد بصحة سند الوكالة إلى قصد جنائي بأثر رجعي.
بل إن ثبوت إلغاء التوكيل في تاريخ لاحق على التوقيع يهدم – من أساسه – أي محاولة لاستخلاص العلم بانتهاء الوكالة وقت استعمالها من واقعة الإلغاء ذاتها؛ إذ لا يجوز أن يُنسب إلى المتهم علم بواقعة لم تكن قد حدثت بعد.
وإذا كان الاتهام يستند إلى القول بأن المتهم الأول استعمل سند الوكالة في غير الغرض الذي أعد له، فإن هذا القول – حتى على فرض صحته جدلاً – لا يساوي بذاته العلم بتزوير المحرر، بل ينقل البحث إلى مدى السلطة الممنوحة بموجب الوكالة، وهو أمر يختلف قانونًا عن العلم بأن المحرر ذاته مزور.
وهنا تظهر أهمية مذكرة الإدارة العامة للتوثيق المشار إليها بالأوراق؛ لأنها تؤكد أن الخلاف حول نطاق الوكالة لم يكن أمرًا ظاهرًا بصورة تجعل المتهم الأول عالمًا حتمًا بانعدام سلطته، بل إن الجهة الرسمية المختصة انتهت بعد فحص السند إلى تفسير يسمح بهذا النوع من التصرف.
ومن ثم، فإن وجود خلاف حقيقي حول تفسير الوكالة، مع وجود سند رسمي قائم، لا يكفي لإثبات أن المتهم الأول كان يعلم أنه يستعمل محررًا مزورًا، ولا سيما أن مناط التجريم في الاستعمال هو العلم بحقيقة التزوير، وليس مجرد العلم بوجود اعتراض على التصرف.
كما أن القول بتوافر نية الاستعمال لا يجوز أن يبنى على مجرد أن المتهم كان يقصد ترتيب آثار المحرر؛ فهذا خلط بين نية استعمال المحرر باعتباره سندًا قانونيًا صحيحًا وبين نية استعماله مع العلم بأنه مزور. الأولى قد تكون متوافرة في كل استعمال مشروع للمحرر، أما الثانية فهي التي يتطلبها التجريم.
وفي الدعوى الماثلة، فإن الثابت أن إرادة المتهم الأول – بحسب الصورة التي تكشف عنها الأوراق – اتجهت إلى استعمال التوكيل باعتباره سندًا صحيحًا لصفته التمثيلية، لا إلى استعمال محرر يعلم بتزويره. والفارق بين الأمرين جوهري ولا يجوز إغفاله.
وعليه، فإن مجرد ثبوت أن المتهم الأول أراد إتمام التصرف لا يعني أنه أراد استعمال محرر مزور، كما أن علمه بأنه قدم سند الوكالة إلى الجهة المختصة لا يعني علمه بأن السند مزور، ولا أن إرادته قد اتجهت إلى الاستفادة من تزويره.
وإذا كان الحكم المعارض فيه قد استخلص نية الاستعمال من مجرد تقديم التوكيل أو من مجرد استعماله في الإجراء محل الاتهام، دون أن يستظهر الدليل الذي يكشف عن علم المتهم الأول بتزويره، ودون أن يواجه ظروف الاستعمال العلني، وإعلان الصفة، وتقديم سند الوكالة للجهة المختصة، وقيام الوكالة وقت التوقيع، وما انتهت إليه الجهة الرسمية المختصة بالتوثيق بشأن نطاقها، فإن هذا الاستخلاص لا يكون كافيًا – بذاته – لإثبات القصد الجنائي لجريمة الاستعمال.
ومن ثم، فإن المتهم الأول يتمسك بأن الأوراق لا تنهض دليلاً يقينيًا على توافر نية استعمال محرر مزور، وأن أقصى ما تثبته هو أنه استعمل توكيلًا رسميًا قائمًا وقت التصرف، معتقدًا في صحته وسلامة الاستناد إليه، وبصفته التمثيلية المعلنة، وأمام الجهة المختصة وفي إطار الإجراءات الرسمية.
وبناءً عليه، فإن القصد الجنائي الخاص بجريمة استعمال المحرر المزور يكون غير ثابت في حق المتهم الأول، لعدم ثبوت علمه بتزوير سند الوكالة أو اتجاه إرادته إلى استعماله مع هذا العلم، وهو ما تنتفي معه الجريمة في حقه، أو على الأقل يثور بشأنه شك جدي يتعين تفسيره لمصلحته.
ولذلك يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيسًا على انتفاء القصد الجنائي وعدم توافر نية استعمال محرر مزور، لثبوت مباشرته التصرف علانية وبصفته وكيلاً، وتقديمه سند وكالته إلى الجهة المختصة، وإتمام الإجراءات في إطار رسمي، مع قيام الوكالة وقت التوقيع، وثبوت ما يؤيد مشروعية استعمالها في الأوراق الرسمية، وعدم قيام الدليل اليقيني على علمه بأي تزوير أو اتجاه إرادته إلى استعمال محرر يعلم بتزويره.
الدفع الخامس عشر: انتفاء الضرر الجنائي الناشئ عن تغيير الحقيقة، متى ثبت أن المحرر قد صدر من وكيل ذي صفة وبموجب وكالة قائمة وقت مباشرة التصرف، وعدم جواز استخلاص الضرر الجنائي بمجرد القول بترتب أثر اقتصادي أو قانوني غير مرغوب فيه بالنسبة إلى أحد أطراف الشركة
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع تأسيسًا على أن ركن الضرر في جريمة التزوير لا يُبحث بمعزل عن باقي أركان الجريمة، ولا يستقيم استخلاصه من مجرد القول بأن المحرر محل الاتهام قد رتب أثرًا اقتصاديًا أو قانونيًا لم يكن مرغوبًا فيه بالنسبة إلى أحد أطراف الشركة، وإنما يتعين – ابتداءً – ثبوت وقوع تغيير للحقيقة في محرر على النحو الذي يجرمه القانون، وأن يكون هذا التغيير تحديدًا من شأنه إحداث الضرر أو احتمال حدوثه، بحيث يكون الضرر المحتمل نتيجةً قانونيةً لفعل التغيير المدعى به، لا مجرد نتيجة طبيعية أو اقتصادية لتصرف قانوني صدر ممن له سلطة مباشرة التصرف.
والثابت بالأوراق – بحسب دفاع المتهم الأول ومستنداته – أن التوقيع المنسوب إليه لم يصدر خفيةً أو بطريق انتحال شخصية صاحبة الشأن، وإنما صدر منه شخصيًا، وبصفته وكيلاً عنها، مستندًا إلى التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وكان هذا التوكيل قائمًا وقت مباشرة التصرف، ولم يكن قد صدر بشأنه إلغاء أو سحب في تاريخ التوقيع على عقد تعديل الشركة محل الاتهام.
ومن ثم، فإن الواقعة – على فرض ثبوتها على النحو الوارد بالأوراق – لا تتعلق بشخص مجهول انتحل صفة صاحبة الشأن أو اصططنع توقيعًا منسوبًا إليها، وإنما بتصرف صدر من شخص معلوم الهوية، أعلن صفته التمثيلية صراحةً، ووقع بصفته وكيلاً، وقدم سند الوكالة إلى الجهة المختصة، وتم التعامل مع التصرف من خلال القنوات والإجراءات الرسمية المقررة.
وهنا يثور التساؤل الجوهري الذي يتعين أن يجيب عنه الحكم إجابةً سائغة: أين هو تغيير الحقيقة الذي نشأ عنه الضرر الجنائي المدعى به، إذا كان المتهم الأول قد عبر عن إرادته القانونية بصفته نائبًا عن صاحبة الشأن، وفي حدود وكالة كانت قائمة وقت مباشرة التصرف؟
ذلك أن مجرد ترتب أثر اقتصادي على تعديل حصص الشركاء – أياً كان اتجاه هذا الأثر – لا يكفي بذاته لاستخلاص الضرر الجنائي؛ إذ قد يكون الأثر الاقتصادي نتيجةً طبيعيةً ومباشرةً لتصرف قانوني صحيح من حيث مصدر السلطة، وقد تكون المنازعة الحقيقية منصبةً على مدى ملاءمة التصرف أو مدى موافقة أحد أطراف العلاقة عليه أو على آثاره في ذمته المالية، وهي مسائل لا تتحول بمجرد وجود أثر مالي إلى جريمة تزوير ما لم يثبت أن ذلك الأثر قد نشأ عن تغيير غير مشروع للحقيقة في محرر مستجمع لباقي أركان الجريمة.
ولا ينال من ذلك القول بأن تعديل حصص الشركاء قد ترتب عليه زيادة حصة أحد الشركاء ونقصان حصة آخر؛ إذ إن هذا الأثر – في ذاته – لا يثبت وقوع تزوير، وإنما يثبت فقط النتيجة التي رتبها التصرف محل المنازعة. أما مناط المسئولية الجنائية في جريمة التزوير فهو ثبوت فعل التغيير ذاته، وطبيعته، وطريقته، ونسبة هذا الفعل إلى المتهم، ثم ثبوت أن هذا التغيير من شأنه إحداث الضرر أو احتمال حدوثه.
وإذ كانت الأوراق قد خلت – بحسب ما يتمسك به المتهم الأول – من دليل يقيني على أن توقيعه قد انصب على اصطناع شخصية صاحبة الشأن أو تقليد توقيعها أو تغيير واقعة جوهرية خلافًا لما صدر عنه بصفته وكيلاً، فإن الانتقال مباشرةً من مجرد وجود أثر مالي للتعديل إلى القول بتوافر ركن الضرر في جريمة التزوير يكون انتقالاً غير سائغ؛ لأن الضرر الجنائي المفترض أو المحتمل لا يمكن أن يقوم بذاته مقام الركن المادي السابق عليه، ولا أن يعوض غياب الدليل على وقوع تغيير للحقيقة أصلاً.
ولا يغير من ذلك أن قضاء النقض قد استقر على أن جريمة التزوير لا يشترط فيها – في الأصل – تحقق الضرر بالفعل، ويكفي احتمال وقوعه؛ ذلك أن مؤدى هذا القضاء ليس افتراض الضرر لمجرد وجود محرر أو لمجرد ترتب أثر اقتصادي عليه، وإنما قيام احتمال الضرر بوصفه نتيجة محتملة لفعل تزوير ثبتت عناصره القانونية. وقد قررت محكمة النقض صراحةً أن القانون لا يشترط حصول الضرر بالفعل، وإنما يكتفي باحتمال وقوعه، كما جعلت تقدير إمكان حصول الضرر من مسائل الواقع التي تستخلصها محكمة الموضوع من ظروف الدعوى.
وبالتالي، فإن مناط تطبيق هذه القاعدة في الدعوى الماثلة هو أن يثبت أولاً أن ثمة تغييرًا للحقيقة قد وقع فعلاً بالطريق الذي يتطلبه القانون، ثم يبحث بعد ذلك فيما إذا كان هذا التغيير – لا التصرف في ذاته – قد كان من شأنه إحداث ضرر أو احتمال إحداثه. أما أن يُستدل على وجود التزوير من مجرد الضرر الاقتصادي المدعى به، ثم يُستدل بهذا الضرر ذاته على توافر أحد أركان التزوير، فذلك قلبٌ لمنطق الاستدلال ومصادرةٌ على المطلوب إثباته.
ويزداد الأمر وضوحًا في الدعوى الماثلة في ضوء ما ثبت من قيام سند الوكالة وقت مباشرة التصرف، وما انتهت إليه المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، وأن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه الواقعة الرسمية – بقدر دلالتها في الدعوى – لا تجعل التصرف بمنأى عن أي منازعة مدنية أو قانونية محتملة، ولا تعني بذاتها حسم جميع الآثار المدنية للتصرف، إلا أنها تمثل عنصرًا جوهريًا في نفي التصور القائم على أن المتهم الأول قد باشر فعلاً مجردًا من أي سند أو صفة، كما أنها تحول دون استخلاص الضرر الجنائي بمجرد افتراض أن الأثر الاقتصادي الذي أصاب أحد الشركاء – بحسب زعمه – يمثل في ذاته دليلاً على تزوير.
ذلك أن الضرر الجنائي في جريمة التزوير ليس هو مجرد عدم رضا أحد أطراف العلاقة عن مضمون التصرف أو نتائجه، وليس هو مجرد انخفاض حصة شريك أو زيادة حصة شريك آخر، وإنما الضرر الذي يتصل اتصالاً سببيًا بتغيير الحقيقة الذي تتوافر به الجريمة؛ فإذا انتفى أصل تغيير الحقيقة أو قام الشك الجدي في وقوعه، تعذر بناء ركن الضرر الجنائي على مجرد النتيجة الاقتصادية التي خلفها التصرف.
ومن ناحية أخرى، فإن القول بأن التصرف قد أضر بأحد أطراف الشركة لا ينهض وحده دليلاً على أن المتهم الأول كان يقصد إحداث هذا الضرر بطريق التزوير، ولا يغني عن إثبات القصد الجنائي الخاص لجريمة التزوير، بما يقتضيه من علم المتهم بأنه يغير الحقيقة في محرر على نحو يجرمه القانون، واتجاه إرادته إلى استعمال المحرر فيما غير من أجله. وقد عرضت محكمة النقض لهذا المعنى، فجعلت من عناصر القصد الجنائي العلم بتغيير الحقيقة على النحو المجرّم واقتران ذلك بنية استعمال المحرر فيما زور من أجله.
وعليه، فإن مجرد تحقق أثر اقتصادي أو قانوني من عقد تعديل الشركة لا يجوز أن يُتخذ – منفردًا – دليلاً على الضرر الجنائي، ولا على وقوع التغيير، ولا على القصد الجنائي، طالما أن المتهم الأول يتمسك بأن التصرف صدر منه بصفته وكيلاً، وبموجب سند وكالة قائم وقت مباشرة التصرف، وأن صفته التمثيلية كانت معلنة في المحرر وفي إجراءات تقديمه وتوثيقه.
ومن ثم، فإن حقيقة النزاع – في جوهرها – تدور حول مدى صحة أو نطاق أو آثار التصرف الذي باشره المتهم الأول بصفته وكيلاً، وليس حول واقعة مادية ثابتة مفادها أنه اصططنع توقيعًا أو انتحل شخصية أو غير حقيقة محرر على نحو يجرمه القانون. ومتى كان الأمر كذلك، فلا يجوز نقل النزاع من مجاله المدني أو القانوني إلى المجال الجنائي لمجرد أن التصرف أفضى إلى نتيجة اقتصادية لم يرتضها أحد أطراف الشركة، ما لم يقم الدليل الجازم على أركان التزوير ذاتها.
ويتمسك المتهم الأول – أخيرًا – بأن الشك في أصل فعل تغيير الحقيقة، متى قام على أسباب جدية ومستمدة من سند وكالة رسمي قائم وقت التصرف، ومن ثبوت مباشرة المتهم الأول للتوقيع بصفته المعلنة، ومن المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بشأن نطاق الوكالة، ينعكس حتمًا على ركن الضرر؛ إذ لا يجوز افتراض الضرر الجنائي إلا بوصفه أثرًا محتملاً لتغيير حقيقة ثابت الوقوع، ولا يجوز أن يتحول مجرد الأثر الاقتصادي للتصرف إلى قرينة منشئة لجريمة التزوير في غياب الدليل اليقيني على فعل التغيير ذاته.
ومن جماع ما تقدم، يكون ركن الضرر الجنائي – بالمعنى اللازم لقيام جريمة التزوير – غير مستخلص استخلاصًا سائغًا من الأوراق، ولا يكفي في إثباته مجرد القول بوجود أثر اقتصادي أو قانوني غير مرغوب فيه بالنسبة إلى أحد أطراف الشركة، الأمر الذي يتعين معه القضاء ببراءة المتهم الأول مما أسند إليه، تأسيسًا على انتفاء الدليل الكافي على أحد الأركان الجوهرية للجريمة، مع ما يترتب على ذلك من آثار.
الدفع السادس عشر: فساد الاستدلال والقصور في التسبيب، لإقامة الإدانة على النتيجة التي ترتبت على تعديل حصة الشريكة، بدلاً من إثبات الفعل المادي للتزوير ذاته، والخلط بين صحة أو نفاذ التصرف وبين وقوع جريمة تزوير في المحرر
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع تأسيسًا على أن الحكم المعارض فيه قد أقام – بحسب ما يستفاد من مدوناته وأسانيده – جانبًا من قضاءه بالإدانة على النتيجة التي ترتبت على تعديل حصة الشريكة في الشركة، وما مؤداه انخفاض حصتها وزيادة حصة شريك آخر، ثم اتخذ من هذه النتيجة أساسًا للاستدلال على وقوع التزوير، دون أن يستظهر على نحو مستقل ومحدد الفعل المادي الذي اعتبره تغييرًا للحقيقة، وكيفية وقوعه، وطريقته، ومحل هذا التغيير في المحرر، ونسبته إلى المتهم الأول.
وهذا الذي انتهى إليه الحكم – بفرض وروده على هذا النحو – يعيبه فساد الاستدلال والقصور في التسبيب؛ ذلك أن النتيجة التي رتبها عقد تعديل الشركة لا تصلح بذاتها دليلاً على أن المحرر قد تعرض لتغيير للحقيقة بطريق من طرق التزوير، إذ إن ثبوت أن حصة أحد الشركاء قد زادت وأن حصة شريكة أخرى قد انخفضت لا يجيب – بذاته – عن السؤال الجوهري في الدعوى الجنائية، وهو: هل وقع تغيير للحقيقة في المحرر محل الاتهام؟ ومن الذي أحدث هذا التغيير؟ وبأي وسيلة؟ وما الحقيقة التي كانت قائمة قبل التغيير، وما الحقيقة التي أثبتها المحرر على خلافها؟
وهذه الأسئلة ليست مسائل شكلية أو ثانوية يمكن تجاوزها بالاستدلال بالنتيجة النهائية للتصرف، وإنما هي صميم الركن المادي لجريمة التزوير؛ إذ لا تقوم الجريمة بمجرد ثبوت أن محررًا قد رتب أثرًا قانونيًا أو ماليًا، وإنما يلزم أن يثبت على وجه الجزم فعل تغيير للحقيقة في محرر من شأنه إحداث ضرر، وأن يكون هذا الفعل قد وقع بالطريقة التي جرمها القانون.
فإذا كان المحرر محل الاتهام قد تضمن تعديلًا في حصص الشركاء، فإن مجرد ثبوت حدوث هذا التعديل لا يساوي قانونًا ثبوت تزوير المحرر الذي أثبته؛ لأن وجود التصرف شيء، ومشروعية أو نفاذ آثاره شيء آخر، ووقوع تغيير للحقيقة في المحرر شيء ثالث مستقل عنهما.
وقد كان يتعين على الحكم – حتى يستقيم استدلاله – أن يحدد الحقيقة التي كانت ثابتة وقت تحرير المحرر، ثم يبين الواقعة المادية التي جرى تغييرها، ويستظهر الدليل الذي أقامه على أن المتهم الأول هو الذي أحدث هذا التغيير عمدًا، وأن يربط بين هذا الفعل وبين المحرر محل الاتهام، وألا يستبدل بذلك كله بمجرد الاستدلال بما انتهى إليه التعديل من أثر في نسب حصص الشركاء.
أما أن يستخلص الحكم وقوع التزوير من كون حصة الشريكة قد انخفضت، أو من أن هذا الانخفاض لم يكن – بحسب ما قد يقال – مرغوبًا فيه من جانبها، فإن مؤدى ذلك أن الحكم قد جعل الأثر المفترض للتصرف دليلاً على تزوير مصدره، وهو استدلال دائري لا يؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها؛ لأن النتيجة لا تثبت بذاتها أن الوسيلة التي أدت إليها كانت مزورة.
ويزداد فساد هذا الاستدلال وضوحًا في الدعوى الماثلة، ذلك أن المتهم الأول لا يتمسك بأنه صاحب الحصة أو المستفيد منها، وإنما يتمسك بأن مباشرته للتوقيع تمت بصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن وبموجب التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، الذي كان قائمًا وقت مباشرة التصرف، وأن صفته التمثيلية كانت معلنة في المحرر وفي الإجراءات الرسمية التي اتخذت بشأنه.
ومن ثم، فإن مجرد ترتيب تعديل الشركة لأثر مالي أو حسابي في حصص الشركاء لا ينهض دليلاً على أن المتهم الأول قد غير الحقيقة في المحرر، طالما أن واقعة توقيعه ذاتها لا ينكرها، وإنما يثبت أنها تمت منه بصفته التمثيلية المعلنة وباستناد إلى سند وكالة رسمي قائم وقت التصرف.
كما أن الحكم – إذا كان قد أقام الإدانة على أساس أن التصرف قد رتب أثرًا في حصة الشريكة دون إرادتها أو على خلاف رغبتها – يكون قد خلط بين مسألتين مختلفتين تمام الاختلاف: الأولى هي مدى صحة التصرف أو نفاذه أو انصراف أثره إلى الأصيل في العلاقة المدنية، والثانية هي ما إذا كان قد وقع تزوير في المحرر المثبت لهذا التصرف.
فليس كل تصرف يكون محل نزاع في صحته أو نفاذه أو مدى موافقة أحد أطرافه جريمة تزوير، كما أن عدم الرضا عن مضمون التصرف أو الاعتراض على آثاره لا يتحول بذاته إلى دليل على تغيير الحقيقة في المحرر. وإنما يلزم – فوق ذلك – أن يثبت أن المحرر قد حمل واقعة غير حقيقية نتيجة فعل مادي مؤثم، وأن هذا الفعل منسوب إلى المتهم على وجه يقيني.
ومن أخطر ما يعيب الحكم – في هذا المقام – أن يتحول الخلاف حول أثر التصرف إلى دليل على اصطناع التصرف ذاته، ثم يتحول أثر التصرف بعد ذلك إلى دليل على التزوير؛ وهو ما يؤدي عمليًا إلى الاستغناء عن إثبات الركن المادي للجريمة بدليل غير مباشر لا يدل عليه دلالة لازمة.
ذلك أن النتيجة الاقتصادية للتعديل لا تكشف بذاتها عن كيفية إحداثه؛ فقد تترتب النتيجة ذاتها عن تصرف صحيح صادر من صاحب الحق، أو عن تصرف صادر من نائب ذي صفة وفي حدود سلطته، أو عن تصرف يكون محل منازعة مدنية في مدى نفاذه أو آثاره، أو – في الفرض الجنائي – عن محرر مزور. ومن ثم لا يمكن الانتقال من النتيجة إلى الجريمة إلا إذا أقيم الدليل المستقل على فعل التغيير ذاته.
ولا يغير من ذلك أن يكون تعديل الحصص قد رتب زيادة في حصة أحد الشركاء وانخفاضًا في حصة الشريكة؛ فهذه واقعة لاحقة أو أثر مترتب على المحرر، وليست في ذاتها واقعة التزوير. وكان لزامًا على الحكم أن يفصل بين المحرر باعتباره وعاءً للبيان، وبين التصرف باعتباره مصدرًا للأثر القانوني، وبين الفعل الجنائي المدعى به باعتباره تغييرًا للحقيقة في ذلك المحرر.
وهو فصل جوهري؛ لأن المحكمة الجنائية لا تدين المتهم لمجرد أن تصرفًا معينًا قد أنتج أثرًا قانونيًا أو ماليًا محل اعتراض، وإنما تدينه متى ثبت لديها بأدلة سائغة أن المتهم قد ارتكب الفعل المادي المكون للجريمة، وتوافرت في حقه باقي عناصرها.
والثابت كذلك أن التوكيل الرسمي المشار إليه كان قائمًا وقت مباشرة التصرف، وأن إلغاءه – بحسب المستندات التي يتمسك بها المتهم الأول – قد وقع لاحقًا على التوقيع بموجبه، فضلًا عما انتهت إليه المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء.
وهذه العناصر – وإن كانت لا تحسم وحدها كل مسألة مدنية تتعلق بالتصرف – إلا أنها تفرض على الحكم، إذا أراد طرحها وإقامة الإدانة رغم دلالتها، أن يواجهها مواجهة جدية، وأن يبين تحديدًا ما هو الفعل المادي المزور الذي وقع رغم وجود سند الوكالة، وكيف وقع، وما وجه مخالفته للحقيقة، ولماذا لا يكون ما صدر عن المتهم الأول مجرد مباشرة لتصرف بصفته وكيلاً.
أما إغفال هذا البيان والاكتفاء بالنتيجة الاقتصادية للتعديل، فإنه يحول دون الوقوف على الأساس الحقيقي الذي أقيمت عليه الإدانة، ويجعل أسباب الحكم غير كاشفة عن العناصر التي استخلص منها وقوع الجريمة.
ولا سيما أن التوكيل لم يكن مستندًا مستترًا أو مجهول المصدر، وإنما كان سندًا رسميًا محددًا، وكان المتهم الأول قد باشر التوقيع بصفته وكيلاً، بما يجعل مناط البحث الجنائي – إن كان ثمة تزوير – هو تحديد الفعل غير المشروع الذي جاوز مجرد مباشرة الوكالة، لا مجرد إثبات أن التصرف قد رتب أثرًا في حصص الشركاء.
ومن ثم، فإن الحكم إذ لم يفصل بين هذه المفاهيم، وأقام الإدانة – بحسب ما يستفاد من منطقه – على مجرد النتيجة التي انتهى إليها تعديل حصص الشركاء، يكون قد أقام النتيجة على مقدمة لا تؤدي إليها، واستخلص وقوع التزوير من واقعة لا تستلزمه، وخلط بين النزاع في صحة التصرف أو نفاذه أو آثاره وبين ثبوت الفعل الجنائي المتمثل في تغيير الحقيقة في المحرر.
وهو ما يعيب الحكم بفساد الاستدلال والقصور في التسبيب؛ إذ إن التسبيب السليم في جريمة التزوير يقتضي أن تستظهر المحكمة عناصر الجريمة ذاتها، وأن تبين الفعل المادي الذي وقع به التغيير، والحقيقة التي تم تغييرها، ووسيلة التغيير، ونسبة الفعل إلى المتهم، ثم تبحث بعد ذلك في الضرر والقصد الجنائي، لا أن تبدأ من الأثر الاقتصادي للتصرف ثم تستخلص منه وقوع التزوير.
ويتمسك المتهم الأول كذلك بأن وجود أثر اقتصادي أو قانوني للتصرف لا ينشئ قرينة قانونية على تزوير المحرر، وأن عدم ملاءمة النتيجة لأحد أطراف الشركة أو اعتراضه عليها لا يعفي سلطة الاتهام ولا المحكمة من إثبات الفعل الجنائي ذاته بأدلة مستقلة وسائغة، ولا يحول المنازعة في آثار التصرف إلى جريمة جنائية بغير استظهار عناصرها القانونية.
ومن ثم، فإن الحكم المعارض فيه – متى أقام إدانة المتهم الأول على مجرد النتيجة المترتبة على تعديل الحصة، دون أن يستظهر على نحو محدد ومستقل فعل تغيير الحقيقة الذي ارتكبه المتهم الأول، ودون أن يفصل بين مدى صحة أو نفاذ التصرف وبين قيام جريمة التزوير – يكون قد جاء مشوبًا بفساد الاستدلال والقصور في التسبيب بما يتعين معه القضاء ببراءة المتهم الأول مما أسند إليه.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيسًا على فساد استدلال الحكم وقصوره في استظهار الفعل المادي المكون لجريمة التزوير، وإقامته الإدانة على مجرد الأثر الاقتصادي والقانوني المترتب على تعديل حصة الشريكة، مع الخلط بين المنازعة في صحة التصرف أو نفاذه أو آثاره وبين ثبوت تغيير الحقيقة في المحرر على النحو المؤثم قانونًا، وما يترتب على ذلك من انهيار الأساس الذي أقيمت عليه الإدانة.
.
الدفع السابع عشر: انتفاء أركان جريمة التزوير مجتمعةً، لعدم ثبوت فعل مادي من أفعال تغيير الحقيقة أو الاصطناع أو التقليد أو انتحال الصفة، ولعدم قيام الدليل اليقيني على توافر القصد الجنائي الخاص، وما يترتب على ذلك من وجوب القضاء بالبراءة
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع تأسيسًا على أن جريمة التزوير – أياً كان وصف المحرر محل الاتهام – لا تقوم بمجرد وجود محرر ترتب عليه أثر قانوني أو مالي، ولا بمجرد نشوء منازعة حول مضمونه أو نتائجه، وإنما يلزم لقيامها أن يثبت على وجه اليقين وقوع تغيير للحقيقة في محرر، بإحدى الطرق التي اعتد بها القانون، وأن يكون هذا التغيير من شأنه إحداث الضرر أو احتمال حدوثه، وأن يقترن بالقصد الجنائي الخاص اللازم للجريمة.
وقد استقر قضاء النقض على أن القصد الجنائي في جريمة التزوير يقوم على عنصرين جوهريين: علم الجاني بأنه يرتكب تغييرًا للحقيقة في محرر بإحدى الطرق القانونية، وإرادته استعمال المحرر فيما زُوّر من أجله، وهو ما يعبر عنه بالنية الخاصة في جريمة التزوير.
وبإنزال هذه الأصول على الواقعة محل الدعوى، يتبين أن أركان الجريمة لا تجتمع في حق المتهم الأول؛ إذ لم يثبت في الأوراق – على نحو يقيني لا يداخله شك – أنه ارتكب فعلاً ماديًا من أفعال تغيير الحقيقة التي تقوم بها جريمة التزوير، ولم يثبت أنه اصطنع محررًا من الأصل، أو قلد توقيعًا أو إمضاءً على نحو ينسبه إلى غير صاحبه، أو انتحل صفة صاحبة الشأن، أو أدخل في المحرر واقعة غير حقيقية على خلاف الحقيقة الثابتة، وإنما الثابت – وفق المستندات التي يتمسك بها – أنه باشر التوقيع بنفسه، وبصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، مستندًا إلى التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وكان هذا التوكيل قائمًا وقت مباشرة التصرف.
وهذه الواقعة تفرض فارقًا جوهريًا بين مباشرة الوكيل لتصرف باسم الأصيل وبين انتحال شخصية الأصيل أو اصطناع توقيع منسوب إليه؛ إذ لا يكفي لكي تقوم جريمة التزوير أن يكون شخص آخر قد وقع على المحرر غير صاحب المصلحة المباشر، وإنما يتعين تحديد الفعل الذي جعله القانون تزويرًا، وبيان وجه مخالفته للحقيقة، وكيفية إسناده إلى المتهم.
فإذا كان المتهم الأول قد وقع باسمه وبصفته وكيلاً، وكانت صفته التمثيلية معلنة في المحرر، وكان سند وكالته قائمًا وقت التوقيع، فإن مجرد قيامه بالتوقيع لا يكشف بذاته عن اصطناع أو تقليد أو انتحال صفة، ولا يجوز أن يتحول اختلاف أطراف العلاقة حول مدى سلطة الوكيل أو مدى موافقة الأصيل على آثار التصرف إلى دليل تلقائي على أن الوكيل قد ارتكب فعل تزوير.
والأمر لا يتغير بمجرد القول إن تعديل عقد الشركة قد ترتب عليه تخفيض حصة الشريكة وزيادة حصة شريك آخر؛ إذ إن النتيجة التي رتبها التصرف لا تكشف بذاتها عن الطريقة التي تم بها تحرير المحرر، ولا تثبت أن المتهم الأول قد غير الحقيقة فيه، وإنما تظل واقعة لاحقة على المحرر أو أثرًا مترتبًا عليه، لا يغني عن إثبات الفعل المادي للجريمة.
ومن ثم، فإن السؤال الجنائي الذي كان يتعين على الاتهام والحكم الإجابة عنه ليس: هل ترتب على تعديل عقد الشركة تغيير في حصص الشركاء؟ وإنما: ما هو الفعل المادي الذي ارتكبه المتهم الأول وجعل المحرر مزورًا؟
هل هو اصطناع المحرر؟
أم تقليد توقيع؟
أم انتحال شخصية؟
أم إثبات واقعة غير حقيقية؟
أم تغيير بيان جوهري ثابت في محرر صحيح؟
وأين الدليل على وقوع هذا الفعل تحديدًا من المتهم الأول؟
ومتى كانت الأوراق – بحسب ما يتمسك به الدفاع – لا تقدم جوابًا يقينيًا عن هذه الأسئلة، فإن الركن المادي للجريمة يظل غير ثابت، ولا يجوز سد هذا الفراغ بمجرد الاستناد إلى النتيجة الاقتصادية التي ترتبت على التصرف أو إلى اعتراض صاحبة الشأن على مضمونه أو آثاره.
ويؤكد ذلك أن قضاء النقض قد تعامل مع صور التزوير بوصفها أفعالاً مادية محددة، ولم يجعل مجرد استعمال اسم أو توقيع أو بيان سببًا كافيًا بذاته إلا متى انطبق عليه الوصف الذي يجرمه القانون. كما أن القضاء قد ميز بين مجرد السلوك وبين تغيير الحقيقة المؤثم بحسب طبيعة المحرر والغرض الذي أُعد لإثباته.
ولا يجوز كذلك افتراض انتحال الصفة في حق المتهم الأول، طالما أن صفته كوكيل كانت معلنة، ولم يقدم نفسه باعتباره صاحبة الشأن شخصيًا، ولم يخفِ مصدر سلطته، وإنما تمسك بسند وكالة رسمي ووقع في حدود صفته التمثيلية بحسب ما هو ثابت بالمحرر.
فالوكيل الذي يعلن صفته ويوقع باعتباره وكيلاً يختلف قانونًا عن شخص ينتحل شخصية غيره ويوقع باسمها خفيةً بقصد إيهام الغير بأنه هو صاحب الصفة. ومن ثم، فإن مجرد صدور التوقيع من غير صاحبة الشأن لا يكفي وحده لإقامة جريمة التزوير متى كان التوقيع قد صدر من الوكيل في إطار تمثيله المعلن، وتظل المسألة – جنائيًا – متوقفة على إثبات أن هذا الوكيل قد تجاوز الحقيقة في محرر بطريقة يعاقب عليها القانون.
كما أن إلغاء التوكيل في تاريخ لاحق على مباشرة التصرف – بحسب الثابت بالمستندات التي يتمسك بها المتهم الأول – لا ينشئ بذاته دليلاً على أن التوقيع السابق كان مزورًا، ولا يحول بأثر رجعي تصرفًا صدر في ظل سند وكالة قائم إلى فعل اصطناع أو انتحال أو تقليد. فواقعة الإلغاء اللاحقة، حتى على فرض ثبوتها، تظل واقعة لاحقة زمنيًا على الفعل محل الاتهام، ولا تغني عن إثبات أن الفعل ذاته كان وقت وقوعه فاقدًا للسند أو قائمًا على تغيير للحقيقة.
ويتعزز هذا الدفاع بما انتهت إليه المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بحسب ما يتمسك به المتهم الأول، من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، وأن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة – وإن كانت لا تحسم وحدها المسألة الجنائية ولا تقوم مقام الحكم القضائي – تمثل مستندًا رسميًا جوهريًا كان يتعين بحث دلالته في تقدير مدى وجود فعل مادي غير مشروع، ولا سيما أن مضمونها يتصل مباشرةً بمصدر السلطة التي تمسك بها المتهم الأول عند مباشرة التوقيع.
فإذا كان مصدر السلطة قائمًا، وكانت الصفة التمثيلية معلنة، وكان المتهم الأول قد وقع بشخصه بصفته وكيلاً، فإن القول بوقوع التزوير لا يستقيم إلا بتحديد فعل آخر مستقل يخرج عن مجرد استعمال الوكالة؛ كأن يثبت أنه غيّر مضمون المحرر على خلاف ما وقع، أو اصطنع توقيعًا أو بيانًا، أو انتحل صفة غير صفته، أو ارتكب إحدى الصور المادية الأخرى التي يقوم بها التزوير.
أما الاكتفاء بالقول إن الأصيل لم يكن يرغب في النتيجة التي انتهى إليها التصرف، أو أن حصتها قد انخفضت، أو أن شريكًا آخر قد استفاد من التعديل، فلا يثبت بذاته أيًا من صور الفعل المادي للتزوير.
وعن القصد الجنائي الخاص، فإن انتفاء الدليل على الركن المادي يترتب عليه – في الأصل – انهيار الأساس الذي يمكن أن يُبنى عليه القصد الجنائي، إذ لا يتصور أن يستدل على علم المتهم بتزوير لم يثبت أصل وقوعه، ولا أن تستخلص نية استعمال محرر مزور من مجرد استعمال محرر يعتقد المتهم – بحسب ظروف الواقعة – أنه يباشر بشأنه حقًا مستمدًا من وكالة قائمة.
وقد استقر قضاء النقض على أن القصد الجنائي في جريمة التزوير لا يتحقق بمجرد العلم بنتائج التصرف، وإنما يلزم أن ينصرف علم الجاني إلى أنه يغير الحقيقة في محرر على نحو تتوافر به الجريمة، وأن تقترن بهذا العلم إرادة استعمال المحرر فيما زُوّر من أجله.
ومن ثم، فإن ثبوت علم المتهم الأول بأنه وقع على عقد تعديل شركة لا يساوي ثبوت علمه بأنه يرتكب تزويرًا، كما أن علمه بالنتيجة التي تضمنها العقد لا يساوي علمه بأن هذه النتيجة قد أُدخلت في محرر بطريق غير مشروع. فهناك فارق جوهري بين العلم بالتصرف والعلم بالتزوير.
وقد باشر المتهم الأول – بحسب دفاعه – التصرف في إطار علاقة وكالة رسمية قائمة، ولم يخفِ صفته، ولم ينسب إلى نفسه شخصية الأصيل، وإنما قدم نفسه باعتباره وكيلاً عنها. وهذه الظروف الموضوعية تتعارض – أو على الأقل تثير شكًا جديًا – مع القول بأنه كان يعلم أنه يرتكب تزويرًا ويتجه عمدًا إلى استعمال محرر مزور.
ولا يصح استخلاص القصد الجنائي من مجرد النتيجة التي ترتبت على التصرف؛ لأن القصد الجنائي أمر نفسي لا يستخلص من النتيجة وحدها، وإنما يستخلص من ظروف وملابسات تكشف عن علم المتهم بطبيعة الفعل واتجاه إرادته إليه.
كما لا يصح القول بأن مجرد تقديم المحرر إلى جهة رسمية يثبت – بذاته – توافر القصد الجنائي؛ إذ إن الاستعمال المعاقب عليه في جرائم التزوير يفترض العلم بتزوير المحرر وقت استعماله، ولا يغني مجرد تقديم المحرر أو الانتفاع بالإجراء عن إثبات هذا العلم. وقد ميزت محكمة النقض في مبادئها بين مجرد التعامل مع المحرر وبين توافر عناصر العلم اللازمة للمساءلة عن التزوير والاستعمال.
وإذا أضيف إلى ذلك أن المتهم الأول كان يحمل سند وكالة رسميًا قائمًا وقت التصرف، وأنه أعلن صفته في المحرر، وأن المذكرة الرسمية المشار إليها قد انتهت – بحسب ما يتمسك به الدفاع – إلى اتساع نطاق تلك الوكالة ليشمل عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن هذه الملابسات مجتمعة لا تسمح باستخلاص القصد الجنائي استخلاصًا يقينيًا من مجرد النتيجة الاقتصادية للتصرف أو من مجرد الاعتراض اللاحق عليه.
ولا ينال من ذلك القول بأن الضرر أو احتمال الضرر قد يكفي لقيام أحد عناصر جريمة التزوير؛ إذ إن احتمال الضرر لا يغني عن إثبات تغيير الحقيقة ذاته، كما لا يغني عن إثبات القصد الجنائي الخاص. وقد قررت محكمة النقض في شأن المحررات العرفية أن تحقق الضرر بالفعل ليس شرطًا، وإنما يكفي احتمال وقوعه، بما يؤكد أن عناصر الجريمة يجب أن تستظهر مجتمعةً ولا يستعاض عن أحدها بآخر.
ومن ثم، فإن الدعوى الماثلة – بحسب دفاع المتهم الأول – لا تواجه مجرد نقص في دليل على عنصر ثانوي من عناصر الجريمة، وإنما تواجه انهيارًا في البناء الاستدلالي للجريمة من أساسه؛ إذ لا يوجد فعل مادي محدد ثبت أن المتهم الأول ارتكبه لتغيير الحقيقة، ولا توجد صورة يقينية من صور الاصطناع أو التقليد أو انتحال الصفة ثبت توافرها في حقه، ولا يوجد دليل مستقل كافٍ على أنه كان يعلم – وقت مباشرة التصرف أو استعمال المحرر – أنه يتعامل مع محرر مزور، أو أنه اتجهت إرادته إلى استعماله بوصفه محررًا مزورًا.
وبذلك تكون أركان الجريمة قد جاءت غير مكتملة في حق المتهم الأول، فلا يستقيم قانونًا أن يُستعاض عن الركن المادي بالنتيجة الاقتصادية للتصرف، أو عن القصد الجنائي بمجرد العلم بمضمون العقد، أو عن الدليل على التزوير بمجرد الاعتراض على آثار تعديل الحصص.
وإذ كانت الأحكام الجنائية لا تبنى إلا على الجزم واليقين المستخلصين من أدلة سائغة تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها، وكان الشك في ثبوت أي عنصر جوهري من عناصر الجريمة يظل قائمًا لمصلحة المتهم، فإن بقاء الاحتمال قائمًا في مصدر السلطة، أو في حقيقة الفعل المادي، أو في صفة التوقيع، أو في علم المتهم بالتزوير، يحول دون بلوغ الدليل مرتبة اليقين اللازمة للإدانة.
ومن جماع ما تقدم، يكون الاتهام قبل المتهم الأول قد عجز عن إقامة الدليل اليقيني على اجتماع عناصر جريمة التزوير في حقه، إذ لم يثبت فعل مادي مؤثم من أفعال تغيير الحقيقة، ولم يثبت اصطناع أو تقليد أو انتحال صفة أو أي وسيلة أخرى من وسائل التزوير على نحو محدد، كما لم يقم الدليل اليقيني على توافر القصد الجنائي الخاص بعنصريه، الأمر الذي تنهار معه أركان الجريمة، ويتعين معه القضاء بالبراءة.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيسًا على انتفاء أركان جريمة التزوير في حقه مجتمعةً، وعدم ثبوت الفعل المادي المكون للجريمة، وعدم قيام الدليل اليقيني على توافر القصد الجنائي الخاص، مع إعمال أصل البراءة وما يترتب عليه من عدم جواز إقامة الإدانة على مجرد الظن أو الاحتمال أو استنتاج الجريمة من آثار التصرف ونتائجه دون إثبات الفعل الجنائي ذاته.
.
الدفع الثامن عشر: أصل البراءة ووجوب تفسير الشك لمصلحة المتهم الأول، ولا سيما مع قيام محرر رسمي ثابت، ومذكرة رسمية لاحقة صادرة عن الإدارة العامة للتوثيق انتهت إلى صلاحية الوكالة للتوقيع على التعديل محل الاتهام، وعدم قيام دليل يقيني يعارض ذلك
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع تأسيسًا على أصل دستوري وقانوني مستقر مؤداه أن الإنسان بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة، وأن الإدانة الجنائية لا تُبنى إلا على الجزم واليقين المستمدين من أدلة سائغة ومعتبرة، ولا يجوز أن تقام على الظن أو الاحتمال أو مجرد الترجيح، فإذا تطرق الشك إلى عنصر من عناصر الجريمة أو قام تعارض جدي بين الأدلة المطروحة في الدعوى، تعين تفسير هذا الشك لمصلحة المتهم.
وهذا الأصل يجد سنده الدستوري في قرينة البراءة، كما استقر عليه قضاء النقض باعتبار أن الأحكام الجنائية يجب أن تبنى على الجزم واليقين لا على الظن والتخمين، وأن الشك في ثبوت التهمة يفسر لمصلحة المتهم. وقد قررت محكمة النقض في مبادئها أن الأحكام الجنائية لا يصح أن تؤسس على مجرد الاحتمال أو الاعتقاد، وإنما على أدلة تؤدي إلى النتيجة التي انتهت إليها المحكمة.
والدفاع الماثل لا يستند إلى مجرد احتمال نظري أو إلى قول مرسل من المتهم الأول، وإنما يستمد عناصر الشك من محرر رسمي ثابت قائم بذاته هو التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، والذي صدر قبل الواقعة محل الاتهام بسنوات، وظل قائمًا وقت مباشرة التصرف محل الدعوى، ويتضمن – بحسب الثابت بمدلوله – سلطة المتهم الأول في القيام نيابة عن موكلته بالمسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلًا عن مباشرة الإجراءات ذات الصلة أمام الجهات الحكومية المختصة.
ومن ثم، فإن وجود هذا المحرر الرسمي لا يسمح بافتراض أن المتهم الأول قد باشر التصرف محل الاتهام مجردًا من كل سند أو متخذًا من صفته وسيلة لانتحال شخصية صاحبة الشأن؛ بل يثبت وجود مصدر رسمي للصفة التمثيلية كان قائمًا وقت مباشرة التصرف، ويجعل مناط البحث الجنائي – على فرض قيام اتهام بالتزوير – هو إثبات فعل مادي محدد تجاوز به المتهم الأول حدود الحقيقة أو السلطة التي كان يستند إليها، وليس مجرد افتراض عدم وجود تلك السلطة ابتداءً.
ويزداد هذا الأمر قوةً ودلالةً في ضوء المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بمصلحة الشهر العقاري والتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي انتهت – بحسب الثابت بالمستند الذي يتمسك به الدفاع – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة محل الاتهام.
ولا يدعي المتهم الأول أن هذه المذكرة الإدارية تقوم مقام الحكم القضائي أو أنها تحسم وحدها المسألة الجنائية، وإنما يتمسك بدلالتها الجوهرية في مجال الإثبات؛ فهي صادرة عن الجهة الإدارية الفنية المختصة التي فحصت سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، وانتهت إلى نتيجة تتصل مباشرةً بمناط الاتهام، وهي مدى امتداد سلطة الوكيل إلى التوقيع على تعديل الشركة وتقليل أو زيادة حصة الشركاء.
ومن ثم، فإن وجود سند الوكالة الرسمي من ناحية، وصدور هذه المذكرة الرسمية من الجهة المختصة من ناحية أخرى، يخلقان على الأقل شكًا جديًا ومشروعًا في الأساس الذي بني عليه الاتهام، ولا سيما إذا كان التصور الذي أقيمت عليه الإدانة يفترض أن المتهم الأول قد وقع دون سند أو تجاوز سلطة لم تكن قائمة أصلًا.
والأهم من ذلك أن هذا الشك لا يقتصر على مجرد صحة التصرف أو نفاذه مدنيًا، وإنما يمتد إلى عناصر الجريمة الجنائية ذاتها؛ إذ يثير سؤالًا جوهريًا حول مدى إمكان القول بأن المتهم الأول كان يعلم – وقت مباشرة التصرف – أنه يتعامل خارج نطاق سلطة الوكالة، أو أنه يغير الحقيقة في محرر، أو أنه يستعمل محررًا يعلم بتزويره.
فإذا كانت الجهة الرسمية المختصة بالتوثيق قد انتهت، بعد فحص سند الوكالة، إلى أن الوكالة تشمل التوقيع على عقود تعديل الشركات، بما في ذلك تقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن استخلاص العلم الجنائي من مجرد مباشرة المتهم الأول لهذا التصرف يصبح أمرًا يحتاج إلى دليل آخر مستقل وقاطع يثبت أنه كان يعلم عكس ذلك وأنه قصد ارتكاب التزوير رغم قيام هذا السند الرسمي.
ولا يكفي في مواجهة هذه الدلالة أن يقال إن أحد أطراف الشركة لم يكن راضيًا عن النتيجة التي ترتبت على التعديل؛ إذ إن عدم الرضا عن أثر التصرف لا يثبت بذاته أن المتهم الأول كان يعلم أنه يرتكب تزويرًا، ولا يحول التصرف الذي صدر في ظل سند وكالة قائم إلى فعل جنائي بمجرد الاعتراض اللاحق عليه.
كما لا يكفي القول بأن حصة الشريكة قد انخفضت نتيجة التعديل، وأن حصة شريك آخر قد زادت؛ لأن هذه النتيجة لا تثبت بذاتها أن المحرر قد تعرض لتغيير للحقيقة، ولا تثبت أن المتهم الأول كان عالمًا بتزويره، ولا تستغني عن تحديد الفعل المادي الذي اعتبرته سلطة الاتهام تزويرًا.
ومن ثم، فإن الدليل الرسمي القائم في الأوراق لا يعمل هنا باعتباره دليلاً منفردًا على البراءة، وإنما باعتباره عنصرًا موضوعيًا مؤثرًا في تقدير مجموع الأدلة؛ فإذا أضيف إليه إعلان المتهم الأول عن صفته كوكيل، وصدور توقيعه منه شخصيًا بهذه الصفة، وقيام الوكالة وقت التوقيع، وتأخر إلغائها عن تاريخ التصرف، ثم صدور المذكرة الرسمية المشار إليها، أصبح القول بتوافر القصد الجنائي أو العلم بالتزوير محتاجًا إلى دليل يقيني آخر لا يترك مجالاً للشك المعقول.
والقاعدة أن المحكمة وإن كانت تملك سلطة تقدير الأدلة المطروحة عليها، إلا أن هذه السلطة لا تعني أن لها أن تتجاهل مستندًا جوهريًا من شأنه – لو صح مدلوله – أن يغير وجه الرأي في الدعوى، ولا أن تستخلص الإدانة من واقعة محتملة مع وجود مستند رسمي يناقض الفرض الذي أقامت عليه قضاءها، دون أن تواجه هذا المستند وتبين أسباب طرحه أو عدم التعويل عليه.
فإذا كانت المحكمة قد رأت أن التوكيل لا يمتد إلى التصرف محل الاتهام، كان يتعين عليها أن تبين سند هذا التحديد، وأن تواجه صراحةً ما انتهت إليه المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق، وأن توضح لماذا تطرح دلالتها، وأن تحدد وجه مخالفة المتهم الأول للحقيقة رغم قيام سند الوكالة وقت التصرف.
أما إغفال هذه المواجهة، أو الاكتفاء بعبارات عامة تفيد عدم موافقة صاحبة الشأن على التصرف، فلا يزيل الشك الذي تثيره المستندات الرسمية، ولا يحول الاحتمال إلى يقين.
ولا سيما أن المذكرة الرسمية لم تصدر عن جهة بعيدة عن موضوع الواقعة، وإنما عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل، وفي إطار فحص سند وكالة موثق رسميًا، وقد خلصت – وفق الثابت بها – إلى نتيجة محددة بشأن نطاق ذلك السند، فضلًا عن تأكيدها أن إلغاء الوكالة جاء لاحقًا على التوقيع بموجبها.
ومن ثم، فإن الاتهام إذا أراد أن ينتهي إلى أن المتهم الأول قد ارتكب تزويرًا رغم هذه الملابسات، فعليه أن يقدم الدليل الذي يزيل هذا الشك ويثبت على وجه اليقين أن ما صدر من المتهم الأول لم يكن مجرد استعمال لوكالة قائمة، وإنما كان فعلًا ماديًا من أفعال تغيير الحقيقة، وأن المتهم كان عالمًا بذلك واتجهت إرادته إلى ارتكابه واستعمال المحرر فيما زُوّر من أجله.
وهو ما لم يتحقق – بحسب ما يتمسك به المتهم الأول – بدليل يقيني جازم، إذ لم يثبت أن المتهم الأول اصططنع المحرر، أو قلد توقيعًا منسوبًا إلى صاحبة الشأن، أو انتحل شخصيتها، أو أخفى صفته كوكيل، أو استعمل محررًا يعلم أنه مزور، كما لم يثبت على نحو يقيني أن سلطته في التوقيع كانت منعدمة وقت التصرف، بل الثابت وجود سند وكالة رسمي قائم، ومذكرة رسمية لاحقة تؤكد – بحسب ما انتهت إليه – امتداد تلك الوكالة إلى التصرف محل الاتهام.
وهنا يتجسد أثر أصل البراءة في صورته العملية؛ فليس مطلوبًا من المتهم الأول أن يثبت براءته من خلال تقديم تفسير وحيد للواقعة، وإنما يكفي – في مجال القضاء الجنائي – أن يظل الاتهام عاجزًا عن تقديم الدليل اليقيني الذي يبدد الاحتمال المعقول القائم في الأوراق.
وإذا كانت الأوراق تحتمل تفسيرًا مؤداه أن المتهم الأول باشر التصرف باعتباره وكيلاً عن صاحبة الشأن، مستندًا إلى وكالة رسمية قائمة وقت التوقيع، وأن الجهة المختصة بالتوثيق قد انتهت لاحقًا إلى صلاحية هذه الوكالة للتوقيع على تعديل الشركة وتقليل أو زيادة حصة الشركاء، فإن هذا الاحتمال لا يجوز إهداره بمجرد افتراض عكسه دون دليل يقيني مستقل.
فالأصل ليس أن يبحث المتهم عن دليل يثبت أن الواقعة لم تكن جريمة، وإنما أن تقوم جهة الاتهام بإثبات أن الواقعة التي ثبتت في حقه تستجمع جميع العناصر القانونية للجريمة. فإذا بقي عنصر من هذه العناصر محل شك جدي – سواء كان فعل تغيير الحقيقة أو صفة التوقيع أو حدود السلطة أو العلم بالتزوير أو نية استعمال المحرر بوصفه مزورًا – تعين أن ينعكس ذلك الشك على القضاء الجنائي لمصلحة المتهم.
ومن جماع ما تقدم، يكون الاتهام قبل المتهم الأول قد ظل محاطًا بشكوك موضوعية جدية تستمد مصدرها من محررات رسمية ومستندات قائمة في الأوراق، ولم يقدم الدليل اليقيني الذي يهدر هذه الدلالة ويثبت أن المتهم الأول قد ارتكب فعل تزوير محددًا، مع علمه بحقيقته واتجاه إرادته إلى استعمال المحرر المزور.
ولا يجوز – والحال كذلك – أن تتحول المذكرة الرسمية التي تؤيد نطاق الوكالة إلى مجرد واقعة هامشية، أو أن يُستعاض عن الرد عليها بمجرد القول بأن النتيجة التي ترتبت على تعديل الحصة لم تكن محل قبول من الشريكة؛ لأن محل البحث الجنائي ليس مدى الرضا عن النتيجة، وإنما ثبوت الجريمة بأركانها.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، إعمالاً لأصل البراءة، ولعدم كفاية الأدلة لبلوغ مرتبة اليقين المعتبر في المواد الجنائية، ولقيام الشك الجدي في ثبوت الفعل المادي للتزوير والقصد الجنائي الخاص، ولا سيما في ضوء قيام سند وكالة رسمي ثابت كان قائمًا وقت مباشرة التصرف، وصدور مذكرة رسمية لاحقة عن الإدارة العامة للتوثيق انتهت إلى صلاحية الوكالة للتوقيع على تعديل الشركة وتقليل أو زيادة حصة الشركاء، وعدم قيام دليل يقيني مستقل وسائغ يهدر دلالة تلك المستندات أو يثبت عكس ما انتهت إليه.
وذلك كله مع التمسك بكافة الدفوع والطلبات السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع أو أي دفاع موضوعي آخر نزولاً أو تنازلاً أو عدولاً عن أي من الطلبات والدفوع الإجرائية أو المتعلقة بالاختصاص أو بصحة اتصال المحكمة بالدعوى.
الدفع التاسع عشر: قصور الحكم المعارض فيه في استظهار أركان جريمة التزوير وعناصرها على نحو مستقل، وعدم كفاية مجرد الاستناد إلى أقوال الشهود أو نتيجة تعديل حصص الشركاء لإثبات واقعة تغيير الحقيقة في المحرر محل الاتهام
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع تأسيسًا على أن الحكم المعارض فيه قد جاء قاصرًا في استظهار أركان جريمة التزوير وعناصرها استظهارًا مستقلًا ومحددًا، إذ لم يقم – بحسب ما يستفاد من مدوناته وأسانيده – بتحديد الفعل المادي الذي اعتبره تغييرًا للحقيقة في المحرر محل الاتهام تحديدًا منضبطًا، ولم يبين على وجه الدقة الحقيقة التي كانت قائمة، والحقيقة التي قيل إنها استبدلت بها، ووسيلة هذا التغيير، وكيفية وقوعه، والدليل المباشر أو غير المباشر الذي أسند به هذا الفعل إلى المتهم الأول، وإنما اتجه إلى الاستناد إلى أقوال الشهود وإلى النتيجة التي ترتبت على تعديل حصص الشركاء، وكأن مجرد الاختلاف حول مضمون التصرف أو آثاره يكفي بذاته لإثبات جريمة التزوير.
وهذا المنهج في الاستدلال لا يكفي لحمل قضاء بالإدانة؛ لأن جريمة التزوير لا تقوم بمجرد وجود محرر محل منازعة، ولا بمجرد ثبوت أن هذا المحرر رتب أثرًا قانونيًا أو اقتصاديًا، وإنما يتعين على الحكم أن يستظهر عناصر الجريمة استظهارًا يمكن معه الوقوف على الفعل الجنائي المحدد الذي وقع من المتهم، وأن يربط بين هذا الفعل وبين المحرر محل الاتهام، ثم يستظهر بعد ذلك سائر عناصر الجريمة من ضرر وقصد جنائي، كل عنصر في نطاقه وبالدليل الذي يصلح لإثباته.
وقد أكدت محكمة النقض أن الحكم الجنائي في جريمة التزوير لا يكفي فيه الاقتصار على نتيجة أخرى أو على رأي في مسألة مدنية، بل يتعين بحث الموضوع من وجهته الجنائية وبيان ما إذا كانت أركان جريمة التزوير متوافرة أم لا؛ إذ لا يصح الانتقال إلى آثار التزوير قبل التدليل على ثبوت التزوير وتوافر أركانه.
ومن ثم، كان لزامًا على الحكم المعارض فيه – حتى يستقيم قضاؤه – أن يجيب عن أسئلة جوهرية لا غنى عنها في مقام الإدانة، في مقدمتها:
ما هو المحرر الذي وقع فيه التغيير تحديدًا؟
وما الحقيقة التي كانت ثابتة فيه قبل التغيير المدعى به؟
وما الحقيقة التي أثبتها المحرر على خلافها؟
وما الفعل المادي الذي ارتكبه المتهم الأول وأدى إلى هذا التغيير؟
وهل تمثل هذا الفعل في اصطناع محرر، أم تقليد توقيع، أم انتحال صفة، أم تغيير بيان جوهري، أم إثبات واقعة غير حقيقية، أم غير ذلك من الصور التي تدخل في نطاق التجريم؟
وما الدليل الذي يقطع بنسبة هذا الفعل تحديدًا إلى المتهم الأول؟
وما وجه علمه بأن ما صدر عنه يمثل تغييرًا للحقيقة، وما الدليل على اتجاه إرادته إلى استعمال المحرر فيما زُعم تزويره من أجله؟
أما أن يستعاض عن الإجابة عن هذه الأسئلة بالقول إن تعديل الشركة أدى إلى خفض حصة الشريكة وزيادة حصة شريك آخر، فذلك لا يعدو أن يكون استدلالاً بالنتيجة على السبب، وهو ما لا يكفي لإقامة الركن المادي للجريمة.
فثبوت النتيجة الاقتصادية للتعديل لا يثبت بذاته كيفية صدور التعديل، ولا يثبت أن المحرر قد تعرض لتغيير للحقيقة، ولا يحدد الفعل الذي ارتكبه المتهم الأول حتى أصبح المحرر – بحسب الاتهام – مزورًا. إذ إن النتيجة ذاتها يمكن أن تترتب على تصرف قانوني صحيح، أو على تصرف صادر من نائب عن الأصيل، أو على تصرف تكون آثاره محل منازعة مدنية، كما يمكن – في الفرض الجنائي – أن تترتب على محرر مزور؛ ومن ثم فإن النتيجة لا تكشف وحدها عن الوصف الجنائي للفعل الذي أدى إليها.
ويزداد قصور الحكم وضوحًا إذا كان قد اتخذ من أقوال الشهود سندًا لإثبات التزوير، دون أن يحدد بدقة ما الذي أدركه كل شاهد بحواسه إدراكًا مباشرًا، وما الذي استخلصه أو سمعه من الغير أو فهمه من مستندات لاحقة.
ذلك أن شهادة الشاهد قد تكون دليلاً معتبرًا في المواد الجنائية، وللمحكمة سلطة تقديرها والأخذ بما تطمئن إليه منها، إلا أن هذه السلطة لا تعفي الحكم من بيان مؤدى الشهادة ووجه دلالتها على الواقعة محل الإثبات، ولا تجعل من أقوال الشاهد – أياً كانت صفته – دليلاً تلقائيًا على واقعة لم يدركها بنفسه أو على استنتاج قانوني لا تستمده الشهادة من واقعة حسية عاينها الشاهد أو سمعها.
وقد قررت محكمة النقض أن الإدانة لا يصح أن تقام على أقوال شاهد لا تكون مقررة لعلمه الشخصي، وإنما لواقعة مسندة إلى غيره، وأن إغفال بيان مصدر المعرفة وطريق وصولها إلى الشاهد يعيب التسبيب بالقصور، ولا سيما متى كانت هذه الأقوال هي عماد الإدانة.
ومن ثم، فإذا كانت أقوال بعض الشهود قد دارت حول أن صاحبة الشأن لم تكن ترغب في تعديل حصتها، أو أنها لم توافق على ما انتهى إليه التعديل، أو أن الوكالة – بحسب فهم الشاهد أو تفسيره – لا تمتد إلى ذلك، فإن هذه الأقوال – حتى على فرض صحتها – لا تثبت بذاتها فعل تغيير الحقيقة في المحرر، وإنما تتعلق إما بموقف صاحبة الشأن من التصرف أو بتفسير نطاق الوكالة أو بتقدير مدى صحة التصرف وآثاره، وهي أمور تختلف عن إثبات الفعل المادي للتزوير.
ولا سيما أن نطاق الوكالة ومصدر السلطة يستمدان ابتداءً من المحرر الرسمي ذاته، وليس من التفسير الشخصي لمن لم يكن طرفًا في تحرير الوكالة أو لم يباشر إنشاءها. فإذا كان الشاهد لم يحضر تحرير التوكيل ولم يكن طرفًا فيه، فإن قوله عن مراد الموكل أو حدود الوكالة لا يمكن أن يحل محل الدليل المستمد من سند الوكالة ذاته، ولا أن ينشئ قيدًا غير ثابت بالمحرر الرسمي ثم يتخذ من هذا القيد أساسًا للإدانة.
وإذا كانت المحكمة قد اعتمدت على شهادة موظفين أو أشخاص اطلعوا على مستندات الواقعة في وقت لاحق، فإن عليها أن تميز بين ما عاينه الشاهد بنفسه وبين ما انتهى إليه من قراءة المستندات أو ما نقله إليه غيره، وأن تبين وجه اعتمادها على الجزء الذي يمثل إدراكًا شخصيًا للواقعة، لا مجرد رأي أو استنتاج في مضمون محرر رسمي.
فلا يكفي – على سبيل المثال – أن يقول الشاهد إن الوكالة لا تسمح بتعديل حصة الشريكة، ما لم يكن هذا القول قائمًا على واقعة حسية أدركها الشاهد، أو على سند قانوني يخول له أصلًا إصدار هذا التفسير؛ إذ إن تحديد مضمون المحرر الرسمي ونطاق السلطة المستمدة منه مسألة تستخلصها المحكمة من المحرر ذاته ومن القواعد القانونية الواجبة التطبيق، ولا تتحول بمجرد قول الشاهد إلى حقيقة مادية قائمة بذاتها.
والأخطر من ذلك أن الاعتماد على أقوال الشهود لإثبات قيد غير مكتوب في سند الوكالة يؤدي إلى قلب مصدر الإثبات؛ فبدلاً من أن يكون المحرر الرسمي هو الذي يكشف عن حدود السلطة، تصبح الأقوال اللاحقة هي التي تعيد تشكيل مضمونه وتضيف إليه قيودًا لم يتضمنها، ثم يُستدل بهذا القيد المستحدث على أن المتهم الأول قد ارتكب تزويرًا.
وهو ما لا يستقيم، ولا سيما في الدعوى الماثلة التي يتمسك فيها المتهم الأول بأن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة كان قائمًا وقت التوقيع، وأنه تضمن سلطة التوقيع نيابة عن الموكل على عقود تأسيس وتعديل الشركات، فضلًا عن صدور المذكرة الرسمية المشار إليها من الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي انتهت – بحسب الثابت بها – إلى أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء.
ومن ثم، فإن وجود هذه المستندات الرسمية كان يفرض على الحكم – إذا أراد طرح دلالتها – أن يبين أسباب طرحها بيانًا سائغًا، وأن يحدد الدليل الذي يثبت رغمها أن المتهم الأول قد ارتكب فعلاً ماديًا من أفعال التزوير.
أما الاكتفاء بأقوال شهود تتعلق بموقف صاحبة الشأن من التصرف أو بتفسير نطاق الوكالة، ثم الاستناد إلى النتيجة الاقتصادية للتعديل، فلا يكفي لإقامة الدليل على واقعة تغيير الحقيقة في المحرر ذاته.
ولا يغير من ذلك أن للمحكمة الجنائية حرية واسعة في الإثبات، وأنها يجوز لها من حيث الأصل أن تستمد اقتناعها من شهادة الشهود وسائر الأدلة والقرائن، إذ إن حرية الإثبات لا تعني الإعفاء من واجب التسبيب، ولا تعني أن كل دليل يصلح لإثبات كل واقعة دون بيان وجه دلالته عليها.
وقد قررت محكمة النقض أن التزوير واقعة جنائية يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات القانونية، بما في ذلك شهادة الشهود والقرائن؛ لكن مؤدى ذلك أن الشهادة جائزة من حيث المصدر، وليس أنها تغني عن ضرورة أن يكون مؤداها صالحًا لإثبات الواقعة الجنائية المحددة وأن يستظهر الحكم وجه دلالتها عليها.
وبعبارة أخرى، لا يجادل المتهم الأول في أصل سلطة محكمة الموضوع في تقدير الأدلة، وإنما يتمسك بأن التقدير القضائي لا يستقيم بغير تحديد محل الدليل ومؤداه ومدى اتصاله بالركن الذي يراد إثباته؛ فالشاهد قد يثبت واقعة حضور، أو واقعة توقيع، أو واقعة تقديم مستند، أو واقعة اعتراض لاحق، لكن كل واحدة من هذه الوقائع لا تعني بالضرورة ثبوت تغيير الحقيقة في المحرر.
كما أن ثبوت توقيع المتهم الأول على المحرر لا ينكره الدفاع، وإنما يتمسك بأن التوقيع صدر منه بصفته وكيلاً، وأن صفته التمثيلية كانت معلنة، وأن سند الوكالة كان قائمًا وقت التصرف. ومن ثم فإن مجرد ثبوت التوقيع لا يكفي لإثبات التزوير؛ بل كان يتعين على الحكم أن يحدد الفعل الذي جعل هذا التوقيع – رغم صدوره من المتهم الأول نفسه – وسيلة لتغيير الحقيقة.
وهنا يظهر القصور بصورة أكثر وضوحًا؛ إذ إن الحكم إذا كان قد اعتبر مجرد توقيع المتهم الأول نيابة عن صاحبة الشأن تزويرًا، دون أن يبين وجه كون هذه المباشرة تغييرًا للحقيقة رغم ثبوت صفته كوكيل، فإنه يكون قد افترض الركن المادي بدلاً من إثباته.
أما إذا كان الحكم قد اعتبر أن التزوير يتمثل في تجاوز حدود الوكالة، فقد كان يتعين عليه أن يحدد أولاً الحد الذي تجاوزه المتهم، ومصدر هذا الحد، والدليل على أنه كان قائمًا وقت التصرف، ووجه تعارض التصرف معه، ثم يبين بعد ذلك كيف يتحول تجاوز السلطة – على الفرض – إلى تغيير للحقيقة في محرر، إذ ليس كل تجاوز في سلطة الوكيل، على فرض ثبوته، مساويًا بذاته لجريمة تزوير.
وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الخلط بين التصرف خارج حدود الوكالة وبين تغيير الحقيقة الجنائي يؤدي إلى إنشاء جريمة من مجرد منازعة في السلطة، في حين أن مناط التجريم في التزوير هو فعل تغيير الحقيقة في محرر على النحو الذي حدده القانون.
كما أن إلغاء التوكيل في تاريخ لاحق على التصرف – بحسب المستندات التي يتمسك بها المتهم الأول – لا يصلح بذاته لإثبات أن الوكالة كانت منعدمة وقت التوقيع، ولا يحدد الفعل المادي للتزوير، ولا يغني عن استظهار الكيفية التي تغيرت بها الحقيقة في المحرر.
فإذا كان الحكم قد استند إلى الإلغاء اللاحق باعتباره قرينة على عدم مشروعية التوقيع السابق، كان يتعين عليه أن يبين وجه الاستدلال القانوني والزمني لذلك، وألا يحول واقعة لاحقة إلى دليل على وقوع فعل جنائي سابق دون بيان الصلة المنطقية والقانونية بينهما.
ومن جهة أخرى، فإن القصور في استظهار الركن المادي يمتد أثره إلى القصد الجنائي؛ إذ لا يكفي أن يثبت الحكم أن المتهم الأول كان يعلم بالتعديل أو أنه كان يعلم بالأثر الذي سينتج عنه، وإنما يتعين إثبات أنه كان يعلم أنه يغير الحقيقة في محرر على نحو مؤثم وأن إرادته اتجهت إلى استعمال المحرر بهذه الصفة.
وقد بينت محكمة النقض أن القصد الجنائي في جريمة التزوير يتضمن علم الجاني بأنه يغير الحقيقة بإحدى الطرق القانونية، واقتران هذا العلم بنية استعمال المحرر المزور فيما زور من أجله.
ومن ثم، فإن الاستناد إلى نتيجة تعديل الحصص لا يثبت القصد الجنائي كذلك؛ لأن العلم بأن حصة شريكة ستنخفض نتيجة التعديل شيء، والعلم بأن المحرر الذي يثبت التعديل قد جرى تزويره شيء آخر تمامًا.
وإذا كان المتهم الأول قد باشر التصرف استنادًا إلى وكالة رسمية قائمة، وأعلن صفته كوكيل، ووقع بهذه الصفة، ثم تأكد لاحقًا من الجهة الفنية المختصة بالتوثيق – بحسب المذكرة الرسمية المقدمة في الدعوى – أن الوكالة تشمل التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن هذه الملابسات لا يجوز تجاوزها عند استخلاص العلم الجنائي، ولا يجوز افتراض القصد من مجرد النتيجة الاقتصادية للتصرف.
ومن جماع ما تقدم، يتضح أن الحكم المعارض فيه – إذا كان قد أقام الإدانة على مجرد أقوال الشهود أو على النتيجة التي ترتبت على تعديل حصص الشركاء دون أن يستظهر بصورة مستقلة فعل تغيير الحقيقة في المحرر، وكيفية وقوعه، ونسبته إلى المتهم الأول، والعلم به والقصد إلى استعمال المحرر المزور – يكون قد أقام قضاءه على أسباب لا تكشف عن اكتمال أركان الجريمة، بما يصمه بالقصور في التسبيب وفساد الاستدلال.
ذلك أن التسبيب الجنائي لا يتحقق بمجرد سرد الأدلة، وإنما يتحقق ببيان مؤدى كل دليل ووجه دلالته على كل عنصر من عناصر الجريمة، بحيث تستطيع محكمة الطعن أن تراقب سلامة تطبيق القانون على الواقعة، وأن يستطيع المتهم أن يقف على الأساس الذي بنيت عليه إدانته.
فإذا ذكر الحكم أقوال الشهود دون أن يبين ما أدركه كل شاهد بنفسه، أو استند إلى النتيجة الاقتصادية للتعديل دون أن يحدد فعل التغيير، أو أشار إلى عدم موافقة صاحبة الشأن دون أن يربط هذه الواقعة بفعل مادي من أفعال التزوير، أو اعتبر مجرد تجاوز الوكالة – على فرض ثبوته – دليلاً على التزوير دون بيان كيفية تحقق تغيير الحقيقة، فإنه يكون قد ترك الركن المادي للجريمة في دائرة الافتراض، وأقام الإدانة على نتائج لا تؤدي إليها مقدماتها.
ومن ثم، فإن الحكم المعارض فيه يكون قد قصر في استظهار أركان جريمة التزوير وعناصرها على نحو مستقل، ولم يقدم التسبيب الذي يكشف عن ثبوت فعل تغيير الحقيقة في المحرر محل الاتهام، ولا عن توافر القصد الجنائي الخاص، وإنما أقام الإدانة على أقوال لا تكفي – في حدود دلالتها – لإثبات الفعل المادي، وعلى نتيجة اقتصادية لا تنهض بذاتها دليلاً على التزوير.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيسًا على قصور الحكم المعارض فيه في استظهار أركان جريمة التزوير وعناصرها استظهارًا مستقلًا، وعدم كفاية ما أورده من أقوال الشهود أو ما رتبه على نتيجة تعديل حصص الشركاء لإثبات واقعة تغيير الحقيقة في المحرر محل الاتهام، فضلًا عن عدم استظهار الصلة المباشرة بين تلك الأدلة وبين الفعل المادي المنسوب إلى المتهم الأول، وما يترتب على ذلك من سقوط الأساس الذي أقيمت عليه الإدانة.
الدفع العشرون: عدم صلاحية الأدلة القولية – منفردة أو مجتمعة – لهدم الثابت بالمحررات الرسمية أو إثبات عكس مضمون التوكيل ونطاقه، ووجوب استبعاد ما لا يصلح منها قانونًا لإثبات تجاوز الوكالة أو انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع تأسيسًا على أن الأدلة القولية، أياً كان مصدرها أو صفة قائليها، لا يجوز أن تُحمل أكثر مما تحتمل، ولا أن تُتخذ – بغير سند قانوني أو فني معتبر – وسيلة لهدم الثابت بمحرر رسمي قائم، أو لإضافة قيود وشروط إلى سند وكالة رسمي لم يتضمنها، أو لإنشاء تفسير مخالف لعباراته الصريحة، ثم اتخاذ ذلك التفسير أساسًا للقول بأن المتهم الأول قد تجاوز حدود وكالته أو باشر التوقيع دون سلطة، وصولاً إلى استخلاص جريمة التزوير من مجرد هذا التجاوز المدعى به.
والدفاع هنا لا يقوم على القول بعدم جواز الاستناد إلى شهادة الشهود في المواد الجنائية على إطلاقه؛ إذ إن التزوير باعتباره واقعة جنائية يجوز إثباته من حيث الأصل بمختلف طرق الإثبات القانونية، ومنها شهادة الشهود والقرائن. وقد استقر قضاء النقض على هذا الأصل صراحةً.
وإنما ينصب الدفاع على حدود الدلالة القانونية للشهادة، وعلى عدم صلاحية القول المجرد – متى كان مؤداه مجرد تفسير شخصي أو نقل لاحق أو استنتاج من غير إدراك مباشر – لأن يهدم سندًا رسميًا قائمًا أو ينشئ قيدًا غير وارد فيه، ثم يستخدم هذا القيد المستحدث باعتباره حقيقة ثابتة لإقامة المسئولية الجنائية.
ذلك أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يمثل – في ذاته – سند السلطة الذي يستند إليه المتهم الأول في مباشرته للتصرف محل الاتهام، وقد صدر في محرر رسمي سابق على الواقعة، وكانت صفته كوكيل مستمدة منه، وكان قائمًا وقت التوقيع على عقد تعديل الشركة.
ومن ثم، فإن تحديد نطاق هذه الوكالة لا يجوز أن يُبنى ابتداءً على أقوال لاحقة لشخص لم يكن طرفًا في تحريرها، أو على مجرد تفسير شخصي لمضمونها، أو على استنتاج لا يستند إلى عبارة ثابتة في سند الوكالة، ثم يُقال بعد ذلك إن المتهم الأول قد تجاوز تلك السلطة.
فإذا كان سند الوكالة يتضمن – بحسب الثابت بالأوراق – حق المتهم الأول في القيام نيابة عن موكلته بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، وحقه في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فإن القول بأن هذه السلطة لا تمتد إلى تعديل حصص الشركاء يحتاج إلى سند محدد يفسر مصدر هذا القيد ومحل ثبوته، ولا يكفي فيه مجرد قول شاهد أو استنتاج لاحق لا يستمد من المحرر ذاته.
والأصل أن المحكمة وهي تبحث حدود الوكالة يتعين عليها أن تبدأ من سندها، وأن تقرأ عباراته كوحدة واحدة، وأن تحدد نطاق السلطة التي منحها الموكل لوكيله، ثم تقارن ذلك بالتصرف الذي صدر من الوكيل؛ أما أن تستبدل بمضمون المحرر الرسمي أقوالاً لاحقة تضيف إليه قيدًا لم يرد به، ثم تجعل من هذا القيد أساسًا للمسئولية الجنائية، فذلك يؤدي إلى تغيير مصدر الإثبات ذاته.
ويزداد الأمر أهمية في الدعوى الماثلة لأن المسألة ليست مجرد خلاف مدني عابر حول تفسير عقد، وإنما يراد من هذا التفسير إنشاء أساس لإسناد جريمة تزوير إلى المتهم الأول؛ ومن ثم لا يكفي أن يكون ثمة رأي يحتمل أن الوكالة لا تشمل التصرف، بل يلزم أن يكون هذا القول مستندًا إلى أساس واضح ومعتبر، وأن يكون الدليل الذي أقيم عليه صالحًا لاستخلاص النتيجة الجنائية التي انتهى إليها الحكم.
ولا يجوز أن تتحول شهادة الشاهد من وسيلة لإثبات واقعة مادية أدركها بحواسه إلى وسيلة لإنشاء مضمون جديد للمحرر الرسمي أو لإضافة قيد قانوني لم يتضمنه، ولا سيما إذا كان الشاهد لم يحضر تحرير الوكالة، ولم يكن طرفًا فيها، ولم تصدر إليه من الموكل إرادة مباشرة بشأن حدودها، وإنما اقتصر علمه على الاطلاع عليها لاحقًا أو على تفسير مضمونها.
ففي هذه الحالة، يكون ما يدلي به الشاهد في شأن نطاق الوكالة أقرب إلى الرأي أو الاستنتاج منه إلى الشهادة على واقعة مادية أدركها بنفسه، ولا يجوز أن يحل هذا الرأي محل المحرر الذي يستمد منه الوكيل سلطته.
وإذا كان الشاهد قد قرر أن الموكل لم يكن يقصد – في رأيه – تمكين المتهم الأول من تعديل حصتها، فإن هذه العبارة لا تصلح بذاتها لإثبات انتفاء السلطة؛ لأن مناط البحث هو ما إذا كان هذا القيد قد انعكس في سند الوكالة وقت إنشائه أم لا، وليس ما إذا كان الشاهد يستخلصه من موقف لاحق أو من علمه الشخصي بالعلاقة بين الطرفين.
كما أن القول بأن الموكل لم يكن يرغب في خفض حصتها لا يساوي قانونًا القول بأن الوكيل لم يكن مخولاً في سند الوكالة بإجراء هذا التعديل، ولا يساوي – في المجال الجنائي – إثبات أن المتهم الأول كان يعلم بانعدام سلطته أو أنه قصد تغيير الحقيقة في محرر.
والفارق بين الأمرين جوهري؛ إذ قد يكون التصرف محل منازعة بين الأصيل والوكيل بشأن آثاره أو مدى مطابقته لإرادة الأصيل، لكن ذلك لا يحول هذه المنازعة بذاتها إلى دليل على التزوير، ولا يثبت أن الوكيل قد انتحل صفة الأصيل أو اصطنع توقيعًا أو غير حقيقة محرر.
والثابت بالأوراق أن المتهم الأول لم يقدم نفسه باعتباره صاحبة الشأن، وإنما باشر التوقيع بصفته وكيلاً عنها. ومن ثم فإن إثبات انتفاء سلطته لا يكون بمجرد إثبات أنه ليس الأصيل؛ فهذه واقعة معلنة وثابتة في المحرر، وإنما يلزم إثبات أن الوكالة التي أعلنها لم تكن تمنحه السلطة التي باشرها، وأنه كان يعلم بذلك، وأنه رغم علمه به اتجه إلى تغيير الحقيقة في المحرر.
وهذا كله لا يمكن استخلاصه بمجرد القول بأن النتيجة لم تكن مرغوبة بالنسبة إلى صاحبة الشأن أو أن حصتها قد انخفضت؛ لأن هذه النتيجة تتعلق بأثر التصرف، بينما مصدر السلطة يتعلق بسند الوكالة، أما جريمة التزوير فتتطلب فوق ذلك إثبات فعل تغيير الحقيقة والقصد الجنائي.
ويتعزز هذا الدفاع بما ورد في المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي انتهت – بحسب الثابت بها – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة لا يتمسك بها الدفاع باعتبارها حكمًا قضائيًا ملزمًا للمحكمة الجنائية، وإنما باعتبارها مستندًا رسميًا جوهريًا صادرًا عن الجهة الفنية المختصة بالتوثيق، يتصل مباشرةً بتحديد نطاق سند الوكالة محل الاتهام.
ومن ثم، فإن وجودها في الأوراق يجعل من غير السائغ أن يستند الحكم إلى أقوال قولية مناقضة لمضمون الوكالة ولما انتهت إليه الجهة المختصة دون أن يبين سبب طرح هذه المستندات، أو وجه ترجيح الأقوال عليها، أو الأساس الذي استخلص منه أن الوكالة لا تشمل التصرف محل الاتهام.
فإذا كان الحكم قد أخذ بأقوال شاهد مفادها أن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة تعديل حصة الشريكة، كان لزامًا عليه أن يبين مصدر علم الشاهد بهذا الأمر، والأساس الذي استند إليه، وكيف يمكن لقوله أن يتغلب على الدلالة المستمدة من سند الوكالة الرسمي ذاته، ثم على ما انتهت إليه المذكرة الرسمية المشار إليها.
ولا يكفي في ذلك أن يورد الحكم الشهادة باعتبارها قولاً قاطعًا، إذ إن مجرد إيراد الدليل لا يغني عن بيان مؤداه ووجه دلالته، ولا يعفي المحكمة من مواجهة الأدلة الجوهرية المناقضة له.
كما لا يكفي أن يكون الشاهد موظفًا عامًا أو من العاملين في جهة تعاملت مع المستندات؛ فصفة الشاهد لا تمنح أقواله حجية مطلقة في تفسير المحررات، ولا تجعل استنتاجه الشخصي في نطاق الوكالة مساويًا لمضمون المحرر الرسمي ذاته.
وإذا كانت المعلومات التي أدلى بها بعض الموظفين قد وصلت إليهم بسبب وظائفهم، فإن الأمر يقتضي – فوق ذلك – التحقق من طبيعة هذه المعلومات ومصدرها، وما إذا كانت واقعة أدركها الشاهد بنفسه، أم نتيجة استخلصها من مستند، أم معلومة نقلت إليه من آخرين، أم رأيًا وظيفيًا في تفسير محرر. فلكل من هذه الصور قيمته الإثباتية المختلفة، ولا يجوز جمعها في مرتبة واحدة ثم بناء الإدانة عليها دون تمييز.
ومن ناحية أخرى، فإن مجرد تكرار عدة أقوال متشابهة لا يحولها بالضرورة إلى دليل يقيني؛ فـتعدد مصادر القول لا ينشئ بذاته حقيقة قانونية إذا كانت الأقوال جميعًا تستمد أصلها من مصدر واحد غير مباشر، أو تقوم على تفسير ذاتي للمحرر ذاته.
فإذا كان أكثر من شاهد قد قرر أن الوكالة لا تسمح بتعديل الحصص، بينما لم يكن أي منهم حاضرًا عند تحرير الوكالة ولم يستمد علمه من واقعة مباشرة تتعلق بإرادة الموكل عند إنشائها، فإن اجتماع أقوالهم لا يجعل هذا الاستنتاج واقعًا ماديًا مستقلاً عن المحرر، وإنما يظل تفسيرًا لمضمونه ينبغي أن يخضع للمحرر نفسه وللقواعد القانونية المنظمة له.
وهنا تتجلى أهمية التفرقة بين إثبات واقعة التزوير وبين إثبات الواقعة المدنية أو القانونية التي قد تكون سابقة عليها. فقد يكون من الجائز في الدعوى الجنائية إثبات بعض الوقائع بكافة طرق الإثبات، لكن ذلك لا يعني أن كل قول يصلح لإثبات كل نتيجة، ولا أن الشهادة تصبح وسيلة لإعادة صياغة محرر رسمي ثم بناء الجريمة على الصياغة الجديدة.
وبعبارة أخرى، فإن حرية القاضي الجنائي في الإثبات لا تعني حرية إنشاء مضمون للمحررات الرسمية من خارجها، وإنما تعني أن المحكمة تستخلص الحقيقة الجنائية من الأدلة المطروحة عليها استخلاصًا سائغًا، مع التزامها بأن يكون استنتاجها مؤديًا إلى النتيجة التي انتهت إليها.
وقد استقر قضاء النقض على أن للمحكمة الجنائية أن تستمد اقتناعها من الأدلة المختلفة، وأن التزوير ذاته يجوز إثباته بكافة طرق الإثبات؛ إلا أن ذلك لا يعفي الحكم من ضرورة أن يكون الدليل الذي عول عليه صالحًا لإثبات الواقعة التي أقام عليها الإدانة.
ومن ثم، فإن الدفاع لا يطلب استبعاد الشهادة لمجرد كونها شهادة، وإنما يطلب استبعاد أثرها في الحدود التي تتجاوز فيها وظيفتها الإثباتية المشروعة، وتتحول إلى وسيلة لهدم مضمون سند رسمي أو إنشاء قيد غير وارد فيه أو إثبات أمر لم يدركه الشاهد بنفسه.
فإذا كان القول الشفهي لا يثبت إلا أن صاحبة الشأن اعترضت لاحقًا على التصرف، فإنه لا يثبت انعدام سلطة الوكيل وقت التوقيع.
وإذا كان القول يثبت فقط أن الشاهدة لم تكن تعلم بواقعة التعديل، فإنه لا يثبت أن الوكيل لم يكن مخولاً في إجراء التعديل.
وإذا كان القول يقوم على تفسير الشاهد لعبارات الوكالة، فإنه لا يثبت بذاته أن المتهم تجاوز حدودها.
وإذا كان القول لا يجاوز العلم اللاحق بالمستندات، فإنه لا يثبت واقعة التنفيذ أو إرادة الموكل وقت إنشاء الوكالة.
وإذا كان القول يثبت فقط الأثر الاقتصادي الذي ترتب على تعديل الحصة، فإنه لا يثبت فعل تغيير الحقيقة في المحرر.
ومن ثم، لا يجوز جمع هذه الأقوال المختلفة ثم استخلاص نتيجة واحدة منها مفادها أن المتهم الأول لم تكن له سلطة التوقيع، ثم بناء جريمة التزوير على هذه النتيجة، دون بيان مستقل لكل حلقة من حلقات الاستدلال.
ويتمسك المتهم الأول كذلك بأن عبء إثبات تجاوز الوكالة – باعتباره الواقعة التي يراد أن يستخلص منها انعدام السلطة ثم المسئولية الجنائية – لا يتحقق بمجرد ترجيح رواية على أخرى، متى كان في الأوراق سند رسمي قائم ومحدد يخالف هذا التصور؛ بل يتعين أن يكون الدليل المقابل واضحًا وقاطعًا في دلالته على أن المتهم لم يكن يملك السلطة التي باشرها.
ولا سيما أن الشك في نطاق السلطة ينعكس بصورة مباشرة على القصد الجنائي؛ فإذا كان ثمة احتمال جدي في أن المتهم الأول كان يعتقد – استنادًا إلى سند وكالة رسمي قائم وإلى عباراته – أن سلطته تشمل التعديل محل الاتهام، فلا يجوز استخلاص علمه بأنه يباشر فعلاً غير مشروع من مجرد النتيجة التي ترتبت على التصرف.
وبذلك، فإن الأدلة القولية – حتى مع افتراض صلاحيتها من حيث الأصل للإثبات الجنائي – لا تصلح في الدعوى الماثلة، منفردة أو مجتمعة، لأن تحل محل سند الوكالة الرسمي في تحديد مصدر السلطة، ولا لأن تنشئ قيدًا غير وارد فيه، ولا لأن تثبت بذاتها أن المتهم الأول تجاوز حدود وكالته، ولا لأن تستخلص منها وحدها العلم الجنائي اللازم لجريمة التزوير.
ويكون الحكم، متى أقام قضاءه على هذه الأقوال دون أن يواجه سند الوكالة الرسمي والمذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق، ودون أن يبين مصدر علم كل شاهد وحدود دلالته ووجه اتصال شهادته بالفعل المادي للتزوير، قد أقام النتيجة على استدلال غير مكتمل، ولم يستظهر على نحو يقيني واقعة تجاوز الوكالة ولا أثرها الجنائي.
ومن جماع ما تقدم، يتمسك المتهم الأول بأن الدليل القولي لا يجوز أن يتحول من وسيلة لإثبات الوقائع المادية التي يدركها الشاهد إلى وسيلة لتعديل مضمون محرر رسمي أو إنشاء قيد قانوني غير ثابت به، وأن ما لا يجاوز من الأقوال مجرد الرأي أو التفسير أو النقل غير المباشر أو الاستنتاج اللاحق يجب طرحه من عداد الأدلة الصالحة لإثبات تجاوز الوكالة أو انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع، مع بقاء سلطة المحكمة في تقدير الأدلة الجنائية الأخرى في حدود ما يصلح قانونًا لإثبات كل واقعة.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيسًا على عدم صلاحية الأدلة القولية التي عُوّل عليها – في حدود دلالتها – لهدم الثابت بالمحررات الرسمية أو إنشاء قيد غير وارد بسند الوكالة، وعدم كفايتها لإثبات تجاوز المتهم الأول لحدود وكالته أو انتفاء سلطته في التوقيع، ولا سيما في ضوء قيام التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017، وصدور المذكرة الرسمية المشار إليها عن الإدارة العامة للتوثيق، وعدم قيام دليل يقيني مستقل يثبت أن المتهم الأول باشر التوقيع خارج نطاق سلطة ثابتة له وقت التصرف أو أنه كان يعلم بانعدام هذه السلطة واتجهت إرادته إلى تغيير الحقيقة في المحرر.
مع التمسك بكافة الدفوع والطلبات السابقة، واعتبار هذا الدفاع امتدادًا لها وتأكيدًا عليها، ودون أن يُفهم من إبدائه بأي حال من الأحوال النزول عن أي دفع أو طلب سابق أو القبول باختصاص المحكمة أو بصحة اتصالها بالدعوى.
الدفع الحادي والعشرون: سقوط الأساس الذي أُقيم عليه الاتهام بانهيار الدليل القولي على انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع، وثبوت عكسه بالمحررات الرسمية وبمذكرة الإدارة العامة للتوثيق، بما تنتفي معه صورة التزوير المسندة إليه
يتمسك المتهم الأول بأن الأساس الذي أُقيم عليه الاتهام، والذي مؤداه انتفاء سلطته في مباشرة التوقيع على عقد تعديل الشركة محل الاتهام، قد انهار من أساسه، بعد أن جاءت المحررات الرسمية القائمة بالأوراق لتثبت عكس ذلك، وثبت على وجه التحديد وجود التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، الصادر من صاحبة الشأن إلى المتهم الأول، والذي خوله القيام نيابة عنها بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عما تضمنه سند الوكالة من سلطات أخرى متصلة بالتعامل أمام الجهات الحكومية المختصة وإجراءات التسجيل والنشر والتوثيق.
ولم يقف الأمر عند مجرد وجود سند الوكالة، وإنما تكشف الأوراق كذلك عن أن المتهم الأول قد باشر التوقيع محل الاتهام معلناً عن صفته التمثيلية، وبصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، وعلى سند وكالة كان قائماً ونافذاً وقت مباشرة التصرف، بما تنتفي معه الصورة التي حاول الاتهام إسباغها على الواقعة باعتبار أن المتهم الأول قد انتحل صفة صاحبة الشأن أو اصطنع توقيعاً منسوباً إليها أو تصرف بغير سند يمثلها.
والأهم من ذلك أن هذا المعنى لم يبقَ مجرد دفاع صادر عن المتهم الأول، وإنما تعزز بمستند رسمي لاحق صادر عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، وانتهت فيه الإدارة – بحسب ما هو ثابت بالمذكرة الرسمية – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة «يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء بتقليل أو زيادة حصة الشركاء كما هو ثابت بالوكالة التي تمت بناءً على رغبة الموكل»، مع إثبات أن التوكيل «قد تم إلغاؤه بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة المذكورة».
وهذه النتيجة الرسمية، وإن كانت بطبيعتها لا تحل محل القضاء في تقدير المسؤولية الجنائية ولا تحول دون حق المحكمة في وزن الأدلة جميعها، إلا أنها تظل دليلاً رسمياً جوهرياً قائماً بذاته، صادراً عن الجهة الفنية المختصة بفحص أعمال التوثيق، ومتعلقاً بذات المسألة التي يقوم عليها الاتهام، وهي مدى امتداد السلطة التي استمدها المتهم الأول من سند الوكالة إلى التوقيع على عقد تعديل الشركة وما تضمنه من تعديل حصص الشركاء. ومن ثم فلا يجوز طرح هذه الدلالة الجوهرية جانباً دون تمحيصها والرد عليها رداً سائغاً يكشف عن سبب قانوني وواقعي معتبر لعدم الأخذ بها.
ذلك أن جريمة التزوير لا تقوم بمجرد ثبوت أن تصرفاً قد ترتب عليه أثر قانوني أو مالي بالنسبة إلى أحد أطراف العلاقة، ولا بمجرد قيام منازعة لاحقة حول مدى ملاءمة التصرف أو موافقة الموكل عليه، وإنما يلزم – في مجال الإدانة الجنائية – أن يثبت على وجه يقيني فعل مادي محدد من أفعال تغيير الحقيقة في محرر، وأن يكون هذا الفعل منسوباً إلى المتهم، وأن تتوافر في حقه إرادة تغيير الحقيقة على النحو الذي يتطلبه القانون. فإذا كان الاتهام قد بنى صورة التزوير على أساس أن المتهم الأول لم تكن له سلطة في التوقيع، ثم ثبت من سند وكالة رسمي قائم وقت التوقيع، وتعزز ذلك بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق من أن الوكالة تشمل التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن هذا الأساس الاستدلالي لا يعود قائماً على دليل يقيني يصلح لحمل الإدانة.
ولا يغير من ذلك أن التوكيل قد أُلغي في تاريخ لاحق على مباشرة التصرف، إذ العبرة في تحديد مصدر السلطة التمثيلية تكون بحالة الوكالة وقت مباشرة العمل محل الاتهام، ولا يجوز – في مجال المسؤولية الجنائية – إسباغ أثر رجعي على الإلغاء اللاحق بما يحول التصرف السابق إلى فعل صادر بغير صفة وقت مباشرته، ما لم يثبت بدليل مستقل وقاطع أن سلطة المتهم الأول كانت قد زالت قبل مباشرة التوقيع أو أن التصرف الذي باشره قد وقع خارج نطاق السلطة الثابتة بسند الوكالة. وهو ما لم يثبت على نحو يقيني، بل جاءت الأوراق الرسمية لتعضد عكسه.
كما أن مجرد القول بأن صاحبة الشأن لم تكن ترغب لاحقاً في النتيجة التي انتهى إليها التعديل، أو أنها نازعت في آثاره، لا يستحيل به التوقيع الصادر من وكيل إلى توقيع مزور، ولا يحول بذاته التصرف الصادر في نطاق سند النيابة إلى اصطناع أو تقليد أو انتحال صفة. فهناك فارق جوهري بين المنازعة في مضمون التصرف أو آثاره أو مدى موافقته للمصلحة التي أرادها الأصيل، وبين إثبات أن الوكيل قد غيّر حقيقة مادية في المحرر تغييراً مؤثماً جنائياً. ولا يجوز طمس هذا الفارق بمجرد الانتقال من النتيجة التي ترتبت على التصرف إلى افتراض وقوع التزوير.
ومن ثم، فإذا كان الدليل القولي الذي عُوّل عليه في نسبة التجاوز إلى المتهم الأول لا يعدو أن يكون تفسيراً لنطاق الوكالة أو قولاً بانحصار سلطتها في غير ما ثبت بالمحرر الرسمي، فإن هذا القول لا يكفي بذاته لإهدار سند الوكالة أو إنشاء قيد جديد غير وارد فيه، ولا يصلح – بغير دليل مستقل على فعل مادي محدد لتغيير الحقيقة – لأن يكون أساساً لإسناد جريمة تزوير. ولا سيما وقد جاءت المذكرة الرسمية للإدارة العامة للتوثيق بنتيجة مغايرة في المسألة ذاتها، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام.
والحاصل أن الاتهام قد أقام صورة التزوير على مقدمة لازمة مؤداها أن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة التوقيع، فإذا سقطت هذه المقدمة، أو قامت في الأوراق أدلة رسمية جدية وقوية تناقضها، لم يعد جائزاً أن تُستخلص منها وحدها النتيجة الجنائية المترتبة عليها. إذ لا يجوز أن تكون النتيجة محل الاستدلال – وهي اعتبار التوقيع مزوراً – هي ذاتها الدليل على المقدمة التي يراد إثباتها – وهي انعدام سلطة المتهم في التوقيع – وإلا أصبح الاستدلال دائرياً قائماً على افتراض النتيجة محل الإثبات.
ولما كان الثابت أن المتهم الأول لم يوقع خفية أو منتحلاً صفة صاحبة الشأن، وإنما باشر التوقيع معلناً عن صفته كوكيل، مستنداً إلى توكيل رسمي قائم وقت مباشرة التصرف، وكانت الجهة المختصة بالتوثيق قد انتهت في مذكرة رسمية لاحقة إلى أن ذلك التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، بما في ذلك الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن الواقعة – في صورتها الثابتة بالأوراق – لا تستقيم معها صورة التزوير التي أقام عليها الاتهام بنيانه، ما لم يقدم الدليل الجنائي المستقل الذي يثبت تحديداً ما هي الحقيقة التي تم تغييرها، وكيف تم تغييرها، وما هو الفعل المادي الذي ارتكبه المتهم الأول، ولماذا كان يعلم وقت مباشرته له أنه يغير الحقيقة بغير سند من سلطته التمثيلية.
وإذ تخلو الأوراق – بحسب ما تقدم – من دليل يقيني على فعل مادي مستقل لتغيير الحقيقة، ويقوم في المقابل سند رسمي للنيابة كان قائماً وقت التصرف، فضلاً عن الدلالة المؤيدة التي انتهت إليها الإدارة العامة للتوثيق، فإن الشك لا يعود متعلقاً بتفصيل هامشي في الواقعة، وإنما ينصرف إلى أصل التصوير الجنائي للواقعة وإلى أحد الأسس التي يقوم عليها إسناد فعل التزوير إلى المتهم الأول. ومتى تطرق الشك إلى هذا الأصل، وتعذر الجزم بأن التوقيع قد صدر بغير صفة أو أن المتهم قد تجاوز سلطة ثابتة على نحو يشكل تغييراً للحقيقة الجنائي، تعين عدم إقامة الإدانة على مجرد الاستنتاج أو المنازعة المدنية في آثار التصرف.
ومن ثم، فإن سقوط الدليل الذي أقيم عليه القول بانتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع، وثبوت عكسه بالمحررات الرسمية وبالدلالة المستمدة من مذكرة الإدارة العامة للتوثيق، يترتب عليه سقوط الأساس الذي أُقيمت عليه صورة التزوير المسندة إليه، ويغدو ما بقي من أقوال أو استنتاجات غير كافٍ بذاته لإثبات أركان الجريمة إثباتاً يقينياً، الأمر الذي يتعين معه القضاء ببراءة المتهم الأول مما أسند إليه، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع أو أي دفاع موضوعي آخر عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الثاني والعشرون: القضاء ببراءة المتهم الأول تأسيساً على انتفاء الركن المادي لجريمة التزوير، وعدم ثبوت تغيير الحقيقة في المحررات محل الاتهام، وثبوت صدور التوقيع في إطار وكالة قائمة ثبت رسمياً امتدادها إلى التصرف محل الاتهام
يتمسك المتهم الأول ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على انتفاء الركن المادي لجريمة التزوير في حقه، ذلك أن الأوراق قد خلت من دليل يقيني جازم يثبت أنه ارتكب فعلاً مادياً من أفعال تغيير الحقيقة في أي من المحررات محل الاتهام، كما خلت من دليل معتبر يثبت أنه اصطنع محرراً أو قلد توقيعاً أو انتحل صفة صاحبة الشأن أو أثبت في المحرر واقعة على خلاف الحقيقة مع علمه بذلك، وإنما الثابت بالأوراق على خلاف ذلك تماماً أنه باشر التوقيع بنفسه، وبصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، مستنداً إلى توكيل رسمي قائم وقت مباشرة التصرف.
والثابت على وجه القطع من سند الوكالة الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة أن صاحبة الشأن قد خولت المتهم الأول القيام نيابة عنها بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، ومنحته الحق في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عن السلطات الأخرى الواردة بذات السند، بما يجعل مصدر السلطة التي باشر المتهم الأول التوقيع استناداً إليها ثابتاً بمحرر رسمي سابق على التصرف محل الاتهام، وليس مستنداً إلى قول مرسل أو تفويض شفهي أو ادعاء لاحق.
ولم يكن قيام هذه الوكالة قائماً على مجرد تفسير من جانب المتهم الأول، وإنما تعزز بصورة رسمية بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل العام المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه الواقعة الرسمية ذات دلالة جوهرية في مقام البحث في الركن المادي للجريمة؛ إذ إن التوقيع الذي صدر من المتهم الأول لم يصدر في فراغ قانوني، ولم يصدر بانتحال شخصية صاحبة الشأن أو باصطناع توقيع منسوب إليها، وإنما صدر منه شخصياً وبصفته التمثيلية المعلنة، وفي ظل سند وكالة قائم وقت مباشرة التصرف، وعلى النحو الذي ثبتت معه رسمياً إمكانية امتداد سلطة الوكالة إلى عقود تعديل الشركات وإلى تعديل حصص الشركاء.
ومن المقرر في الأصل أن مناط التزوير هو تغيير الحقيقة في محرر تغييراً من شأنه أن يرتب ضرراً، وبطريقة من الطرق التي تتحقق بها الجريمة، وأن مجرد المنازعة في التصرف أو الاعتراض على مضمونه أو آثاره لا ينهض بذاته دليلاً على وقوع تغيير للحقيقة. ومن ثم، فإن إثبات أن تعديلاً قد تم بالفعل، أو أن حصة أحد الشركاء قد زادت بينما انخفضت حصة شريك آخر، لا يساوي في ذاته إثبات أن المحرر قد زُوِّر، إذ يظل لازماً تحديد الفعل المادي الذي وقع به تغيير الحقيقة، والحقيقة التي كانت قائمة قبل التغيير، والحقيقة التي أثبتها المحرر على خلافها، وكيفية إحداث هذا التغيير، ونسبته إلى المتهم الأول على وجه يقيني.
والحال أن الأوراق – بحسب الثابت فيها – لا تقدم هذا الدليل المستقل؛ إذ لم يثبت أن المتهم الأول قد نسب إلى صاحبة الشأن توقيعاً لم يصدر عنها مع إخفاء صفته كوكيل، ولم يثبت أنه اصطنع محرراً من الأصل، ولم يثبت أنه قلد توقيعها أو انتحل شخصيتها، بل الثابت أنه وقع بصفته وكيلاً عنها، وهي صفة لم يخْفِها ولم يحاول إيهام الغير بها على خلاف الحقيقة، وإنما استند في مباشرتها إلى سند رسمي قائم.
وحتى على فرض قيام منازعة حول مدى موافقة صاحبة الشأن على النتيجة التي انتهى إليها تعديل عقد الشركة، أو حول مدى ملاءمة استعمال الوكالة في إحداث هذا التعديل، فإن ذلك – بفرض صحته – لا يكفي وحده لنقل الواقعة من نطاق المنازعة حول آثار التصرف أو مدى استعمال السلطة التمثيلية إلى نطاق التجريم بالتزوير، ما لم يقترن بدليل مستقل يثبت أن المتهم الأول قد أحدث تغييراً مادياً في الحقيقة المثبتة بالمحرر بطريق من طرق التزوير المعاقب عليها قانوناً.
فالفارق بين عدم الرضا بالتصرف وبين تزوير المحرر فارق جوهري لا يجوز إهداره؛ إذ قد تنشأ من التصرف منازعة في صحته أو نفاذه أو مدى موافقته لمصلحة الأصيل، وقد يثور بشأنه خلاف حول حدود استعمال الوكالة، إلا أن هذه المنازعة لا تصبح جريمة تزوير إلا إذا ثبت فوق ذلك أن حقيقة مادية قد جرى تغييرها في المحرر على نحو مؤثم جنائياً. أما مجرد ثبوت صدور التصرف من وكيل وبسند وكالة قائم، فلا ينهض بذاته دليلاً على تغيير الحقيقة، بل يفرض على سلطة الاتهام إثبات الفعل الجنائي المستقل الذي تجاوز به المتهم حدود المشروعية الجنائية.
ولا ينال من ذلك ما قد يثار بشأن إلغاء التوكيل، إذ الثابت أن الإلغاء قد وقع لاحقاً على مباشرة التوقيع محل الاتهام، ومن ثم لا يجوز أن يُتخذ الإلغاء اللاحق، بذاته، دليلاً على أن المتهم الأول لم تكن له سلطة وقت مباشرة التصرف، أو أن توقيعه كان عند صدوره توقيعاً منتحلاً أو مزوراً. فالعبرة – في مقام تحديد مصدر السلطة التي باشر بها المتهم التصرف – بحالة الوكالة وقت مباشرة العمل محل الاتهام، لا بواقعة لاحقة عليه.
كما أن المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق لا تنشئ بذاتها سلطة جديدة للمتهم الأول، وإنما تكشف – بحسب ما انتهت إليه الجهة المختصة بعد فحص سند الوكالة – عن مضمون سلطة كانت ثابتة أصلاً في محرر الوكالة وقت مباشرة التصرف. ومن ثم فإن دلالتها لا تتمثل في أنها مصدر للسلطة، وإنما في أنها دليل رسمي مؤيد لفهم نطاق السلطة الوارد في سند الوكالة ذاته.
ومن ناحية أخرى، فإن القول بانعدام الركن المادي لا يقوم فقط على وجود الوكالة، وإنما على النتيجة المنطقية المترتبة على اجتماع عناصر الواقعة: سند وكالة رسمي قائم وقت التصرف، وتوقيع صادر من المتهم الأول شخصياً، وإفصاحه عن صفته كوكيل، وثبوت امتداد نطاق الوكالة – وفقاً لما انتهت إليه الجهة الرسمية المختصة – إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وعدم ثبوت واقعة مستقلة محددة تمثل تغييراً للحقيقة ارتكبها المتهم الأول على خلاف ما تخوله له وكالته.
ومتى كان الركن المادي للجريمة غير ثابت على هذا النحو، فلا يجوز للمحكمة أن تستخلص وقوع التزوير من مجرد النتيجة التي ترتبت على التصرف، أو من مجرد المنازعة في آثاره، أو من مجرد القول بأن الأصيل لم يكن يرغب في إتمامه، إذ إن النتيجة القانونية أو الاقتصادية للتصرف ليست هي بذاتها فعل التزوير، ولا تغني عن إثبات الفعل المادي المكون للجريمة.
وإذ كانت الأحكام الجنائية لا تُبنى إلا على الجزم واليقين المستمدين من أدلة مطروحة على بساط البحث، ولا على الظن والاحتمال والاستنتاج غير المؤدي إلى النتيجة التي انتهت إليها، وكان الثابت بالأوراق وجود سند رسمي للوكالة قائماً وقت التصرف، وقد ثبت رسمياً امتداد نطاقه إلى التوقيع على تعديل الشركات والإجراءات المتعلقة بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، بينما لم يقم في المقابل دليل يقيني على فعل مادي محدد من أفعال تغيير الحقيقة منسوب إلى المتهم الأول، فإن أحد الأركان الجوهرية اللازمة لقيام جريمة التزوير يكون قد تخلف، بما تنتفي معه الجريمة في حقه.
ولا يسوغ في هذه الحالة إحلال الافتراض محل الدليل، أو تحويل الخلاف حول حدود استعمال الوكالة إلى قرينة قاطعة على وقوع التزوير، أو تحميل المتهم الأول عبء إثبات براءته من فعل لم يثبت الاتهام ابتداءً وقوعه منه؛ إذ الأصل أن عبء إثبات أركان الجريمة يظل قائماً في جانب الاتهام، وأنه متى تخلف الدليل اليقيني على الركن المادي تعين القضاء بالبراءة.
ومن ثم، فإن جماع الثابت بالأوراق يقود إلى نتيجة واحدة مؤداها أن التوقيع محل الاتهام صدر من المتهم الأول في إطار وكالة رسمية قائمة وقت مباشرة التصرف، وأن نطاق تلك الوكالة قد ثبت رسمياً امتداده إلى التصرف محل الاتهام، وأن الأوراق لم تقدم دليلاً يقينياً على فعل مادي مستقل من أفعال تغيير الحقيقة، الأمر الذي ينتفي معه الركن المادي لجريمة التزوير، وتسقط معه الصورة الجنائية التي أُسندت إلى المتهم الأول.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على انتفاء الركن المادي لجريمة التزوير وعدم ثبوت تغيير الحقيقة في المحررات محل الاتهام، وثبوت صدور التوقيع في إطار وكالة رسمية قائمة ثبت امتدادها إلى التصرف محل الاتهام، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفاع بأي حال من الأحوال عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الثالث والعشرون: انعدام الركن المادي لجريمة التزوير لثبوت مباشرة المتهم الأول للتوقيع بصفته نائباً عن الأصيل، وبموجب سند نيابة اتفاقية قائم وصحيح وسارٍ وقت إبرام التصرف، بما تنتفي معه واقعة التوقيع بغير صفة أو انتحال شخصية الأصيل
يتمسك المتهم الأول بانعدام الركن المادي لجريمة التزوير المسندة إليه، ذلك أن الصورة التي حاول الاتهام إسباغها على الواقعة، ومؤداها أن المتهم الأول قد باشر التوقيع على المحررات محل الاتهام بغير صفة أو منتحلاً شخصية الأصيل، تصطدم بالثابت بالأوراق والمستندات الرسمية التي تقطع بأن المتهم الأول لم يقدم نفسه باعتباره الأصيل، ولم يدعِ لنفسه شخصيتها، ولم يحاول إخفاء حقيقة صفته، وإنما باشر التوقيع بنفسه وبصفته نائباً عنها، مستنداً إلى سند نيابة اتفاقية رسمي كان قائماً وسارياً وقت مباشرة التصرف.
فالثابت من التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة أن صاحبة الشأن قد أنابت المتهم الأول في مباشرة جملة من المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، وخولته صراحة حق التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، بما يجعل مصدر الصفة التي باشر بها المتهم الأول التصرف ثابتاً بمحرر رسمي سابق على الواقعة، وليس وليد الواقعة ذاتها أو مستنداً إلى ادعاء لاحق عليها.
والفارق في هذا المقام جوهري بين شخص يوقع محرراً باسم شخص آخر دون أن تكون له صفة في تمثيله، فيدعي لنفسه مركزاً قانونياً لا يملكه، وبين نائب يوقع باسم الأصيل وفي حدود السلطة المستمدة من سند نيابة قائم، ويكشف في المحرر ذاته عن صفته النيابية. فالأول قد تثار بشأن فعله مسألة انتحال الصفة أو تغيير الحقيقة بحسب ظروف الواقعة، أما الثاني فلا يكفي مجرد صدور التوقيع منه نيابة عن الأصيل لاعتباره مرتكباً لتزوير، ما لم يثبت دليل مستقل على أنه غيّر حقيقة مادية في المحرر أو تجاوز سلطته بطريقة تحقق أركان الجريمة.
والثابت أن المتهم الأول قد باشر التوقيع بصفته وكيلاً، ولم ينسب إلى نفسه صفة الأصيل، كما لم ينسب إلى الأصيل فعلاً لم يقع منها عن طريق اصطناع توقيع مادي منسوب إليها، وإنما عبّر عن إرادتها القانونية من خلال صفته النيابية التي استمدها من سند وكالة رسمي قائم وقت مباشرة التصرف. ومن ثم فإن الواقعة – على النحو الثابت بالمحررات ذاتها – تفتقر إلى أحد التصويرات المادية التي يحاول الاتهام إقامة جريمة التزوير عليها، وهي واقعة التوقيع بغير صفة أو انتحال شخصية الأصيل.
ويؤكد ذلك أن التوكيل الرسمي المشار إليه لم يكن قد أُلغي وقت مباشرة التصرف محل الاتهام، وإنما ثبت أن إلغاءه قد تم في تاريخ لاحق على التوقيع بموجبه، الأمر الذي يستحيل معه قانوناً ومنطقاً اتخاذ الإلغاء اللاحق بذاته دليلاً على انعدام الصفة وقت مباشرة العمل السابق عليه، أو إضفاء أثر رجعي عليه يحول التوقيع الذي صدر في ظل وكالة قائمة إلى توقيع صدر بغير صفة وقت وقوعه.
بل إن الأمر قد تعزز بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه النتيجة الرسمية لا تنشئ الصفة النيابية من العدم، وإنما تؤيد – في حدود دلالتها – أن سند النيابة الذي استند إليه المتهم الأول كان قائماً وقت مباشرة التصرف، وأن نطاقه، وفقاً لما انتهت إليه الجهة المختصة بالتوثيق بعد فحص المستند، يمتد إلى نوع التصرف محل الاتهام. ومن ثم فإن القول بانعدام الصفة أو انتفائها وقت التوقيع لا يستقيم مع الثابت بالمحررات الرسمية إلا إذا قام دليل آخر مستقل وقاطع يثبت زوال الوكالة قبل التصرف أو عدم امتدادها إليه، وهو ما لا يكفي فيه مجرد القول المرسل أو التفسير الشخصي لنطاق الوكالة.
ولا يغير من ذلك ما قد يثار من أن التصرف قد ترتب عليه تعديل في حصص الشركاء أو آثار قانونية أو مالية لم تكن محل قبول لاحق من الأصيل؛ ذلك أن الأثر المترتب على التصرف شيء، وواقعة التوقيع بغير صفة أو انتحال شخصية الأصيل شيء آخر. فلا يجوز الانتقال مباشرة من وجود منازعة في أثر التصرف إلى افتراض أن النائب قد انتحل شخصية الأصيل، ما دام الثابت أنه أعلن صفته النيابية واستند إلى سند وكالة قائم وقت مباشرة العمل.
كما لا يجوز الخلط بين مسألة مدى صحة التصرف أو نفاذه في مواجهة الأصيل وبين تحقق الركن المادي لجريمة التزوير؛ فقد تثور – بحسب ظروف كل حالة – منازعة مدنية أو تجارية حول مدى تجاوز الوكيل حدود سلطته أو مدى ترتيب التصرف لآثاره، إلا أن مجرد قيام هذه المنازعة لا يحول العمل تلقائياً إلى تزوير، ولا يعفي سلطة الاتهام من إثبات فعل مادي محدد لتغيير الحقيقة في المحرر، ونسبته إلى المتهم الأول على وجه يقيني.
ومن ثم، فإن مناط البحث الجنائي في الواقعة الماثلة لا ينبغي أن ينصرف إلى مجرد التساؤل عما إذا كانت نتيجة التصرف قد وافقت رغبة الأصيل أم خالفتها، وإنما إلى السؤال الجوهري: هل ثبت أن المتهم الأول قد غيّر الحقيقة في المحرر محل الاتهام أو انتحل شخصية الأصيل أو وقع بغير صفة؟ والثابت بالأوراق أن الإجابة عن هذا السؤال لا تجد سنداً يقينياً في الأوراق، بل تجد على العكس سنداً رسمياً يثبت قيام النيابة وقت التصرف وإعلان المتهم الأول عن صفته النيابية.
ولا يكفي لإهدار هذه الحقيقة القانونية القول بأن الأصيل لم يكن حاضراً عند التوقيع أو لم يباشره بشخصه، إذ إن جوهر النيابة الاتفاقية هو أن يباشر النائب التصرف بدلاً من الأصيل وفي حدود السلطة المخولة له، وأن تنصرف آثار التصرف إلى الأصيل وفقاً لأحكام النيابة. ومن ثم فإن كون التوقيع قد صدر فعلياً من المتهم الأول لا يمثل بذاته دليلاً على التزوير، بل هو عين ما يتفق مع طبيعة النيابة التي استند إليها في مباشرته للتصرف.
وإذا كان الاتهام قد اتخذ من مجرد صدور التوقيع من المتهم الأول سبباً للقول بأنه وقع بدلاً من الأصيل، فإن هذا الاستدلال يكون قد خلط بين مباشرة النائب للتعبير عن الإرادة باسم الأصيل وبين انتحال شخصية الأصيل أو اصطناع توقيع منسوب إليها، وهما أمران مختلفان تماماً من الناحية القانونية والمادية. فالأول هو الأثر الطبيعي للنيابة، أما الثاني فلا يثبت إلا بدليل مستقل يكشف عن تعمد إظهار النائب باعتباره الأصيل أو إسناد توقيع إليها لم يصدر عنها في إطار تمثيل مشروع.
ويزداد الأمر وضوحاً إذا روعي أن المتهم الأول لم يتخذ لنفسه اسماً أو صفة الأصيل، ولم يوقع سراً أو على نحو يخفي صفته، وإنما ظهر في المحررات والإجراءات بصفته وكيلاً، وقدم سند الوكالة الذي يستمد منه سلطته، وتم التعامل مع التصرف من خلال الإجراءات الرسمية ذات الصلة. وهذه الوقائع الموضوعية لا تتفق في ذاتها مع صورة انتحال الشخصية التي يقوم عليها الاتهام، بل تتفق مع مباشرة عمل تمثيلي استناداً إلى سند نيابة قائم.
ومن ثم، فإذا لم يثبت أن التوكيل كان قد أُلغي قبل التوقيع، أو أن المتهم الأول كان يعلم وقت مباشرة التصرف بانتهاء سلطته، أو أن توقيعه قد صدر على خلاف صفته المعلنة، أو أنه اصطنع توقيعاً منسوباً إلى الأصيل أو أثبت واقعة مادية على خلاف الحقيقة، فإن الركن المادي للجريمة يظل غير قائم في حقه، ولا يجوز استكماله بالافتراض أو بمجرد المنازعة اللاحقة في آثار التصرف.
ولا ينال من ذلك ما قد يثار بشأن نطاق الوكالة، إذ إن هذا النطاق قد تعزز – فضلاً عن نص سند الوكالة ذاته – بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل من أن الوكالة تبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، وتقليل أو زيادة حصص الشركاء. وهذه الدلالة الرسمية، وإن كانت لا تحل محل المحكمة في تقدير المسؤولية الجنائية، إلا أنها تظل عنصراً جوهرياً في وزن الصورة المادية للواقعة وفي تقدير ما إذا كان المتهم الأول قد باشر فعله في إطار صفة نيابية قائمة أم بغير صفة.
وعليه، فإن الثابت من مجموع الأوراق لا يقدم صورة لشخص انتحل شخصية الأصيل أو وقع بغير صفة، وإنما يقدم صورة نائب باشر التوقيع بنفسه، وأفصح عن صفته، واستند إلى سند نيابة اتفاقية رسمي قائم وقت مباشرة التصرف، وثبت رسمياً امتداد نطاقه إلى التصرف محل الاتهام. ومن ثم تنتفي الصورة المادية التي أقيم عليها الاتهام، ولا يبقى في الأوراق دليل يقيني على فعل مادي من أفعال تغيير الحقيقة يمكن إسناده إلى المتهم الأول.
ومتى انتفى الفعل المادي المكون لجريمة التزوير، انتفى الركن المادي للجريمة برمته، ولم يعد ثمة محل للقول بقيامها استناداً إلى مجرد المنازعة في آثار التصرف أو إلى الإلغاء اللاحق لسند الوكالة أو إلى عدم الرضا بنتيجة التعديل؛ إذ لا يجوز تحويل المنازعة في حدود استعمال النيابة أو آثار التصرف إلى جريمة تزوير بغير إثبات مستقل لفعل تغيير الحقيقة.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على انتفاء الركن المادي لجريمة التزوير، وثبوت أن التوقيع محل الاتهام قد صدر منه شخصياً بصفته نائباً عن الأصيل، وبموجب سند نيابة اتفاقية رسمي كان قائماً وسارياً وقت إبرام التصرف، وثبوت امتداد نطاق هذا السند إلى التصرف محل الاتهام، بما تنتفي معه واقعة التوقيع بغير صفة أو انتحال شخصية الأصيل، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار هذا الدفع أو إبداء أي دفاع موضوعي آخر نزولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الرابع والعشرون: انتفاء تغيير الحقيقة في المحرر محل الاتهام لثبوت أن المتهم الأول لم يوقع باسم الأصيل أو منتحلاً شخصيته، وإنما وقع بصفته وكيلاً عنه، وثبوت هذه الصفة في المحرر ذاته واستنادها إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة
يتمسك المتهم الأول بانتفاء فعل تغيير الحقيقة في المحرر محل الاتهام، تأسيساً على أن حقيقة التوقيع الثابت بالمحرر لم يطرأ عليها أي تغيير أو اصطناع أو انتحال، ذلك أن المتهم الأول لم يوقع باسم الأصيل على نحو يوهم بأنه هو شخصياً، ولم ينتحل شخصيته، ولم ينسب إلى نفسه صفة الأصيل، وإنما باشر التوقيع بذاته وبصفته وكيلاً عنه، وأفصح عن هذه الصفة في المحرر ذاته على نحو ظاهر لا لبس فيه، مستنداً في ذلك إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة.
والثابت من مطالعة المحرر محل الاتهام أن التوقيع المنسوب إلى المتهم الأول لم يقدم باعتباره توقيعاً صادراً من الأصيل، وإنما صدر من المتهم الأول مقروناً بصفته التمثيلية، بما يكشف بذاته عن الحقيقة الواقعية والقانونية لمن قام بالتوقيع؛ وهي أن الموقع شخص آخر غير الأصيل، ولكنه يباشر التصرف نيابة عنه. ومن ثم تنتفي عن الواقعة صورة انتحال شخصية الأصيل أو اصطناع توقيع منسوب إليه، وهي الصورة التي لا يجوز افتراض قيامها بمجرد القول بأن آثار التصرف قد انصرفت إلى الأصيل.
فالفارق جوهري بين أن يوقع شخص باسم غيره متظاهراً بأنه هو صاحب التوقيع، وبين أن يوقع شخص باسمه وبصفته وكيلاً عن صاحب الشأن، مع الإفصاح عن مصدر صفته التمثيلية. ففي الحالة الأولى قد يثور البحث في مدى تحقق فعل مادي من أفعال التزوير بحسب ظروف الواقعة، أما في الحالة الثانية فإن حقيقة من باشر التوقيع تكون معلنة في المحرر ذاته، ولا يكون ثمة انتحال للهوية أو إخفاء لشخص الموقع، وإنما تكون الواقعة متعلقة بمباشرة نائب لتصرف باسم الأصيل.
والأهم أن الصفة التي أفصح عنها المتهم الأول لم تكن صفة مصطنعة أو مجرد ادعاء شفهي لاحق، وإنما كانت مستندة إلى محرر رسمي سابق على التصرف، هو التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، والصادر من صاحبة الشأن، والذي تضمن تخويل المتهم الأول القيام نيابة عنها بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عن السلطات الأخرى الواردة بسند الوكالة.
ومن ثم فإن البحث في مدى قيام جريمة التزوير لا يجوز أن ينطلق من النتيجة التي ترتبت على التصرف، وإنما يجب أن ينصرف ابتداءً إلى الفعل المادي الذي قيل إن المتهم الأول ارتكبه في المحرر. فإذا كان المتهم الأول هو ذاته من قام بالتوقيع، وكان قد أفصح في المحرر عن صفته كوكيل، وكانت هذه الصفة مستندة إلى توكيل رسمي قائم وقت مباشرة التصرف، فإن مجرد انصراف آثار التصرف إلى الأصيل لا يحول التوقيع الصادر من الوكيل إلى توقيع مزور، ولا يجعل من استعمال سلطة النيابة – متى ثبت قيامها – انتحالاً لشخصية الأصيل.
ولا يغير من ذلك ما قد يثار بشأن مدى موافقة الأصيل على مضمون التصرف أو ما إذا كان قد نازع لاحقاً في آثاره، إذ إن عدم الرضا بالتصرف أو المنازعة في نطاق الوكالة شيء، وتغيير الحقيقة في المحرر شيء آخر. فحتى مع افتراض وجود خلاف مدني حول مدى استعمال الوكالة أو مدى ملاءمة التصرف لمصلحة الأصيل، لا ينشأ عن ذلك بذاته فعل تزوير، ما لم يثبت أن المتهم الأول قد أثبت في المحرر حقيقة مغايرة للواقع أو اصطنع أو قلد أو انتحل أو غيّر أحد البيانات الجوهرية فيه بطريق من طرق التزوير المعاقب عليها قانوناً.
كما أن مجرد القول بأن الأصيل هو صاحب الصفة الأصلية في التصرف لا يعني أن توقيع الوكيل يجب أن يحمل توقيع الأصيل أو أن يتخذ مظهر توقيعه الشخصي، إذ إن مباشرة النائب للتصرف لا تقتضي انتحال توقيع الأصيل، وإنما تقتضي – على العكس – أن يفصح النائب عن صفته وأن يباشر التعبير عن الإرادة في حدود السلطة التي يستمدها من سند النيابة. وهذه هي الصورة التي تكشف عنها الأوراق بالنسبة إلى توقيع المتهم الأول.
ويتعزز هذا المعنى بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، من أن التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة. وهذه المذكرة – وإن كانت لا تحل محل المحكمة في تقدير المسؤولية الجنائية – تمثل دليلاً رسمياً جوهرياً مؤيداً لما يتمسك به المتهم الأول من أن صفته التمثيلية لم تكن ادعاءً مجرداً، وإنما كانت قائمة على سند رسمي قائم وقت مباشرة التصرف.
وعليه، فإن القول بوقوع التزوير لا يمكن أن يستند إلى مجرد كون المتهم الأول قد وقع نيابة عن الأصيل، لأن هذا هو عين التصرف الذي أجازه له سند الوكالة بحسب ما هو ثابت بالأوراق. كما لا يجوز أن يستخلص انتحال الشخصية من مجرد حلول آثار التصرف في ذمة الأصيل، إذ إن انصراف آثار العمل إلى الأصيل هو الأثر الطبيعي للتصرف الذي يباشره النائب في نطاق نيابته، وليس دليلاً في ذاته على اصطناع توقيع الأصيل أو انتحال شخصيته.
وإذا كانت صورة الاتهام قد قامت على أن المتهم الأول قد وقع على المحرر محل الاتهام بدلاً من الأصيل، فإن هذا التصوير يخلط بين أمرين مختلفين تماماً: الأول هو مباشرة الوكيل للتوقيع والتعبير عن الإرادة نيابة عن الأصيل، والثاني هو اصطناع توقيع أو انتحال شخصية الأصيل على نحو كاذب. والثابت بالمحرر محل الاتهام أن المتهم الأول لم يخف صفته ولم يقدم نفسه باعتباره الأصيل، وإنما أثبت صفته كوكيل، بما يهدم الأساس الواقعي اللازم لافتراض الانتحال أو الإيهام بشخصية الموقع.
ولا يكفي في المقابل القول بأن التوقيع قد ترتب عليه تعديل في حصص الشركاء لإثبات تغيير الحقيقة في المحرر؛ إذ إن التعديل ذاته واقعة قانونية ناشئة عن التصرف، أما التزوير فيفترض واقعة أخرى مستقلة هي إحداث تغيير غير مشروع في الحقيقة التي يعبر عنها المحرر. ومن ثم يجب التمييز بين حقيقة حصول التعديل، وحقيقة صفة من باشر التوقيع، وحقيقة السلطة التي استند إليها، وبين القول بوقوع تزوير في أي من هذه العناصر. وقد جاءت الأوراق لتثبت أن المتهم الأول هو من باشر التوقيع، وأنه أفصح عن صفته، وأن هذه الصفة كان لها سند رسمي قائم وقت التصرف.
ومن ثم، فإن انتفاء الانتحال وانتفاء اصطناع توقيع الأصيل وانتفاء إخفاء شخصية الموقع، مع ثبوت الصفة التمثيلية في المحرر ذاته واستنادها إلى توكيل رسمي قائم، يؤدي إلى انهيار التصوير الذي يجعل مجرد توقيع المتهم الأول نيابة عن الأصيل فعلاً من أفعال تغيير الحقيقة. ويبقى على جهة الاتهام – إذا أرادت إقامة المسؤولية الجنائية – أن تثبت فعلاً مادياً آخر محدداً يمثل تغييراً للحقيقة، وأن تبين ماهية الحقيقة التي تم تغييرها وكيفية تغييرها ونسبتها إلى المتهم الأول، ولا يغني عن ذلك مجرد المنازعة في آثار التصرف أو في مدى موافقة الأصيل عليه.
وحيث إن الثابت بالأوراق أن المتهم الأول لم ينتحل شخصية الأصيل، ولم يوقع باسم الأصيل باعتباره شخصه، وإنما وقع بصفته وكيلاً عنه، وأن هذه الصفة كانت معلنة وثابتة في المحرر ذاته، ومستندة إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، فضلاً عما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بشأن امتداد نطاق ذلك التوكيل إلى عقود تعديل الشركات والإجراءات المتعلقة بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن الركن المادي لجريمة التزوير يغدو غير قائم في حقه، لعدم ثبوت فعل تغيير الحقيقة الذي تقوم عليه الجريمة.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على انتفاء فعل تغيير الحقيقة في المحرر محل الاتهام، وانتفاء انتحال شخصية الأصيل أو اصطناع توقيعه، وثبوت مباشرة المتهم الأول للتوقيع بصفته وكيلاً عنه، وثبوت مصدر هذه الصفة بالتوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار هذا الدفاع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
.
الدفع الخامس والعشرون: ثبوت حلول إرادة النائب محل إرادة الأصيل في حدود النيابة الاتفاقية، وانصراف آثار التصرف إلى الأصيل عملاً بالمادتين 104 و105 من القانون المدني، بما ينفي اعتبار توقيع النائب تزويراً لمجرد حلول توقيعه محل التوقيع الشخصي للأصيل
يتمسك المتهم الأول بأن توقيعه على المحرر محل الاتهام لا يمكن أن يُحمل – لمجرد صدوره منه شخصياً – على أنه توقيع مزور أو منتحل لتوقيع الأصيل، متى كان قد صدر منه باعتباره نائباً عنها وفي حدود النيابة الاتفاقية الثابتة بسند رسمي قائم وقت مباشرة التصرف؛ ذلك أن جوهر النيابة الاتفاقية يقوم على أن النائب لا يتصرف لحساب نفسه، وإنما يباشر التعبير القانوني باسم الأصيل ولحسابه وفي الحدود التي رسمها سند النيابة، بحيث تنصرف آثار التصرف الذي يبرمه النائب في حدود نيابته إلى الأصيل.
وهذا هو المعنى الذي تقرره أحكام النيابة في القانون المدني، إذ متى تعاقد النائب في حدود نيابته وباسم الأصيل، انصرفت آثار التعاقد إلى هذا الأخير، فلا يكون شخص النائب هو صاحب الحق أو الالتزام الناشئ عن التصرف، وإنما يكون الأصيل هو الذي تضاف إليه آثاره القانونية. ومن ثم فإن حلول إرادة النائب في التعبير عن الإرادة محل التعبير الشخصي للأصيل ليس اصطناعاً لإرادة غير موجودة، ولا تغييراً للحقيقة في ذاته، وإنما هو الأثر الطبيعي لمؤسسة النيابة التي أجازها القانون ورتب عليها آثارها.
وقد نصت المادة 105 من القانون المدني على أن «إذا أبرم النائب في حدود نيابته عقداً باسم الأصيل فإن ما ينشأ عن هذا العقد من حقوق والتزامات يضاف إلى الأصيل»، وهو نص يكشف بجلاء عن أن المشرع قد اعترف بالتعبير الذي يصدر من النائب باعتباره تعبيراً قانونياً منتجاً لآثاره في مواجهة الأصيل، متى كان النائب يعمل في حدود سلطته وباسم من ينوب عنه.
كما أن المادة 104 من القانون المدني، في تنظيمها للتعاقد بواسطة النائب، تؤكد أن مناط الاعتداد بالتعبير الصادر من النائب هو مباشرته للتصرف في نطاق النيابة، وأن آثار ما يتصل بالإرادة والعلم بالظروف المحيطة بالتعاقد تتحدد في ضوء شخص النائب أو الأصيل بحسب الأحوال التي رسمها القانون. ومن ثم فإن القانون ذاته يفترض وجود حالة يكون فيها التعبير القانوني عن الإرادة صادراً من شخص غير الأصيل، ومع ذلك ينتج التصرف أثره في مواجهة الأصيل، متى تمت مباشرة النيابة في حدودها القانونية.
والثابت بالأوراق أن المتهم الأول لم يدّعِ أنه هو صاحبة الشأن، ولم يوقع على المحرر متخفياً وراء شخصيتها، ولم يقدم توقيعه باعتباره توقيعها الشخصي، وإنما باشر التوقيع باعتباره وكيلاً عنها، وعلى سند من التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو سند سابق على التصرف وقائم وقت مباشرته، وقد تضمنت عباراته تخويل المتهم الأول القيام نيابة عنها بالمسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري.
ومن ثم فإن الفارق بين الواقعتين جوهري وحاسم: فالتزوير يفترض – في صورته التي يحاول الاتهام إسنادها إلى المتهم الأول – أن هناك حقيقة قانونية أو مادية جرى اصطناعها أو تغييرها على خلاف الواقع، أما النيابة الاتفاقية فتفترض على العكس تماماً أن الأصيل قد أنشأ ابتداءً سلطة قانونية لشخص آخر ليباشر عنه التعبير عن إرادته في الحدود التي حددها سند النيابة. فإذا وقع النائب باسمه وبصفته وكيلاً، فإن اختلاف شخص الموقع عن شخص الأصيل لا يمثل في ذاته تغييراً للحقيقة، لأن حقيقة الموقع وصفته تكون معلومة ومعلنة، ولأن القانون يرتب على هذا التوقيع أثره في مواجهة الأصيل متى صدر في حدود النيابة.
وبعبارة أدق، فإن التوقيع الذي يصدر من النائب في حدود وكالته لا يُراد به إثبات أن النائب هو الأصيل، وإنما يُراد به إثبات أن النائب قد باشر التصرف نيابة عن الأصيل. ولذلك فإن مجرد حلول توقيع النائب محل التوقيع الشخصي للأصيل لا يكفي بذاته للقول بوقوع تزوير؛ لأن هذا الحلول هو تحديداً الأداة التي يمارس بها النائب سلطته التمثيلية، وهو الأثر العملي المباشر للنيابة الاتفاقية التي ارتضاها الأصيل وأنشأها بإرادته.
والعبرة في هذا المقام ليست بمجرد الشخص الذي خط التوقيع، وإنما بحقيقة الصفة التي صدر بها التوقيع والسلطة التي استند إليها. فإذا كان المتهم الأول قد وقع باعتباره وكيلاً، وأثبت صفته التمثيلية في المحرر، واستند إلى توكيل رسمي قائم، فإن الحقيقة الثابتة في المحرر تكون متفقة مع الواقع من حيث شخص الموقع وصفته ومصدر سلطته، ولا يكون ثمة تغيير للحقيقة لمجرد أن يد النائب هي التي باشرت التوقيع مادياً بدلاً من يد الأصيل.
ويزداد ذلك وضوحاً في ضوء ما ثبت رسمياً من مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي انتهت – بحسب ما هو ثابت بالأوراق – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن التوكيل قد أُلغي بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه النتيجة الرسمية لا تنشئ بذاتها أثر النيابة، وإنما تؤكد – في حدود دلالتها – أن سند النيابة الذي استند إليه المتهم الأول كان قائماً وقت مباشرة التصرف، وأن نطاقه، وفقاً لما انتهت إليه الجهة المختصة بعد فحصه، كان يمتد إلى التصرف محل الاتهام. وبذلك لا يكون توقيع المتهم الأول قد صدر باعتباره شخصاً أجنبياً عن العلاقة أو منتحلاً لصفة الأصيل، وإنما باعتباره نائباً عنها وفي إطار سند النيابة الذي كان قائماً عند التوقيع.
ولا يجوز في هذا السياق الخلط بين حلول إرادة النائب في التعبير عن إرادة الأصيل وبين اصطناع إرادة الأصيل أو تزوير توقيعه؛ فالأول هو جوهر النيابة الاتفاقية التي يعترف بها القانون ويرتب عليها آثارها، أما الثاني فهو فعل جنائي مستقل لا يثبت إلا بقيام دليل على تغيير الحقيقة على النحو المؤثم قانوناً. فإذا كان الأصيل قد منح شخصاً آخر سلطة التوقيع نيابة عنه، فإن مباشرة هذا الشخص للتوقيع لا تعني أنه اصطنع توقيع الأصيل، ما دام قد أفصح عن صفته ولم ينسب إلى نفسه صفة الأصيل ولم يخفِ حقيقة أنه يباشر التصرف نيابة عنه.
كما لا يصح أن يستخلص من مجرد كون التوقيع المادي قد صدر من يد النائب أن ثمة انتحالاً لشخصية الأصيل؛ لأن انتحال الصفة يفترض أن النائب قد قدم نفسه على أنه الأصيل أو أخفى صفته الحقيقية، بينما الثابت في الواقعة محل الاتهام أن المتهم الأول باشر التوقيع بصفته وكيلاً، وعلى سند من وكالة رسمية، وبما يكشف عن حقيقة شخص الموقع وصفته التمثيلية.
وحتى إذا أثير خلاف حول مدى استعمال الوكالة أو حول النتائج التي ترتبت على التصرف، فإن ذلك لا يغير من الطبيعة القانونية لفعل التوقيع ذاته، ولا يحوله تلقائياً إلى فعل تزوير. إذ يظل من اللازم – في المجال الجنائي – إثبات أن المتهم الأول قد تجاوز سلطة النيابة على نحو انطوى بذاته على تغيير للحقيقة في المحرر، وليس مجرد إثبات أن التصرف لم يلقَ قبولاً لاحقاً من الأصيل أو أنه ترتب عليه أثر لم يرضَ عنه.
ومن ثم، فإن إسناد جريمة التزوير إلى المتهم الأول لمجرد أن توقيعه الشخصي قد حل محل التوقيع الذي كان يمكن أن يصدر من الأصيل يهدر الطبيعة القانونية للنيابة الاتفاقية، ويحوّل الوسيلة المشروعة التي اختار بها الأصيل أن يعبّر عن إرادته بواسطة نائبه إلى قرينة على التزوير، مع أن القانون ذاته قد رتب على تعاقد النائب في حدود نيابته انصراف الحقوق والالتزامات إلى الأصيل.
فإذا كان القانون قد اعترف للنائب بسلطة التعبير عن إرادة الأصيل، ورتب على التصرف الذي يبرمه في حدود نيابته آثاره في ذمة الأصيل، فإن مجرد اختلاف اليد التي باشرت التوقيع لا يصلح بذاته دليلاً على تغيير الحقيقة، طالما كانت صفة النائب معلنة، وسند نيابته قائماً، والتصرف داخلاً في نطاق السلطة الممنوحة له.
وعليه، فإن التوقيع محل الاتهام – في صورته الثابتة بالأوراق – لا يمثل اصطناعاً لتوقيع الأصيل ولا انتحالاً لشخصيته، وإنما يمثل مباشرة من النائب لسلطته في التعبير عن إرادة الأصيل في حدود النيابة الاتفاقية، وهو ما تنتفي معه بذاته الصورة المادية التي أقيم عليها الاتهام، ما لم يثبت بدليل مستقل ويقيني أن المتهم الأول قد أضاف إلى هذا التوقيع أو التصرف واقعة مغايرة للحقيقة على نحو تتحقق به أركان التزوير.
وإذ لم يثبت في حق المتهم الأول هذا الفعل المادي المستقل، وظل الثابت بالأوراق قيام سند وكالة رسمي وقت التصرف، وثبوت امتداد نطاقه إلى عقود تعديل الشركات وفقاً لما انتهت إليه مذكرة الإدارة العامة للتوثيق، فإن مجرد حلول توقيعه محل التوقيع الشخصي للأصيل لا يمكن أن يكون مناطاً للتجريم، بل هو عين الوسيلة التي باشر بها النيابة التي أقامها الأصيل اختياراً وبسند رسمي.
ومن ثم، يكون الركن المادي لجريمة التزوير قد انتفى في حق المتهم الأول، إذ لم يثبت أنه غيّر الحقيقة بمجرد توقيعه نيابة عن الأصيل، وإنما ثبت أنه مارس سلطة تمثيلية قائمة وقت التصرف، وانصرفت آثار ما باشره – في حدود النيابة – إلى الأصيل عملاً بالمادتين 104 و105 من القانون المدني، الأمر الذي يتعين معه القضاء ببراءته مما أسند إليه، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار هذا الدفع أو ما سبقه أو ما يليه من أوجه الدفاع نزولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع السادس والعشرون: ثبوت قيام سند النيابة وقت مباشرة التصرف وانتفاء أثر الإلغاء اللاحق للتوكيل على السلطة التي كانت قائمة وقت التوقيع، لثبوت أن إلغاء التوكيل رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 قد تم لاحقاً على التوقيع على عقد تعديل الشركة
يتمسك المتهم الأول بأن الثابت بالأوراق على نحو قاطع هو قيام سند النيابة ومصدر السلطة التمثيلية وقت مباشرة التصرف محل الاتهام، وأن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة كان قائماً ونافذاً في التاريخ الذي باشر فيه المتهم الأول التوقيع على عقد تعديل الشركة، ولم يكن قد صدر بشأنه إلغاء أو إنهاء سابق على هذا التصرف، بما مؤداه أن المتهم الأول لم يكن يباشر التوقيع مجرداً من السند أو منتحلاً لصفة لا يحملها، وإنما كان يستند في مباشرته إلى وكالة رسمية قائمة في حينه.
وهذه الحقيقة تكتسب أهميتها القصوى من أن مناط البحث الجنائي لا ينصرف إلى واقعة الإلغاء في ذاتها، وإنما إلى الحالة القانونية والواقعية التي كان عليها سند النيابة في لحظة مباشرة التصرف محل الاتهام؛ إذ لا يستقيم منطقاً ولا قانوناً أن يُستدل بواقعة لاحقة على انعدام سلطة كانت قائمة بالفعل وقت مباشرة العمل، أو أن يُستخلص من انتهاء الوكالة في تاريخ لاحق أن الوكيل لم تكن له صفة في تاريخ سابق كان فيه سند النيابة قائماً.
والثابت أن المتهم الأول قد وقع على عقد تعديل الشركة بتاريخ 20/3/2022 بصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، استناداً إلى التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017، في حين أن إلغاء هذا التوكيل قد تم في تاريخ لاحق على التوقيع محل الاتهام، وهو ما تؤكده الأوراق والمستندات الرسمية، بل وتؤكده كذلك المذكرة الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي انتهت – بحسب الثابت بها – إلى أن التوكيل كان يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن التوكيل قد تم إلغاؤه بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
ومن ثم، فإن واقعة الإلغاء اللاحق لا تصلح سنداً للقول بأن المتهم الأول كان يباشر التصرف بغير صفة وقت مباشرته، ولا يجوز أن تتحول الواقعة اللاحقة إلى وسيلة لإهدار المركز التمثيلي الذي كان قائماً بالفعل وقت صدور التوقيع. فثمة فارق زمني وقانوني جوهري بين قيام الوكالة وقت التصرف وبين انتهائها أو إلغائها بعد التصرف، ولا يجوز الخلط بين المرحلتين عند بحث المسؤولية الجنائية عن فعل التوقيع.
وإذا كان الاتهام قد قام – صراحة أو ضمناً – على أن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة التوقيع عن صاحبة الشأن، فإن هذا التصوير يصطدم مباشرة بالثابت الرسمي من قيام التوكيل وقت التوقيع، وبالثابت كذلك من أن الإلغاء لم يقع إلا بعد إتمام التصرف محل الاتهام. ومن ثم ينهار الأساس الذي يمكن أن يستند إليه القول بانتحال الصفة أو مباشرة التوقيع دون سند نيابة قائم.
ولا يغير من ذلك أن الإلغاء قد يكون قد ترتب عليه إنهاء الوكالة بالنسبة إلى الأعمال اللاحقة على تاريخ الإلغاء، إذ إن ذلك أمر يختلف تماماً عن القول بانعدام السلطة في التصرف السابق. فالإلغاء اللاحق – في ذاته – لا يمحو واقعة قيام الوكالة قبل الإلغاء، ولا يحول التصرف الذي صدر أثناء قيامها إلى تصرف صادر بغير سند لمجرد أن الأصيل اختار لاحقاً إنهاء الوكالة.
والأخطر من ذلك أن ترتيب أثر رجعي على الإلغاء اللاحق، بحيث يُتخذ دليلاً على عدم وجود السلطة وقت التوقيع، من شأنه أن يقلب التسلسل الزمني للوقائع ويقيم المسؤولية الجنائية على واقعة لم تكن قائمة في زمن ارتكاب الفعل المدعى بتجريمه؛ إذ لا يجوز أن يُستخلص من واقعة حدثت بعد التوقيع أن المتهم كان وقت التوقيع فاقداً للصفة، ما لم يوجد دليل مستقل يثبت أن الوكالة كانت قد انتهت قبل مباشرة التصرف، وهو ما لا ينهض به مجرد ثبوت الإلغاء اللاحق.
كما أن الإلغاء اللاحق لا يغير من حقيقة أن المتهم الأول قد أفصح عن صفته التمثيلية عند التوقيع، ولم ينسب إلى نفسه صفة الأصيل، وإنما وقع بصفته وكيلاً عنها، مستنداً إلى سند وكالة رسمي قائم. وهذه الواقعة بذاتها ذات دلالة جوهرية عند بحث صورة التزوير المسندة إليه، إذ إن من يوقع بصفته وكيلاً ويكشف عن مصدر صفته لا يكون قد أخفى حقيقة مركزه أو انتحل شخصية الأصيل لمجرد أن الوكالة انتهت في تاريخ لاحق.
ولا يجوز كذلك الخلط بين مسألة نفاذ التصرف أو آثاره المدنية وبين مسألة قيام الجريمة الجنائية؛ فحتى مع افتراض نشوء منازعة مدنية حول آثار التصرف أو مدى التزام الأصيل به، فإن ذلك لا يثبت بذاته وقوع تزوير، ولا يثبت أن المتهم الأول كان فاقداً لسلطته في التاريخ الذي باشر فيه التوقيع، ولا يغني عن إثبات فعل مادي محدد من أفعال تغيير الحقيقة مقروناً بالقصد الجنائي اللازم.
وتزداد هذه الدلالة قوة في ضوء ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في المذكرة المشار إليها، إذ لم تكتفِ بإثبات التسلسل الزمني بين التوقيع والإلغاء، وإنما خلصت – بعد فحص سند الوكالة – إلى أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، وأن إلغاءه قد تم بعد التوقيع بموجبه. وهي دلالة رسمية جوهرية تتصل مباشرة بمصدر سلطة المتهم الأول وبمدى قيامها وقت مباشرة التصرف، ويتعين وزنها وتمحيصها في إطار تقدير الدليل الجنائي.
ومن ثم، فإن محاولة الاستناد إلى الإلغاء اللاحق باعتباره دليلاً على عدم مشروعية التوقيع السابق تفتقر إلى التسلسل المنطقي اللازم؛ إذ إن النتيجة لا يمكن أن تسبق سببها، ولا يمكن أن يؤدي انتهاء الوكالة في تاريخ لاحق إلى إثبات انعدامها في تاريخ سابق. والعبرة – في نطاق الاتهام الماثل – بما كان قائماً لحظة مباشرة التوقيع، لا بما طرأ بعد ذلك من إنهاء أو إلغاء.
وحتى إذا أثيرت منازعة بشأن سلطة المتهم الأول في إحداث الأثر الذي ترتب على عقد التعديل، فإن أقصى ما يمكن أن تثيره تلك المنازعة – بحسب ظروفها وأدلتها – هو بحث حدود الوكالة وآثار التصرف، أما الانتقال منها مباشرة إلى القول بقيام التزوير فيستلزم دليلاً آخر مستقلاً يثبت أن المتهم قد غيّر الحقيقة في المحرر تغييراً مؤثماً، وهو ما لا يقوم بمجرد واقعة الإلغاء اللاحق.
وعليه، فإن الثابت زمنياً ومستندياً أن سند النيابة كان قائماً عند مباشرة التصرف، وأن المتهم الأول باشر التوقيع في ظل هذا السند، وأن إلغاء التوكيل لم يقع إلا بعد إتمام التوقيع على عقد تعديل الشركة، الأمر الذي تنتفي معه دلالة الإلغاء اللاحق على انعدام الصفة وقت التصرف، ولا يصلح معه هذا الإلغاء – بذاته – أساساً لإسناد جريمة التزوير إلى المتهم الأول.
وإذ لم يثبت أن الوكالة قد أُلغيت أو انتهت قبل تاريخ التوقيع، ولم يثبت أن سلطة المتهم الأول كانت قد زالت بأي سبب سابق على مباشرة التصرف، وكان الثابت رسمياً قيام سند النيابة وقت التوقيع، فإن أحد الأسس التي يمكن أن يقوم عليها القول بانعدام الصفة أو التوقيع بغير سند يكون قد انتفى، بما يتعين معه طرح الإلغاء اللاحق من دائرة الاستدلال على وقوع التزوير السابق، وعدم التعويل عليه في إقامة المسؤولية الجنائية.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على ثبوت قيام سند النيابة وقت مباشرة التصرف، وانتفاء أثر الإلغاء اللاحق للتوكيل على السلطة التي كانت قائمة وقت التوقيع، وعدم صلاحية واقعة إلغاء التوكيل رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017، متى ثبت وقوعها بعد التوقيع، لأن تكون دليلاً بذاتها على انعدام صفة المتهم الأول أو وقوع تغيير للحقيقة في المحررات محل الاتهام، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار هذا الدفع أو ما سبقه من أوجه دفاع عدولاً أو تنازلاً عنها.
الدفع السابع والعشرون: ثبوت امتداد نطاق التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات، بما في ذلك التعديلات المتعلقة بزيادة أو تخفيض حصص الشركاء، وفقًا لما انتهت إليه صراحةً الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام
يتمسك المتهم الأول بهذا الدفع تأسيساً على أن مصدر سلطته في التوقيع على المحرر محل الاتهام ليس محل افتراض أو استنتاج، وإنما ثابت ابتداءً بمحرر رسمي سابق على التصرف، هو التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، الصادر له من صاحبة الشأن، والذي تضمن تخويله القيام نيابة عنها بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، ومنحه الحق في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، بما مؤداه أن مباشرة المتهم الأول للتوقيع على عقد تعديل الشركة لم تكن صادرة عن إرادة منفردة منه أو عن انتحال لصفة الغير، وإنما تمت استناداً إلى سند نيابة رسمي قائم وقت مباشرة التصرف.
والأهم أن تحديد نطاق هذه الوكالة لم يعد قائماً على مجرد قراءة أو تفسير يجريه المتهم الأول لصالح دفاعه، وإنما جاء مؤيداً بما انتهت إليه صراحةً الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام وما اتصل به من مستندات، حيث خلصت المذكرة الرسمية إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة «يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء بتقليل أو زيادة حصة الشركاء كما هو ثابت بالوكالة التي تمت بناءً على رغبة الموكل»، مع إثبات أن التوكيل قد تم إلغاؤه بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة المذكورة.
وهذه النتيجة الرسمية تتصل اتصالاً مباشراً وجوهرياً بموضوع الاتهام؛ ذلك أن جوهر التصوير الذي أقيمت عليه نسبة التزوير إلى المتهم الأول يقوم – في حقيقته – على القول بأنه لم يكن يملك سلطة مباشرة التصرف محل الاتهام، أو أن توقيعه قد تجاوز نطاق النيابة التي يستند إليها. فإذا ثبت من سند الوكالة ذاته، وتعزز ذلك بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بعد فحصه، أن سلطة الوكيل تمتد إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات، وأنها تشمل الإجراء المتعلق بزيادة أو تخفيض حصص الشركاء، فإن الأساس الذي يقوم عليه هذا التصوير الجنائي يفقد سنده متى لم يقم دليل مستقل على أن المتهم الأول ارتكب فعلاً مادياً آخر من أفعال تغيير الحقيقة.
ذلك أن عبارة التوكيل لا تقف عند مجرد الإذن بإبرام أو تأسيس الشركات، وإنما ورد فيها صراحةً الحق في التوقيع على عقود تعديل الشركات، وهي عبارة ذات دلالة مباشرة على امتداد النيابة إلى مرحلة لاحقة على التأسيس، وإلى التصرفات التي يكون محلها إدخال تعديلات على الكيان القانوني أو الحقوق والحصص المرتبطة به، ولا يجوز اقتطاع هذه العبارة من سياقها أو تجريدها من آثارها القانونية ثم القول إن سلطة الوكيل تنتهي عند مجرد التأسيس، في حين أن سند الوكالة نفسه قد أضاف صراحةً عقود التعديل إلى نطاق الأعمال التي يملك الوكيل مباشرةَها والتوقيع عليها.
ولا ينال من ذلك أن عقد التعديل محل الاتهام قد تضمن زيادة حصة أحد الشركاء وتخفيض حصة شريك آخر؛ إذ إن السؤال القانوني في مقام تحديد نطاق الوكالة ليس ما إذا كان التعديل قد رتب أثراً مالياً أو قانونياً، وإنما ما إذا كان الوكيل قد خُول أصلاً التوقيع على عقد تعديل الشركة وعلى الأعمال التي يتضمنها ذلك التعديل. وقد انتهت الجهة الإدارية المختصة، بعد فحص سند الوكالة والتصرف، إلى أن السلطة تشمل صراحةً الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء.
ومن ثم، فإن القول بأن الوكالة تخول التوقيع على تعديل الشركة ولكنها لا تخول التعديلات المتعلقة بحصص الشركاء، يحتاج إلى سند محدد من ذات المحرر يقرر هذا القيد، ولا يكفي لإقامته مجرد تفسير لاحق أو قول مرسل أو افتراض أن عبارة «تعديل الشركات» يجب أن تُحمل على معنى أضيق مما تحتمله ألفاظها وسياقها. فإذا كان سند الوكالة قد منح الوكيل سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات، وكانت الجهة المختصة بالتوثيق قد انتهت صراحةً إلى أن هذا النطاق يشمل تقليل أو زيادة حصص الشركاء، فلا يصح أن يُستبدل بهذا المدلول الثابت تفسير تجريدي يضيف إلى الوكالة قيداً لم يرد بها.
كما أن أهمية هذه النتيجة تتجاوز مجرد الخلاف المدني حول تفسير الوكالة؛ إذ إن وجود سند نيابة قائم وممتد إلى التصرف محل الاتهام يهدم التصوير الذي مؤداه أن المتهم الأول قد تدخل في المحرر دون صفة أو انتحل سلطة ليست له. فالوكالة لا تُستدل بها هنا لإثبات صحة جميع الآثار المدنية التي ترتبت على التصرف على نحو نهائي، وإنما لإثبات واقعة جوهرية في المجال الجنائي، هي أن المتهم الأول كان يستند وقت التوقيع إلى مصدر رسمي للسلطة، وأن نطاق هذا المصدر – وفقاً لما ثبت رسمياً – يشمل نوع التصرف الذي باشره.
ومن ناحية أخرى، فإن المذكرة الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق لا يُراد الاحتجاج بها باعتبارها حكماً قضائياً فاصلاً في النزاع، وإنما باعتبارها محرراً رسمياً جوهرياً صدر من الجهة الفنية المختصة بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، وانتهى إلى نتيجة تتعلق تحديداً بالمسألة التي يدور حولها الاتهام. ومن ثم فإن إغفالها أو تجاوز دلالتها لا يستقيم دون بحث مضمونها وبيان سبب عدم التعويل عليها، ولا سيما إذا كان ما انتهت إليه يتفق مع ظاهر العبارات الواردة في سند الوكالة ذاته.
ويزداد وزن هذه الدلالة في ضوء أن إلغاء الوكالة قد وقع لاحقاً على التوقيع بموجبها، وفقاً لما أثبتته المذكرة الرسمية ذاتها. ومن ثم فإن الإلغاء اللاحق لا ينال من أصل السلطة التي كانت قائمة وقت مباشرة التصرف، ولا يجوز أن يُستخلص منه بأثر رجعي أن المتهم الأول لم يكن يملك التوقيع في التاريخ الذي باشر فيه العمل محل الاتهام. فالعبرة في هذا المقام بحالة سند الوكالة عند مباشرة التصرف، لا بواقعة لاحقة عليه.
وإذا كان الاتهام قد اتخذ من واقعة تعديل حصص الشركاء أساساً للقول بتجاوز الوكالة، فإن هذا الاستنتاج يظل بحاجة إلى إثبات أن هذا النوع من التعديل كان مستبعداً من نطاق السلطة الممنوحة للمتهم الأول. أما وقد ثبت رسمياً العكس، وثبت أن الجهة المختصة بالتوثيق قد انتهت إلى أن الوكالة تبيح الإجراء بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، فإن مجرد حدوث التعديل لا يصلح دليلاً على تجاوز السلطة، فضلاً عن أن يكون بذاته دليلاً على تغيير الحقيقة في محرر.
والفارق هنا جوهري بين مدى سلطة الوكيل في مباشرة التصرف وبين وقوع جريمة التزوير في المحرر؛ فحتى لو ثارت منازعة مدنية حول أثر التصرف أو حول مدى التزام الأصيل به، فإن ذلك لا يغني عن إثبات الفعل المادي للتزوير، ولا يجوز الانتقال من مجرد المنازعة في نطاق الوكالة إلى القول بقيام جريمة التزوير دون تحديد فعل مادي مستقل لتغيير الحقيقة ونسبته إلى المتهم الأول.
وبذلك يكون الثابت بالأوراق قد أقام أمام المحكمة مصدر السلطة التي استند إليها المتهم الأول في التوقيع، وحدد نطاقها، ثم جاءت المذكرة الرسمية للإدارة العامة للتوثيق لتؤكد – بعد الفحص – أن ذلك النطاق يشمل التوقيع على عقود تعديل الشركات، بما في ذلك الإجراءات المتعلقة بتقليل أو زيادة حصص الشركاء. وهذه الحقيقة الجوهرية يتعين وزنها في إطار كامل أدلة الدعوى، ولا سيما عند بحث ما إذا كان ثمة فعل مادي لتغيير الحقيقة يمكن نسبته إلى المتهم الأول.
ومن ثم، فإن ثبوت امتداد نطاق التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 إلى التصرف محل الاتهام، على النحو الثابت من عبارات سند الوكالة والمؤيد بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل، يهدم الأساس الذي يقوم على افتراض انعدام سلطة المتهم الأول في التوقيع أو تجاوزه لنطاقها، وينفي – في هذا الجانب – الصورة التي حاول الاتهام إسباغها على الواقعة، ولا يبقى معه مجال لاستخلاص الركن المادي لجريمة التزوير من مجرد مباشرة المتهم الأول للتوقيع بصفته وكيلاً، ما لم يقدم دليل مستقل ويقيني على تغيير الحقيقة بوسيلة من وسائل التزوير.
وعليه، يتمسك المتهم الأول بأن التوكيل الرسمي محل الاتهام كان سنداً قائماً للنيابة وقت مباشرة التصرف، وأن نطاقه الثابت يمتد إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات، وأن هذا النطاق يشمل – وفقاً لما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – الإجراءات المتعلقة بزيادة أو تخفيض حصص الشركاء، بما تنتفي معه دعوى انعدام الصفة أو السلطة كأساس لتجريم التوقيع، وتبقى سلطة الاتهام مطالبة بإثبات الفعل المادي المستقل لتغيير الحقيقة، وهو ما لم يثبت في حق المتهم الأول على نحو يقيني.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على ثبوت قيام سند الوكالة وقت مباشرة التصرف، وثبوت امتداد نطاقه إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وما تتضمنه من زيادة أو تخفيض حصص الشركاء، وفقاً لما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل، وانتفاء الدليل اليقيني على ارتكاب المتهم الأول فعلاً مادياً من أفعال تغيير الحقيقة، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع نزولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الثامن والعشرون: ثبوت مشروعية استعمال المتهم الأول لسند النيابة، وعدم قيام واقعة التجاوز في حدود الوكالة، تأسيسًا على صراحة سند الوكالة في تخويله التوقيع نيابة عن الموكل على عقود تأسيس وتعديل الشركات، وما أكدته المذكرة الرسمية للإدارة العامة للتوثيق من امتداد هذه السلطة إلى تعديل حصص الشركاء
يتمسك المتهم الأول بثبوت مشروعية استعماله لسند النيابة الذي استند إليه في مباشرة التصرف محل الاتهام، وانتفاء واقعة التجاوز في حدود الوكالة، ذلك أن التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة قد جاء صريحاً في تخويله القيام نيابة عن الموكل بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، ومنحه الحق في التوقيع نيابة عنه على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، وهي عبارات لا تحتمل – في أصل دلالتها – القول بانعدام سلطة المتهم الأول في مباشرة التوقيع على عقد تعديل الشركة محل الاتهام.
فمصدر سلطة المتهم الأول لم يكن مفترضاً أو مستخلصاً من قرائن لاحقة، وإنما كان ثابتاً ابتداءً في محرر رسمي سابق على الواقعة محل الاتهام، وقد باشر المتهم الأول التصرف استناداً إلى هذا السند وفي ظل قيام الوكالة وعدم ثبوت إلغائها وقت مباشرة التوقيع، الأمر الذي تنتفي معه صورة التصرف الصادر ممن لا صفة له أو ممن ينتحل صفة غير حقيقية.
ولا يقف الأمر عند ظاهر ألفاظ الوكالة وحدها، وإنما جاءت المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، لتؤكد أن التوكيل العام المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، كما يبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه النتيجة الرسمية تؤكد أن استعمال المتهم الأول لسند النيابة لم يكن خروجاً ظاهراً على حدود الوكالة، ولا استعمالاً لسند منعدم أو منقضٍ وقت التصرف، وإنما كان استعمالاً لسلطة تمثيلية قائمة استند فيها إلى نص صريح في محرر رسمي، وقد جاء التفسير الفني الصادر من الإدارة العامة للتوثيق متسقاً مع ذلك النص في تحديد نطاق السلطة التي خولها سند الوكالة.
ومن ثم، فإن القول بقيام تجاوز في حدود الوكالة لا يجوز أن يقوم على مجرد النتيجة التي ترتبت على عقد التعديل، أو على مجرد الاعتراض اللاحق من صاحبة الشأن على ما تضمنه العقد، وإنما يلزم تحديد القيد الذي يُدعى أن الوكالة تضمنته، وتحديد النص الذي يستفاد منه هذا القيد، ثم بيان وجه خروج المتهم الأول عليه خروجاً واضحاً ومحققاً. أما إذا كان سند الوكالة ذاته قد خوله صراحة التوقيع على عقود تعديل الشركات، وكانت الجهة المختصة بالتوثيق قد انتهت رسمياً إلى امتداد هذه السلطة إلى تعديل حصص الشركاء، فإن مجرد القول بوجود تجاوز لا يعدو أن يكون استنتاجاً يحتاج إلى دليل مستقل لا ينهض به مجرد المنازعة في آثار التصرف.
ذلك أن التعديل في حصص الشركاء لم يكن تصرفاً منفصلاً عن عقد تعديل الشركة، وإنما جاء – بحسب الثابت بالأوراق – في إطار عقد تعديل للشركة ذاتها، وهو النوع من المحررات الذي شمله سند الوكالة صراحة حين خول المتهم الأول التوقيع نيابة عن الموكل على «عقود تأسيس وتعديل الشركات». ومن ثم فإن محاولة فصل تعديل الحصص عن عقد تعديل الشركة لإخراجه من نطاق السلطة الواردة بالوكالة تستلزم بياناً قانونياً وفنياً مستقلاً يبرر هذا الفصل، ولا يكفي فيها مجرد القول بأن النتيجة المالية للتعديل كانت زيادة حصة أحد الشركاء ونقص حصة شريك آخر.
والأهم أن المذكرة الرسمية للإدارة العامة للتوثيق قد عالجت هذه المسألة تحديداً، ولم تكتفِ بالقول بأن الوكالة تخول التوقيع على عقود تعديل الشركات بوجه عام، بل انتهت – بحسب الثابت بها – إلى أن الوكالة تبيح كذلك «الإجراء بتقليل أو زيادة حصة الشركاء». ومن ثم فإن هذه الدلالة الرسمية تتصل مباشرة بجوهر المنازعة المثارة حول مدى سلطة المتهم الأول، ولا يجوز تجاوزها وكأنها لا وجود لها، بل يتعين وزنها ضمن عناصر الدعوى وبيان سبب طرحها إن أريد عدم الأخذ بدلالتها.
ولا يغير من ذلك أن المذكرة الرسمية قد صدرت في تاريخ لاحق على الواقعة، إذ إن دلالتها – في حدود موضوعها – لا تتمثل في إنشاء سلطة جديدة للمتهم الأول بأثر رجعي، وإنما في بيان نطاق سلطة مستمدة أصلاً من سند الوكالة الرسمي الذي كان قائماً وقت مباشرة التصرف. ومن ثم فهي لا تُنشئ مصدر النيابة، وإنما تؤيد وتفسر نطاق السلطة الواردة في سند قائم سابقاً على الواقعة.
كما أن إلغاء الوكالة في تاريخ لاحق على مباشرة التوقيع لا ينال من مشروعية استعمالها وقت التصرف، ولا يجوز أن يتحول الإلغاء اللاحق إلى دليل على انعدام السلطة في تاريخ سابق عليه. فطالما ثبت أن الوكالة كانت قائمة وقت مباشرة العمل محل الاتهام، ولم يثبت زوالها قبل التوقيع، فإن تحديد مشروعية استعمالها يجب أن ينصرف إلى الحالة القانونية القائمة وقت مباشرة التصرف، لا إلى واقعة لاحقة عليه.
والأصل أن الوكيل الذي يباشر التصرف في حدود السلطة التي خولها له الأصيل، ويعلن صفته التمثيلية، لا يكون بمجرد استعماله لهذه السلطة قد ارتكب فعلاً من أفعال التزوير، إذ إن مباشرة التعبير القانوني باسم الأصيل وفي حدود سند النيابة تختلف جوهرياً عن اصطناع محرر أو تغيير حقيقة مادية فيه أو انتحال صفة الغير. ومن ثم فإن إثبات استعمال الوكالة على النحو الثابت بالأوراق يهدم بذاته الأساس الذي يراد إقامة الاتهام عليه إذا كان الاتهام قد افترض ابتداءً أن المتهم الأول لم تكن له سلطة في التوقيع.
كما لا يجوز الخلط بين احتمال نشوء نزاع مدني أو تجاري حول مدى ملاءمة استعمال الوكالة أو مدى موافقة الموكل على النتيجة التي ترتبت على التصرف، وبين قيام تجاوز ذي طبيعة جنائية في حدود الوكالة. فليس كل خلاف حول استعمال الوكالة تزويراً، وليس كل تصرف يعترض عليه الأصيل بعد وقوعه يصبح، بمجرد هذا الاعتراض، فعلاً جنائياً. وإنما يلزم في المجال الجنائي إثبات عناصر الجريمة بذاتها، وعلى رأسها الفعل المادي المؤثم، ولا يغني عن ذلك مجرد إثبات وجود خلاف حول التصرف أو آثاره.
وإذا كان الاتهام قد اتخذ من القول بتجاوز حدود الوكالة أساساً لإسناد التزوير إلى المتهم الأول، فإن سقوط هذا الأساس أو عدم ثبوته بدليل يقيني يقتضي إعادة النظر في البناء الاستدلالي للاتهام برمته؛ ذلك أن ثبوت وجود سلطة تمثيلية قائمة وقت التوقيع، وثبوت شمولها – وفقاً للنص الصريح في الوكالة وما أكدته المذكرة الرسمية – لعقود تعديل الشركات وتعديل حصص الشركاء، يجعل نسبة التوقيع إلى فعل غير مشروع في ذاته أمراً يحتاج إلى دليل آخر مستقل يثبت تغيير الحقيقة، ولا يجوز افتراض هذا الدليل لمجرد وجود منازعة في التصرف.
وعليه، فإن الثابت بالأوراق لا يسند القول بأن المتهم الأول قد استعمل سند النيابة خارج حدوده، بل يكشف عن استعماله في الإطار الذي حدده سند الوكالة ذاته، وقد جاءت المذكرة الرسمية للإدارة العامة للتوثيق مؤكدة لهذه الدلالة فيما يتعلق بالتوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء. ومن ثم ينتفي الأساس اللازم للقول بقيام تجاوز في حدود الوكالة، ولا يجوز اتخاذ هذا التجاوز – غير الثابت – أساساً لاستخلاص ارتكاب المتهم الأول لجريمة التزوير.
وبناءً عليه، يتمسك المتهم الأول بثبوت مشروعية استعماله لسند النيابة، وانتفاء واقعة التجاوز في حدود الوكالة، وثبوت قيام سلطته التمثيلية وقت مباشرة التصرف، بما ينتفي معه الأساس الذي أقيم عليه القول بعدم مشروعية توقيعه، وما يترتب على ذلك من انتفاء صورة التزوير المسندة إليه والقضاء ببراءته مما أسند إليه، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع نزولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع التاسع والعشرون: عدم جواز تحويل المنازعة في مدى رضا الأصيل عن مضمون التصرف أو الاعتراض على آثاره الاقتصادية إلى جريمة تزوير، لتمييز الخلاف حول صحة التصرف أو نفاذه أو آثاره عن جريمة تغيير الحقيقة في محرر
يتمسك المتهم الأول بأن مجرد المنازعة في مدى رضا الأصيل عن مضمون التصرف محل الاتهام، أو اعتراضه اللاحق على ما ترتب عليه من آثار قانونية أو اقتصادية، لا يصلح بذاته أساساً لإسناد جريمة التزوير، ولا يجوز أن تتحول المنازعة في التصرف ذاته، أو في مدى موافقته لإرادة الأصيل، إلى دليل على وقوع تغيير للحقيقة في المحرر، ما لم يقم الدليل المستقل على ارتكاب فعل مادي من أفعال التزوير التي يتطلبها القانون.
ذلك أن هناك فارقاً جوهرياً بين المحرر بوصفه أداة لإثبات التصرف وبين التصرف القانوني الذي يتضمنه المحرر والآثار التي قد تترتب عليه؛ فكون أحد أطراف العلاقة ينازع في صحة التصرف أو نفاذه أو في مدى موافقته لإرادته أو يعترض على آثاره المالية، لا يعني – بمجرده – أن البيانات الواردة في المحرر قد جرى تغيير حقيقتها بطريق من طرق التزوير.
والثابت بالأوراق أن المتهم الأول لم يقدم نفسه باعتباره الأصيل، ولم يوقع خفية باسم صاحبة الشأن أو ينتحل شخصيتها، وإنما باشر التوقيع بصفته وكيلاً عنها، مستنداً إلى التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو سند وكالة كان قائماً وقت مباشرة التصرف. ومن ثم فإن مناط البحث الجنائي لا يجوز أن ينصرف إلى مجرد السؤال عما إذا كانت صاحبة الشأن راضية لاحقاً عن النتيجة التي ترتبت على استعمال الوكالة، وإنما يتعين أن ينصرف إلى السؤال القانوني المختلف تماماً: هل ثبت أن المتهم الأول قد غيّر حقيقة مادية في المحرر تغييراً مؤثماً، وبإحدى الطرق التي تقوم بها جريمة التزوير؟
وهذا التمييز تزداد أهميته في الدعوى الماثلة، ذلك أن التعديل محل الاتهام قد ترتب عليه أثر اقتصادي تمثل في تعديل حصص الشركاء، إلا أن مجرد ترتب هذا الأثر لا يكشف بذاته عن وقوع تزوير في المحرر الذي أثبته. فالنتيجة الاقتصادية للتصرف – أياً كان مدى قبول أحد أطراف العلاقة لها – تظل نتيجة للتصرف ذاته، ولا تتحول إلى دليل على التزوير إلا إذا اقترنت بدليل مستقل يثبت أن حقيقة مادية قد جرى اصطناعها أو تغييرها أو تحريفها في المحرر.
ولا يجوز، والحال كذلك، الانتقال مباشرة من ثبوت أن حصة أحد الشركاء قد انخفضت أو أن حصة شريك آخر قد زادت إلى القول بأن المحرر الذي أثبت ذلك مزور، إذ إن هذا الاستدلال يفترض النتيجة الجنائية محل الإثبات بدلاً من إثباتها. فكان يتعين تحديد الحقيقة الأصلية المدعى تغييرها، وبيان وجه مخالفة المحرر لها، وتحديد الفعل المادي الذي أحدث هذا التغيير، ونسبته إلى المتهم الأول بدليل يقيني، ثم بحث القصد الجنائي المصاحب لذلك الفعل.
أما إذا كان وجه المنازعة الحقيقي هو أن الأصيل لم يكن يرضى بإجراء التعديل، أو أنه لم يكن يقصد ترتيب الأثر الاقتصادي الذي ترتب عليه، أو أنه اعترض بعد ذلك على تخفيض حصته أو على زيادة حصة شريك آخر، فإن هذه المسائل – في ذاتها – لا تثبت أن المتهم الأول قد غيّر حقيقة مادية في المحرر، ولا تستحيل بمجردها إلى دليل على الاصطناع أو التقليد أو انتحال الصفة أو غير ذلك من صور التزوير.
ولا يغير من ذلك القول بأن إرادة الأصيل لم تتجه إلى إحداث الأثر الذي ترتب على التصرف؛ إذ إن عدم الرضا أو المنازعة في حدود السلطة الممنوحة للوكيل يظل أمراً ينبغي تمييزه عن الفعل المادي المكون لجريمة التزوير. فقد يكون هناك نزاع حول مدى استعمال الوكالة أو مدى موافقة التصرف لمصلحة الأصيل أو حدود آثاره، ولكن لا يصبح هذا النزاع جريمة تزوير إلا إذا ثبت فوق ذلك أن الوكيل قد ارتكب فعلاً مادياً غيّر به الحقيقة في محرر على نحو تتوافر به أركان الجريمة.
والثابت كذلك أن التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 لم يكن مجرد ورقة عارضة في الواقعة، وإنما كان سند السلطة الذي استند إليه المتهم الأول عند مباشرة التصرف، وقد انتهت الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل – في المذكرة الرسمية الواردة بالملف رقم 134 لسنة 2026 – إلى أن هذا التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه النتيجة الرسمية لا تحسم وحدها كل مسألة مدنية أو جنائية متفرعة عن التصرف، إلا أنها تكشف عن أن القول بانعدام السلطة أو بانحسارها عن التصرف محل الاتهام ليس أمراً ثابتاً على نحو يقيني، بل تدور بشأنه منازعة لها مستند رسمي قائم، وهو ما يوجب عدم الخلط بين الخلاف حول تفسير أو نطاق الوكالة وبين إثبات فعل التزوير ذاته.
كما أن الإلغاء اللاحق للوكالة لا يحول التصرف السابق، بمجرده، إلى محرر مزور، ولا يثبت أن المتهم الأول كان يعلم وقت التوقيع بانعدام سلطته، طالما كان سند الوكالة قائماً وقت مباشرة التصرف، ولم يثبت أن الإلغاء أو زوال السلطة قد سبق الواقعة محل الاتهام. ومن ثم فإن اتخاذ واقعة الإلغاء اللاحقة، أو الاعتراض اللاحق على آثار التصرف، أساساً لاستخلاص وقوع التزوير في تاريخ سابق، يكون قد خلط بين واقعتين زمنيتين وقانونيتين مختلفتين.
والأخطر من ذلك أن إسناد التزوير لمجرد أن النتيجة الاقتصادية للتصرف لم توافق رغبة الأصيل يؤدي عملياً إلى تحويل كل نزاع محتمل حول استعمال الوكالة أو مدى ملاءمة التصرف إلى جريمة جنائية، وهو ما لا يستقيم مع الطبيعة المادية لجريمة التزوير؛ إذ لا يكفي أن يكون التصرف محل اعتراض أو أن تكون آثاره محل نزاع، وإنما يجب أن يثبت تحديداً أن الحقيقة المثبتة في المحرر قد خالفت الحقيقة الواقعية نتيجة فعل مادي عمدي منسوب إلى المتهم.
ومن ثم، فإذا كانت حقيقة الواقعة أن المتهم الأول قد وقع بنفسه، وأفصح عن صفته كوكيل، واستند إلى وكالة رسمية قائمة وقت التوقيع، وكانت الجهة المختصة بالتوثيق قد انتهت رسمياً إلى امتداد نطاق تلك الوكالة إلى تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن مجرد عدم رضا الأصيل لاحقاً عن مضمون التعديل أو اعتراضه على آثاره الاقتصادية لا ينشئ بذاته الركن المادي لجريمة التزوير.
كما لا يجوز أن يُستخلص القصد الجنائي من مجرد عدم الرضا اللاحق أو المنازعة في الآثار الاقتصادية؛ إذ إن العلم بوجود التصرف أو الاشتراك في إتمامه لا يساوي العلم بتغيير الحقيقة، كما أن العلم بالأثر الاقتصادي للتصرف لا يساوي العلم بأن المحرر قد زُوِّر. ولكل عنصر من هذه العناصر دلالته المستقلة التي يجب إثباتها بالأدلة التي تؤدي إليها.
ومن ثم، فإن إقامة الاتهام على مجرد اعتراض الأصيل على مضمون التصرف أو على أثره الاقتصادي تكون قد خلطت بين المنازعة في التصرف والمنازعة في المحرر، وبين مدى نفاذ التصرف أو آثاره ووقوع تغيير للحقيقة في المحرر، وبين عدم الرضا بالنتيجة والقصد الجنائي إلى ارتكاب التزوير؛ وهي فروق جوهرية لا يجوز إهدارها عند إقامة المسؤولية الجنائية.
ولما كان الأصل أن الجريمة لا تثبت بالاحتمال أو بمجرد الاستنتاج المستخلص من النتيجة التي ترتبت على التصرف، وإنما يلزم قيام الدليل على الفعل الجنائي ذاته، وكان الثابت أن الأوراق لا تقدم دليلاً يقينياً مستقلاً على أن المتهم الأول قد غيّر حقيقة مادية في المحررات محل الاتهام، وإنما تدور المنازعة في جانب جوهري منها حول مدى رضا الأصيل عن التصرف وآثاره ومدى امتداد سلطة الوكالة إليه، وهي مسائل لا تستحيل بمجردها إلى تزوير، فإن الشك في الركن المادي والقصد الجنائي يظل قائماً، ولا يجوز حمله على المتهم الأول.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على عدم جواز تحويل المنازعة في مدى رضا الأصيل عن مضمون التصرف أو اعتراضه على آثاره الاقتصادية إلى جريمة تزوير، وانتفاء الدليل اليقيني على وقوع تغيير للحقيقة في المحررات محل الاتهام، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار هذا الدفع أو ما سبقه من أوجه الدفاع الموضوعية تنازلاً أو عدولاً عن أي طلب أو دفع أو دفاع سبق إبداؤه.
.
الدفع الثلاثون: عدم قيام جريمة التزوير بمجرد مباشرة الوكيل تصرفاً ترتب عليه تعديل المركز المالي للأصيل، طالما كان نوع التصرف داخلاً في نطاق السلطة الممنوحة له بموجب سند النيابة، وثبتت صلاحيته للتوقيع على هذا النوع من التصرفات
يتمسك المتهم الأول بأن مجرد مباشرة الوكيل لتصرف ترتب عليه أثر مالي أو قانوني في المركز المالي للأصيل لا يمكن أن يكون – بذاته ومجرداً – مناطاً لقيام جريمة التزوير، متى كان الوكيل قد باشر ذلك التصرف مستنداً إلى سند نيابة قائم وقت مباشرته، وكان نوع التصرف الذي صدر عنه داخلاً في نطاق السلطة الممنوحة له، وثبتت صلاحيته للتوقيع عليه وفقاً لما يكشف عنه سند الوكالة ذاته وما تعزز به من مستندات رسمية.
ذلك أن مناط التجريم في جريمة التزوير لا يتمثل في مجرد ترتيب أثر مالي أو قانوني نتيجة التصرف، وإنما في ثبوت فعل مادي مؤثم قوامه تغيير الحقيقة في محرر بإحدى الطرق التي تتحقق بها الجريمة، على نحو من شأنه ترتيب الضرر، مع توافر القصد الجنائي اللازم. ومن ثم، فإن مجرد القول بأن التصرف قد أدى إلى زيادة حصة شريك أو تخفيض حصة شريك آخر، أو إلى تعديل المركز المالي لأحد أطراف العلاقة، لا يكفي بذاته لإثبات أن المحرر الذي أثبت ذلك التصرف قد تعرض للتزوير.
والثابت بالأوراق أن المتهم الأول لم يباشر التصرف محل الاتهام مدعياً أنه الأصيل، وإنما باشره بصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، مستنداً إلى التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو سند سابق على التصرف وقائم وقت مباشرته. وقد تضمن سند الوكالة – بحسب الثابت به – تخويل المتهم الأول القيام نيابة عن موكلته بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، بما مؤداه أن مباشرة المتهم الأول لتوقيع عقد تعديل الشركة لم تكن عملاً مجرداً من السند، وإنما كانت مباشرة لاختصاص تمثيلي مستمد من محرر رسمي.
ولا يغير من ذلك أن التعديل قد ترتب عليه أثر مالي بالنسبة إلى حصة صاحبة الشأن، إذ إن الأثر المالي الناتج عن التصرف لا يساوي في ذاته فعل التزوير، ولا يصلح – بمجرده – دليلاً على انعدام سلطة الوكيل. فالمعيار الجنائي لا ينصرف إلى كون التصرف قد أحدث زيادة أو نقصاً في قيمة الحق أو الحصة، وإنما ينصرف إلى البحث فيما إذا كان الوكيل قد غيّر حقيقة مادية في المحرر تغييراً مؤثماً، أو أثبت فيه واقعة على خلاف الحقيقة، أو انتحل صفة ليست له، أو استعمل وسيلة من وسائل التزوير المعاقب عليها قانوناً.
وهذا التمييز تزداد أهميته في الدعوى الماثلة؛ ذلك أن الاتهام لا يجوز أن يستمد فعل التزوير من النتيجة التي ترتبت على التصرف ذاته. فإذا كانت حصة أحد الشركاء قد انخفضت وحصة شريك آخر قد زادت، فإن هذه النتيجة لا تثبت – بذاتها – أن التوقيع الذي صدر على عقد التعديل كان مزوراً، ولا تحدد الفعل المادي الذي وقع به تغيير الحقيقة، ولا تثبت أن المتهم الأول قد باشر التوقيع دون صفة أو خارجاً عن نطاق السلطة التي كان يستمدها من سند الوكالة.
والثابت كذلك أن مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 قد انتهت – بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه النتيجة الرسمية تكتسب أهمية خاصة في تحديد حقيقة المركز التمثيلي للمتهم الأول وقت مباشرته للتصرف؛ إذ إنها لا تنشئ له سلطة جديدة، وإنما تؤيد – في حدود دلالتها – أن نوع التصرف الذي باشره كان داخلاً في نطاق السلطة الثابتة بسند الوكالة، وأن توقيعه على عقد التعديل لم يكن مجرد توقيع صادر من شخص أجنبي عن العلاقة، وإنما توقيع صدر ممن كان يحمل سند نيابة قائماً وقت مباشرته.
ومن ثم، فإن مجرد القول بأن التصرف قد أضر بالمركز المالي للأصيل، أو أنه أدى إلى تخفيض حصته، لا يكفي للقول بأن المتهم الأول قد ارتكب تزويراً، طالما أن نوع التصرف ذاته كان مما امتدت إليه سلطة الوكالة، وثبتت صلاحيته للتوقيع عليه. إذ لا يجوز الخلط بين النتيجة المالية للتصرف وبين الفعل الجنائي المتمثل في تغيير الحقيقة، كما لا يجوز تحويل الخلاف حول مدى رضا الأصيل عن استعمال الوكالة أو مدى قبوله للنتيجة التي ترتبت عليها إلى دليل تلقائي على وقوع التزوير.
وحتى على فرض أن الأصيل قد نازع في مدى ملاءمة التصرف أو اعترض على آثاره المالية، فإن ذلك لا ينقل الواقعة بذاته إلى دائرة التجريم، ما لم يثبت فوق ذلك أن المتهم الأول قد تجاوز سلطة النيابة على نحو اقترن بفعل مادي محدد من أفعال تغيير الحقيقة في المحرر. أما إذا كان التصرف من النوع الذي يشمله سند الوكالة، وكان الوكيل قد أفصح عن صفته ومارس التوقيع بهذه الصفة، فإن مجرد عدم رضا الأصيل بالنتيجة لا يكفي لإثبات أن الوكيل قد ارتكب تزويراً.
ويتعين كذلك التمييز بين حدود السلطة المدنية وآثار التصرف من ناحية، وبين قيام الفعل المادي لجريمة التزوير من ناحية أخرى. فقد يثور – بحسب الأحوال – نزاع مدني أو تجاري حول مدى استعمال الوكيل للسلطة الممنوحة له، أو حول مدى تحقق مصلحة الأصيل، أو حول الآثار المترتبة على التصرف، إلا أن هذه المسائل لا تُستبدل بها عناصر الجريمة الجنائية، ولا يغني إثباتها عن ضرورة إثبات واقعة تغيير الحقيقة ذاتها.
وعليه، فإذا كان الثابت أن المتهم الأول قد وقع بنفسه، وبصفته وكيلاً، وبموجب وكالة قائمة، وكان نوع التصرف الذي وقع عليه داخلاً في نطاق سلطته، وثبت رسمياً أن الوكالة تشمل التوقيع على عقود تعديل الشركات وما يتصل بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن مجرد ترتب أثر مالي على هذا التصرف لا ينشئ جريمة تزوير، ولا يحول التوقيع الصحيح من وكيل ذي صفة إلى توقيع مزور لمجرد أن نتيجته لم توافق إرادة الأصيل أو ترتب عليها تغيير في مركزه المالي.
ومن ثم، فإن القول بقيام التزوير لا يمكن أن يقوم على مجرد النتيجة المالية التي ترتبت على التصرف، وإنما يتعين أن يقوم على دليل مستقل يحدد بدقة فعل تغيير الحقيقة الذي ارتكبه المتهم الأول، وكيفية ارتكابه، والحقيقة التي خالفها، والطريق الذي اتبعه في ذلك، والدليل على علمه بذلك واتجاه إرادته إليه. فإذا خلا الاتهام من هذا البيان الجوهري، وقامت بالأوراق في المقابل وكالة رسمية قائمة وثابتة، ثبت امتدادها إلى نوع التصرف محل الاتهام، فإن الأساس المادي للإدانة يكون قد تخلف.
ولما كان الأصل هو البراءة، وكانت الإدانة الجنائية لا تُبنى على الاحتمال أو على مجرد استخلاص النتيجة من أثر التصرف، وإنما على دليل يقيني مستمد من فعل مادي مؤثم ثابت في حق المتهم، وكان الثابت أن المتهم الأول قد باشر التصرف في إطار سلطة تمثيلية قائمة وثبتت صلاحيتها للتوقيع على هذا النوع من التصرفات، فإن مجرد تعديل المركز المالي للأصيل لا يصلح سنداً لقيام جريمة التزوير.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على أن مباشرة الوكيل لتصرف يترتب عليه أثر مالي أو قانوني في مركز الأصيل لا تشكل بذاتها جريمة تزوير متى كان نوع التصرف داخلاً في نطاق السلطة الممنوحة بموجب سند النيابة، وكانت صلاحية الوكيل للتوقيع عليه ثابتة بالأوراق والمستندات الرسمية، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
.
الدفع الواحد والثلاثون: عدم جواز استخلاص الركن المادي لجريمة التزوير من مجرد حلول توقيع الوكيل محل التوقيع الشخصي للأصيل، متى كان هذا الحل هو الأثر القانوني الطبيعي للنيابة الاتفاقية وكان النائب قد أفصح عن صفته ومصدر سلطته
يتمسك المتهم الأول بأن مجرد حلول توقيعه بصفته نائباً عن الأصيل محل التوقيع الشخصي للأصيل لا يصلح بذاته سنداً لاستخلاص الركن المادي لجريمة التزوير، متى كان هذا التوقيع قد صدر في إطار نيابة اتفاقية قائمة، وكان النائب قد أفصح صراحةً عن صفته التمثيلية وعن مصدر سلطته، إذ إن مباشرة النائب للتصرف باسم الأصيل والتوقيع نيابةً عنه ليست فعلاً مادياً من أفعال تغيير الحقيقة، وإنما هي الأثر الطبيعي والمقصود قانوناً للنيابة الاتفاقية متى تمت في حدود السلطة المستمدة من سند الوكالة.
فالثابت من الأوراق أن المتهم الأول لم يقدم نفسه باعتباره صاحبة الشأن، ولم يوقع باسمها على نحو يوهم الغير بأنه هو شخصها، وإنما باشر التوقيع معلناً عن صفته كوكيل عنها، ومستنداً إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو سند سابق على التصرف محل الاتهام، قائم وقت مباشرته، وثابت به مصدر السلطة التي استند إليها المتهم الأول في تمثيل الأصيل.
ومن ثم، فإن الحقيقة التي يحملها المحرر في هذا الفرض ليست أن الأصيل قد حضر بشخصه ووقع بنفسه، وإنما أن التصرف قد تم بواسطة نائب عنها وفي حدود النيابة التي أفصح عنها، وهي حقيقة تتفق مع الواقع ولا تتضمن تغييراً له. أما القول بأن توقيع النائب قد حل محل التوقيع الشخصي للأصيل، ثم اتخاذ ذلك بذاته دليلاً على التزوير، فإنه يؤدي إلى نتيجة مؤداها تجريم جوهر فكرة النيابة الاتفاقية ذاتها، إذ إن مقتضى الوكالة أن يحل التعبير الصادر من النائب، في الحدود التي رسمها القانون وسند الوكالة، محل التعبير المباشر الصادر من الأصيل.
ولا يجوز في هذا المقام الخلط بين صورتين قانونيتين مختلفتين تماماً: الأولى أن يوقع شخص على محرر منتحلاً شخصية الأصيل أو موهماً الغير بأنه الأصيل ذاته، والثانية أن يوقع الشخص ذاته بصفته وكيلاً عن الأصيل، مع الإفصاح عن صفته وإظهار سند وكالته. ففي الصورة الأولى قد يثور البحث في تغيير الحقيقة وانتحال الصفة بحسب ظروف الواقعة، أما في الصورة الثانية فإن مجرد صدور التوقيع من النائب لا يمثل، في ذاته، تغييراً للحقيقة، لأن حقيقة التمثيل ذاتها تكون معلنة وثابتة بالمحرر وبسند الوكالة.
والثابت بالأوراق أن المتهم الأول قد اتبع الصورة الثانية؛ فقد صدر التوقيع منه شخصياً، ولم ينازع في صدوره عنه، وإنما صدر منه بصفته وكيلاً، وهو ما ينفي بذاته افتراض أن ثمة توقيعاً منسوباً إلى الأصيل قد تم اصطناعه أو تقليده. كما أن سند الوكالة ذاته يكشف عن مصدر السلطة التي استند إليها المتهم الأول، بما يجعل الواقعة – في أصلها – واقعة مباشرة تصرف بواسطة نائب، وليست واقعة اصطناع توقيع أو انتحال شخصية.
وقد تعزز ذلك بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، من أن التوكيل العام المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة. وهذه الدلالة الرسمية لا تنشئ بذاتها سلطة جديدة للمتهم الأول، وإنما تؤيد أن مصدر السلطة كان قائماً بالفعل وقت مباشرة التصرف، وأن التوقيع محل الاتهام قد صدر في إطار التمثيل الذي خوله سند الوكالة.
ولا يغير من ذلك القول بأن الأصيل لم يوقع بنفسه على المحرر، إذ إن هذا القول لا يكشف عن تزوير، بل يصف ببساطة الأثر المادي الطبيعي لمباشرة الوكيل لاختصاصه التمثيلي. فالسؤال الجنائي ليس: «من أمسك بالقلم ووقع؟» وإنما: «هل وقع الشخص بصفته الحقيقية والمعلنة، أم غيّر الحقيقة بشأن شخص الموقع أو صفته أو الواقعة التي يثبتها المحرر؟». فإذا كانت الإجابة الثابتة بالأوراق أن المتهم الأول هو الذي وقع، وأنه أعلن أنه يوقع بصفته وكيلاً، وأن مصدر هذه الصفة هو توكيل رسمي قائم، فلا يكفي مجرد اختلاف شخص الموقع عن شخص الأصيل لاستخلاص فعل التزوير.
كما لا يجوز أن يُستخلص الركن المادي للجريمة من مجرد القول بأن التوقيع الذي وضعه المتهم الأول كان ينبغي أن يحل محله توقيع الأصيل شخصياً؛ لأن هذا القول يفترض ابتداءً عدم جواز النيابة في التصرف محل الاتهام، وهي مسألة تختلف عن إثبات التزوير، فضلاً عن أن الأوراق الرسمية وما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق قد جاءت مؤيدة لامتداد سلطة الوكالة إلى عقود تعديل الشركات وإلى الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
فإذا كانت هناك منازعة حول مدى استعمال الوكالة أو حول حدود السلطة التي خولها الأصيل للمتهم الأول، فإن تلك المنازعة لا تتحول بذاتها إلى دليل على تغيير الحقيقة الجنائي. بل يتعين، لكي ينتقل الأمر إلى نطاق التجريم، أن يثبت على نحو مستقل أن المتهم الأول قد ارتكب فعلاً مادياً من أفعال التزوير، وأنه غير الحقيقة في المحرر بطريقة مؤثمة، وأنه فعل ذلك مع توافر القصد الجنائي اللازم. أما مجرد القول بأن الأصيل كان يمكنه أن يوقع بنفسه أو أنه لم يوقع شخصياً، فلا ينهض لإثبات أي من هذه العناصر.
ويزداد الأمر وضوحاً في الحالة الماثلة، لأن المتهم الأول لم يسع إلى إخفاء مصدر تمثيله، وإنما كشف عنه وأظهر صفته كوكيل، بما يجعل المحرر – من هذه الناحية – متضمناً للحقيقة المتعلقة بشخص من باشر التوقيع وصفته. ولا يجوز قانوناً ومنطقاً أن يتحول الإفصاح عن الصفة التمثيلية إلى قرينة على انتحالها، أو أن يصبح إظهار سند الوكالة دليلاً على عدم وجودها، ما لم يقم دليل مستقل يثبت اصطناع السند أو انقضاء سلطته قبل التصرف أو تجاوزاً جنائياً محدداً لنطاقه.
كما أن إلغاء الوكالة في تاريخ لاحق على مباشرة التصرف لا يغير من طبيعة التوقيع الذي صدر قبل الإلغاء؛ إذ لا يجوز أن يتحول الإلغاء اللاحق إلى وسيلة لإعادة توصيف فعل كان يستند وقت ارتكابه إلى سند وكالة قائم، ولا أن يُستخلص منه بأثر رجعي أن المتهم الأول لم يكن يملك صفة التمثيل وقت التوقيع.
ومن ثم، فإن الركن المادي لجريمة التزوير لا يمكن استخلاصه بمجرد المقارنة بين اسم الأصيل واسم الموقع، وإنما يجب بحث الحقيقة القانونية والمادية التي حملها المحرر: هل وقع الأصيل بنفسه، أم وقع عنه نائب؟ وهل أخفى النائب صفته أم أفصح عنها؟ وهل كان يستند إلى سند وكالة قائم أم ادعى سلطة غير موجودة؟ وهل ثبت أنه غير حقيقة أخرى في المحرر؟ وهي أسئلة تختلف تماماً عن مجرد القول بأن توقيع الوكيل ليس هو توقيع الأصيل.
والثابت في الدعوى أن المتهم الأول قد وقع بصفته وكيلاً، وأن مصدر هذه الصفة كان توكيلاً رسمياً قائماً وقت التصرف، وأن نطاق الوكالة قد ثبت رسمياً امتداده إلى تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، ومن ثم لا يبقى مجرد حلول توقيع الوكيل محل توقيع الأصيل صالحاً، بذاته، لإثبات فعل مادي من أفعال التزوير.
وإذ كان الاتهام قد استند – في جانب منه – إلى أن صاحبة الشأن لم تضع توقيعها الشخصي على المحرر، فإن هذا الاستناد لا يجاوز إثبات واقعة لا ينكرها المتهم الأول أصلاً، وهي أنه هو الذي وقع بصفته وكيلاً عنها، لكنه لا يثبت أن هذا التوقيع قد صدر منه بغير صفة أو على خلاف الحقيقة. ولا يجوز أن يكون إقرار المتهم بواقعة صحيحة – وهي صدور التوقيع منه بصفته وكيلاً – مدخلاً لافتراض واقعة أخرى لم يثبتها الاتهام، وهي تغيير الحقيقة أو انتحال شخصية الأصيل.
ومن ثم، فإن خلو الأوراق من دليل مستقل على اصطناع توقيع منسوب إلى الأصيل، أو انتحال شخصيتها، أو إخفاء صفة الوكالة، أو تغيير حقيقة مادية أخرى في المحرر، مع ثبوت قيام الوكالة والإفصاح عن الصفة ومصدر السلطة، مؤداه انتفاء الأساس المادي الذي يمكن أن تقوم عليه جريمة التزوير في حق المتهم الأول.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على أن مجرد حلول توقيع الوكيل محل التوقيع الشخصي للأصيل، في ظل نيابة اتفاقية قائمة ومعلنة وثبوت مصدرها ونطاقها، لا يشكل بذاته تغييراً للحقيقة ولا ينهض دليلاً على توافر الركن المادي لجريمة التزوير، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع بأي وجه من الوجوه نزولاً أو تنازلاً أو عدولاً عن أي منها.
الدفع الثاني والثلاثون: حجية ودلالة التوكيل الرسمي في إثبات مصدر سلطة المتهم الأول ونطاقها، وعدم جواز إهدار مدلوله أو افتراض قيود غير واردة فيه استناداً إلى أقوال أو ادعاءات لا تسندها عباراته الصريحة
يتمسك المتهم الأول بأن التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يمثل الأصل والمصدر المباشر للسلطة التي باشر على أساسها التصرف محل الاتهام، وأن تحديد نطاق هذه السلطة لا يجوز أن يقوم على أقوال لاحقة أو تفسيرات شخصية أو ادعاءات مجردة لا تجد لها أصلاً في عبارات سند الوكالة ذاته، وإنما يتعين أن ينطلق من ألفاظ المحرر ومضمونه وما اشتمل عليه من سلطات صريحة، باعتباره المحرر الذي أنشأ مصدر النيابة وحدد إطارها.
والثابت من سند الوكالة أن الموكل قد خول المتهم الأول في القيام نيابة عنه بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، ومنحه الحق في التوقيع نيابة عنه على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عن السلطات الأخرى الواردة في ذات السند والمتعلقة بالتعامل أمام الجهات الحكومية المختصة وإجراءات التسجيل والنشر والتوثيق.
وهذه العبارات لا تقف عند حدود إجراء واحد أو تصرف محدد، وإنما جاءت – بحسب ظاهرها وصريح مدلولها – في إطار سلطة تمثيلية متصلة بأعمال إنشاء الشركات وتعديلها، ومباشرة الإجراءات والتوقيع على العقود اللازمة لذلك، بما مؤداه أن مصدر سلطة المتهم الأول في التوقيع لم يكن مستمداً من واقعة لاحقة أو من موافقة مفترضة، وإنما كان قائماً ومستنداً إلى محرر رسمي سابق على التصرف محل الاتهام.
ومن ثم، فإن القول بأن الوكالة لم تشمل التصرف محل الاتهام لا يمكن أن يكون مجرد نتيجة تُلقى في عبارات عامة، بل يتعين أن يستند إلى قيد حقيقي قائم في ألفاظ سند الوكالة، أو إلى نص صريح يستبعد نوع التصرف محل الاتهام من نطاق السلطة الممنوحة. أما افتراض وجود قيد غير وارد في المحرر، ثم بناء المسؤولية الجنائية عليه، فإنه يمثل إضافة إلى مضمون سند الوكالة لا يملكها التفسير المجرد، ولا تصلح وحدها أساساً لإثبات الركن المادي لجريمة التزوير.
ولا ينال من ذلك ما قد يثار من أن التصرف محل الاتهام تضمن تعديلاً في حصص الشركاء، ذلك أن العبرة في هذه الحالة بما إذا كان سند الوكالة قد قصر سلطة التعديل على صور معينة دون غيرها، أو استبعد صراحةً تعديل حصص الشركاء، لا بمجرد وصف النتيجة التي ترتبت على استعمال السلطة. فإذا كان المحرر قد منح الوكيل سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات دون أن يورد قيداً صريحاً يستبعد تعديلات الحصص، فإن إنشاء هذا القيد من خارج المحرر يحتاج إلى دليل مستقل جازم، ولا يجوز افتراضه لمجرد أن أحد أطراف العلاقة نازع لاحقاً في استعمال الوكالة.
وقد تعزز هذا الفهم بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة الرسمية لا يُراد بها أن تحل محل سلطة المحكمة في تقدير المسؤولية الجنائية، وإنما تتمسك بها الدفاع باعتبارها دليلاً رسمياً جوهرياً يكشف عن أن القراءة التي انتهت إليها الجهة المختصة بالتوثيق لنطاق الوكالة جاءت مؤيدة لظاهر عباراتها، وأن القول بوجود قيد يحول دون مباشرة المتهم الأول للتصرف محل الاتهام ليس أمراً ثابتاً بذاته في الأوراق، وإنما هو محل منازعة جدية يناقضه ظاهر سند الوكالة وما انتهت إليه الجهة الرسمية المختصة بشأنه.
ولا يجوز – في المقابل – أن تُهدر دلالة سند الوكالة الرسمي لمجرد أقوال لاحقة صادرة ممن لم يكن سند الوكالة مصدراً مباشراً لعلمه، أو لمجرد تفسير شخصي لمضمونه، أو لمجرد القول بأن الموكل لم يكن يقصد منح الوكيل سلطة معينة، متى كانت هذه القيود المدعاة غير ثابتة في المحرر ذاته ولم يثبت قيام تعديل أو إلغاء سابق على التصرف من شأنه إزالة تلك السلطة.
ذلك أن مناط البحث في الواقعة الجنائية ليس ما كان يمكن أن يقال عن الوكالة، وإنما ما هو ثابت بها فعلاً، وما إذا كان المتهم الأول قد باشر التصرف استناداً إلى سلطة قائمة وقت مباشرته أم لا. فإذا ثبت قيام الوكالة وثبتت عباراتها، وكان المتهم قد أفصح عن صفته كوكيل عند التوقيع، فإن نسبة التزوير إليه لا يمكن أن تستند إلى مجرد تفسير مخالف لنطاق الوكالة، بل يلزم فوق ذلك إثبات فعل مادي محدد من أفعال تغيير الحقيقة، وهو ما لا يتحقق بمجرد القول بأن الوكيل لم يكن ينبغي له أن يستعمل الوكالة على ذلك النحو.
كما أن التمييز واجب بين تفسير نطاق السلطة المدنية المستمدة من الوكالة وبين إثبات جريمة التزوير؛ فحتى إذا ثار خلاف حول مدى ملاءمة استعمال الوكالة أو حول حدود السلطة الممنوحة للوكيل، فإن ذلك لا يؤدي تلقائياً إلى ثبوت تغيير الحقيقة في محرر، ولا يكفي وحده لإسناد جريمة تزوير، ما لم يثبت أن المتهم قد اتخذ وسيلة من وسائل التزوير وأحدث تغييراً مادياً في الحقيقة المثبتة بالمحرر.
وعلى ذلك، فإن الدليل القولي الذي يهدف إلى إنشاء قيد غير موجود في سند الوكالة لا تكون له هذه القوة في مواجهة المحرر ذاته إلا بقدر ما يثبت واقعة خارجية مستقلة يجوز إثباتها بهذه الوسيلة، أما أن يتحول القول المجرد إلى وسيلة لإضافة عبارة غير مكتوبة إلى التوكيل، أو حذف سلطة وردت فيه، أو تضييق نطاقه على خلاف عباراته الصريحة، ثم يُبنى على ذلك إسناد جريمة جنائية، فذلك مما يتطلب من المحكمة تمحيصاً خاصاً ومواجهة صريحة لمضمون سند الوكالة وللدليل المقابل له.
ولا سيما أن المتهم الأول لم يخفِ صفته التمثيلية، ولم يقدم نفسه باعتباره الأصيل، وإنما باشر التوقيع بصفته وكيلاً، وهو ما يجعل سند الوكالة هو المحور الموضوعي الذي يتعين الرجوع إليه لتحديد مصدر سلطته ونطاقها، لا أقوالاً لاحقة على الواقعة أو تفسيرات لمضمون الوكالة لم تكن جزءاً منها ولم ترد في عباراتها.
وإذا كان الحكم قد انتهى إلى أن المتهم الأول تجاوز حدود وكالته، فقد كان لزاماً عليه – حتى يستقيم هذا الاستخلاص – أن يحدد بدقة مصدر هذا القيد، وأن يبين النص أو العبارة التي استمد منها انحصار السلطة، وأن يوضح وجه خروج التصرف محل الاتهام عن نطاقها، وأن يواجه في الوقت ذاته الدلالة المخالفة المستمدة من عبارات التوكيل ومن مذكرة الإدارة العامة للتوثيق. أما إطلاق القول بانتفاء السلطة دون تحديد مصدر القيد المدعى به، فإنه لا يكفي لحمل النتيجة الجنائية التي بنيت عليه.
ومن ثم، فإن الثابت بالأوراق يقطع بأن المتهم الأول لم يستمد سلطته في التوقيع من ادعاء شخصي أو من واقعة مستحدثة، وإنما من توكيل رسمي سابق على التصرف، وأن تحديد مدى هذه السلطة يجب أن يتم في ضوء عباراته الصريحة ومضمونه الحقيقي، لا في ضوء قيود مفترضة لم ترد فيه، ولا في ضوء أقوال لاحقة تتعارض مع مدلوله دون أن تستند إلى واقعة مستقلة ثابتة.
ومتى كان الاتهام قد أقام جانباً جوهرياً من تصويره الجنائي على انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع، وكان سند الوكالة الرسمي يثبت أصل هذه السلطة، وكانت عباراته لا تتضمن القيد المدعى به، بل جاءت متضمنة لسلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات، ثم جاءت مذكرة الإدارة العامة للتوثيق مؤيدة لامتداد هذه السلطة إلى الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن مجرد الأقوال أو الادعاءات المخالفة لا تصلح وحدها لهدم هذا الثابت أو لإقامة الركن المادي لجريمة التزوير.
وبناءً عليه، فإن الدفاع يتمسك بحجية ودلالة التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 في إثبات مصدر سلطة المتهم الأول ونطاقها، وبأنه لا يجوز افتراض قيود غير واردة فيه أو تفسيره على نحو يضيف إلى عباراته ما ليس منها، وأن أي منازعة في نطاق الوكالة لا تكفي بذاتها لإثبات جريمة التزوير ما لم تقترن بدليل يقيني مستقل على وقوع تغيير للحقيقة، وهو ما تنتفي معه في حق المتهم الأول أركان الجريمة المسندة إليه، ويتعين معه القضاء ببراءته، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الثالث والثلاثون: حجية ودلالة المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، باعتبارها دليلاً جوهرياً في تحديد نطاق التوكيل ومدى صلاحيته للتوقيع على عقد تعديل الشركة وتعديل حصص الشركاء
يتمسك المتهم الأول بحجية ودلالة المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، باعتبارها من الأدلة الجوهرية التي يتعين على المحكمة الموقرة أن تبسط عليها رقابتها وتمحص مضمونها ودلالتها وأثرها في الدعوى، لكونها قد تناولت بصورة مباشرة سند الوكالة الذي يستند إليه المتهم الأول، وبحثت مدى امتداد السلطات الواردة به إلى التصرف محل الاتهام، وانتهت – بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل البحث – إلى نتيجة تتصل اتصالاً مباشراً بجوهر النزاع، مؤداها أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء.
والثابت أن هذه المذكرة ليست مجرد ورقة صادرة عن المتهم أو دفاع أُعد لمصلحته، وإنما هي محرر رسمي صادر عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل، وفي إطار أعمالها واختصاصها الفني المتعلق بفحص المحررات والتوكيلات وأعمال التوثيق، وقد تناولت سند الوكالة ذاته الذي تستند إليه واقعة الاتهام، ومن ثم فإنها تمثل عنصراً موضوعياً قائماً في الأوراق لا يجوز إغفاله عند تقدير حقيقة نطاق السلطة التي كانت قائمة لدى المتهم الأول وقت مباشرته التوقيع.
وتزداد أهمية هذه المذكرة بالنظر إلى أن المسألة التي تعرضت لها ليست مسألة فرعية أو هامشية في الدعوى، وإنما تتعلق بأحد الأسس التي يتوقف عليها التصوير الجنائي للواقعة برمتها؛ إذ إن القول بأن المتهم الأول قد ارتكب تزويراً بسبب توقيعه على عقد تعديل الشركة يفترض – في جانب منه – أنه لم يكن يملك سلطة مباشرة هذا التصرف، أو أنه جاوز نطاق السلطة المخولة له بموجب سند الوكالة. فإذا جاءت الجهة الإدارية الفنية المختصة بالتوثيق، بعد فحص سند الوكالة، لتنتهي إلى أن ذات التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح تقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن هذه النتيجة الرسمية تهدم على الأقل الأساس الاستدلالي الذي يقوم على افتراض انعدام السلطة أو قصورها عن التصرف محل الاتهام.
ولا يعني ذلك أن المذكرة الإدارية تحل محل المحكمة في تقدير المسؤولية الجنائية أو أنها تقيد سلطتها في وزن الأدلة، وإنما مؤداها أن المحكمة الموقرة تكون أمام دليل رسمي جوهري ذي صلة مباشرة بعنصر جوهري في الاتهام، يتعين بحثه وتمحيصه والرد على دلالته بأسباب سائغة إذا رأت المحكمة طرحه أو عدم الأخذ بما انتهى إليه. ذلك أن إغفال دليل جوهري من شأنه – لو صح – أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى، لا يستقيم مع واجب المحكمة في الإحاطة بعناصر الدعوى وأدلتها وموازنة كل دليل بما يستحقه من وزن.
والدلالة الأهم للمذكرة أنها لم تنشئ للمتهم الأول سلطة جديدة بعد وقوع التصرف، وإنما تناولت سلطة كانت ثابتة أصلاً في سند الوكالة الرسمي وقت مباشرة التوقيع. فمصدر السلطة هو التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017، أما المذكرة الرسمية فقد جاءت لتؤكد – بحسب ما انتهت إليه الجهة المختصة بعد فحص سند الوكالة – أن نطاق تلك السلطة يمتد إلى عقود تعديل الشركات وإلى الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء. ومن ثم فإن أثرها في الدعوى ينصرف إلى تفسير وتحديد نطاق السند القائم وقت التصرف، لا إلى إنشاء وكالة بأثر لاحق.
ويتعاظم أثر هذه المذكرة في الدعوى بالنظر إلى أن موضوع الاتهام ذاته يدور حول عقد تعديل الشركة وما ترتب عليه من تغيير في حصص الشركاء، وهي ذات المسألة التي تناولتها الإدارة العامة للتوثيق صراحة حين انتهت إلى أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، كما يبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء. ومن ثم فإن الصلة بين المذكرة والواقعة محل الاتهام صلة مباشرة لا تحتمل وصفها بأنها دليل بعيد أو عرضي أو غير منتج.
كما أن المذكرة قد تضمنت بياناً ذا دلالة خاصة فيما يتعلق بإلغاء التوكيل، إذ أثبتت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة. وهذه الواقعة – متى صحت وثبتت بالمحررات الرسمية – تقطع الطريق على محاولة الاستناد إلى الإلغاء اللاحق باعتباره دليلاً على انتفاء السلطة وقت مباشرة التصرف، إذ إن الإلغاء اللاحق لا يغير بذاته من حقيقة أن سند الوكالة كان قائماً وقت التوقيع محل الاتهام.
ومن ثم فإن المذكرة الرسمية تكتسب أهمية مزدوجة في الدفاع: فهي من ناحية تؤيد ثبوت أصل السلطة التمثيلية التي استند إليها المتهم الأول، ومن ناحية أخرى تؤيد امتداد نطاق تلك السلطة إلى نوع التصرف الذي باشره، بما في ذلك تعديل عقد الشركة وتقليل أو زيادة حصص الشركاء. وفي الحالتين فإنها تتصل مباشرة بالركن المادي للتزوير وبالقصد الجنائي، إذ إن ثبوت قيام سلطة التمثيل واتساعها إلى التصرف محل الاتهام يمثل ظرفاً موضوعياً بالغ الدلالة عند بحث ما إذا كان المتهم قد تعمد تغيير الحقيقة أو باشر التصرف معتقداً، استناداً إلى سند رسمي، أنه يعمل في حدود سلطته.
ولا يجوز كذلك فصل المذكرة عن سند الوكالة الذي قامت بفحصه، أو التعامل معها باعتبارها دليلاً منفرداً قائماً بذاته ثم إسقاط دلالتها؛ ذلك أن قيمتها الاستدلالية تنشأ من اتصالها المباشر بمحرر الوكالة الرسمي، ومن كونها تؤيد – وفق ما انتهت إليه الجهة المختصة – الفهم الذي مؤداه أن العبارات الواردة في سند الوكالة تشمل التوقيع على عقود تعديل الشركات والإجراءات المتعلقة بحصص الشركاء. وبالتالي فإن تقديرها يجب أن يتم في إطار منظومة الأدلة الرسمية المتصلة بالواقعة، لا بمعزل عنها.
ولا ينال من ذلك ما قد يثار من أن تحديد المسؤولية الجنائية من اختصاص القضاء، فهذا أمر لا خلاف عليه، ولا يدفع به المتهم الأول أصلاً؛ إذ إن الدفاع لا يطلب من المحكمة أن تستبدل تقديرها القضائي برأي إداري، وإنما يتمسك بأن المذكرة الرسمية دليل جوهري على واقعة فنية وقانونية متصلة بنطاق سند التوكيل، وأنها تؤيد الثابت بالمحرر الرسمي وتناقض الأساس الذي يقوم عليه القول بانعدام سلطة المتهم الأول في التوقيع.
وعلى ذلك، فإذا كان الاتهام قد افترض أن المتهم الأول لم يكن مخولاً بالتوقيع على تعديل عقد الشركة أو إجراء التعديل المتعلق بحصص الشركاء، فإن هذا الافتراض لا يجوز التسليم به مجرداً من الدليل، ولا سيما وقد قام في الأوراق محرر وكالة رسمي سابق على التصرف، ثم جاءت مذكرة رسمية صادرة عن الإدارة العامة للتوثيق لتقرر، بعد فحص السند، أن الوكالة تمتد إلى هذه الأعمال تحديداً. ومن ثم يصبح لزاماً – قبل ترتيب أي أثر جنائي على واقعة التوقيع – تحديد المصدر الذي يستند إليه القول بانعدام السلطة، وبيان وجه تعارضه مع سند الوكالة والمذكرة الرسمية، وبيان الدليل المستقل الذي يثبت أن المتهم الأول كان يعلم أنه يتصرف خارج حدود سلطته، وأن مباشرته للتوقيع قد انطوت على تغيير للحقيقة بالمعنى الجنائي.
كما أن طرح هذه المذكرة دون مناقشة دلالتها الجوهرية من شأنه أن يؤدي إلى بقاء الاتهام قائماً على افتراض غير ممحص، مؤداه أن مجرد مباشرة المتهم الأول للتعديل المتعلق بحصص الشركاء يمثل تجاوزاً للوكالة، رغم أن الجهة المختصة بالتوثيق قد انتهت رسمياً إلى عكس ذلك. ولا يكفي في هذا المقام مجرد القول بأن المحكمة غير ملزمة بما انتهت إليه المذكرة، لأن عدم الإلزام لا يعني عدم الحجية الاستدلالية، ولا يعفي مناقشة الدليل الجوهري من بيان أسباب طرحه، ولا يحول دون الاستناد إليه باعتباره عنصراً مؤيداً لدفاع جوهري من شأنه – إذا صح – أن يغير وجه الرأي في الدعوى.
ويضاف إلى ذلك أن وجود هذه المذكرة الرسمية يفرض على المحكمة – عند تقدير الأدلة القولية المخالفة لها – أن تتحقق من مصدر تلك الأقوال ومدى اتصال أصحابها المباشر بسند الوكالة وواقعة تحريره ومضمونه، وألا يُستبدل بالمحرر الرسمي مجرد تفسير شخصي أو استنتاج لاحق لنطاق السلطة، بغير بيان مصدر هذا التفسير وسنده ومدى اتساقه مع عبارات التوكيل ذاته.
ومن ثم، فإن مذكرة الإدارة العامة للتوثيق في الملف رقم 134 لسنة 2026 تمثل دليلاً جوهرياً متصلاً اتصالاً مباشراً بموضوع الاتهام، وتؤيد ثبوت سلطة المتهم الأول في مباشرة التصرف محل الاتهام، وتؤيد امتداد تلك السلطة إلى التوقيع على عقد تعديل الشركة والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، كما تؤكد – بحسب الثابت بها – أن إلغاء التوكيل جاء لاحقاً على التوقيع، بما ينفي الاستناد إلى الإلغاء اللاحق لإثبات انتفاء السلطة وقت التصرف.
ولما كان هذا الدليل الرسمي يتصل مباشرة بأحد الأسس التي يقوم عليها الاتهام، وكان من شأنه – متى صحت دلالته – أن يغير وجه الرأي في مدى توافر الفعل المادي للتزوير ومدى قيام القصد الجنائي، فإن المتهم الأول يتمسك بوجوب بحثه وتمحيصه والرد على دلالته رداً سائغاً ومقبولاً، وعدم طرحه أو إهداره بعبارات عامة لا تواجه مضمونه ولا أثره في الدعوى.
وبناءً عليه، يتمسك المتهم الأول بالأخذ بمضمون ودلالة المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، باعتبارها دليلاً جوهرياً مؤيداً لثبوت قيام الوكالة وامتداد نطاقها إلى التصرف محل الاتهام، وما يترتب على ذلك من انتفاء الأساس الذي يقوم عليه القول بانعدام سلطة المتهم الأول في التوقيع، وانتفاء الدليل اليقيني على ارتكابه فعلاً مادياً من أفعال تغيير الحقيقة، والقضاء تبعاً لذلك ببراءته مما أسند إليه، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار هذا الدفع أو إبداء أي دفاع موضوعي آخر نزولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الرابع والثلاثون: قصور الحكم المعارض فيه في استظهار حدود النيابة ومصدر سلطة المتهم الأول، لإغفاله بحث التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 ومواجهة دلالته في ضوء ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق من شمول الوكالة للتعديل محل الاتهام
ينعى المتهم الأول على الحكم المعارض فيه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع، ذلك أنه أقام قضاءه بالإدانة دون أن يستظهر على نحو كافٍ ومحدد مصدر السلطة التي باشر المتهم الأول التوقيع استناداً إليها، ودون أن يفحص سند النيابة الذي صدر عنه التصرف محل الاتهام، أو يحدد حدود تلك النيابة تحديداً مستمداً من أصلها الرسمي، رغم أن هذه المسألة لا تمثل واقعة هامشية في الدعوى، وإنما تتصل اتصالاً مباشراً بأصل الواقعة الجنائية وبمدى توافر الفعل المادي المكون لجريمة التزوير في حق المتهم الأول.
فالثابت بالأوراق وجود التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، والصادر من صاحبة الشأن إلى المتهم الأول، والذي تضمن تفويضه في القيام نيابة عنها بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، وخوله التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عن السلطات الأخرى الواردة بسند الوكالة. وهذا المحرر الرسمي هو المصدر المباشر الذي يستمد منه المتهم الأول صفته في مباشرة التصرف محل الاتهام، ومن ثم كان يتعين على الحكم – قبل أن ينتهي إلى نسبة التزوير إليه – أن يستظهر مضمون هذا السند، وأن يحدد على وجه الدقة نطاق السلطة التي منحها، وأن يبين وجه خروج التصرف محل الاتهام عن حدودها، إن كان يرى وقوع هذا الخروج.
ذلك أن مجرد القول بأن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة إجراء التعديل لا يغني عن بيان مصدر هذا الاستنتاج، ولا يكفي لإقامة الإدانة ما لم يكشف الحكم عن الأساس الذي استخلص منه انعدام السلطة أو تجاوزها، ولا سيما إذا كان هذا الأساس مناقضاً لما هو ثابت صراحةً في محرر رسمي قائم بالأوراق.
والأخطر من ذلك أن الأوراق قد تضمنت مذكرة رسمية صادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، انتهت – بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة، وإن لم تكن بطبيعتها حكماً قضائياً يفصل في المسؤولية الجنائية، إلا أنها تمثل دليلاً رسمياً جوهرياً متصلاً بذات المسألة التي أقيم عليها الاتهام، وتؤيد – من الناحية الفنية والتوثيقية – الدلالة المستمدة من سند الوكالة ذاته. ومن ثم كان لزاماً على الحكم، إذا أراد طرح هذه الدلالة أو عدم التعويل عليها، أن يعرض لها وأن يبين مؤدى ما ورد بها وأسباب عدم أخذه بها، ولا سيما أنها لا تتعلق بواقعة بعيدة عن موضوع الدعوى، وإنما تتعلق تحديداً بمدى شمول الوكالة للتصرف الذي اعتبره الحكم أساساً للمسؤولية الجنائية.
ولا يكفي في هذا المقام أن يشير الحكم – إن كان قد أشار – إلى وجود خلاف حول حدود الوكالة، ثم ينتهي إلى الإدانة دون تحديد نصوص الوكالة التي استند إليها، ودون بيان كيفية تفسيرها، ودون مواجهة ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق من أن نطاقها يشمل عقود تعديل الشركات والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء؛ لأن ذلك يجعل النتيجة التي انتهى إليها الحكم غير قائمة على استظهار كامل لعناصر الواقعة، ويحول دون الوقوف على الأساس الذي أقام عليه قضاءه في شأن مصدر السلطة وحدودها.
وكان يتعين على الحكم أن يواجه المسألة في صورتها القانونية والواقعية الصحيحة، فيحدد أولاً مصدر سلطة المتهم الأول، ثم يستظهر مضمون سند الوكالة، ثم يحدد التصرف الذي باشره المتهم، ثم يقارن بين هذا التصرف وبين نطاق السلطة الثابتة بالوكالة، ثم يبين – بعد ذلك – ما إذا كان ثمة تجاوز للسلطة، وما إذا كان هذا التجاوز، على فرض ثبوته، قد انطوى بذاته على فعل مادي من أفعال تغيير الحقيقة المكونة لجريمة التزوير، إذ لا يكفي إثبات وجود خلاف حول حدود الوكالة للقول تلقائياً بوقوع التزوير.
ذلك أن ثبوت وجود وكالة قائمة وقت التوقيع يغير بصورة جوهرية الإطار القانوني الذي يتعين أن تُفحص داخله الواقعة؛ فالمسألة لم تعد واقعة توقيع مجردة صادرة من شخص لا صلة له بصاحبة الشأن، وإنما توقيع صادر من شخص أعلن صفته كوكيل واستند إلى محرر رسمي سابق على التصرف. ومن ثم فإن القول بوقوع التزوير يقتضي تحديد وجه الانحراف عن الحقيقة رغم وجود هذا السند، وبيان الفعل المادي الذي تحقق به هذا الانحراف، لا مجرد افتراض انعدام السلطة ابتداءً.
كما أن إغفال الحكم لدلالة المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق يكتسب أهمية خاصة؛ لأنها جاءت بنتيجة تتعلق بذات نطاق الوكالة الذي يدور حوله النزاع، ولم تكن مجرد رأي صادر عن أحد الخصوم، وإنما صدرت من الجهة الإدارية المختصة بأعمال التوثيق بعد فحص المستندات ذات الصلة. ومن ثم فإن طرحها دون بحث أو مناقشة، أو الاكتفاء بالنتيجة التي انتهى إليها الحكم دون بيان سبب ترجيح دليل على آخر، يحجب عن محكمة الطعن وجه الرأي الذي اعتنقه الحكم في مسألة جوهرية كان من شأنها – لو صحت دلالتها – أن تغير وجه الرأي في الدعوى.
ولا ينال من ذلك أن تقدير الأدلة واستخلاص الصورة الصحيحة للواقعة من سلطة محكمة الموضوع، إذ إن هذه السلطة لا تعفيها من واجب تمحيص الأدلة الجوهرية المطروحة عليها، ولا تسوغ لها إغفال مستند من شأنه – لو صح ما ورد به – أن يغير وجه الرأي في الدعوى، ولا سيما إذا كان المستند متعلقاً بمصدر السلطة التي باشر المتهم الأول التصرف استناداً إليها.
فإذا كان الحكم قد انتهى إلى أن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة التوقيع على التعديل محل الاتهام، دون أن يستظهر على وجه الدقة نصوص التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017، ودون أن يبين وجه دلالتها، ودون أن يواجه ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق من شمول الوكالة للتعديل محل الاتهام، فإنه يكون قد أقام النتيجة على أساس غير مستظهر استظهاراً كافياً، واستخلص انعدام السلطة من غير أن يبين المصدر القانوني والواقعي لهذا الاستخلاص.
ويزداد القصور وضوحاً إذا كان الحكم قد جعل من انعدام السلطة أو تجاوزها مقدمة لازمة للقول بوقوع التزوير، لأن الفصل في هذه المقدمة كان يتطلب بحثاً مستقلاً ودقيقاً لمصدر النيابة وحدودها، لا سيما وأن وجود سند وكالة رسمي قائم وقت التصرف من شأنه أن يثير بحثاً جدياً حول طبيعة التوقيع ذاته، وما إذا كان قد صدر في إطار التمثيل المشروع، وما إذا كان ثمة تغيير للحقيقة يمكن نسبته إلى المتهم الأول، وهي مسائل لا يمكن تجاوزها بعبارة عامة مؤداها عدم امتداد الوكالة إلى التصرف.
ومن ثم، فإن إغفال الحكم بحث التوكيل الرسمي ومضمونه، وعدم استظهار حدود النيابة على ضوء نصوصه، وعدم مواجهة دلالة المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق، قد حجبه عن بحث عنصر جوهري في الواقعة، وأدى إلى عدم استظهار أحد الأسس التي يقوم عليها الاتهام استظهاراً كافياً، بما يعيبه بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع.
ولا يغير من ذلك ما قد يثار من أن الحكم ليس ملزماً بالرد على كل قول أو دفاع على استقلال، إذ إن مناط الالتزام بالرد هو أن يكون الدفاع جوهرياً ومؤثراً في مصير الدعوى، وأن يكون مستنداً إلى دليل من شأنه – لو صح – أن يتغير به وجه الرأي فيها. والدفاع المستند إلى التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017، والمؤيد بالمذكرة الرسمية للإدارة العامة للتوثيق، يتوافر فيه هذا الشرط بوضوح، لأنه لا ينصب على مسألة فرعية، وإنما يتصل مباشرة بمصدر سلطة المتهم الأول وبمدى قيام الفعل المادي الذي نسب إليه.
وإذ كان الحكم المعارض فيه قد أدان المتهم الأول دون أن يستظهر حدود النيابة استظهاراً دقيقاً، ودون أن يواجه دلالة سند الوكالة الرسمي ومؤدى المذكرة الرسمية التي انتهت إلى شمول الوكالة للتصرف محل الاتهام، فإنه يكون قد حجب نفسه عن بحث دفاع جوهري من شأنه – لو محصه وأعمل أثره – أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى، الأمر الذي يوجب القضاء بإلغاء الحكم والقضاء ببراءة المتهم الأول متى خلصت المحكمة إلى أن الأوراق لا تنهض دليلاً يقينياً على تجاوز السلطة أو على ارتكاب فعل مادي من أفعال تغيير الحقيقة.
وبناءً عليه، يتمسك المتهم الأول بقصور الحكم المعارض فيه في استظهار حدود النيابة ومصدر سلطته، وبإغفاله بحث التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 ومواجهة دلالته في ضوء ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق، وما ترتب على ذلك من فساد في الاستدلال وقصور في التسبيب وإخلال بحق الدفاع، ويلتمس القضاء ببراءته مما أسند إليه، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم اعتبار هذا الدفع أو غيره من أوجه الدفاع الموضوعي نزولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الخامس والثلاثون: فساد استدلال الحكم المعارض فيه لإهداره الدلالة الجوهرية للمذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق، دون بيان سائغ لسبب طرحها أو وجه مخالفة ما انتهت إليه بشأن نطاق الوكالة
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه الفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، حين أهدر الدلالة الجوهرية للمذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، ولم يواجه مضمونها مواجهة جدية تكشف عن سبب قانوني سائغ يبرر طرحها، أو يبين على نحو محدد وجه مخالفة ما انتهت إليه بشأن نطاق التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة.
ذلك أن هذه المذكرة لم تكن ورقة عارضة أو قولاً مرسلاً من جانب المتهم الأول، وإنما هي محرر رسمي صادر عن جهة إدارية فنية مختصة بأعمال التوثيق، وقد تناولت تحديداً سند الوكالة الذي يستند إليه المتهم الأول، وبحثت مدى ما تخوله تلك الوكالة من سلطة في مباشرة التصرف محل الاتهام، وانتهت – بحسب الثابت بنصها – إلى أن التوكيل العام المشار إليه «يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء بتقليل أو زيادة حصة الشركاء كما هو ثابت بالوكالة التي تمت بناءً على رغبة الموكل»، مع إثبات أن التوكيل قد أُلغي بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وتتجلى جوهرية هذا المستند في أنه يتصل مباشرة بأحد المحاور الأساسية التي دار حولها الاتهام، وهو مدى وجود سلطة قانونية لدى المتهم الأول وقت مباشرته التوقيع محل الاتهام؛ فإذا كان الاتهام قد قام – كلياً أو جزئياً – على أن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة التوقيع على التعديل أو أنه تجاوز حدود الوكالة، فإن المذكرة الرسمية التي انتهت إلى عكس ذلك تمثل دليلاً جوهرياً قادراً – في حال الأخذ بدلالته – على تغيير وجه الرأي في الدعوى، إذ تنال مباشرة من الأساس الذي استُخلصت منه صورة التزوير المنسوبة إلى المتهم الأول.
ولا ينال من ذلك أن المذكرة صادرة عن جهة إدارية وليست حكماً قضائياً؛ فالمتهم الأول لا يتمسك بها باعتبارها حكماً فاصلاً في المسؤولية الجنائية أو باعتبار أن المحكمة مقيدة حتماً بما انتهت إليه، وإنما يتمسك بها باعتبارها مستنداً رسمياً جوهرياً مطروحاً في الدعوى، متعلقاً بذات سند الوكالة وبذات التصرف محل الاتهام، وله دلالة مباشرة في تقدير مدى قيام السلطة التمثيلية وقت التوقيع، وفي تقدير مدى صحة الاستدلال الذي أقيم عليه الاتهام.
ومن ثم، فإن سلطة المحكمة في تقدير الأدلة لا تعني إغفال الدليل الجوهري أو طرحه بغير بيان، ولا تعني أن مجرد عدم الأخذ بالمستند يعفي الحكم من مواجهة مضمونه متى كان من شأنه – لو صح ما يستفاد منه – أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى. وإنما يتعين على الحكم، إذا انتهى إلى عدم التعويل على هذا المستند، أن يكشف عن الأسباب الواقعية والقانونية التي حملته على ذلك، وأن يبين وجه عدم صلاحيته للدلالة التي تمسك بها الدفاع، أو وجه تعارض ما انتهت إليه المذكرة مع دليل أقوى وأقوم في الأوراق.
أما أن يُطرح هذا المستند الجوهري دون مناقشة حقيقية لما ورد فيه، أو أن يُستخلص من الأوراق انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع رغم وجود محرر رسمي قائم ومذكرة رسمية لاحقة انتهت إلى امتداد نطاق الوكالة إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، دون بيان مصدر النتيجة المخالفة وأساسها، فإن ذلك لا يعدو أن يكون مصادرة على المطلوب، وفساداً في الاستدلال، إذ تصبح النتيجة التي انتهى إليها الحكم قائمة على افتراض عدم السلطة بدلاً من إقامة الدليل على عدمها.
والأخطر من ذلك أن المذكرة لم تتناول مسألة بعيدة عن موضوع الدعوى، وإنما عالجت تحديداً المسألة التي كان يتعين على الحكم حسمها قبل الانتقال إلى استخلاص القصد الجنائي أو نسبة التزوير إلى المتهم الأول؛ ذلك أن تحديد ما إذا كان المتهم الأول قد باشر التوقيع بغير سلطة يقتضي أولاً تحديد مصدر سلطته ونطاقها، وهو ما يستمد ابتداءً من سند الوكالة ذاته، ثم يقدّر في ضوء ما ثبت رسمياً بشأن مضمونه وتفسير نطاقه.
فإذا كان سند الوكالة يتضمن تخويل المتهم الأول التوقيع نيابة عن الموكل على عقود تأسيس وتعديل الشركات، وكانت المذكرة الرسمية قد انتهت بعد فحص هذا السند إلى أن نطاقه يشمل كذلك الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن استخلاص الحكم أن المتهم الأول لم تكن له سلطة في مباشرة التعديل لا يستقيم بمجرد إطلاق هذه النتيجة، بل كان يتعين عليه أن يبين تحديداً: ما هو النص الوارد في سند الوكالة الذي استبعده؟ وما هو القيد الذي استخلصه منه؟ وما هو الدليل الذي يثبت أن ذلك القيد كان قائماً وقت التصرف؟ ولماذا خالف ما انتهت إليه الجهة المختصة بالتوثيق بشأن مدلول السند؟ وإلا بقيت النتيجة التي انتهى إليها الحكم مجرد نتيجة غير مؤسسة على أسباب تكشف عن مصدرها.
ولا يكفي في هذا المقام مجرد الاستناد إلى أقوال لاحقة أو تفسيرات شخصية لنطاق الوكالة، متى كان الأمر يتعلق بتحديد مضمون محرر رسمي قائم بذاته، ولا سيما إذا كانت هذه الأقوال لا تستند إلى واقعة مباشرة شاهدها قائلها عند إنشاء الوكالة أو تحديد نطاقها، وإنما تقوم على مجرد تفسير لاحق للمحرر. فالفارق جوهري بين أن يثبت الشاهد واقعة مادية أدركها بحواسه، وبين أن يقدم تفسيراً قانونياً أو شخصياً لمضمون سند رسمي، إذ لا يجوز أن تتحول الشهادة أو الرأي الشخصي إلى مصدر لإنشاء قيد جديد غير ثابت في محرر الوكالة.
كما أن المذكرة الرسمية، حتى مع التسليم بأن المحكمة لا تتقيد بها على نحو آلي، كانت تفرض على الحكم – بحكم جوهريتها واتصالها المباشر بموضوع الدفاع – أن يحدد موقفه منها تحديداً واضحاً، وأن يبين سبب عدم الأخذ بدلالتها، خاصة وأنها لا تتناول واقعة هامشية، وإنما تتعلق بذات التوكيل الذي يستند إليه المتهم الأول، وبذات المسألة التي يقوم عليها جانب أساسي من الاتهام، وهي مدى امتداد سلطته إلى التوقيع على عقد تعديل الشركة وما ترتب عليه من تقليل أو زيادة حصص الشركاء.
ومن ثم، فإن إغفال هذه المذكرة أو إهدار دلالتها دون رد سائغ لا يمثل مجرد اختلاف في تقدير دليل من أدلة الدعوى، وإنما يمس جوهر الدفاع؛ إذ لو صحت دلالتها، وكان التوكيل بالفعل يبيح للمتهم الأول التوقيع على تعديل الشركات والإجراءات المتعلقة بحصص الشركاء، فإن ذلك يغير وجه النظر في الواقعة برمتها، ويؤثر مباشرة في مدى إمكان اعتبار التوقيع فعلاً من أفعال تغيير الحقيقة، وفي مدى إمكان استخلاص علم المتهم الأول بعدم مشروعية ما يباشره.
ولا يغير من ذلك القول بأن المذكرة لاحقة على تاريخ التصرف محل الاتهام، إذ إن قيمتها في هذا المقام لا تنشئ سلطة جديدة للمتهم الأول ولم تمنحه وكالة بأثر رجعي، وإنما تتعلق بتحديد مدلول سند وكالة كان قائماً بالفعل وقت التوقيع. ومن ثم فإن كون المذكرة لاحقة زمنياً لا يحول دون بحث دلالتها على مضمون محرر سابق، طالما أن موضوعها هو تفسير نطاق ذلك المحرر وتحديد ما إذا كان يتضمن السلطة التي باشرها المتهم الأول وقت التصرف.
كما أن ثبوت إلغاء الوكالة في تاريخ لاحق على التوقيع لا ينال من جوهر دلالة المذكرة فيما انتهت إليه بشأن قيام السلطة وقت مباشرة التصرف، بل إن إثبات أن الإلغاء وقع بعد التوقيع يؤكد أن المناقشة الحقيقية يجب أن تنصرف إلى حالة الوكالة وقت إبرام التصرف، لا إلى واقعة لاحقة عليه، ولا يجوز اتخاذ الإلغاء اللاحق بذاته سنداً لإثبات أن المتهم الأول كان يباشر التصرف بغير سلطة في وقت كان فيه سند الوكالة قائماً.
وإذ كان الحكم المعارض فيه قد انتهى إلى نتيجة مؤداها انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع أو قيامه بالتوقيع على غير سند صحيح، دون أن يواجه مواجهة جدية ما ورد بالمذكرة الرسمية من أن سند الوكالة ذاته يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، ودون أن يكشف عن وجه مخالفته لهذا الاستنتاج الرسمي أو عن دليل مستقل أقوى يثبت عكسه، فإنه يكون قد أقام النتيجة على استدلال غير مكتمل، وقام بطرح دليل جوهري بغير مسوغ سائغ.
ولا سيما أن المسألة ليست مجرد مفاضلة بين دليلين متساويين في الدلالة، وإنما تتعلق بمحرر رسمي سابق على الواقعة، ومذكرة رسمية لاحقة متصلة به، في مواجهة أقوال أو استنتاجات يراد بها استخلاص قيد على نطاق الوكالة. ومن ثم كان لزاماً أن يكشف الحكم عن مصدر هذا القيد وأساسه، وأن يبين لماذا رأى أن التوكيل لا يمتد إلى التصرف محل الاتهام رغم ما ورد فيه وما انتهت إليه الجهة المختصة بالتوثيق.
وإذا كان هذا الدليل الجوهري ينهض – على أقل تقدير – لإثارة شك جدي في الأساس الذي بني عليه القول بانتفاء سلطة المتهم الأول، فإن بقاء هذا الشك قائماً يحول دون استخلاص الإدانة بطريق الجزم واليقين، ولا سيما في جريمة يتعين فيها تحديد فعل تغيير الحقيقة تحديداً دقيقاً، وإسناده إلى المتهم على نحو يقيني، وعدم الاكتفاء بافتراض أن التوقيع قد صدر بغير سلطة لمجرد قيام منازعة حول آثار التصرف أو مدى رضا الأصيل عنه.
ومن ثم يكون الحكم المعارض فيه، بإهداره الدلالة الجوهرية للمذكرة الرسمية دون بيان سائغ لسبب طرحها، ودون بيان وجه مخالفة ما انتهت إليه بشأن نطاق الوكالة، قد شابه فساد في الاستدلال وقصور في التسبيب وأخل بحق المتهم الأول في دفاع جوهري، بما يستوجب إعادة النظر في الأساس الذي أقيمت عليه الإدانة، والقضاء ببراءة المتهم الأول متى لم يقم في الأوراق من الدليل المستقل ما يثبت على وجه اليقين ارتكابه فعلاً مادياً من أفعال تغيير الحقيقة.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على فساد استدلال الحكم المعارض فيه وإهداره دلالة دليل رسمي جوهري متصل مباشرة بأساس الاتهام، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع بأي وجه من الوجوه عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع السادس والثلاثون: انتفاء القصد الجنائي لجريمة التزوير، لثبوت مباشرة المتهم الأول للتصرف استنادًا إلى توكيل رسمي قائم، وثبوت اعتقاده بقيام صفته التمثيلية ومشروعية استعمال سند النيابة، فضلاً عما انتهت إليه الجهة المختصة لاحقًا من صحة نطاق الوكالة بالنسبة للتصرف محل الاتهام
يتمسك المتهم الأول بانتفاء القصد الجنائي اللازم لقيام جريمة التزوير، ذلك أن الثابت من ظروف الواقعة وملابساتها، ومن المستندات الرسمية القائمة بالأوراق، أنه لم يباشر التصرف محل الاتهام مدفوعاً بعلمٍ بأنه يغير الحقيقة أو يتصرف بغير صفة، وإنما باشره استناداً إلى توكيل رسمي قائم وقت مباشرة التصرف، وباعتقاد جدي ومستند إلى سبب موضوعي في قيام صفته التمثيلية وصحة استعماله لسند النيابة في حدود ما خوله له.
فالثابت أن المتهم الأول لم يتخذ لنفسه صفة غير حقيقية، ولم يقدم نفسه باعتباره صاحبة الشأن، ولم يخفِ عن الجهة التي تم أمامها التصرف أنه يوقع نيابة عنها، وإنما أعلن عن صفته صراحةً باعتباره وكيلاً، واستند في مباشرته للتوقيع إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو سند رسمي سابق على الواقعة، كان قائماً وغير ملغى وقت مباشرة التصرف محل الاتهام.
وهذه الملابسات لا تكشف فقط عن مصدر السلطة التي استند إليها المتهم الأول، وإنما تكشف كذلك عن حالته الذهنية وقت مباشرة التصرف؛ إذ إن من يستند إلى سند وكالة رسمي قائم، ويباشر التصرف علانية بصفته وكيلاً، ويقدم سند صفته إلى الجهة المختصة، لا يستقيم افتراض علمه بأنه يرتكب تغييراً للحقيقة لمجرد أن الأصيل نازع لاحقاً في نطاق الوكالة أو اعترض على الأثر الذي ترتب على التصرف.
ذلك أن القصد الجنائي في جريمة التزوير لا يستفاد من مجرد وقوع التصرف أو من مجرد المنازعة اللاحقة في صحته، وإنما يتعين أن يقوم الدليل على علم المتهم بتغيير الحقيقة واتجاه إرادته إلى إحداث هذا التغيير على النحو المؤثم قانوناً. أما إذا كانت ظروف الواقعة تكشف عن اعتقاد المتهم، لأسباب موضوعية لها أصل ثابت بالأوراق، بأنه يباشر التصرف في حدود سلطة تمثيلية قائمة، فإن مجرد الاختلاف اللاحق حول مدى اتساع هذه السلطة لا يكفي بذاته لإثبات العلم الجنائي بتغيير الحقيقة.
والأمر في الدعوى الماثلة يتجاوز مجرد الاعتقاد الشخصي المجرد للمتهم الأول؛ إذ إن مصدر اعتقاده بقيام صفته التمثيلية كان سنداً رسمياً قائماً وقت التوقيع، ولم يكن قد صدر بشأنه إلغاء قبل مباشرة التصرف، كما أن نطاقه لم يكن أمراً خفياً أو مستخلصاً من قول شفهي، وإنما كان ثابتاً في محرر رسمي يمكن الرجوع إليه وفحص عباراته للوقوف على حدود السلطة المستمدة منه.
ويزداد هذا المعنى قوة بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن التوكيل قد أُلغي بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وإذا كانت الجهة الرسمية المختصة قد انتهت لاحقاً، بعد فحص سند الوكالة والتصرف، إلى أن نطاق الوكالة يمتد إلى التصرف محل الاتهام، فإن هذه النتيجة لا تنشئ للمتهم الأول عذراً مصطنعاً بعد وقوع الواقعة، وإنما تكشف عن أن فهمه لنطاق سلطته وقت مباشرة التصرف كان له أساس موضوعي جدي، وأن اعتقاده بقيام صفته التمثيلية لم يكن اعتقاداً وهمياً مجرداً أو ذريعة اختلقها لاحقاً للتخلص من المسؤولية الجنائية.
ولا يُشترط – بطبيعة الحال – أن تكون الجهة التي انتهت لاحقاً إلى صحة نطاق الوكالة قد أصدرت حكماً قضائياً فاصلاً في المسؤولية الجنائية حتى يكون لما انتهت إليه أثر في تقدير القصد الجنائي؛ فالمسألة المطروحة هنا ليست منح تلك المذكرة حجية قضائية في الإدانة أو البراءة، وإنما استخلاص دلالتها كعنصر موضوعي من عناصر الواقعة يكشف عن مدى معقولية اعتقاد المتهم الأول وقت التصرف في قيام سلطته، وهو أمر يتصل اتصالاً مباشراً باستظهار العلم الجنائي من عدمه.
كما أن إلغاء التوكيل في تاريخ لاحق على مباشرة التصرف لا يصلح بذاته دليلاً على توافر القصد الجنائي وقت التوقيع، ولا يجوز استخلاص العلم السابق من واقعة لاحقة عليه دون دليل مستقل يثبت أن المتهم الأول كان يعلم، وقت مباشرته للتصرف، بزوال سلطته أو بعدم امتدادها إلى التصرف محل الاتهام. فالعبرة في تقدير القصد الجنائي تكون بالحالة الذهنية القائمة وقت ارتكاب الفعل، ولا يجوز إنشاء هذه الحالة بأثر رجعي من وقائع حدثت بعد تمام التصرف.
ولا يغير من ذلك ما قد يثار من أن صاحبة الشأن لم تكن راضية عن مضمون التعديل أو عن الأثر الذي ترتب عليه، إذ إن عدم الرضا اللاحق أو المنازعة في آثار التصرف لا يساوي بذاته علماً جنائياً بالتزوير، ولا يثبت أن المتهم الأول كان يعلم أنه يغير الحقيقة وقت توقيعه. بل إن مباشرة التصرف علناً وبصفته وكيلاً، والاستناد إلى سند وكالة رسمي قائم، يتفق – من الناحية الموضوعية – مع اعتقاد المتهم بقيام صفته ومشروعية مباشرته للتصرف.
كما لا يجوز الخلط بين أمرين مختلفين: أولهما أن يثبت أن المتهم قد باشر فعلاً تصرفاً لم يكن الأصيل يرغب في إتمامه أو نازع لاحقاً في مدى سلطة الوكيل في مباشرته، وثانيهما أن يثبت أن المتهم كان يعلم، لحظة مباشرته للتصرف، أنه يغير الحقيقة في محرر وأن إرادته اتجهت إلى استعمال هذا التغيير على نحو مؤثم. فالأول – على فرض ثبوته – لا يستلزم الثاني حتماً، ولا يجوز أن يستخلص منه القصد الجنائي بطريق اللزوم المنطقي دون دليل إضافي.
والثابت أن الأوراق لا تقدم دليلاً مستقلاً يقينياً يكشف عن علم المتهم الأول، وقت التوقيع، بأن سلطته قد انتفت أو أنها لا تمتد إلى التصرف محل الاتهام، بل إن الثابت على العكس وجود سند رسمي قائم، وإفصاح المتهم عن صفته التمثيلية، ومباشرته التصرف في إطار الإجراءات الرسمية، ثم صدور مذكرة رسمية لاحقة تؤيد امتداد نطاق الوكالة إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
ومن ثم، فإن محاولة استخلاص القصد الجنائي من مجرد النتيجة التي ترتبت على التصرف، أو من مجرد اعتراض الأصيل عليه، أو من الإلغاء اللاحق للوكالة، تكون استخلاصاً غير سائغ؛ لأنها تفترض العلم بدلاً من أن تثبته، وتخلط بين المنازعة في نطاق السلطة وبين العلم بتغيير الحقيقة، وبين عدم الرضا بالتصرف وبين القصد الجنائي لجريمة التزوير.
بل إن وجود التوكيل الرسمي ذاته يفرض على من يتمسك بقيام القصد الجنائي أن يثبت فوق ذلك أن المتهم الأول كان يعلم، رغم وجود هذا السند الرسمي القائم، أن ما يباشره يمثل تغييراً للحقيقة وأن سلطته لا تمتد إليه، وأن إرادته اتجهت رغم هذا العلم إلى إحداث التغيير واستعمال المحرر على هذا الأساس. أما مجرد القول بأن المحكمة أو أحد أطراف العلاقة قد فسر نطاق الوكالة على نحو مغاير، فلا يكفي بذاته لإثبات الحالة الذهنية الجنائية للمتهم وقت مباشرة التصرف.
وإذا كان نطاق الوكالة ذاته قد كان محل فحص من الجهة الرسمية المختصة وانتهت إلى امتداده إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن ذلك يعضد بصورة جوهرية انتفاء العلم الجنائي، ويؤكد أن المسألة لم تكن من قبيل استعمال سند يعلم المتهم أنه مزور أو منعدم أو منتهي الصلاحية، وإنما كانت تتعلق بمدى تطبيق سلطة ثابتة في محرر رسمي على تصرف معين، وهو خلاف لا يكفي وحده لاستخلاص القصد الجنائي الخاص اللازم لجريمة التزوير.
ومتى كان القصد الجنائي لا يفترض، وكان استخلاصه يتعين أن يقوم على عناصر واقعية سائغة تؤدي إليه، وكانت الأوراق قد قامت فيها أسباب موضوعية جدية تبرر اعتقاد المتهم الأول بقيام صفته التمثيلية ومشروعية استعماله لسند الوكالة، فإن الشك في توافر العلم الجنائي يظل قائماً، ولا يجوز إقامة الإدانة على مجرد الافتراض أو الاستنتاج الاحتمالي.
ومن ثم، فإن الثابت بالأوراق لا يكشف عن متهم قصد تغيير الحقيقة وهو يعلم أنها غير صحيحة، وإنما عن وكيل باشر تصرفاً استناداً إلى توكيل رسمي قائم، وأعلن صفته التمثيلية، ولم يكن التوكيل قد أُلغي وقت مباشرته للتصرف، ثم جاءت الجهة الرسمية المختصة لاحقاً لتقرر – بعد فحص سند الوكالة والتصرف – أن نطاق الوكالة يشمل التوقيع على تعديل الشركات وما يتصل بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
وإذ انتفى الدليل اليقيني على علم المتهم الأول بتغيير الحقيقة واتجاه إرادته إلى إحداثه، وانتفت بالتالي إحدى الدعائم الجوهرية للقصد الجنائي، فإن جريمة التزوير لا تكون قد استكملت أركانها في حقه، ويغدو القضاء ببراءته هو النتيجة التي تتفق مع أصل البراءة ومع وجوب بناء الإدانة على اليقين لا على الظن والاحتمال.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على انتفاء القصد الجنائي لجريمة التزوير، لثبوت مباشرته التصرف استناداً إلى توكيل رسمي قائم، وثبوت اعتقاده بقيام صفته التمثيلية ومشروعية استعمال سند النيابة، فضلاً عما انتهت إليه الجهة المختصة لاحقاً من صحة نطاق الوكالة بالنسبة للتصرف محل الاتهام، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم اعتبار هذا الدفع أو ما سبقه من أوجه الدفاع الموضوعي تنازلاً أو عدولاً عن أي منها.
.
الدفع السابع والثلاثون: انتفاء نية انتحال صفة الأصيل أو اصطناع مركز قانوني غير موجود، لثبوت ظهور المتهم الأول في المحررات بصفته وكيلاً عن الأصيل واستناده صراحةً إلى التوكيل الرسمي سنداً لسلطته في التوقيع
يتمسك المتهم الأول بانتفاء القصد الجنائي في صورة انتحال صفة الأصيل أو اصطناع مركز قانوني غير موجود، ذلك أن الثابت من المحررات محل الاتهام ذاتها أنه لم يظهر فيها باعتباره الأصيل، ولم ينسب إلى نفسه صفة صاحبة الشأن، ولم يسعَ إلى إخفاء شخصيته أو طمس صفته الحقيقية، وإنما ظهر صراحةً بصفته وكيلاً عنها، وأثبت صفته التمثيلية واستند إلى سند الوكالة الرسمي الذي كان قائماً وقت مباشرة التصرف.
وهذه الحقيقة الثابتة بالمحرر ذاته تهدم من أساسها التصوير الذي يفترض أن المتهم الأول قد انتحل شخصية الأصيل أو اصطنع لنفسه مركزاً قانونياً لا وجود له؛ إذ إن من يتعمد انتحال صفة شخص آخر إنما يتجه سلوكه – في الأصل – إلى إيهام الغير بأنه ذلك الشخص أو أنه يملك صفته، بينما الثابت في الواقعة الماثلة أن المتهم الأول أعلن على نحو ظاهر ومحدد أنه يتصرف بصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، وربط مباشرته للتوقيع بسند وكالة رسمي محدد.
ولم تكن صفة الوكالة مجرد قول عارض صدر من المتهم الأول في مرحلة لاحقة دفاعاً عن نفسه، وإنما كانت جزءاً من الكيفية التي صدر بها التصرف ذاته؛ فقد وقع المتهم الأول على المحرر بصفته التمثيلية، وأفصح عن مصدر سلطته، واستند إلى التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو ما يجعل مركزه في التصرف مركزاً تمثيلياً معلناً لا مركزاً مصطنعاً أو مستتراً.
ومن ثم، فإن مجرد مباشرة المتهم الأول للتوقيع نيابة عن صاحبة الشأن لا يمكن أن يتحول بذاته إلى انتحال لصفاتها، طالما أنه لم يقدم نفسه باعتباره الأصيل، وإنما باشر التصرف باسمها ولحسابها وبصفته نائباً عنها، وعلى سند وكالة رسمية قائمة وقت التوقيع. والفارق هنا جوهري بين مباشرة التصرف باسم الغير بناءً على سند نيابة وبين انتحال شخصية الغير دون سند؛ ولا يجوز الخلط بين الصورتين وإسباغ الوصف الجنائي على الأولى لمجرد قيام منازعة لاحقة حول مدى استعمال الوكالة أو حدود السلطة المستمدة منها.
ويتعزز ذلك بما ثبت رسمياً من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 كان قائماً وقت مباشرة التصرف، وأن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل انتهت – في الملف رقم 134 لسنة 2026 وبعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – إلى أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
ولا تنشئ هذه المذكرة الرسمية بذاتها مركزاً قانونياً جديداً للمتهم الأول، وإنما تكشف عن دلالة سند وكالة قائم سابقاً على التصرف، وتؤيد – من الناحية الرسمية – أن استناد المتهم الأول إلى الوكالة لم يكن استناداً إلى محرر لا أصل له أو إلى سلطة مختلقة، وإنما إلى سند رسمي كان قائماً وموجوداً بالفعل وقت مباشرة التوقيع.
ومن ثم، فإن واقعة وجود التوكيل الرسمي لا تمثل مجرد قرينة دفاعية هامشية، وإنما تمس جوهر التصوير الجنائي ذاته؛ إذ يستحيل منطقيًا أن يستند المتهم الأول في مواجهة الجهة المختصة إلى سند وكالة رسمي قائم، ويثبت صفته كوكيل في المحرر، ثم يقال في الوقت ذاته إنه قصد إيهام الغير بأنه الأصيل أو أنه اصطنع لنفسه مركزاً قانونياً لا وجود له، ما لم يقدم الاتهام دليلاً مستقلاً يثبت أنه أخفى حقيقة صفته أو تعمد تقديم نفسه على خلافها، وهو ما لا يكفي فيه مجرد القول بوجود خلاف لاحق حول حدود الوكالة.
كما أن مجرد المنازعة في مدى اتساع سلطة الوكيل لا تساوي في ذاتها انتحالاً للصفة؛ فحتى على فرض قيام خلاف حول ما إذا كان التصرف محل الاتهام يدخل في نطاق الوكالة أم يجاوزها، فإن هذا الخلاف يظل – من حيث الأصل – متعلقاً بمدى استعمال سلطة تمثيلية قائمة، وليس دليلاً تلقائياً على أن الوكيل قد انتحل شخصية الأصيل أو ادعى لنفسه مركزاً قانونياً غير موجود. ولا ينتقل هذا الخلاف إلى دائرة التجريم إلا إذا ثبتت عناصر الفعل الجنائي المستقل الذي يتطلبه النص، وعلى رأسها الفعل المادي المؤثم والقصد الجنائي اللازم له.
والثابت كذلك أن المتهم الأول لم يتخذ من التوكيل الرسمي ستاراً لإخفاء شخصيته، بل على العكس تماماً، فقد ظهر باسمه وصفته كوكيل، وربط توقيعه بسند الوكالة، وهو ما يتعارض مع السلوك الذي يفترضه قصد الانتحال؛ إذ إن الإعلان الصريح عن الصفة التمثيلية يمثل واقعة مادية مناقضة لفكرة إيهام الغير بأن الموقع هو الأصيل ذاته.
كما أن القول باصطناع «مركز قانوني غير موجود» لا يستقيم مع الثابت من وجود أصل قانوني سابق على التصرف يتمثل في سند الوكالة الرسمي. فالمركز التمثيلي للمتهم الأول لم يكن وليد المحرر محل الاتهام، وإنما كان مصدره سند وكالة مستقل سابق عليه، قائماً وقت مباشرة التصرف. ومن ثم، فإن توقيع المتهم الأول على عقد التعديل لم يكن هو المنشئ من العدم لصفته كوكيل، وإنما كان استعمالاً – بحسب ظاهر المستندات – لصفة تمثيلية قائمة ومستندة إلى محرر رسمي.
ولا يغير من ذلك أن صاحبة الشأن قد قامت لاحقاً بإلغاء التوكيل؛ إذ إن الإلغاء اللاحق لا يمحو وجود الوكالة وقت استعمالها، ولا يحول بأثر رجعي المركز التمثيلي الذي كان قائماً عند مباشرة التصرف إلى مركز وهمي لم يكن له وجود. كما لا يجوز أن يستخلص من واقعة الإلغاء اللاحقة وحدها أن المتهم الأول كان يعلم وقت التوقيع أنه لا يملك الصفة أو أنه كان ينتحلها، ما دام سند الوكالة كان قائماً في ذلك الوقت ولم يثبت زواله قبل مباشرة التصرف.
ومن ناحية القصد الجنائي، فإن مجرد العلم بأن التصرف سيترتب عليه أثر قانوني لا يعني العلم بأن المتهم ينتحل صفة الأصيل، كما أن مجرد إدراكه لمضمون التصرف لا يعني اتجاه إرادته إلى اصطناع مركز قانوني غير موجود. فالقصد الجنائي يجب أن يستخلص من وقائع ثابتة تكشف عن اتجاه الإرادة إلى ارتكاب الفعل المؤثم، ولا يجوز افتراضه من مجرد النتيجة التي ترتبت على استعمال الوكالة أو من مجرد نشوء منازعة لاحقة بشأن آثار التصرف.
وإذا كانت الأوراق قد أثبتت أن المتهم الأول قد تعامل مع الجهة المختصة باسمه الحقيقي، وأعلن صفته كوكيل، وقدم سند الوكالة الذي استند إليه، فإن هذه الوقائع الموضوعية تتجه في دلالتها إلى إثبات أنه كان يمارس دوراً تمثيلياً معلناً، لا أنه كان يسعى إلى محو شخصيته أو الحلول سراً محل الأصيل لإيهام الغير بأنه هو صاحب الصفة الأصلية.
ومن ثم، فإن نسبة قصد انتحال صفة الأصيل إلى المتهم الأول تظل مجرد افتراض لا يسانده سلوك مادي ثابت، بل يناقضه الثابت بالمحررات ذاتها؛ كما أن نسبة قصد اصطناع مركز قانوني غير موجود إليه تصطدم بوجود سند وكالة رسمي سابق على التصرف، قائم وقت التوقيع، ثبت رسمياً امتداد نطاقه – بحسب ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق – إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وما يتصل بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
وإذ كان الأصل أن القصد الجنائي لا يفترض، وأن استخلاصه يجب أن يقوم على وقائع وأدلة تؤدي إليه، وكان الثابت أن المتهم الأول قد أفصح عن صفته كوكيل ولم ينتحل شخصية الأصيل، واستند إلى توكيل رسمي قائم ولم يصطنع سنداً للوكالة من العدم، فإن أحد التصورات الجوهرية التي يمكن أن يقوم عليها الاتهام – وهي نية الانتحال أو اصطناع المركز القانوني – تنتفي في حقه، أو على الأقل لا ينهض عليها دليل يقيني يصلح لحمل قضاء بالإدانة.
وبناءً عليه، فإن ثبوت ظهور المتهم الأول في المحررات بصفته وكيلاً، وإفصاحه عن مصدر سلطته، واستناده إلى التوكيل الرسمي القائم وقت التصرف، وثبوت امتداد نطاق ذلك التوكيل إلى التصرف محل الاتهام وفقاً لما انتهت إليه الجهة الرسمية المختصة، جميعها وقائع تقطع بانهيار التصوير القائل بأنه انتحل صفة الأصيل أو اصطنع لنفسه مركزاً قانونياً غير موجود، وتؤكد انتفاء القصد الجنائي اللازم لهذه الصورة من صور الاتهام، بما يتعين معه القضاء ببراءته مما أسند إليه، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع تنازلاً أو عدولاً عن أي منها.
الدفع الثامن والثلاثون: عدم كفاية مجرد وقوع أثر اقتصادي أو قانوني على حصة الأصيل لإثبات جريمة التزوير، ووجوب التمييز بين الضرر أو النزاع بشأن آثار التصرف وبين الركن المادي المتمثل في تغيير الحقيقة في المحرر بإحدى الطرق المعاقب عليها قانونًا
يتمسك المتهم الأول بأن مجرد ترتب أثر اقتصادي أو قانوني على حصة الأصيل نتيجة التصرف محل الاتهام لا يصلح، بذاته أو بمجرده، دليلاً على وقوع جريمة تزوير، ولا يغني عن وجوب إثبات الركن المادي للجريمة إثباتاً مستقلاً ويقينياً، ذلك أن ثبوت أن حصة أحد الشركاء قد انخفضت أو أن حصة شريك آخر قد زادت إنما يكشف – في أقصى مداه – عن النتيجة التي ترتبت على التعديل محل المنازعة، ولا يثبت بذاته أن حقيقة مادية قد جرى تغييرها في المحرر بإحدى الطرق التي عاقب عليها القانون.
فثمة فارق جوهري بين الأثر الذي ترتب على التصرف وبين الفعل الجنائي الذي يُدعى أنه أوجد هذا الأثر بطريق التزوير؛ إذ لا يجوز الانتقال مباشرة من ثبوت النتيجة الاقتصادية أو القانونية إلى افتراض أن الطريق الذي أفضى إليها كان طريقاً إجرامياً، وإلا انقلبت النتيجة إلى دليل على سببها دون إثبات مستقل لذلك السبب.
والأصل أن جريمة التزوير لا تقوم لمجرد أن محرراً قد رتب أثراً قانونياً أو مالياً، ولا لمجرد أن أحد أطراف العلاقة قد أصابه من التصرف أثر ضار أو غير مرغوب فيه، وإنما مناطها أن يثبت أن حقيقة معينة كانت ثابتة أو واجبة الإثبات في المحرر، ثم تعمد المتهم تغييرها بإحدى الوسائل التي تتحقق بها الجريمة، على نحو من شأنه أن يرتب ضرراً، مع توافر القصد الجنائي اللازم لذلك.
ومن ثم، فإن القول بأن تعديل عقد الشركة أدى إلى انخفاض حصة الأصيل من مبلغ معين إلى مبلغ آخر، أو إلى زيادة حصة شريك آخر، لا يثبت – في ذاته – أن المتهم الأول قد زوّر عقد التعديل، إذ يظل واجباً تحديد الحقيقة التي كانت قائمة قبل التعديل، والحقيقة التي قيل إن المحرر أثبتها على خلافها، والفعل المادي الذي أحدث هذا التغيير، والطريقة التي تم بها، والدليل الذي يقطع بنسبة هذا الفعل إلى المتهم الأول.
وهذا التمييز تزداد أهميته في الدعوى الماثلة، ذلك أن المتهم الأول لم يباشر التوقيع محل الاتهام خفية أو منتحلاً شخصية الأصيل، وإنما وقع بصفته وكيلاً عنها، مستنداً إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو توكيل كان قائماً وقت مباشرة التصرف، وقد ثبت رسمياً – بحسب ما انتهت إليه مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 – امتداد سلطته إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات، وإلى الإجراءات المتعلقة بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
ومن ثم، فإن وجود أثر اقتصادي أو قانوني للتعديل على حصة الأصيل لا يغير من طبيعة السؤال الجنائي الذي يتعين الإجابة عنه، وهو: هل ثبت أن المتهم الأول أحدث في المحرر تغييراً للحقيقة بإحدى الطرق التي تشكل تزويراً، أم أن الثابت فقط أن تصرفاً صدر ممن كان يحمل سند وكالة قائماً وقت مباشرته؟
فإذا لم يثبت الفعل المادي لتغيير الحقيقة، فلا يجوز أن يُستعاض عنه بالنتيجة التي ترتبت على التصرف؛ لأن النتيجة ليست هي فعل التزوير، كما أن الضرر – ولو افترض قيامه أو إمكان وقوعه – لا ينشئ بذاته الركن المادي للجريمة ولا يعفي سلطة الاتهام من إثبات واقعة تغيير الحقيقة ذاتها.
ولا يغير من ذلك القول بأن الضرر في جرائم التزوير قد يكون ضرراً محتملاً وليس بالضرورة ضرراً فعلياً محققاً، إذ إن التسليم بذلك لا يعني بحال أن مجرد احتمال الضرر أو وقوع أثر مالي أو قانوني يكفي وحده لقيام الجريمة؛ فالضرر المحتمل إنما يستمد أهميته من كونه نتيجة محتملة لتغيير الحقيقة الذي ثبت وقوعه أولاً، وليس بديلاً عن إثبات هذا التغيير. وبعبارة أخرى، الضرر المحتمل قد يكفي حيث يثبت التزوير، لكنه لا يثبت التزوير حيث لا يثبت تغيير الحقيقة.
كما لا يجوز الخلط بين المنازعة في صحة التصرف أو مدى نفاذه أو آثاره وبين الجريمة ذاتها؛ فقد يكون ثمة خلاف مدني أو تجاري حول مدى استعمال الوكالة أو حدود آثار التعديل أو مدى موافقة الأصيل على التصرف، إلا أن هذا الخلاف لا يتحول تلقائياً إلى جريمة تزوير ما لم يقم الدليل على أن المتهم قد ارتكب فعلاً مادياً مؤثماً تمثل في تغيير الحقيقة في المحرر.
والأمر في الدعوى الماثلة لا يقف عند مجرد وجود وكالة، وإنما يتصل كذلك بما ثبت رسمياً من نطاقها؛ إذ إن مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل انتهت – بعد فحص سند الوكالة – إلى أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، كما أثبتت أن إلغاء التوكيل جاء لاحقاً على التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة. ومن ثم فإن الأثر الاقتصادي الذي ترتب على التعديل لا يمكن أن يُتخذ بذاته دليلاً على أن التوقيع كان مزوراً، في ظل قيام سند النيابة وقت التصرف وثبوت امتداده – وفقاً للمذكرة الرسمية – إلى نوع التصرف محل الاتهام.
وإذا كان الاتهام قد استند في جوهره إلى أن انخفاض حصة الأصيل وزيادة حصة شريك آخر يمثلان دليلاً على التزوير، فإن هذا الاستدلال يخلط بين إثبات وجود التصرف ومضمونه وبين إثبات أن هذا التصرف قد نشأ عن محرر مزور. فالأول يثبت أن تعديلاً قد وقع، أما الثاني فيحتاج إلى دليل مستقل على أن الحقيقة قد تم تغييرها بطريق من طرق التزوير، وهو ما لا يجوز افتراضه من مجرد النتيجة.
كما أن ثبوت الضرر أو احتمال وقوعه لا يؤدي إلى إسناد الفعل إلى المتهم الأول ما لم يثبت أولاً أنه هو الذي ارتكب فعل تغيير الحقيقة، إذ إن عناصر الجريمة يجب أن تثبت في مواجهة المتهم ذاته، ولا يكفي أن يكون قد ترتب على تصرف محل المنازعة أثر اقتصادي أو قانوني حتى يُفترض أنه ارتكب تزويراً.
ويترتب على ذلك أن المحكمة، وهي بصدد الفصل في الاتهام، يتعين عليها أن تفصل بين ثلاثة أمور مستقلة لا يجوز دمجها في استدلال واحد: أولها، وجود التصرف والأثر الذي رتبه؛ وثانيها، مدى صحة التصرف أو نفاذه أو حدود سلطة الوكيل في إبرامه؛ وثالثها، وقوع فعل جنائي مستقل يتمثل في تغيير الحقيقة في محرر بإحدى الطرق المعاقب عليها قانوناً. ولا يجوز إثبات العنصر الثالث بمجرد إثبات العنصر الأول أو الثاني.
وعليه، فإن القول بوقوع أثر مالي أو قانوني على حصة الأصيل قد يكون محلاً للمناقشة في نطاق صحة التصرف أو آثاره، ولكنه لا يكفي وحده لإثبات جريمة التزوير، ولا سيما مع قيام محرر وكالة رسمي سابق على التصرف، وصدور التوقيع من المتهم الأول بصفته وكيلاً، وثبوت امتداد نطاق الوكالة – وفقاً للمذكرة الرسمية المشار إليها – إلى تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
وإذ لم يثبت في حق المتهم الأول فعل مادي مستقل ومحدد لتغيير الحقيقة في المحررات محل الاتهام، ولم يثبت أن الأثر الاقتصادي أو القانوني الذي ترتب على التعديل كان وليد اصطناع أو تقليد أو انتحال صفة أو أي وسيلة أخرى من وسائل التزوير المنصوص عليها قانوناً، فإن مجرد الاستناد إلى ذلك الأثر لا يصلح لحمل قضاء بالإدانة، ولا يغني عن إقامة الدليل اليقيني على الركن المادي للجريمة.
ومن ثم، يكون الاستدلال بالنتيجة الاقتصادية أو القانونية للتعديل على وقوع التزوير استدلالاً غير منتج في إثبات الركن المادي، قائماً على الخلط بين الضرر الناتج عن التصرف وبين تغيير الحقيقة الذي يشكل الفعل الجنائي، وهو خلط لا يستقيم معه إسناد جريمة التزوير إلى المتهم الأول.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على عدم كفاية مجرد وقوع أثر اقتصادي أو قانوني على حصة الأصيل لإثبات جريمة التزوير، وعدم ثبوت فعل مادي محدد لتغيير الحقيقة في المحررات محل الاتهام بإحدى الطرق المعاقب عليها قانوناً، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع بأي حال من الأحوال عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع التاسع والثلاثون: انتفاء الدليل اليقيني على تجاوز المتهم الأول حدود النيابة، متى ثبت رسميًا أن التوكيل يشمل أصلًا التوقيع على عقود تعديل الشركات، وثبت بالرأي الرسمي للإدارة العامة للتوثيق امتداد نطاقه إلى تقليل أو زيادة حصة الشريك
يتمسك المتهم الأول بانتفاء الدليل اليقيني على أنه قد جاوز حدود النيابة المخولة إليه، ذلك أن القول بالتجاوز لا يكفي فيه مجرد افتراض أن التصرف محل الاتهام لم يكن مراداً من الأصيل، أو الاستناد إلى تفسير لاحق لنطاق الوكالة، وإنما يتعين – حتى يمكن ترتيب أثر جنائي على هذا القول – أن يثبت على وجه واضح ومحدد أن العمل الذي باشره المتهم الأول يقع خارج الحدود التي رسمها سند الوكالة، وأنه كان يعلم بذلك وقت مباشرة التصرف، وأن ما صدر منه قد انطوى فوق ذلك على فعل مادي مؤثم من أفعال تغيير الحقيقة.
والثابت بالأوراق أن مصدر سلطة المتهم الأول لم يكن مجرد إذن شفهي أو تفويض عارض، وإنما كان يستند إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو محرر رسمي قائم وقت مباشرة التصرف محل الاتهام، وقد تضمن صراحة تخويل المتهم الأول القيام نيابة عن الموكل بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، ومنحه الحق في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، بما مؤداه أن أصل سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات ثابت بذات سند الوكالة، وليس مستخلصاً من أقوال المتهم أو من تفسير لاحق للواقعة.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فقد جاءت مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، لتقرر – بحسب الثابت بها – أن التوكيل العام المشار إليه «يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء بتقليل أو زيادة حصة الشركاء كما هو ثابت بالوكالة»، فضلاً عن إثباتها أن إلغاء التوكيل تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه النتيجة الرسمية لا تُنشئ للمتهم الأول سلطة لم تكن قائمة، وإنما تتعلق بتفسير نطاق سلطة ثابتة أصلاً في محرر رسمي سابق على التصرف، وتكتسب أهميتها من أنها صادرة عن الإدارة العامة للتوثيق، وبعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، ومن ثم فإنها تمثل دليلاً رسمياً جوهرياً لا يجوز إغفاله عند بحث مدى ثبوت واقعة التجاوز، حتى وإن ظلت المحكمة صاحبة السلطة في تقدير قيمتها في إطار مجموع أدلة الدعوى.
ومن ثم، فإن مجرد القول بأن المتهم الأول قد تجاوز حدود الوكالة لا يمكن أن يقوم مقام الدليل على هذا التجاوز، ولا سيما وأن التوكيل ذاته يتضمن سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات، وأن الجهة الإدارية المختصة بالتوثيق قد انتهت رسمياً إلى أن نطاق هذه السلطة يمتد إلى الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء. فإذا أراد الاتهام استخلاص أن التعديل محل الدعوى رغم دخوله في الإطار العام لعقود تعديل الشركات قد خرج تحديداً عن نطاق الوكالة، تعين عليه أن يحدد القيد الوارد في سند الوكالة الذي تم تجاوزه، وأن يبين وجه التجاوز تحديداً، وأساس استخلاصه، والدليل المستقل الذي يقطع به، لا أن يكتفي بمجرد القول بأن نتيجة التعديل لم تكن محل قبول من الأصيل.
ذلك أن التمييز واجب بين وجود سلطة النيابة وبين كيفية استعمال هذه السلطة؛ فإذا كان أصل سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات ثابتاً صراحة في التوكيل، فإن القول بخروج تعديل معين عن نطاق هذه السلطة يحتاج إلى بيان قانوني وواقعي محدد يفسر سبب هذا الخروج، ولا يجوز افتراضه لمجرد أن التعديل تناول حصص الشركاء. بل إن المذكرة الرسمية للإدارة العامة للتوثيق قد تناولت هذه النقطة تحديداً وانتهت إلى أن نطاق التوكيل يشمل الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء.
كما أن إلغاء التوكيل في تاريخ لاحق على مباشرة التصرف لا يصلح دليلاً على انتفاء السلطة وقت التوقيع، ولا يجوز أن يُحمّل واقعة سابقة أثراً جنائياً مستمداً من واقعة لاحقة عليها؛ إذ العبرة في تحديد ما إذا كان المتهم الأول قد باشر التصرف في نطاق النيابة من عدمه تكون بحالة سند الوكالة وسلطته في تاريخ مباشرة التصرف، لا بما طرأ عليه بعد ذلك من إلغاء أو إنهاء.
والأهم من ذلك أن ثبوت الوكالة واتساع نطاقها – على النحو المتقدم – يهدم أحد المسارات الأساسية التي يمكن أن يستند إليها القول بوجود تغيير للحقيقة في المحرر؛ ذلك أن التوقيع الذي يصدر من شخص بصفته وكيلاً، مستنداً إلى وكالة قائمة، لا يتحول بمجرد المنازعة اللاحقة في حدود استعمالها إلى توقيع مزور. فإذا كان ثمة خلاف حول مدى السلطة أو مدى موافقة الأصيل على استعمالها، فإن هذا الخلاف لا يغني عن إثبات الفعل المادي للتزوير، ولا يقوم بذاته مقام الدليل على تغيير الحقيقة.
ومن ثم، فإن القول بتجاوز حدود النيابة لا يجوز أن يتحول إلى قرينة مفترضة على وقوع التزوير، لأن كل عنصر من عناصر الجريمة يجب أن يثبت بدليله المستقل، ولا سيما أن الاتهام يتعلق بجريمة عمدية تستلزم ثبوت الفعل المادي والقصد الجنائي ثبوتاً يقينياً. ولا يكفي لذلك أن يثبت أن الأصيل قد اعترض على التصرف أو لم يقر بنتيجته، ما دام سند الوكالة قائماً وقت التصرف وقد تضمن سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات، وثبت بالرأي الرسمي للإدارة العامة للتوثيق امتداد هذه السلطة إلى تقليل أو زيادة حصة الشريك.
فإذا كان الاتهام قد عوّل على أقوال أو شهادات مؤداها أن المتهم الأول لم يكن مخولاً بإجراء تعديل حصص الشركاء، فإن هذه الأقوال لا بد أن تواجه بالمحرر الرسمي ذاته، وبالمعنى المستفاد منه، وبما انتهت إليه الجهة الرسمية المختصة بالتوثيق. ولا يكفي أن يطرح الدليل القولي باعتباره نتيجة تفسير شخصي لنطاق الوكالة دون بيان مصدر العلم بهذا التفسير، أو أساسه، أو سبب تفضيله على ما هو ثابت بالمحرر الرسمي وعلى النتيجة التي انتهت إليها الإدارة العامة للتوثيق بعد فحص سند الوكالة.
ولا ينال من ذلك أن المذكرة الرسمية للإدارة العامة للتوثيق ليست حكماً قضائياً فاصلاً في المسؤولية الجنائية، إذ إن المتهم الأول لا يتمسك بها باعتبارها حاسمة بذاتها في موضوع الاتهام، وإنما يتمسك بها باعتبارها دليلاً رسمياً جوهرياً مؤيداً للمعنى الذي يستفاد من سند الوكالة، ومؤكداً أن القول بانحصار السلطة وعدم امتدادها إلى تقليل أو زيادة حصص الشركاء ليس أمراً ثابتاً على نحو يقيني، بل هو محل تفسير رسمي انتهى إلى نتيجة مغايرة.
ومن ثم، فإن أقصى ما يمكن أن تثيره المنازعة – على فرض قيامها – هو خلاف حول مدى استعمال الوكالة وحدود أثر التصرف بالنسبة إلى الأصيل، أما تحويل هذا الخلاف إلى دليل على ارتكاب جريمة تزوير فيستلزم إثباتاً مستقلاً لفعل تغيير الحقيقة، وهو ما لا يتحقق بمجرد القول بالتجاوز، ولا بمجرد الاعتراض على التصرف، ولا بمجرد إلغاء الوكالة لاحقاً.
وإذ كان الأصل في المواد الجنائية أن الإدانة لا تُبنى إلا على أدلة تبلغ من القوة مبلغاً يقطع بثبوت الواقعة ونسبتها إلى المتهم، وكان الثابت في الدعوى وجود توكيل رسمي قائم وقت مباشرة التصرف، متضمناً سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات، وقد جاءت مذكرة الإدارة العامة للتوثيق لتؤكد امتداد نطاق هذه السلطة إلى تقليل أو زيادة حصة الشريك، فإن نسبة تجاوز حدود النيابة إلى المتهم الأول تظل بغير سند يقيني متى لم يقدم دليل محدد يثبت أن التصرف محل الاتهام خرج فعلاً عن نطاق السلطة الممنوحة له.
وبذلك ينهار الأساس الذي يمكن أن يُستند إليه في القول بأن المتهم الأول قد باشر التوقيع بغير صفة أو خارج حدود سلطته، وتظل واقعة صدور التوقيع منه بصفته وكيلاً وبموجب سند رسمي قائم هي الواقعة الثابتة بالمحررات الرسمية، بينما يبقى القول بالتجاوز مجرد استنتاج لا يكفي وحده لإقامة المسؤولية الجنائية.
وعليه، فإن انتفاء الدليل اليقيني على تجاوز المتهم الأول حدود النيابة، وثبوت قيام الوكالة وقت التصرف، وثبوت اشتمالها أصلاً على التوقيع على عقود تعديل الشركات، فضلاً عن ثبوت الرأي الرسمي للإدارة العامة للتوثيق بامتداد نطاقها إلى تقليل أو زيادة حصة الشريك، كل ذلك يحول دون استخلاص التجاوز استخلاصاً يقينياً، وينفي الأساس الذي أقيم عليه إسناد التزوير إليه، الأمر الذي يتعين معه القضاء ببراءته مما أسند إليه، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار هذا الدفاع بأي حال من الأحوال نزولاً أو تنازلاً عن أي منها.
.
الدفع الأربعون: فساد استدلال الحكم المعارض فيه حال استخلاصه عدم مشروعية توقيع المتهم الأول من مجرد اعتراض الأصيل على مضمون التصرف، دون استظهار ماهية القيد الذي جاوزه المتهم في سند النيابة، وما هو الفعل المادي الذي يمثل تغييرًا للحقيقة في المحرر
ينعى المتهم الأول على الحكم المعارض فيه فساده في الاستدلال وقصوره في التسبيب، إذ أقام قضاءه – بحسب ما يستفاد من مدوناته – على استخلاص عدم مشروعية التوقيع محل الاتهام من مجرد اعتراض الأصيل على مضمون التصرف والقول بعدم موافقته عليه، دون أن يستظهر الحكم استظهاراً سائغاً ومحدداً ماهية القيد الوارد في سند النيابة الذي جاوزه المتهم الأول، أو النص أو العبارة التي تحد من سلطته في التوقيع على عقود تعديل الشركات، أو وجه خروج التصرف محل الاتهام عن نطاق السلطة الثابتة له بموجب التوكيل الرسمي.
ذلك أن مناط القول بتجاوز الوكيل حدود وكالته لا يتحقق بمجرد ثبوت اعتراض الأصيل على التصرف بعد وقوعه، وإنما يقتضي أولاً تحديد نطاق السلطة التي منحها الأصيل لوكيله كما هي ثابتة في سند النيابة، ثم تحديد العمل الذي باشره الوكيل، ثم إجراء المقارنة القانونية بينهما، وصولاً إلى نتيجة محددة مؤداها أن هذا العمل بعينه يقع خارج نطاق السلطة الممنوحة. أما أن يستخلص الحكم انتفاء السلطة من مجرد عدم رضا الأصيل بالتصرف أو اعتراضه على آثاره، فذلك استبدال لواقعة لاحقة على التصرف بمصدر السلطة ذاته، وإقامة للنتيجة على غير مقدمتها القانونية.
والثابت بالأوراق أن المتهم الأول لم يباشر التوقيع محل الاتهام مستنداً إلى تفويض مجهول المصدر أو إلى إذن شفهي غير ثابت، وإنما استند إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو سند رسمي قائم وقت مباشرة التصرف، وقد تضمن تخويله القيام نيابة عن الموكل بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، وله الحق في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري.
ومن ثم، فإن مجرد إثبات اعتراض الأصيل على مضمون التعديل لا يكشف بذاته عن انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع، ولا يحدد القيد الذي خالفه، ولا يثبت أن التصرف كان خارجاً عن نطاق الوكالة. بل إن وجود سند الوكالة بهذه الصياغة كان يوجب على الحكم – قبل أن ينتهي إلى عدم مشروعية التوقيع – أن يستظهر مضمون السلطة الواردة فيه، وأن يحدد على وجه الدقة حدودها، ثم يبين تحديداً ما إذا كان التصرف محل الاتهام يقع داخلها أم خارجها، وأساس النتيجة التي انتهى إليها.
ويزداد الأمر وضوحاً في ضوء ما انتهت إليه مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي خلصت – بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
فإذا كان الحكم قد انتهى رغم ذلك إلى أن المتهم الأول لم تكن له سلطة التوقيع، فقد كان لزاماً عليه أن يبين تحديداً: ما هو القيد الذي استخلص وجوده في سند الوكالة؟ وأين ورد هذا القيد؟ وكيف ينطبق على التصرف محل الاتهام؟ وما هو وجه التعارض بين نص الوكالة وبين الإجراء الذي باشره المتهم الأول؟ ولماذا طرح الدلالة المستفادة من المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق؟ أما إغفال هذه العناصر والاكتفاء بالقول بأن الأصيل اعترض على التصرف، فلا يكشف عن مصدر النتيجة التي انتهى إليها الحكم ولا يحمل قضاءه على سند سائغ.
ذلك أن اعتراض الأصيل على التصرف – حتى مع التسليم بوقوعه وثبوته – يثبت واقعة الاعتراض ذاتها، لكنه لا يثبت بطريق اللزوم أن الوكيل لم يكن يملك سلطة إجرائه. فثمة فارق بين عدم رضا الأصيل بالتصرف وبين انعدام سلطة الوكيل في إبرامه، وفارق آخر بين انعدام السلطة وبين وقوع تزوير في المحرر. وهذه المراحل الثلاث لا يجوز للحكم أن يقفز بينها بغير بيان الدليل الذي يثبت كل مرحلة منها على استقلال.
كما أن النتيجة التي انتهى إليها الحكم لا تستقيم إذا كان قد اعتبر أن مجرد ترتب أثر اقتصادي أو قانوني على تعديل حصص الشركاء يدل بذاته على عدم مشروعية التوقيع؛ إذ إن الأثر المترتب على التصرف لا يحدد مصدر سلطة من باشره، ولا يكشف بذاته عن وقوع تغيير للحقيقة في المحرر. فحتى لو كان التعديل قد أدى إلى زيادة حصة شريك وانخفاض حصة شريك آخر، فإن ذلك يصف مضمون التصرف وأثره، ولا يثبت بذاته أن المتهم الأول قد زور المحرر أو غير حقيقة ثابتة فيه بطريق من طرق التزوير.
وكان يتعين على الحكم، إذا أراد تأسيس الإدانة على القول بتجاوز حدود النيابة، أن يحدد الواقعة المادية التي اعتبرها تجاوزاً، وأن يبين وجه خروجها عن نطاق الوكالة، ثم يبين كيف تحولت هذه الواقعة – فوق مجرد التجاوز المدني أو التمثيلي المفترض – إلى فعل من أفعال تغيير الحقيقة المؤثم جنائياً. أما ترك هذه الحلقات دون استظهار، والانتقال مباشرة من اعتراض الأصيل إلى عدم مشروعية التوقيع، ثم من عدم مشروعية التوقيع إلى ثبوت التزوير، فإنه يمثل خللاً في البناء المنطقي للاستدلال.
والأخطر من ذلك أن الحكم، بهذا المسلك، يكون قد افترض النتيجة التي كان يتعين عليه إثباتها؛ إذ اعتبر أن التوقيع غير مشروع لأن التصرف لم يكن مقبولاً من الأصيل، ثم استخلص من عدم مشروعية التوقيع وقوع التزوير، في حين أن الواقعة التي يتعين إثباتها جنائياً هي فعل تغيير الحقيقة ذاته. ولا يغني عن ذلك مجرد القول بأن الوكيل لم يكن مخولاً بالتصرف، ما لم يحدد الحكم مصدر هذا القيد ودليله، ثم يحدد الفعل المادي الذي وقع به التغيير.
ولا سيما أن المتهم الأول لم يخف صفته في مباشرة التصرف، ولم يقدم نفسه باعتباره الأصيل، وإنما وقع بصفته وكيلاً عنه، وهي واقعة جوهرية كان يتعين على الحكم أن يزن دلالتها في تحديد حقيقة الفعل المادي المنسوب إليه. فإذا كان التوقيع قد صدر من المتهم الأول شخصياً ومعلناً عن صفته كوكيل، وكان سند الوكالة قائماً وقت التصرف، فإن القول بأن هذا التوقيع يمثل تزويراً يقتضي بياناً إضافياً ودليلاً مستقلاً يثبت كيف غُيرت الحقيقة في المحرر، لا أن يُستخلص التزوير من مجرد المنازعة في مدى موافقة الأصيل على التصرف.
ولا ينال من ذلك أن المحكمة الجنائية لها سلطة تقدير الأدلة واستخلاص الصورة الصحيحة للواقعة، إذ إن هذه السلطة لا تعفيها من واجب أن يكون استخلاصها سائغاً ومؤدياً إلى النتيجة التي انتهت إليها، ولا تجيز لها أن تستبدل بالدليل على الواقعة الجنائية مجرد افتراضات لا تؤدي إليها بطريق اللزوم. فإذا كان الدليل لا يجاوز إثبات اعتراض الأصيل على مضمون التصرف، فلا يجوز أن يُحمّل هذا الدليل أكثر مما يحتمل، فيُجعل منه دليلاً على انعدام السلطة، ثم دليلاً على تغيير الحقيقة، ثم أساساً للإدانة بالتزوير.
كما أن وجود المذكرة الرسمية للإدارة العامة للتوثيق يضاعف من أهمية هذا العيب في الاستدلال؛ إذ إنها لم تكن مجرد ورقة ثانوية تتصل بواقعة بعيدة عن موضوع الاتهام، وإنما تناولت تحديداً سند الوكالة محل الاستناد، وانتهت إلى أن نطاقه يشمل التوقيع على عقود تعديل الشركات والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء. ومن ثم، فإن طرح دلالتها – إن كان الحكم قد طرحها – كان يقتضي بياناً سائغاً لأسباب عدم الأخذ بها، لا مجرد تجاوزها أو الاكتفاء بنتيجة مخالفة لها.
وبذلك يكون الحكم المعارض فيه قد خلط بين ثلاثة أمور مستقلة: مدى رضا الأصيل عن التصرف، ومدى سلطة الوكيل في مباشرة التصرف، ووقوع فعل مادي من أفعال التزوير؛ مع أن كل واحد منها يحتاج إلى دليل مستقل وتكييف قانوني خاص. فالاعتراض على التصرف لا يثبت بذاته انعدام السلطة، وانعدام السلطة – على فرض ثبوته – لا يثبت بذاته وقوع تزوير، وإنما يلزم فوق ذلك إثبات فعل تغيير الحقيقة في محرر على النحو الذي تتطلبه الجريمة.
وإذ لم يستظهر الحكم ماهية القيد الذي جاوزه المتهم الأول في سند النيابة، ولم يبين موضع هذا القيد ومصدره، ولم يحدد الفعل المادي الذي اعتبره تغييراً للحقيقة في المحررات محل الاتهام، وإنما أقام استخلاصه على مجرد اعتراض الأصيل على مضمون التصرف، فإنه يكون قد أقام النتيجة التي انتهى إليها على مقدمة لا تؤدي إليها، بما يعيبه بفساد الاستدلال والقصور في التسبيب، ويحول دون الوقوف على الأساس الحقيقي الذي أقيمت عليه الإدانة.
ومن ثم، فإن هذا الخلل لا يتعلق بتفصيل هامشي في الدعوى، وإنما ينصرف إلى صميم الركن المادي للجريمة وإلى مصدر السلطة التي استند إليها المتهم الأول في التوقيع، الأمر الذي يتعين معه عدم التعويل على هذا الاستدلال، والقضاء ببراءة المتهم الأول متى لم يقم في الأوراق دليل آخر مستقل ويقيني يثبت تحديداً فعل تغيير الحقيقة ونسبته إليه.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لفساد استدلال الحكم المعارض فيه وقصوره في استظهار حدود النيابة والفعل المادي المكون للتزوير، وعدم كفاية مجرد اعتراض الأصيل على مضمون التصرف لإثبات تجاوز الوكالة أو تغيير الحقيقة في المحرر، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الواحد والأربعون: قصور الحكم المعارض فيه في بيان الحقيقة التي زعم تغييرها، وطريق تغييرها، وأثر ذلك في المحرر، وعدم كفاية القول بأن التوقيع صدر من غير الأصيل لإثبات التزوير مع ثبوت صدوره من نائب مفوض قانوناً
ينعى المتهم الأول على الحكم المعارض فيه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال، إذ أقام قضاءه – بحسب ما يستفاد من أسبابه – على مجرد القول بأن التوقيع محل الاتهام لم يصدر من الأصيل شخصياً، ورتب على ذلك اعتبار المحرر مزوراً، دون أن يستظهر على نحو محدد ومستقل الحقيقة التي كانت قائمة في المحرر ثم زعم تغييرها، وكيفية وقوع هذا التغيير، والطريق الذي تم به، ومدى تأثيره في مضمون المحرر أو حجيته، ودور المتهم الأول تحديداً في إحداث ذلك التغيير.
ذلك أن مجرد كون التوقيع قد صدر من غير الأصيل لا يؤدي بذاته إلى قيام جريمة التزوير، متى كان من صدر عنه التوقيع نائباً عن الأصيل، ومتى كان يستمد سلطته من سند نيابة قائم، ومتى كان قد أفصح في المحرر عن صفته التمثيلية ولم ينسب إلى نفسه صفة الأصيل ولم يحاول إخفاء حقيقة مباشرته التصرف نيابة عنه. فالمناط في التزوير ليس مجرد شخص من باشر التوقيع، وإنما ما إذا كان هذا التوقيع قد صدر في صورة قانونية صحيحة أم كان وسيلة لتغيير حقيقة جوهرية في المحرر على نحو مؤثم جنائياً.
والثابت بالأوراق أن المتهم الأول لم يدعِ أنه الأصيل، ولم يوقع متخفياً وراء شخصيتها، وإنما باشر التوقيع بصفته وكيلاً عنها، مستنداً إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو سند سابق على التصرف وقائم وقت مباشرة التوقيع، وقد تضمن تفويضه في القيام نيابة عن الموكل بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الجهات المختصة.
ومن ثم، فإن التساؤل القانوني الذي كان يتعين على الحكم أن يجيب عنه ليس: «هل وقعت صاحبة الشأن بنفسها؟»، وإنما: «هل كان المتهم الأول وقت التوقيع نائباً عنها بموجب سند وكالة قائم، وهل امتدت سلطة هذا السند إلى التصرف محل الاتهام، وهل أدى استعمال هذه السلطة إلى تغيير حقيقة مادية في المحرر على النحو الذي تتحقق به جريمة التزوير؟».
وهو تساؤل جوهري لم يستظهر الحكم عناصره ولم يجب عنه بما يكشف عن حقيقة الأساس الذي أقام عليه الإدانة؛ إذ لم يبين ما هي الحقيقة التي كانت ثابتة قبل تحرير المحرر ثم جرى تغييرها، وما هي الحقيقة البديلة التي أثبتها المتهم الأول، وما الوسيلة التي استعملها في إحداث هذا التغيير، ولماذا يكون توقيعه بصفته وكيلاً – مع الإفصاح عن هذه الصفة – تغييراً للحقيقة وليس تعبيراً عن إرادة الأصيل بواسطة نائبه في حدود السلطة الثابتة بسند الوكالة.
والأمر أكثر وضوحاً في ضوء ما ثبت رسمياً من نطاق الوكالة، إذ إن الأوراق تتضمن مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي انتهت – بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذا المستند الرسمي – وإن لم يكن بطبيعة الحال حكماً قضائياً ملزماً للمحكمة في تقدير المسؤولية الجنائية – يمثل دليلاً جوهرياً يتصل اتصالاً مباشراً بالمسألة التي أقام عليها الحكم إدانته، وهي مصدر سلطة المتهم الأول ومدى امتدادها إلى التصرف محل الاتهام. ومن ثم كان يتعين على الحكم، إذا أراد استبعاد دلالته، أن يواجهه ويبين أسباب عدم التعويل عليه، لا أن يستعيض عن ذلك بمجرد القول بأن الأصيل لم يوقع بنفسه.
ذلك أن التوقيع الصادر من نائب لا يكون مزوراً لمجرد أنه ليس توقيع الأصيل، متى كان المحرر ذاته يفصح عن صفة النائب ومصدر سلطته، ومتى كان استعمال التوقيع قد تم في الحدود التي تخولها النيابة. أما إذا رأت المحكمة أن النائب قد تجاوز حدود وكالته، فكان لزاماً عليها أن تحدد بدقة النص أو القيد الذي جاوزه، وأن تبين لماذا يمثل هذا التجاوز – في الواقعة المعروضة – تغييراً للحقيقة في محرر، وأن تستظهر العلاقة بين هذا التجاوز المفترض وبين الفعل المادي للتزوير، وألا تكتفي بإثبات أن التصرف لم يصدر مباشرة من الأصيل.
ولا يكفي في هذا المقام أن يقال إن صاحبة الشأن لم توقع بنفسها، لأن هذا القول لا ينفي بطبيعته وجود النيابة، ولا ينفي صحة تمثيل النائب، ولا يثبت بذاته أن النائب قد انتحل شخصية الأصيل. بل إن وجود وكالة رسمية معلنة يجعل وصف الواقعة على هذا النحو بحاجة إلى دليل إضافي يثبت أن المتهم الأول قد تجاوز السلطة الممنوحة له بطريقة أحدثت تغييراً جنائياً في الحقيقة، وهو ما لم يستظهره الحكم على النحو الذي يمكن معه مراقبة صحة تطبيق القانون.
كما أن الحكم، إذا كان قد أقام قضاءه على أن عدم صدور التوقيع من الأصيل يمثل بذاته تغييراً للحقيقة، يكون قد خلط بين مصدر الإرادة المعبر عنها في التصرف وبين شخص من باشر التعبير عنها؛ فالنيابة القانونية تقوم على أن النائب يباشر التصرف باسم الأصيل ولحسابه وفي حدود السلطة الممنوحة له، بحيث لا يكون مجرد مباشرة النائب للتوقيع دليلاً على انتحال شخصية الأصيل، طالما أن صفته كنائب معلنة وثابتة.
ومن ناحية أخرى، فإن الحكم كان يتعين عليه أن يستظهر الأثر الذي ترتب على التغيير المدعى به في المحرر، لا بمعنى افتراض الضرر من مجرد وجود تعديل في حصص الشركاء، وإنما ببيان العلاقة بين فعل التغيير المزعوم وبين الحقيقة القانونية أو المادية التي كان المحرر معداً لإثباتها، وكيف أدى فعل المتهم الأول تحديداً إلى إنشاء مظهر مخالف للحقيقة على نحو تتحقق به الجريمة.
أما أن يستخلص الحكم التزوير من النتيجة النهائية للتصرف – كزيادة حصة شريك أو خفض حصة شريك آخر – دون أن يحدد الفعل المادي الذي غير الحقيقة، ودون أن يبين كيف أصبح استعمال المتهم الأول لوكالته تغييراً للحقيقة، فإن ذلك لا يعدو أن يكون انتقالاً من النتيجة إلى الجريمة دون إثبات الحلقة الجوهرية التي تربط بينهما.
ولا يغير من ذلك ما قد يكون قد ثار من اعتراض على التصرف أو منازعة في مدى موافقة صاحبة الشأن عليه، إذ إن عدم الرضا بالتصرف أو المنازعة في آثاره لا يساوي بذاته تزويراً في المحرر. وكان يتعين على الحكم أن يفصل بين مسألة صحة التصرف أو نفاذه أو مدى التزام الأصيل به، وبين المسألة الجنائية المتعلقة بوجود تغيير للحقيقة من عدمه، لأن لكل من الأمرين مناطه وأدوات إثباته وأثره القانوني.
وإذا كان الحكم قد استند إلى أقوال بعض الشهود للقول بانعدام سلطة المتهم الأول، فإن مجرد تبني هذه الأقوال لا يعفيه من واجب بيان الواقعة المادية التي تشكل التزوير، ولا يغني عن تحديد الحقيقة التي قيل إنها غُيرت وطريقة تغييرها. كما كان يتعين عليه أن يبين مصدر علم هؤلاء الشهود بنطاق الوكالة، وما إذا كان ما أدلوا به يتعلق بواقعة مادية أدركوها بحواسهم أم أنه مجرد تفسير لاحق لمضمون سند رسمي، إذ لا يجوز أن تتحول الآراء أو الاستنتاجات الشخصية حول مضمون الوكالة إلى بديل عن بيان الفعل المادي الذي تتكون منه جريمة التزوير.
ومن ثم، فإن الحكم المعارض فيه يكون قد أغفل بحث مسألة جوهرية لازمة لقيام الجريمة، وأقام الإدانة على مقدمة لا تؤدي إليها، هي أن مجرد صدور التوقيع من غير الأصيل يساوي بذاته تزويراً، مع أن الثابت بالأوراق أن التوقيع صدر من المتهم الأول بصفته نائباً عنه وبموجب سند وكالة رسمي قائم، وأن هذه الوكالة قد ثبت رسمياً امتدادها إلى عقود تعديل الشركات والإجراءات المتعلقة بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
وإذ لم يحدد الحكم تحديداً قاطعاً الحقيقة التي كانت قائمة في المحرر ثم جرى تغييرها، ولم يبين وسيلة هذا التغيير، ولم يستظهر الفعل المادي المنسوب إلى المتهم الأول، ولم يوضح لماذا يكون التوقيع الصادر منه بصفته نائباً تغييراً للحقيقة رغم ثبوت سند النيابة، فإنه يكون قد عجز عن استظهار الركن المادي للجريمة استظهاراً سائغاً، وجاءت أسبابه قاصرة عن حمل قضائه بالإدانة، بما يتعين معه القضاء ببراءة المتهم الأول.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على قصور الحكم المعارض فيه في استظهار وتحديد الحقيقة المدعى تغييرها وطريق تغييرها وأثر ذلك في المحرر، وعلى عدم كفاية مجرد صدور التوقيع من غير الأصيل لإثبات التزوير، متى ثبت صدوره من نائب مفوض قانوناً وبموجب وكالة رسمية قائمة وقت مباشرة التصرف، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الثاني والأربعون: انتفاء أركان جريمة التزوير مجتمعةً، لثبوت سند النيابة وسريانه وقت التصرف واتساع نطاقه للتصرف محل الاتهام، وثبوت إفصاح المتهم الأول عن صفته كنائب، وانتفاء الدليل اليقيني على وقوع أي تغيير مصطنع للحقيقة
يتمسك المتهم الأول بانتفاء أركان جريمة التزوير المسندة إليه برمتها، مادية ومعنوية، ذلك أن الثابت من الأوراق والمستندات الرسمية أن الواقعة محل الاتهام لم تقع في إطار اصطناع محرر أو تقليد توقيع أو انتحال صفة أو إسناد واقعة غير صحيحة إلى صاحبها بطريق من طرق التزوير، وإنما تمت في إطار علاقة نيابة ثابتة بسند رسمي سابق على التصرف، كانت قائمة وسارية وقت مباشرته، وثبت رسمياً اتساع نطاقها ليشمل التصرف محل الاتهام.
فالثابت بالأوراق قيام التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، والصادر من صاحبة الشأن إلى المتهم الأول، والذي خوله مباشرة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الجهات المختصة، بما مؤداه أن مصدر السلطة التي استند إليها المتهم الأول في التوقيع لم يكن افتراضياً أو مستحدثاً بعد الواقعة، وإنما كان قائماً في محرر رسمي ثابت وسابق على التصرف محل الاتهام.
كما أن هذه النيابة لم تكن قد انقضت أو أُلغيت وقت مباشرة التصرف، وإنما ثبت أن إلغاء التوكيل قد وقع لاحقاً على التوقيع بموجبه، وهو ما يستبعد – في ذاته – اتخاذ الإلغاء اللاحق دليلاً على انعدام الصفة وقت مباشرة التصرف، إذ لا يجوز استخلاص عدم وجود السلطة في تاريخ سابق لمجرد ثبوت انتهائها في تاريخ لاحق، ما لم يقم دليل مستقل يثبت زوالها قبل مباشرة الفعل محل الاتهام.
ولم يقف الأمر عند مجرد ثبوت أصل الوكالة وسريانها، وإنما ثبت كذلك أن نطاقها قد امتد إلى التصرف محل الاتهام، وهو ما تأيد بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، من أن التوكيل العام المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن إلغاء التوكيل تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه النتيجة الرسمية لا تنشئ للمتهم الأول سلطة لم تكن موجودة، وإنما تكشف عن نطاق سلطة كانت ثابتة أصلاً بسند الوكالة، وتؤكد أن القول بانحصار الوكالة في أعمال لا تمتد إلى تعديل عقد الشركة أو تعديل حصص الشركاء لا يستند – في ضوء المستندات الرسمية القائمة بالأوراق – إلى أساس يقيني يحسم المسألة في الاتجاه الذي أقيم عليه الاتهام.
والأهم في مقام التكييف الجنائي أن المتهم الأول لم يباشر التصرف متخفياً وراء شخصية صاحبة الشأن أو مدعياً أنه هو شخصياً الأصيل في التصرف، وإنما أفصح عن صفته التمثيلية ووقع بصفته وكيلاً عنها، وهو ما تنتفي معه صورة انتحال الشخصية أو إخفاء مصدر التوقيع. فالتوقيع الصادر من النائب باسم الأصيل وفي حدود السلطة الثابتة له لا يتحول إلى توقيع مزور لمجرد أن الأصيل نازع لاحقاً في التصرف أو اعترض على مضمونه أو آثاره.
ذلك أن مناط الركن المادي في جريمة التزوير ليس مجرد وجود محرر ترتب عليه أثر قانوني أو مالي، وإنما ثبوت فعل إيجابي محدد من أفعال تغيير الحقيقة في محرر على نحو من شأنه إحداث الضرر وبإحدى الطرق التي اعتبرها القانون من وسائل التزوير. ومن ثم كان يتعين – حتى تستقيم الإدانة – تحديد الحقيقة التي كانت قائمة، وتحديد الحقيقة التي قيل إنها أُثبتت على خلافها، وبيان الفعل المادي الذي أحدث هذا التغيير، وكيفية وقوعه، ونسبته إلى المتهم الأول على وجه يقيني.
أما مجرد ثبوت توقيع المتهم الأول على المحرر، فإن هذا التوقيع لا يمثل بذاته دليلاً على التزوير، طالما أن الثابت أنه صدر منه شخصياً وبصفته وكيلاً، وأن سند وكالته كان قائماً وقت التوقيع، وأن صفته التمثيلية كانت معلنة في المحرر وفي إجراءات التعامل الرسمية. إذ لا يجوز مساواة مباشرة النائب لاختصاصه بسند وكالة رسمي بواقعة اصطناع توقيع أو انتحال شخصية، وإلا اختلطت أحكام النيابة المدنية بمفهوم تغيير الحقيقة الجنائي.
كما لا يكفي لإثبات الركن المادي أن يكون هناك خلاف حول مدى موافقة الموكل على التصرف أو حول ما إذا كان هذا التصرف يحقق إرادته أو مصلحته في وقت لاحق، ذلك أن هذه المسائل – بفرض قيامها – لا تثبت بذاتها أن الحقيقة قد غُيرت اصطناعاً في المحرر. فالخلاف حول حدود استعمال الوكالة شيء، وإثبات جريمة التزوير شيء آخر، ولا يجوز الانتقال من الأول إلى الثاني بغير دليل مستقل يثبت الفعل المادي للتزوير.
ولا يغير من ذلك ما قد يقال من أن تعديل حصص الشركاء قد رتب أثراً قانونياً أو مالياً معيناً، إذ إن الأثر المترتب على التصرف ليس هو فعل التزوير ذاته، ولا يصلح بمجرده دليلاً على وقوع تغيير للحقيقة. بل يظل واجباً إثبات أن هذا الأثر قد نشأ نتيجة تغيير مصطنع للحقيقة في المحرر، وأن المتهم الأول هو الذي أحدث هذا التغيير مع توافر العناصر الجنائية اللازمة.
والثابت أن الأوراق لا تنهض بهذا الدليل اليقيني؛ فلا يوجد – بحسب الثابت بها – دليل جازم على أن المتهم الأول اصطنع محرراً، أو قلد توقيع صاحبة الشأن، أو انتحل شخصيتها، أو أخفى صفته كنائب عنها، أو أثبت في المحرر واقعة مادية يعلم أنها غير صحيحة على نحو يحقق صورة من صور التزوير. بل الثابت في المقابل قيام سند النيابة، وسريانه وقت التصرف، وثبوت امتداد نطاقه إلى عقود تعديل الشركات، وإفصاح المتهم الأول عن صفته التمثيلية.
وإذا كان الاتهام قد أقام بنيانه على القول بأن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة التوقيع على التصرف محل الاتهام، فإن هذا القول قد واجهته مستندات رسمية قائمة بالأوراق تثبت أصل السلطة وسريانها، فضلاً عما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بشأن امتدادها إلى التعديل محل الاتهام. ومن ثم لا يبقى القول بانعدام السلطة إلا في نطاق منازعة في تفسير حدود الوكالة، وهي منازعة لا تكفي – بذاتها – لإثبات الركن المادي لجريمة التزوير ما لم تقترن بدليل مستقل على تغيير الحقيقة.
كما أن مجرد اختلاف تقدير الأطراف أو الشهود لنطاق الوكالة لا ينشئ واقعة تزوير، ولا يحول التفسير المختلف لمضمون سند رسمي إلى حقيقة جنائية قاطعة. فإذا كان سند الوكالة ذاته قائماً، وكانت الجهة المختصة بالتوثيق قد انتهت إلى اتساعه للتوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن نسبة التزوير إلى المتهم الأول تظل بحاجة إلى دليل مستقل يثبت فعلاً مادياً محدداً غير مجرد المنازعة في نطاق النيابة.
ولا يستقيم كذلك أن يُستخلص القصد الجنائي من مجرد مباشرة المتهم الأول للتصرف، ذلك أن العلم بوجود التصرف أو إرادة إحداث أثره القانوني لا تساوي العلم بتغيير الحقيقة ولا تساوي قصد استعمال محرر مزور. فإذا كان المتهم الأول قد باشر التصرف مستنداً إلى وكالة رسمية قائمة، وأفصح عن صفته كنائب، وقدم سند وكالته في الإطار الرسمي للتعامل، فإن هذه الظروف الموضوعية تتعارض مع افتراض علمه بأنه يرتكب تزويراً ما لم يقم دليل مستقل على علمه بوجود تغيير للحقيقة وعلى اتجاه إرادته إلى استعمال محرر يعلم بتزويره.
ولا يجوز في المواد الجنائية بناء هذا الركن على الافتراض أو استخلاصه من واقعة لاحقة على التصرف، كإلغاء الوكالة أو نشوء منازعة بشأن آثارها، لأن الواقعة اللاحقة لا تثبت بذاتها الحالة الذهنية للمتهم وقت مباشرة الفعل، ولا تحول التصرف الذي كان مستنداً إلى وكالة قائمة عند وقوعه إلى تصرف جنائي بأثر رجعي.
ومن جماع ما تقدم يتضح أن عناصر الواقعة الثابتة بالأوراق تتجه في مجموعها إلى قيام علاقة نيابة أصلية ومعلنة، واستمرارها وقت التصرف، وامتداد نطاقها – وفقاً لما ثبت رسمياً – إلى التعديل محل الاتهام، وعدم ثبوت أي فعل مصطنع لتغيير الحقيقة، فضلاً عن عدم قيام الدليل اليقيني على توافر العلم بالتزوير أو قصد استعمال محرر مزور.
ومن ثم، فإن أياً من أركان جريمة التزوير لا يجوز افتراضه من مجرد وجود خلاف حول التصرف، ولا من مجرد ترتب أثر قانوني أو اقتصادي عليه، ولا من مجرد انتهاء الوكالة في تاريخ لاحق، وإنما يلزم قيام الدليل اليقيني على الفعل المادي والقصد الجنائي معاً. فإذا تخلف الدليل اليقيني على الفعل المادي، سقط الركن المادي، وإذا لم يثبت العلم بتغيير الحقيقة وقصد استعمال المحرر مع العلم بتزويره، انتفى القصد الجنائي كذلك، فلا تبقى بعد ذلك دعوى جنائية مكتملة الأركان يمكن أن تقوم عليها الإدانة.
ولما كان الأصل في الإنسان البراءة، وكانت الإدانة الجنائية لا تُبنى إلا على الجزم واليقين لا على الظن والاحتمال، وكان الثابت في الأوراق قيام سند النيابة وسريانه وقت التصرف وثبوت اتساع نطاقه للتصرف محل الاتهام وإفصاح المتهم الأول عن صفته كنائب، في حين لم يقم الدليل اليقيني على وقوع أي تغيير مصطنع للحقيقة من جانبه، فإن الشك في قيام الركن المادي للجريمة لا يكون شكاً هامشياً، وإنما ينصرف إلى أصل الواقعة الجنائية ذاتها، بما يتعين معه طرح الاتهام والقضاء بالبراءة.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على انتفاء أركان جريمة التزوير مجتمعةً، وبصفة خاصة انتفاء الركن المادي لعدم ثبوت أي تغيير مصطنع للحقيقة، وانتفاء الأساس القائل بانعدام سلطة المتهم الأول في التوقيع، وثبوت سند النيابة وسريانه وقت التصرف واتساع نطاقه إليه، وثبوت إفصاح المتهم الأول عن صفته كنائب، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار هذا الدفاع أو ما سبقه من دفاع موضوعي نزولاً أو تنازلاً أو عدولاً عن أي من الطلبات أو الدفوع الإجرائية والموضوعية المتقدمة.
الدفع الثالث والأربعون: أصل البراءة ووجوب القضاء لمصلحة المتهم الأول عند قيام الشك في مدى توافر الركن المادي والقصد الجنائي، ولا سيما مع قيام التوكيل الرسمي والمذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق وما تضمنته من تأكيد نطاق الوكالة وسريانها وقت التصرف
يتمسك المتهم الأول بأصل البراءة المقرر قانوناً ودستوراً، وبما يترتب عليه من وجوب ألا يُدان إلا بناءً على دليل يبلغ من القوة واليقين مبلغاً تطمئن معه المحكمة إلى ثبوت أركان الجريمة في حقه ثبوتاً جازماً لا يداخله شك معتبر، فإذا ثار الشك في قيام أحد أركان الجريمة أو في نسبة الفعل المؤثم إلى المتهم أو في توافر القصد الجنائي اللازم لقيامها، تعين أن يكون هذا الشك في صالح المتهم، وأن يُبنى القضاء الجنائي على ما ثبت يقيناً لا على ما يحتمل أو يُستنتج على سبيل الترجيح.
والشك القائم في الدعوى الماثلة ليس شكاً مجرداً أو افتراضياً، وإنما يستند إلى وقائع ومستندات رسمية قائمة بالأوراق، في مقدمتها التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، والذي كان قائماً وقت مباشرة المتهم الأول للتوقيع محل الاتهام، وثبت من مضمونه تخويله القيام نيابة عن صاحبة الشأن في المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الجهات المختصة.
ولا يقف الأمر عند مجرد وجود سند الوكالة، وإنما يتعزز بما ورد بالمذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي انتهت – بحسب الثابت بالأوراق – بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام إلى أن التوكيل العام المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة، وإن لم تكن بطبيعتها حكماً قضائياً ولا تستقل بحسم المسؤولية الجنائية، إلا أنها تظل محرراً رسمياً ذا دلالة جوهرية في تقدير عناصر الدعوى، لأنها تتعلق تحديداً بالمسألة التي يقوم عليها جانب أساسي من التصوير الاتهامي، وهي مدى سلطة المتهم الأول في مباشرة التوقيع محل الاتهام. ومن ثم فإن وجودها بالأوراق لا يجوز تجاهله أو التعامل معه باعتباره قولاً صادراً عن المتهم أو دفاعاً مجرداً منه، وإنما يتعين تقدير دلالته في سياق سائر الأدلة والمستندات المطروحة.
فإذا كان الاتهام قد افترض أن المتهم الأول لم تكن له سلطة في مباشرة التصرف، ثم ظهر بالأوراق سند وكالة رسمي سابق على التصرف وقائم وقت مباشرته، وجاءت الجهة المختصة بالتوثيق – بعد فحص السند والتصرف – لتقرر أن نطاق الوكالة يمتد إلى عقود تعديل الشركات وإلى تقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن ذلك ينشئ شكا جدياً ومؤسساً في المقدمة التي يقوم عليها التصوير الجنائي للواقعة، ولا سيما إذا لم يقدم الاتهام في المقابل دليلاً مستقلاً قاطعاً يثبت أن المتهم الأول قد تجاوز سلطة ثابتة في سند الوكالة على نحو يمثل تغييراً للحقيقة بالمعنى الجنائي.
والأمر ذاته ينسحب على الركن المادي للجريمة؛ إذ إن قيام التزوير يفترض ثبوت فعل مادي محدد من أفعال تغيير الحقيقة في محرر، وليس مجرد قيام منازعة حول مضمون التصرف أو حول آثاره أو حول مدى قبول الأصيل للنتيجة التي ترتبت عليه. فإذا كان المتهم الأول قد وقع بنفسه، وبصفته وكيلاً معلنة، وبالاستناد إلى سند وكالة رسمي قائم، ولم يثبت أنه انتحل شخصية صاحبة الشأن أو اصطنع توقيعاً منسوباً إليها أو غيّر حقيقة مادية محددة في المحرر بطريق من طرق التزوير، فإن قيام الركن المادي ذاته يصبح محل شك جدي لا يجوز معه بناء الإدانة على مجرد الاستنتاج.
كما أن هذا الشك يمتد بالضرورة إلى القصد الجنائي، ذلك أن القصد في جريمة التزوير لا يُفترض لمجرد حصول التصرف أو ترتب أثر قانوني أو مالي عليه، وإنما يلزم أن يثبت علم المتهم بأنه يغير الحقيقة في المحرر على نحو غير مشروع، واتجاه إرادته إلى استعمال المحرر على هذا النحو. فإذا كان المتهم الأول يستند عند مباشرته التصرف إلى توكيل رسمي قائم، وكان قد أعلن صفته كوكيل، وكانت الجهة الرسمية المختصة بالتوثيق قد انتهت لاحقاً – بعد فحص سند الوكالة – إلى أن نطاقها يشمل التصرف الذي وقّع عليه، فإن هذه الملابسات الموضوعية تثير شكا حقيقياً في إمكان نسبة العلم الجنائي اللازم إليه، ولا سيما إذا خلا الاتهام من دليل مستقل يثبت أنه كان يعلم، وقت التوقيع، أن ما يباشره يمثل تغييراً للحقيقة بغير سند.
ولا يصح أن يُستخلص القصد الجنائي من مجرد النتيجة التي انتهى إليها التصرف، كزيادة حصة أحد الشركاء أو انخفاض حصة شريك آخر، لأن النتيجة الاقتصادية أو القانونية للتصرف لا تكشف بذاتها عن علم المتهم بتغيير الحقيقة ولا عن اتجاه إرادته إلى ارتكاب التزوير. كما لا يجوز أن تُتخذ المنازعة اللاحقة في التصرف أو إلغاء الوكالة بعد إتمامه دليلاً حاسماً على قيام القصد الجنائي وقت التوقيع؛ إذ إن العلم والإرادة عنصران يجب توافرهما وقت ارتكاب الفعل المؤثم، ولا يجوز استخلاصهما بأثر رجعي من وقائع لاحقة عليه دون دليل يربطهما بالمتهم وقت مباشرته للتصرف.
والثابت كذلك أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه، وهو ما أكدته المذكرة الرسمية محل التمسك، ومن ثم فإن واقعة الإلغاء اللاحقة لا تصلح بذاتها لإثبات أن المتهم الأول كان يعلم وقت التوقيع بانعدام سلطته أو بزوالها، بل على العكس، فإن قيام الوكالة وقت التصرف يمثل واقعة موضوعية يتعين وضعها في ميزان تقدير القصد الجنائي، ولا يجوز تجاهلها عند استخلاص العلم والإرادة.
وإذا كان الاتهام يستند في إثبات تجاوز الوكالة إلى أقوال أو تفسيرات لاحقة لمضمون سند الوكالة، فإن وجود التوكيل الرسمي ذاته، مقروءاً في ضوء المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق، يجعل المسألة – في أقل تقدير – موضع خلاف جدي في تفسير نطاق السلطة التمثيلية، ولا يجوز أن يتحول هذا الخلاف التفسيري، بغير دليل آخر مستقل على فعل مادي لتغيير الحقيقة وعلى العلم به، إلى يقين جنائي لازم للإدانة.
ومن ثم فإن عناصر الدعوى – في مجموعها – لا تقيم مجرد احتمال عابر للبراءة، وإنما تكشف عن تعارض حقيقي بين التصوير الاتهامي وبين مستند رسمي قائم وقت التصرف، تؤيده مذكرة رسمية لاحقة في تحديد نطاق الوكالة، الأمر الذي يترك كلاً من الركن المادي والقصد الجنائي في دائرة الشك الذي لم يرفعه دليل يقيني قاطع.
ولا يجوز في المواد الجنائية أن يُحمَّل المتهم عبء إزالة هذا الشك أو إثبات صحة تصرفه على نحو يفترض قيام الجريمة ابتداءً؛ إذ إن عبء إقامة الدليل على توافر أركان الجريمة ونسبتها إلى المتهم يظل قائماً في جانب الاتهام، ولا ينتقل إلى المتهم لمجرد وجود منازعة مدنية أو خلاف في تفسير التصرف. فإذا لم تبلغ الأدلة المقدمة حد اليقين القضائي في إثبات الفعل المادي والقصد الجنائي، تعين الوقوف عند أصل البراءة وعدم إقامة الإدانة على الظن أو الاحتمال.
وإذ كان الثابت بالأوراق قيام التوكيل الرسمي وقت التصرف، وثبوت صدور التوقيع من المتهم الأول بصفته وكيلاً، وثبوت ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق من امتداد نطاق الوكالة إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، مع ثبوت أن الإلغاء قد وقع لاحقاً على التوقيع، ولم يقم في المقابل دليل يقيني مستقل يثبت فعل تغيير الحقيقة أو يثبت علم المتهم الأول، وقت مباشرته للتصرف، بأنه يرتكب فعلاً مزوراً واتجاه إرادته إلى استعمال محرر مزور، فإن الشك يكون قد قام في أصل الركن المادي وفي القصد الجنائي معاً.
ومن ثم، فإن بقاء هذا الشك قائماً بعد تمحيص أوراق الدعوى وأدلتها لا يسمح قانوناً بحمل المتهم الأول على نتيجة الإدانة، بل يوجب تفسير هذا الشك لمصلحته والقضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على عدم كفاية الأدلة لإثبات أركان الجريمة ثبوتاً يقينياً، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع أو الخوض في موضوع الدعوى بأي حال من الأحوال نزولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الرابع والأربعون: الإخلال بحق الدفاع والقصور في التسبيب لعدم مواجهة دفاع جوهري قائم على سند النيابة الاتفاقية وأثر المادتين 104 و105 من القانون المدني، وعدم الرد على المستندات الرسمية المؤيدة لهذا الدفاع، بما يحجب المحكمة عن حقيقة التكييف القانوني للواقعة
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد أخل بحقه في الدفاع وشابه القصور في التسبيب، إذ لم يواجه دفاعاً جوهرياً أبداه المتهم على نحو صريح، مؤداه أن الواقعة محل الاتهام لا يجوز عزلها عن سند النيابة الاتفاقية الذي صدر بموجبه التوقيع، وأن المتهم الأول لم يباشر التصرف منتحلاً شخصية صاحبة الشأن أو مدعياً لنفسه صفة ليست له، وإنما باشره بصفته وكيلاً عنها وبموجب توكيل رسمي قائم وقت مباشرة التصرف، بما يقتضي قانوناً بحث مصدر سلطته ونطاقها وآثار التصرف الذي صدر عنه في حدودها، قبل إسباغ الوصف الجنائي بالتزوير على ذلك التصرف.
ذلك أن هذا الدفاع لا ينصب على مجرد منازعة في تقدير دليل ثانوي، ولا يمثل قولاً عارضاً لا أثر له في موضوع الدعوى، وإنما يتصل اتصالاً مباشراً بأصل الواقعة وبالركن المادي للجريمة المسندة إلى المتهم الأول؛ إذ إن ثبوت مباشرة التوقيع في إطار نيابة اتفاقية قائمة، وثبوت أن المتهم قد أفصح عن صفته كوكيل، وثبوت أن سند الوكالة ذاته قد خوله التوقيع نيابة عن الأصيل على عقود تأسيس وتعديل الشركات، من شأنه أن يغير وجه الرأي في مدى توافر فعل تغيير الحقيقة من الأصل، وفي حقيقة الصفة التي باشر بها المتهم التصرف، وفي مدى إمكان تكييف هذا السلوك باعتباره تزويراً جنائياً.
وقد تمسك المتهم الأول بأن المادة 104 من القانون المدني قد أقامت أحكام التعبير عن الإرادة في نطاق النيابة على أساس اتصال آثار التصرف بإرادة الأصيل من خلال نائبه، وأن المادة 105 من القانون ذاته قررت – في حالة تعاقد النائب في حدود نيابته باسم الأصيل – انصراف الحقوق والالتزامات الناشئة عن العقد إلى الأصيل، بما مؤداه أن مباشرة النائب للتعبير القانوني باسم الأصيل، متى تمت في حدود السلطة المخولة له، ليست فعلاً صادراً من شخص غريب عن العلاقة القانونية، وإنما هي مباشرة قانونية للتصرف بواسطة النائب، تنصرف آثارها إلى من يمثله وفقاً لأحكام النيابة.
ولا يعني التمسك بهذين النصين أن كل تصرف يصدر من وكيل يصبح بمنأى عن المساءلة الجنائية، أو أن الوكالة تحول بذاتها دون قيام جريمة التزوير، وإنما مؤدى الدفاع أن المحكمة كان يتعين عليها – قبل إسناد الجريمة إلى المتهم الأول – أن تحدد حقيقة المركز القانوني الذي كان يشغله وقت التوقيع، وأن تبحث نطاق السلطة المستمدة من سند الوكالة، وأن تحدد على نحو مستقل الفعل المادي الذي اعتبرته تغييراً للحقيقة، وأن تبين كيف يمكن أن يتحقق هذا التغيير رغم صدور التوقيع من المتهم شخصياً وبصفته التمثيلية المعلنة، وفي حدود سند نيابة كان قائماً وقت مباشرة التصرف.
وهذا الدفاع يكتسب مزيداً من الجدية من واقع المستندات الرسمية المقدمة في الدعوى، وفي مقدمتها التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، والذي استند إليه المتهم الأول في مباشرة التصرف، وما تضمنه من تخويله القيام نيابة عن الموكل بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عن باقي السلطات الواردة بسند الوكالة.
كما تعزز هذا الدفاع بما انتهت إليه المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي تناولت سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، وانتهت – بحسب الثابت بها – إلى أن التوكيل العام المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المستندات لم تكن أوراقاً هامشية أو بعيدة الصلة بموضوع الدعوى، وإنما تمثل صلب الدفاع الذي يتغير به وجه الرأي فيها؛ لأنها تتعلق مباشرة بالسؤال الذي كان يتعين على المحكمة أن تجيب عنه: هل كان المتهم الأول يباشر التوقيع بغير صفة وبغير سند، أم أنه كان يباشره باعتباره نائباً عن الأصيل بموجب وكالة قائمة، وهل كان التصرف الذي باشره داخلاً في نطاق السلطة التي خولها له سند الوكالة أم خارجاً عنها؟
فإذا كانت الإجابة عن هذا السؤال تؤثر في تحديد حقيقة الفعل المنسوب إلى المتهم، وفي مدى قيام عنصر تغيير الحقيقة، وفي توافر القصد الجنائي من عدمه، فإن إغفال بحثه أو المرور عليه دون تمحيص ودون بيان وجه طرح المستندات المؤيدة له يمثل قصوراً في التسبيب وإخلالاً بحق الدفاع؛ لأن المحكمة تكون في هذه الحالة قد حُجبت عن بحث الواقعة في إطارها القانوني الصحيح، وانتقلت إلى النتيجة الجنائية قبل استكمال بحث مصدر السلطة التي صدر عنها الفعل محل الاتهام.
ولا يكفي في مواجهة هذا الدفاع أن يشار بعبارة عامة إلى أقوال الشهود أو إلى عدم رضا صاحبة الشأن عن التصرف أو إلى النتيجة التي ترتبت على تعديل حصتها، ذلك أن هذه الأمور – أياً كان وزنها – لا تجيب بذاتها عن جوهر الدفاع المتعلق بمصدر سلطة المتهم الأول في التوقيع ونطاق هذه السلطة. وكان يتعين على الحكم، إذا انتهى إلى عدم الاعتداد بالوكالة أو إلى القول بأن التصرف قد جاوز نطاقها، أن يبين تحديداً النص أو القيد الذي استند إليه في هذا التحديد، وأن يواجه مضمون سند الوكالة ذاته، وأن يبين سبب طرح ما انتهت إليه المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق، وأساس ترجيحه لما أخذ به عليها.
ذلك أن الدفاع الجوهري لا يرد عليه بمجرد عبارات عامة أو بإعادة سرد الاتهام، وإنما يتعين أن يكون رد المحكمة عليه مستخلصاً من أسباب سائغة تكشف أنها واجهت عناصره ومؤداه وأسانيده، وأنها فطنت إلى أثره المحتمل في تغيير وجه الرأي في الدعوى. أما إذا كان الدفاع قائماً على مستند رسمي من شأنه – بحسب دلالته – أن يغير النتيجة التي انتهى إليها الحكم، ثم لم يتعرض الحكم لهذا المستند أو لم يبين سبب طرح دلالته، فإن التسبيب يكون قد فقد أحد مقوماته الجوهرية.
ولا سيما أن المذكرة الرسمية المشار إليها لا تتعلق بواقعة أجنبية عن الاتهام، وإنما تتصل بذات سند الوكالة وبذات المسألة التي دار حولها النزاع، وهي مدى امتداد سلطة المتهم الأول إلى التوقيع على تعديل عقد الشركة وما تضمنه من تقليل أو زيادة حصص الشركاء. ومن ثم كان يتعين على الحكم – إذا أراد طرح دلالتها – أن يبين سبباً سائغاً لذلك، لا أن يتجاهلها أو يستخلص انتفاء السلطة من أقوال مجردة دون مواجهة ما يقابلها من مستند رسمي جوهري.
ويزداد وجه القصور وضوحاً إذا كان الحكم قد أقام الإدانة على افتراض أن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة مباشرة التصرف، دون أن يستظهر مصدر هذا الافتراض ودون أن يفحص سند الوكالة الذي يستمد منه المتهم سلطته، ودون أن يحدد وجه خروج التصرف عن نطاق النيابة، إذ يكون الحكم في هذه الحالة قد أقام النتيجة على مقدمة لم يستظهرها استظهاراً كافياً، ولم يواجه الدليل الذي ينقضها، بما يجعل استدلاله غير مكتمل الأركان.
كما أن إغفال هذا الدفاع يحجب المحكمة عن التكييف القانوني الصحيح للواقعة؛ إذ إن التكييف الجنائي لا يبدأ من النتيجة التي ترتبت على التصرف، وإنما يبدأ من تحديد الفعل الذي باشره المتهم وحقيقته القانونية وصفته التي باشر بها هذا الفعل. فإذا كان المتهم قد وقع باعتباره وكيلاً عن الأصيل وبموجب سند نيابة قائم، فإن الأمر يقتضي أولاً بحث أثر هذه النيابة ونطاقها، ثم بحث ما إذا كان قد وقع تغيير مادي للحقيقة رغم ذلك، ثم بحث القصد الجنائي، ولا يجوز القفز مباشرة إلى وصف الفعل بأنه تزوير دون استظهار هذه المقدمات الجوهرية.
ومن ثم فإن الدفاع القائم على سند النيابة الاتفاقية وأحكام المادتين 104 و105 من القانون المدني كان دفاعاً منتجاً في الدعوى، ومتصلاً اتصالاً وثيقاً بأصل الركن المادي لجريمة التزوير وبحقيقة الصفة التي باشر بها المتهم الأول التصرف، وكان من شأنه – لو فُحص ومُحص على وجهه الصحيح – أن يتغير به وجه الرأي في الاتهام، الأمر الذي يجعل إغفاله وعدم الرد على مستنداته الرسمية المؤيدة له إخلالاً بحق الدفاع وقصوراً في التسبيب يعيب الحكم ويحول دون الوقوف على حقيقة الأساس الذي أقيمت عليه الإدانة.
وبناءً عليه، يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه الإخلال بحق الدفاع والقصور في التسبيب، لعدم مواجهته دفاعاً جوهرياً مؤسساً على سند النيابة الاتفاقية، ولعدم بحث أثر المادتين 104 و105 من القانون المدني في تحديد المركز القانوني للمتهم الأول وصفته التي باشر بها التصرف، ولعدم تمحيص التوكيل الرسمي القائم وقت التوقيع، وعدم مواجهة الدلالة الجوهرية للمذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق، بما حجبه عن تحديد حقيقة الواقعة وتكييفها القانوني تكييفاً صحيحاً، الأمر الذي يتعين معه القضاء ببراءة المتهم الأول مما أسند إليه، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الخامس والأربعون: سقوط الأساس المادي للاتهام بانهيار القول بأن المتهم الأول تدخل في إرادة الأصيل بغير صفة، وثبوت أن مباشرته للتصرف كانت في إطار نيابة اتفاقية قائمة، وانصراف آثار التصرف إلى الأصيل متى تم في حدود النيابة
يتمسك المتهم الأول بأن الأساس الذي أقيم عليه الاتهام قد انهار بسقوط الفرض الذي يقوم عليه، وهو القول بأن المتهم الأول قد تدخل في إرادة الأصيل أو عبّر عنها بغير صفة أو بغير سند من النيابة، ذلك أن الثابت بالمحررات الرسمية أن علاقته بصاحبة الشأن لم تكن علاقة شخص أجنبي عن التصرف انتحل لنفسه سلطة لا يملكها، وإنما كانت علاقة نائب تعاقدي يستمد سلطته من توكيل رسمي سابق على التصرف، قائم ونافذ وقت مباشرته، ومحدد فيه على نحو صريح حقه في القيام نيابة عن الأصيل بالمسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات والتوقيع على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الجهات المختصة.
ومن ثم، فإن تصوير الواقعة على أن المتهم الأول قد حل محل الأصيل أو عبّر عن إرادته دون سند من النيابة، لا يستقيم مع حقيقة المركز القانوني الثابت بالأوراق؛ إذ إن مباشرة النائب للتصرف باسم الأصيل لا تعني أنه اغتصب إرادة الأصيل أو انتحل شخصيته، وإنما تعني أنه باشر التعبير القانوني في حدود السلطة التي خولها له سند النيابة، بحيث يكون محل البحث الحقيقي هو مدى نطاق هذه السلطة وحدودها وقت مباشرة التصرف، لا افتراض انعدامها ابتداءً.
والثابت أن التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة قد صدر قبل الواقعة محل الاتهام بسنوات، وخوّل المتهم الأول القيام نيابة عن صاحبة الشأن بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، بما مؤداه أن مصدر السلطة التمثيلية التي باشر المتهم الأول في إطارها التوقيع لم يكن وليد الواقعة أو مستنداً إلى قول لاحق، وإنما كان قائماً في محرر رسمي سابق على التصرف ذاته.
ويتعزز ذلك بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة. وهذه النتيجة الرسمية لا تنشئ للمتهم الأول سلطة لم تكن موجودة، وإنما تكشف – في حدود قيمتها الاستدلالية – عن مضمون سلطة ثابتة أصلاً بسند الوكالة، وتعضد ما يتمسك به من أن مباشرته للتصرف تمت في إطار نيابة اتفاقية قائمة وقت مباشرة العمل.
والنيابة الاتفاقية، متى قامت صحيحة واستندت إلى سند قائم، تجعل تصرف النائب في حدود سلطته تصرفاً قانونياً صادراً باسم الأصيل، وتنصرف آثاره إلى الأصيل، فلا يكون النائب في هذه الحالة قد انتحل إرادة شخص آخر أو اصطنع صفة ليست له، وإنما استعمل الصفة التي اكتسبها بموجب سند النيابة. ومن ثم، فإن مجرد صدور التوقيع من النائب لا يمكن أن يكون بذاته دليلاً على التزوير، طالما أن صفته التمثيلية معلنة وثابتة، وأن مصدرها قائم وقت مباشرة التصرف.
ولا يغير من ذلك أن التصرف قد ترتبت عليه آثار قانونية أو مالية تمس حصص الشركاء؛ إذ إن ترتب الأثر هو النتيجة الطبيعية لأي تصرف قانوني صحيح يتم بواسطة نائب في حدود سلطته، ولا يجوز اتخاذ النتيجة التي ترتبت على التصرف دليلاً بذاتها على أن النائب قد تدخل في إرادة الأصيل بغير صفة. فثمة فارق جوهري بين القول بأن الأصيل ينازع في مدى رضائه عن التصرف أو في آثاره أو في حدود استعمال الوكالة، وبين القول بأن النائب لم يكن يملك أصلاً سلطة التعبير عنه.
والأخير هو الذي يقوم عليه التصوير الجنائي الذي يحاول الاتهام إسناده إلى المتهم الأول؛ فإذا ثبت أن هناك نيابة اتفاقية قائمة وقت مباشرة التصرف، وأن سندها الرسمي يخول المتهم الأول التوقيع نيابة عن الأصيل على عقود تعديل الشركات، وأن الجهة المختصة بالتوثيق انتهت رسمياً إلى امتداد نطاق الوكالة إلى الإجراء محل الاتهام، فإن القول بأن المتهم الأول تدخل في إرادة الأصيل بغير صفة يصبح مجرد نتيجة لا سند لها من واقع الأوراق، ولا يصلح وحده أساساً لاستخلاص ارتكاب فعل مادي من أفعال التزوير.
كما أن إلغاء الوكالة في تاريخ لاحق على مباشرة التصرف لا يهدم الصفة التي كانت قائمة وقت استعمالها، ولا يجوز أن يُنشئ أثراً رجعياً يجعل النائب – بأثر لاحق – فاقداً للصفة في وقت كان سند النيابة فيه قائماً. فالمناط هو الحالة القانونية للوكالة عند مباشرة التصرف محل البحث، فإذا كان الإلغاء لاحقاً عليه، فإن الواقعة اللاحقة لا تصلح بذاتها لإثبات انعدام الصفة في التاريخ السابق.
وإذا كان الاتهام قد حاول استخلاص تدخل المتهم الأول في إرادة الأصيل من مجرد عدم موافقة الأصيل لاحقاً على التعديل أو اعتراضه على آثاره، فإن هذا الاستنتاج لا يؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها؛ لأن عدم الرضا اللاحق عن نتيجة تصرف صدر بواسطة نائب لا يثبت بذاته أن النائب لم يكن يملك سلطة تمثيل الأصيل عند إبرامه، كما لا يثبت بذاته وقوع تغيير للحقيقة في المحرر أو انتحالاً للصفة أو اصطناعاً للإرادة.
ولا يجوز كذلك الخلط بين سلطة النائب في التعبير عن إرادة الأصيل وبين إرادة الأصيل الشخصية في مباشرة التصرف بنفسه؛ فمناط النيابة الاتفاقية أن يقوم النائب بالتصرف باسم الأصيل ولحسابه وفي حدود السلطة المخولة إليه، بحيث تنتج آثار التصرف في مواجهة الأصيل متى توافرت شروط النيابة وحدودها. ومن ثم فإن القول بأن المتهم الأول لم يكن هو صاحب الإرادة الشخصية في التصرف لا يصلح دليلاً على التزوير، لأن عدم كونه أصيلاً هو عين حقيقة النيابة التي قام عليها سند الوكالة.
وعليه، فإن السؤال الذي يتعين أن يواجهه الاتهام ليس: هل كان المتهم الأول هو الأصيل؟ وإنما: هل كان نائباً عنه وقت التصرف؟ وهل كان يحمل سند نيابة قائماً؟ وهل امتدت سلطته إلى نوع التصرف الذي باشره؟ والثابت من الأوراق الرسمية أن الإجابة على هذه المسائل جميعاً تنطلق من وجود توكيل رسمي سابق وقائم وقت التوقيع، وقد تأيدت دلالته بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق من امتداد سلطته إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
فإذا انهارت المقدمة التي تقول بانعدام الصفة، انهار معها الأساس المادي الذي بني عليه تصوير التوقيع باعتباره تدخلاً غير مشروع في إرادة الأصيل؛ إذ لا يجوز أن يستخلص فعل التزوير من مجرد قيام النائب بالتوقيع نيابة عن الأصيل، وإلا انقلبت النيابة القانونية ذاتها – وهي وسيلة مشروعة للتعبير عن الإرادة – إلى قرينة على انتحال الصفة، وهو ما لا يستقيم مع طبيعة النيابة ولا مع الثابت في سند الوكالة.
ولا يعني ذلك أن مجرد وجود وكالة يحسم بذاته كل نزاع محتمل حول صحة التصرف أو آثاره، وإنما مؤداه أن وجود النيابة القائمة يزيل الأساس الذي يقوم عليه الادعاء بأن المتهم الأول كان شخصاً أجنبياً عن إرادة الأصيل وتصرف دون أي صفة. فإذا كان ثمة نزاع حول حدود السلطة، فإنه يتعين تحديد القيد الذي يقال إن المتهم قد تجاوزه، ومصدر هذا القيد، ومدى ثبوته في سند النيابة، ثم بيان الكيفية التي تحول بها – على فرض ثبوت التجاوز – إلى فعل مادي من أفعال تغيير الحقيقة المعاقب عليها جنائياً؛ أما مجرد افتراض التجاوز أو استخلاصه من النتيجة التي ترتبت على التصرف فلا يكفي لحمل الإدانة.
ومن ثم، فإن الثابت بالأوراق لا يؤيد صورة المتهم الأول باعتباره شخصاً تدخل في إرادة الأصيل بغير صفة، وإنما يؤيد أنه باشر التصرف بصفته نائباً اتفاقياً، وبموجب سند وكالة رسمي قائم وقت التصرف، وأن نطاق هذه النيابة قد ثبت رسمياً امتداده إلى عقود تعديل الشركات والتصرفات المتعلقة بحصص الشركاء، الأمر الذي يسقط الأساس المادي الذي أقيم عليه الاتهام في هذا الشق، وينفي عن الواقعة – في حدود ما ثبت بالأوراق – صورة انتحال الصفة أو التعبير عن إرادة الأصيل بغير سند.
وإذ لم يقدم الاتهام، في المقابل، دليلاً مستقلاً يقينياً يثبت أن المتهم الأول قد انتحل صفة الأصيل أو اصطنع توقيعاً منسوباً إليه أو غيّر حقيقة مادية في المحررات محل الاتهام رغم قيام سند النيابة، فإن بقاء الاتهام قائماً على مجرد القول بانعدام الصفة لا يعدو أن يكون افتراضاً يناقض الثابت بالمحررات الرسمية، ولا يكفي وحده لإثبات الركن المادي لجريمة التزوير.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على سقوط الأساس المادي للاتهام بانهيار القول بأنه تدخل في إرادة الأصيل بغير صفة، وثبوت مباشرته للتصرف في إطار نيابة اتفاقية قائمة، وثبوت امتداد سلطة الوكالة إلى التصرف محل الاتهام، وما يترتب على ذلك من انتفاء صورة انتحال الصفة أو التعبير عن إرادة الأصيل بغير سند، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم اعتبار هذا الدفع أو ما سبقه من أوجه الدفاع تنازلاً أو عدولاً عن أي منها.
الدفع السادس والأربعون: القضاء بالبراءة لانتفاء الركن المادي لجريمة التزوير، واحتياطياً إلغاء الحكم المعارض فيه لقصوره في بحث سند النيابة ونطاقه وتوقيت سريانه وإلغائه، وعدم مواجهته للمذكرة الرسمية للإدارة العامة للتوثيق وما لها من دلالة جوهرية في تحديد حقيقة الواقعة
يتمسك المتهم الأول – ابتداءً وبصفة أصلية – بالقضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على انتفاء الركن المادي لجريمة التزوير وعدم ثبوت وقوع فعل مادي من أفعال تغيير الحقيقة في المحررات محل الاتهام، وعلى وجه الخصوص مع ثبوت أن التوقيع محل الاتهام قد صدر من المتهم الأول شخصياً، وبصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، استناداً إلى سند وكالة رسمي كان قائماً وقت مباشرة التصرف، وثبت رسمياً امتداد نطاقه إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وما يتصل بها من تقليل أو زيادة حصص الشركاء.
فالثابت من الأوراق أن مصدر السلطة التي باشر المتهم الأول التوقيع استناداً إليها لم يكن قولاً مرسلاً أو ادعاءً لاحقاً، وإنما كان سنداً رسمياً محدداً، هو التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وقد تضمن – بحسب عباراته الثابتة – تخويل المتهم الأول القيام نيابة عن صاحبة الشأن في المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، وهو ما يتعين بحثه باعتباره المصدر المباشر للصفة التي باشر المتهم الأول في إطارها التصرف محل الاتهام.
ولا يقف الأمر عند مجرد وجود سند الوكالة، وإنما تتأكد دلالته من المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي تناولت سند الوكالة والتصرف محل الاتهام وانتهت – بحسب الثابت بها – إلى أن التوكيل العام المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه النتيجة الرسمية لا تُطرح باعتبارها حكماً قضائياً ملزماً للمحكمة، وإنما باعتبارها دليلاً رسمياً جوهرياً متصلاً اتصالاً مباشراً بعناصر الواقعة محل الاتهام، إذ إنها تتناول تحديد نطاق السلطة المستمدة من سند النيابة، وتوقيت قيامها، وتاريخ انتهائها، وهي جميعاً مسائل لا تنفصل عن تحديد ما إذا كان توقيع المتهم الأول قد صدر في إطار صفة تمثيلية قائمة، أم أنه صدر بغير سند من السلطة، وهي مسألة جوهرية في التصوير الجنائي الذي أقيم عليه الاتهام.
ومن ثم، فإن قيام الركن المادي لجريمة التزوير لا يمكن استخلاصه بمجرد القول إن التعديل قد رتب أثراً على حصص الشركاء، أو أن صاحبة الشأن قد نازعت في التصرف أو لم تقر النتيجة التي انتهى إليها، وإنما يتعين قبل ذلك تحديد الحقيقة التي كان يجب أن يعبر عنها المحرر، وتحديد الفعل الذي وقع به تغيير تلك الحقيقة، وبيان الكيفية التي ارتكب بها المتهم الأول ذلك التغيير، وإثبات أن توقيعه قد صدر بغير الصفة التي أعلنها أو خارج السلطة التي كان يستند إليها، على نحو تتحقق به صورة التزوير قانوناً.
فإذا كان المتهم الأول قد وقع بنفسه، وبصفته وكيلاً، وبموجب سند وكالة رسمي قائم وقت التوقيع، وكان هذا السند قد ثبت رسمياً – وفقاً لما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق – امتداد نطاقه إلى تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن مجرد المنازعة في آثار التصرف أو في مدى رضا الأصيل عنه لا تنشئ بذاتها فعلاً مادياً لتغيير الحقيقة، ولا تحول التوقيع الصادر من الوكيل المعلن عن صفته إلى توقيع مزور.
كما أن واقعة إلغاء الوكالة لا يجوز فصلها عن توقيتها؛ إذ إن الثابت – بحسب المذكرة الرسمية المشار إليها – أن الإلغاء تم بعد التوقيع بموجب الوكالة على تعديل عقد الشركة. ومن ثم فإن البحث في الأثر القانوني لهذا الإلغاء يتعين أن يبدأ من تحديد تاريخ مباشرة التصرف وتاريخ الإلغاء، ثم بيان ما إذا كانت السلطة قائمة في اللحظة التي صدر فيها التوقيع محل الاتهام. أما إغفال هذا التسلسل الزمني أو التعامل مع الإلغاء اللاحق باعتباره دليلاً على انعدام السلطة في تاريخ سابق عليه، فيؤدي إلى قلب التسلسل الزمني للواقعة وإلى استخلاص نتيجة لا تنتج من مقدماتها.
ولما كان الحكم المعارض فيه قد انتهى إلى إدانة المتهم الأول، فإن سلامة هذا القضاء كانت تقتضي أن يتصدى صراحة لسند النيابة الذي استند إليه المتهم، وأن يحدد نطاقه تحديداً دقيقاً، وأن يبين وجه خروجه – إن كان قد انتهى إلى وجود خروج – عن السلطة الواردة فيه، وأن يحدد تاريخ سريان الوكالة وتاريخ إلغائها، ثم يبين أثر كل ذلك على الركن المادي لجريمة التزوير، لا أن يقفز إلى النتيجة الجنائية دون تفكيك هذه المسائل السابقة عليها.
ذلك أن سند الوكالة ليس دليلاً هامشياً في الدعوى، وإنما هو المستند الذي يتحدد على أساسه أصل الصفة التي أعلن المتهم الأول مباشرته التصرف بها. فإذا كان الحكم قد اعتبر التوقيع محل الاتهام تزويراً تأسيساً على انتفاء سلطة المتهم الأول، فإن البحث في وجود تلك السلطة ونطاقها وزمن قيامها يصبح لازماً ومنتجاً في الدعوى، ولا يكون الحكم مستوفياً لبحث الواقعة إلا إذا واجه هذا الدفاع الجوهري وأدلتَه، وأقام قضاءه على أسباب سائغة تكشف عن فهمه الصحيح لسند الوكالة ومؤداه.
ويزداد الأمر وضوحاً بالنسبة إلى المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق، إذ لم تكن تلك المذكرة مجرد ورقة دفاعية صادرة عن المتهم الأول، وإنما مستند رسمي صادر عن جهة توثيق مختصة، تناول بذاته سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، وانتهى إلى نتيجة لها اتصال مباشر بصلب النزاع، مؤداها صلاحية التوكيل للتوقيع على عقود تعديل الشركات، وامتداده إلى الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فضلاً عن ثبوت أن الإلغاء جاء لاحقاً على التوقيع.
ومن ثم، فإذا كان الحكم المعارض فيه قد أعرض عن هذا المستند، أو لم يستظهر مضمونه، أو لم يبين سبب طرح دلالته، أو لم يواجه أثره في تحديد نطاق الوكالة وتوقيت سريانها وانتهائها، فإنه يكون قد أغفل دليلاً جوهرياً من شأنه – لو صح وأُعمل أثره – أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى، ولا سيما أن هذا الدليل يتصل مباشرة بأصل الفعل المادي المسند إلى المتهم الأول، وليس بمجرد دفاع فرعي أو واقعة ثانوية.
ولا يكفي في هذا المقام أن يورد الحكم نتيجة مخالفة لما انتهت إليه المذكرة دون أن يكشف عن الأساس الذي أقام عليه هذه المخالفة، إذ إن مجرد طرح الدليل لا يغني عن تمحيصه متى كان جوهرياً ومنتجاً في الدعوى. وكان يتعين على الحكم، إذا رأى عدم الأخذ بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق، أن يبين وجه عدم التعويل عليها، وأن يوضح – في الوقت ذاته – مصدر القول بأن التوكيل لا يمتد إلى التصرف محل الاتهام، وسنده في ذلك، وكيف استخلص من عبارات الوكالة قيداً لم يثبت فيها، وكيف انتهى إلى أن المتهم الأول كان يوقع بغير سلطة رغم قيام سند رسمي سابق على التصرف.
كما كان يتعين عليه أن يفرق بين مسائل ثلاث متمايزة قانوناً وواقعاً: أولها نطاق السلطة المدنية المستمدة من سند الوكالة، وثانيها مدى نفاذ التصرف وآثاره بالنسبة إلى الأصيل، وثالثها تحقق الفعل الجنائي المتمثل في تغيير الحقيقة في محرر. فلا يجوز أن تُستخلص جريمة التزوير تلقائياً من مجرد القول بعدم موافقة الأصيل على التصرف أو من المنازعة في أثره، ما لم يثبت فوق ذلك فعل مادي محدد لتغيير الحقيقة تتوافر به أركان الجريمة.
فإذا عجز الحكم عن تحديد هذا الفعل المادي، واكتفى بالنتيجة التي ترتبت على تعديل حصص الشركاء، أو استخلص التزوير من مجرد القول بانعدام سلطة الوكيل دون أن يفحص سند الوكالة ونطاقه وتوقيت سريانه وإلغائه، فإنه يكون قد أقام النتيجة على مقدمات غير مكتملة، وخلط بين المنازعة في نطاق التصرف وبين تحقق الركن المادي لجريمة التزوير، بما يعيبه بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال.
والأصل أن المحكمة الجنائية وإن كان لها كامل السلطة في تقدير الأدلة المطروحة عليها، إلا أن استعمال هذه السلطة يفترض أن تكون قد أحاطت بعناصر الدعوى وأدلتها الجوهرية وأقامت قضاءها على أسباب تكشف عن أنها فطنت إلى عناصر الدفاع المؤثرة في تكوين عقيدتها. فإذا كان الدفاع قائماً على محرر رسمي محدد، وكانت دلالته متصلة اتصالاً مباشراً بأصل السلطة التي صدر في إطارها التوقيع، ثم أضيف إليه مستند رسمي لاحق يؤكد امتداد تلك السلطة إلى التصرف محل الاتهام ويثبت توقيت إلغائها، فإن إغفال هذه العناصر أو عدم مواجهتها بما يكفي لحمل النتيجة التي انتهى إليها الحكم يحول دون الوقوف على الأساس الحقيقي الذي أقيم عليه القضاء.
وعليه، فإن المتهم الأول يتمسك – أصلياً – بأن الثابت بالأوراق لا ينهض لإثبات الركن المادي لجريمة التزوير، وأن التوقيع محل الاتهام صدر في إطار وكالة رسمية قائمة وقت مباشرة التصرف، وأن نطاق تلك الوكالة قد ثبت رسمياً امتداده إلى التصرف محل الاتهام، بما تنتفي معه صورة تغيير الحقيقة التي يقوم عليها الركن المادي للجريمة، الأمر الذي يتعين معه القضاء بالبراءة.
واحتياطياً – وعلى سبيل الفرض الجدلي المحض، ودون تسليم بصحة ما انتهى إليه الحكم المعارض فيه – يتمسك المتهم الأول بإلغاء الحكم المعارض فيه، لما شابه من قصور جوهري في بحث سند النيابة ومضمونه ونطاقه وتوقيت سريانه وإلغائه، ولعدم مواجهته على نحو سائغ للمذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق وما لها من دلالة جوهرية في تحديد حقيقة الواقعة ومصدر السلطة التي صدر في إطارها التوقيع، فضلاً عن عدم استظهار الفعل المادي المحدد الذي اعتبره الحكم تغييراً للحقيقة، وعدم بيان الكيفية التي تحققت بها جريمة التزوير رغم قيام سند النيابة وقت التصرف.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء أصلياً ببراءته مما أسند إليه لانتفاء الركن المادي لجريمة التزوير وعدم ثبوت تغيير الحقيقة في المحررات محل الاتهام، واحتياطياً بإلغاء الحكم المعارض فيه والقضاء مجدداً في الدعوى على ضوء ما تقدم، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفاع أو التمسك به بأي حال من الأحوال نزولاً أو عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع السابع والأربعون: ببطلان وعدم جواز التعويل على شهادة الموظفين العموميين فيما أدلوا به من معلومات وظيفية وصلت إلى علمهم بسبب وظائفهم، لعدم ثبوت صدور الإذن القانوني السابق من السلطة المختصة، بالمخالفة لأحكام المادتين 65 من قانون الإثبات و225 من قانون الإجراءات الجنائية
يتمسك المتهم الأول ببطلان وعدم جواز التعويل على ما أدلى به الموظفون العموميون من أقوال أو معلومات وظيفية اتصل علمهم بها بسبب وظائفهم، متى كانت هذه المعلومات قد وصلت إليهم بحكم مباشرتهم لوظائفهم، وكانت مما أوجب القانون كتمانه وعدم إفشائه، ولم يثبت بالأوراق صدور الإذن القانوني السابق من السلطة المختصة بإفشائها أو الإدلاء بها أمام جهات التحقيق أو المحاكمة، وذلك إعمالاً للحظر المقرر بالمادة 65 من قانون الإثبات، وفي الحدود التي تنطبق فيها أحكامها، وما تقرره المادة 225 من قانون الإجراءات الجنائية من الرجوع إلى القواعد الخاصة بالإثبات في المسائل غير الجنائية التي تفصل فيها المحكمة الجنائية بصفة تبعية.
ذلك أن المشرع لم يترك إفشاء المعلومات التي يطلع عليها الموظف العام بسبب وظيفته لإرادته الشخصية، ولم يجعل مجرد اكتساب الموظف العلم بالمعلومة بحكم وظيفته سنداً تلقائياً لإباحة إفشائها، وإنما أقام تنظيماً قانونياً خاصاً يحمي ما يتصل بالوظيفة العامة من معلومات لم تنشر بالطريق القانوني، ويشترط – في الحدود التي حددها القانون – صدور الإذن من السلطة المختصة قبل إفشائها.
ومؤدى ذلك أن مناط جواز التعويل على هذا النوع من المعلومات لا يتحدد بمجرد كون الشاهد موظفاً عاماً، وإنما يتعين أولاً تحديد طبيعة المعلومة التي أدلى بها، ومصدر علمه بها، وما إذا كان علمه بها قد نشأ بسبب وظيفته، وما إذا كانت تلك المعلومة قد نُشرت بالطريق القانوني من عدمه، ثم التحقق – عند قيام الحظر القانوني – من صدور الإذن السابق من السلطة المختصة بإفشائها.
والثابت أن أقوال الموظفين محل التعويل – بقدر ما تضمنت معلومات مستمدة من ملفات أو سجلات أو إجراءات وظيفية اطلعوا عليها بحكم وظائفهم – لا تستمد حجيتها من مجرد الإدلاء بها أمام سلطة التحقيق أو المحكمة، إذ إن إجراءات التحقيق أو المحاكمة لا تنشئ بذاتها الإذن الذي اشترطه القانون لإفشاء المعلومات المحمية، ولا يغني مجرد سؤال الموظف عنها أو سماع أقواله عن تحقق الشرط القانوني السابق على الإفشاء متى كان القانون قد اشترط الحصول على إذن من السلطة المختصة.
ومن ثم، فإن مناط الدفع ليس صفة الشاهد الوظيفية في ذاتها، وإنما مصدر المعلومات التي أدلى بها وطبيعتها ومدى خضوعها للحظر القانوني؛ فإذا كانت المعلومة قد وصلت إلى الموظف بسبب وظيفته، ولم تكن قد نُشرت بالطريق القانوني، وكانت من المعلومات التي يحظر القانون إفشاءها إلا بإذن السلطة المختصة، فإن مجرد أداء الشهادة لا يصحح بذاته مخالفة هذا الحظر، ولا ينشئ أثراً قانونياً لمصدر معلومات لم يكن يجوز إفشاؤه ابتداءً دون استيفاء الشرط الذي أوجبه القانون.
ويزداد الأمر وضوحاً متى كانت تلك الأقوال قد تجاوزت مجرد إثبات وقائع مادية شاهدها الموظف بنفسه، إلى نقل مضمون مستندات أو ملفات وظيفية أو معلومات داخلية أو بيانات لم تكن متاحة له إلا بحكم وظيفته، ثم جرى اتخاذ تلك الأقوال دليلاً على انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع أو على تحديد نطاق الوكالة أو تفسير مضمون محرر رسمي. ففي هذه الحالة يتعين على المحكمة – قبل التعويل على تلك الأقوال – أن تتحقق من مصدر المعلومات، ومدى سريان الحظر القانوني عليها، وصدور الإذن اللازم من السلطة المختصة، وألا تستمد منها دليلاً على عنصر جوهري من عناصر الاتهام دون استيفاء الضمانات التي فرضها القانون.
ولا ينال من ذلك القول بأن الموظف قد أدلى بأقواله أمام جهة تحقيق أو أمام المحكمة، ذلك أن الفرق جوهري بين سماع الشاهد وبين جواز إفشائه للمعلومة ابتداءً؛ فالإجراء القضائي الذي يستمع إلى الشهادة لا يفترض بالضرورة توافر الإذن الموضوعي الذي اشترطه القانون لإفشاء المعلومات الوظيفية، ولا يجوز أن يتحول الاستدعاء للشهادة إلى وسيلة لإهدار قيد تشريعي سابق على الإفشاء.
كما لا يجوز الخلط بين المعلومات التي اكتسبها الموظف من واقعة عامة منشورة أو من مستند أصبح متاحاً للجمهور بالطريق القانوني، وبين المعلومات السرية أو غير المنشورة التي لم يعلم بها إلا بسبب وظيفته. فالأولى لا تدخل بالضرورة في نطاق الحظر لمجرد أن ناقلها موظف عام، أما الثانية فتخضع – متى توافرت شروط النص – للضوابط القانونية المتعلقة بإفشائها.
ومن ناحية أخرى، فإن المادة 225 من قانون الإجراءات الجنائية لا تُفهم بمعزل عن طبيعة المسألة محل الإثبات، وإنما تحيل المحكمة الجنائية – في الحدود التي تناولها النص – إلى قواعد الإثبات المقررة في القانون الخاص عندما تفصل في مسألة غير جنائية بصفة تبعية. ومن ثم، فإذا تمسك الدفاع بقيام حظر قانوني على إفشاء معلومات وظيفية معينة، فإن المحكمة تكون مطالبة ببحث مدى انطباق النص الخاص على الواقعة، والتحقق من استيفاء شروط الإفشاء قبل ترتيب أي أثر على الشهادة المستمدة من تلك المعلومات.
ولا يقف أثر هذا الدفع عند طلب استبعاد الشهادة من الناحية الشكلية، بل يمتد إلى سلامة الاستدلال بها في موضوع الاتهام؛ فإذا كانت هذه الأقوال هي التي أقيم عليها الاستنتاج بأن المتهم الأول لم تكن له سلطة التوقيع، أو أن التوكيل الرسمي لا يمتد إلى التصرف محل الاتهام، أو أن واقعة معينة قد تمت على نحو يثبت تغيير الحقيقة، فإن سقوط صلاحية التعويل على هذه الأقوال – متى ثبت خضوعها للحظر وعدم صدور الإذن القانوني السابق – يؤدي بالضرورة إلى سقوط ما بني عليها من نتائج، ما لم يكن هناك دليل مستقل قائم بذاته يكفي لإثبات ذات الواقعة.
ولا يجوز في هذا المقام الاستناد إلى مجرد تكرار المعلومة على لسان أكثر من موظف باعتبار أن تعدد الأقوال ينشئ دليلاً مستقلاً؛ إذ إن العبرة بمصدر العلم لا بعدد من نقلوه، فإذا كانت الأقوال جميعها مستمدة من ذات الملف أو ذات المعلومة الوظيفية التي لم يكن يجوز إفشاؤها إلا بالإذن القانوني، فإن تعدد الناقلين لا يغير من طبيعة مصدرها ولا يصحح بذاته العيب الذي شاب إفشاءها.
كما أن هذا الدفع يتساند مع باقي أوجه الدفاع في الدعوى؛ ذلك أن النزاع الحقيقي يدور حول نطاق التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017، ومدى امتداده إلى التوقيع على تعديل عقد الشركة وتقليل أو زيادة حصص الشركاء. وهذه مسألة يتعين حسمها ابتداءً من خلال سند الوكالة ذاته وما يرتبط به من محررات رسمية، لا من خلال أقوال وظيفية لاحقة تُنشئ قيداً غير ثابت بالمحرر أو تضيف إلى نطاقه أو تنتقص منه دون سند قانوني.
ولا سيما أن الأوراق قد تضمنت مذكرة رسمية صادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، انتهت – بحسب الثابت بها – إلى أن التوكيل المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة. ومن ثم، فإن أي شهادة وظيفية يراد بها الوصول إلى نتيجة عكس هذا الثابت الرسمي يجب أن تخضع للفحص القانوني الدقيق من حيث مصدرها وحدود دلالتها ومدى جواز التعويل عليها، ولا يجوز أن تتحول الأقوال الوظيفية إلى وسيلة لهدم محرر رسمي أو إنشاء قيد غير وارد فيه بغير سند قانوني صحيح.
وبحسبان أن الدليل الذي يستمد من شهادة الموظف العام لا تكون له حجية مطلقة لمجرد صدوره ممن يشغل وظيفة عامة، فإن المحكمة مطالبة – متى تمسك الدفاع بهذا الدفع – بأن تتحقق من الشروط التي تجعل الإفشاء مشروعاً، وأن تبين مصدر المعلومات التي أدلى بها الشاهد، وما إذا كانت قد وصلت إليه بسبب وظيفته، وما إذا كانت قد نشرت بالطريق القانوني، وما إذا كان قد صدر الإذن السابق من السلطة المختصة عند وجوبه، ثم تبين أثر ذلك كله في مدى جواز التعويل على الشهادة.
فإذا لم يثبت بالأوراق صدور الإذن القانوني السابق من السلطة المختصة، وكانت المعلومات محل الشهادة من المعلومات التي يحظر إفشاؤها قانوناً، فإن التعويل عليها يكون قد قام على دليل لم يستوفِ الشرط الذي فرضه القانون لإفشائه، ولا يجوز أن تكون مثل هذه الأقوال أساساً منفرداً أو أصلياً لإثبات تجاوز المتهم الأول لسلطته أو لإثبات الركن المادي لجريمة التزوير.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء بعدم جواز التعويل على الأقوال والمعلومات الوظيفية التي أدلى بها الموظفون العموميون في الحدود التي ثبت فيها أنها وصلت إلى علمهم بسبب وظائفهم، وكانت غير منشورة بالطريق القانوني، ولم يثبت صدور الإذن السابق من السلطة المختصة بإفشائها، واستبعاد أثرها في الاستدلال على أركان الاتهام، وما ترتب عليها من نتائج، مع القضاء ببراءة المتهم الأول مما أسند إليه لعدم قيام الدليل اليقيني المستقل على ارتكابه الفعل المادي المكون لجريمة التزوير، فضلاً عن التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار هذا الدفع أو أي دفاع آخر عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الثامن والأربعون: ببطلان الدليل المستمد من شهادة الموظفين العموميين لورودها على معلومات وأعمال وظيفية غير منشورة بالطريق القانوني، وعدم ثبوت الإذن الصادر من السلطة المختصة بإفشائها والشهادة عنها أمام جهات التحقيق والمحاكمة، وما يترتب على ذلك من عدم صلاحيتها للتعويل عليها في الإدانة
يتمسك المتهم الأول بعدم جواز التعويل على ما ورد بأقوال الموظفين العموميين الذين جرى الاستماع إليهم في الدعوى، متى كانت شهادتهم قد انصبت – بحسب حقيقتها ومصدر علمهم – على معلومات أو أعمال أو إجراءات وظيفية وصلت إلى علمهم بسبب وظائفهم، ولم يثبت أنها كانت من الوقائع أو البيانات التي أُبيح نشرها وإفشاؤها قانوناً، كما لم يثبت بالأوراق صدور إذن من السلطة المختصة قانوناً يجي لهم إفشاء تلك المعلومات والإدلاء بها أمام جهات التحقيق أو المحاكمة، وذلك في الحدود التي تنطبق فيها أحكام المادة 65 من قانون الإثبات والمادة 225 من قانون الإجراءات الجنائية.
ذلك أن المشرع لم يقرر الحماية المقررة للمعلومات الوظيفية عبثاً، وإنما أقامها على اعتبار يتصل بانتظام العمل العام وحماية ما يصل إلى الموظف بحكم وظيفته من معلومات وأعمال لم يجعل القانون نشرها أو إفشاءها مباحاً للكافة، بحيث لا يجوز تحويل مجرد العلم الوظيفي بالمعلومة إلى مصدر مفتوح للشهادة عنها دون مراعاة القيود التي وضعها القانون على إفشائها.
ومؤدى ذلك أن مناط الاحتجاج بهذا القيد لا يقوم على مجرد كون الشاهد موظفاً عاماً، ولا على مجرد كون الواقعة محل شهادته متصلة بوظيفته، وإنما يقوم على توافر عناصر محددة: أن تكون المعلومة قد وصلت إلى علمه بسبب وظيفته، وأن تكون من المعلومات التي لم تُنشر بالطريق القانوني، وأن يكون القانون قد جعل إفشاءها متوقفاً على إذن السلطة المختصة، ثم ألا يثبت صدور هذا الإذن في الحالة المعروضة.
وبتطبيق ذلك على الدعوى الماثلة، فإن ما أدلى به بعض الموظفين من أقوال – في الحدود التي تناولت فيها تلك الأقوال محتويات ملفات أو إجراءات أو مكاتبات أو أعمالاً وظيفية داخل الجهات العامة، أو تفسيرات لما تم داخل جهة العمل، أو معلومات لم تكن متاحة لهم إلا بحكم مباشرتهم لاختصاصاتهم الوظيفية – لا يجوز أن يُعامل باعتباره دليلاً قولياً مطلق الحجية دون التحقق أولاً من مصدر علم الشاهد، وطبيعة المعلومات التي أفصح عنها، وما إذا كانت قد نُشرت قانوناً، وما إذا كان قد صدر الإذن اللازم بإفشائها، ومن هي السلطة التي أصدرته، ومدى شموله للواقعة التي أدلى بشأنها الشاهد بأقواله.
ولا يكفي في هذا المقام مجرد حضور الموظف أمام جهة التحقيق أو المحكمة لكي يستفاد منه ضمناً صدور الإذن القانوني بإفشاء المعلومات التي علم بها بسبب وظيفته؛ إذ إن الإذن – متى اشترطه القانون – يجب أن يكون ثابتاً ممن يملك إصداره وبالنطاق الذي يسمح به القانون، ولا يجوز افتراضه أو استخلاص وجوده من مجرد توجيه جهة التحقيق سؤالاً إلى الموظف أو سماع أقواله.
كما لا يكفي كذلك أن تكون المعلومات قد وردت في ملف الدعوى أو أن تكون جهة التحقيق قد أدرجت المستندات المتعلقة بها ضمن أوراق القضية، إذ إن مناط الحظر – في الفرض الذي تنطبق فيه المادة 65 من قانون الإثبات – يتعلق بمصدر علم الموظف وطبيعة المعلومات التي وصلت إليه بسبب وظيفته ومدى جواز إفشائها، وليس بمجرد وجودها المادي ضمن أوراق الدعوى. ومن ثم فإن مجرد إدراج معلومة في محضر تحقيق أو في ملف القضية لا يحسم بذاته مدى مشروعية إفشائها من جانب الموظف الذي علم بها بحكم وظيفته.
ويزداد الأمر أهمية في الدعوى الماثلة متى كانت أقوال الموظفين قد استُخدمت لا لمجرد إثبات واقعة مادية شاهدوها بأنفسهم، وإنما لتقرير نتائج أو تفسيرات تتعلق بمضمون المستندات الرسمية، أو بنطاق سلطة المتهم الأول المستمدة من التوكيل، أو بكيفية فهم الإجراءات التي تمت داخل الجهات الإدارية، أو بما إذا كان التصرف محل الاتهام يدخل في نطاق الوكالة من عدمه؛ إذ يتعين عندئذ التفرقة بين الواقعة التي أدركها الشاهد بحواسه وأداها على نحو مباشر، وبين الرأي أو التفسير أو الاستنتاج الذي استخلصه من اطلاعه الوظيفي على الأوراق.
فالشاهد الموظف لا يتحول بمجرد صفته الوظيفية إلى مصدر لإنشاء حقيقة قانونية جديدة، ولا تكون أقواله – لمجرد صدورها عن موظف عام – بديلاً عن المحررات الرسمية ذاتها، ولا عن النصوص القانونية الحاكمة، ولا عن سند الوكالة الذي يستمد منه المتهم الأول سلطته. فإذا كانت الشهادة قد تجاوزت نقل واقعة مادية أدركها الشاهد مباشرة إلى تفسير نطاق التوكيل أو تقرير عدم امتداده إلى التصرف محل الاتهام، فإن هذا الجزء من الأقوال لا يعدو أن يكون رأياً أو استنتاجاً لا يغني عن فحص المحرر ذاته، ولا يجوز أن يُجعل مصدراً مستقلاً لإنشاء قيد غير وارد في سند الوكالة.
والأخطر من ذلك أن يكون هذا التفسير قد استمده الشاهد من معلومات أو ملفات اطلع عليها بحكم وظيفته ولم تكن منشورة قانوناً، دون أن يثبت بالأوراق صدور الإذن الذي يجي له الإفصاح عنها. ففي هذه الحالة لا يكون الأمر متعلقاً بمجرد تقدير قيمة الشهادة، وإنما يثور ابتداءً سؤال سابق عن مدى جواز الاستناد إلى مصدر المعلومات ذاته، ومدى مشروعية إفشائها أمام جهات التحقيق والمحاكمة.
ولا يغير من ذلك أن الموظف قد أدلى بأقواله أمام جهة قضائية أو جهة تحقيق؛ إذ يتعين التحقق من توافر الشروط القانونية التي تجيز إفشاء المعلومات الوظيفية قبل ترتيب الأثر الاستدلالي عليها، ولا يجوز افتراض استيفاء هذا الشرط لمجرد أن الشهادة قد أُثبتت بمحضر رسمي.
ومن ثم، فإن المتهم الأول يتمسك بأن النيابة العامة وسلطة الاتهام – متى أرادت التعويل على أقوال هؤلاء الموظفين في إثبات واقعة جوهرية في الدعوى – يقع عليها، في حدود تطبيق النص القانوني المنظم لحظر الإفشاء، أن يكون مصدر المعلومات مشروعاً، وأن يثبت أن الشاهد كان مخولاً قانوناً في إفشائها، وأن الإذن الصادر – إن كان القانون يشترطه – قد صدر من السلطة المختصة وبالنطاق الذي يشمل المعلومات التي أدلى بها الشاهد، لا أن يُترك ذلك مجرد افتراض أو استنتاج.
ولا سيما أن هذه الأقوال – بحسب ما يُراد التعويل عليها – تمس مسألة جوهرية في الدعوى، هي تحديد نطاق الوكالة ومدى سلطة المتهم الأول في مباشرة التصرف محل الاتهام، وهي مسألة لها مصدرها الأول في التوكيل الرسمي ذاته، وقد تعززت بمذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل التي انتهت – بعد فحص سند الوكالة – إلى أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
ومن ثم لا يجوز أن تتحول أقوال موظف استمد معلوماته من ملف وظيفي غير منشور، دون ثبوت الإذن القانوني بإفشائها، إلى وسيلة لإهدار محرر رسمي أو إنشاء تفسير مغاير له ثم إقامة الإدانة عليه، وإلا انقلبت الوسيلة الاستدلالية إلى مصدر لحقيقة قانونية لا تستمد من سندها الصحيح.
وحتى على فرض القول بجواز سماع الموظف من حيث الأصل، فإن ذلك لا يعني بالضرورة جواز التعويل على كل ما يورده من معلومات أو استنتاجات؛ إذ يجب التمييز بين أصل الشهادة وبين نطاق الحجية الاستدلالية لكل قول ورد فيها، واستبعاد ما لا يجوز قانوناً إفشاؤه أو ما لم يثبت صدور الإذن اللازم بشأنه، وكذلك عدم التعويل على ما جاوز الإدلاء بواقعة أدركها الشاهد إلى إبداء تفسير قانوني أو إنشاء قيد على سند الوكالة لا مصدر له في المحرر ذاته.
ولما كان الحكم الجنائي لا يجوز أن يقوم على دليل لم يستوفِ شروط صلاحيته القانونية أو على معلومات لم يثبت جواز إفشائها، وكان الدليل المستمد من أقوال الموظفين – في الحدود سالفة البيان – قد قام على معلومات وظيفية غير منشورة، ولم يثبت بالأوراق صدور الإذن من السلطة المختصة بإفشائها والشهادة عنها، فإن التعويل عليها في إثبات تجاوز المتهم الأول لحدود وكالته أو في استخلاص توافر فعل التزوير في حقه يكون قد جاء بغير سند قانوني سليم.
ولا ينال من ذلك الأصل المقرر في المواد الجنائية من حرية المحكمة في تقدير الأدلة، إذ إن حرية الاقتناع لا تعني جواز التعويل على دليل لم تتوافر له شروطه القانونية، كما لا تعني أن يصبح كل ما يرد على لسان الموظف العام صحيحاً أو صالحاً للاحتجاج به لمجرد صدوره منه. فحرية المحكمة في وزن الدليل تفترض ابتداءً أن يكون الدليل مما يجوز قانوناً طرحه والاستناد إليه، وأن تكون دلالته متصلة بالواقعة المراد إثباتها، وأن يكون الشاهد قد أدلى بما أدركه على وجه مشروع ومباشر، لا بما استقاه من معلومات محظور إفشاؤها أو بما استنتجه من أوراق لم يثبت جواز الكشف عنها.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول عدم التعويل على أقوال الموظفين العموميين في الحدود التي انصبت فيها على معلومات وأعمال وظيفية لم يثبت نشرها بالطريق القانوني، ولم يثبت صدور الإذن من السلطة المختصة بإفشائها والشهادة عنها، واستبعاد أثرها الاستدلالي في إثبات تجاوز المتهم الأول لحدود الوكالة أو إثبات فعل التزوير أو القصد الجنائي، وعدم اتخاذها أساساً للإدانة، مع التمسك بكافة الدفوع والطلبات وأوجه الدفاع السابقة، وبالأخص ما يتعلق بحجية سند الوكالة الرسمي وثبوت امتداد سلطته إلى التصرف محل الاتهام.
.
الدفع التاسع والأربعون: فساد استدلال الحكم المعارض فيه وقصوره في التسبيب لتعويله على أقوال موظفين عموميين في شأن إجراءات ومعلومات وظيفية، دون استظهار توافر الشرط الإجرائي المقرر بالمادة 65 من قانون الإثبات، ودون التحقق من وجود الإذن الصادر من السلطة المختصة
يتمسك المتهم الأول بفساد استدلال الحكم المعارض فيه وقصوره في التسبيب، فيما عوّل عليه من أقوال بعض الموظفين العموميين بشأن إجراءات ومعلومات وصلت إلى علمهم بحكم وظائفهم، واتخذ من تلك الأقوال سنداً في تكوين عقيدته بالنسبة إلى الواقعة ونسبة الاتهام إلى المتهم الأول، دون أن يستظهر الحكم – استظهاراً سائغاً وكافياً – طبيعة المعلومات التي أدلى بها هؤلاء الموظفون، ومصدر علمهم بها، وما إذا كانت مما وصل إلى علمهم بحكم وظائفهم، وما إذا كانت قد نُشرت بالطريق القانوني، وما إذا كان قد صدر الإذن اللازم من السلطة المختصة في إذاعتها، وذلك على النحو الذي تستلزمه أحكام المادة 65 من قانون الإثبات.
ذلك أن مناط تطبيق النص المشار إليه ليس مجرد كون الشاهد موظفاً عاماً، وإنما أن تكون الواقعة أو المعلومات التي يراد التعويل على شهادته بشأنها قد اتصلت بعلمه بسبب وظيفته، وأن تكون من المعلومات التي أحاط بها القانون بقيود خاصة في مجال إفشائها أو إذاعتها. ومن ثم كان لزاماً على الحكم، متى عوّل على أقوال موظفين عموميين في مسائل وظيفية وإجراءات رسمية، أن يستظهر ابتداءً طبيعة هذه المعلومات ومصدرها وصفة اتصال الشهود بها، ثم يتحقق من استيفاء الشرط الإجرائي الذي يجي لهم إفشاءها أو الإدلاء بها، لا أن يورد مضمون أقوالهم ويتخذ منها دليلاً في الدعوى دون بحث هذا القيد القانوني.
والأمر في الدعوى الماثلة لا يتعلق بأقوال عابرة أو بوقائع مادية شاهدها الموظف عرضاً خارج نطاق وظيفته، وإنما – بحسب ما عوّل عليه الحكم – بأقوال ومعلومات تتصل بإجراءات رسمية ومستندات ومعاملات تمت داخل جهات عامة، وبما جرى فيها من إجراءات وما تم الاطلاع عليه من بيانات ومعلومات بحكم العمل الوظيفي. ومن ثم كان يتعين على الحكم أن يحدد على وجه الدقة: ما هي المعلومة التي أدلى بها كل شاهد؟ وهل علم بها عن طريق وظيفته؟ وهل كانت من المعلومات التي يجوز له قانوناً إفشاؤها؟ وهل كانت قد نُشرت بالطريق القانوني؟ وهل صدر من السلطة المختصة الإذن الذي يتطلبه القانون في الحالة المعروضة؟
أما أن يستند الحكم إلى مجرد صفة الشاهد الوظيفية، ثم يستخلص من أقواله صحة الوقائع التي شهد بها دون أن يبحث مصدر علمه وحدود ما يجوز له الإفصاح عنه، فإن ذلك لا يكفي لحمل قضائه، ولا يكشف عن أن المحكمة قد واجهت القيد القانوني الذي يحكم هذا النوع من الأدلة وأعملت حكمه على الواقعة المعروضة.
ويزداد أثر هذا القصور أهمية متى كانت الأقوال التي عوّل عليها الحكم قد استُخدمت في تحديد نطاق الوكالة أو تفسير مضمون المستندات الرسمية أو استخلاص انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع أو تأييد الصورة التي أقام عليها الحكم قضاءه بالإدانة؛ إذ إن هذه المسائل لا يجوز أن تُحسم بمجرد أقوال وظيفية غير ممحصة، ولا أن يُستخلص منها قيد على سند وكالة رسمي أو معنى مغاير لما ثبت بالمحررات، دون أن يبين الحكم مصدر علم الشاهد وحدود شهادته والأساس القانوني الذي يجي له الإفصاح عن المعلومات التي استند إليها.
ولا يكفي في هذا المقام أن تكون أقوال الموظف قد وردت بمحضر التحقيق أو أمام المحكمة، إذ إن مجرد إثبات الأقوال في محضر رسمي لا يعفي المحكمة من واجب التحقق من مدى انطباق القيود القانونية المنظمة لإفشاء المعلومات التي وصلت إلى الموظف بسبب وظيفته، ولا يحول دون التزامها ببيان سبب صلاحية الدليل الذي عوّلت عليه ومدى مشروعية مصدره في الحدود التي رسمها القانون.
كما أن الحكم المعارض فيه، وقد اتخذ من هذه الأقوال أساساً في تكوين عقيدته، كان يتعين عليه أن يبين ما إذا كان هؤلاء الموظفون قد أدلوا بوقائع مادية أدركوها إدراكاً مباشراً، أم أنهم نقلوا معلومات أو استنتاجات أو تفسيرات مستمدة من ملفات أو سجلات وظيفية، أم أنهم أبدوا فهماً شخصياً لمضمون محررات رسمية أو لنطاق سلطة قانونية مستمدة من توكيل. فالفارق بين الشهادة على واقعة أدركها الشاهد بحواسه وبين نقل مضمون معلومات وظيفية أو إبداء رأي في تفسير مستند هو فارق جوهري في تقدير قيمة الدليل ومدى صلاحيته للاستناد إليه في الإدانة.
ومن ثم، فإذا كانت أقوال الموظفين قد انصبت على معلومات وظيفية لم يكن مصدرها إدراكهم الشخصي للواقعة، وإنما ما اطلعوا عليه بحكم أعمالهم أو ما استخلصوه من ملفات الجهة التي يعملون بها، فقد كان يتعين على الحكم أن يستظهر السند القانوني الذي يجي لهم إفشاء تلك المعلومات، وأن يتحقق من وجود الإذن الصادر من السلطة المختصة متى كان القانون يشترطه، وأن يبين في أسبابه كيفية تحقق هذا الشرط، بدلاً من افتراض توافره أو السكوت عنه كلية.
ولا يغير من ذلك أن المحكمة الجنائية لها أصلًا سلطة تقدير الأدلة المطروحة عليها، إذ إن حرية المحكمة في تكوين عقيدتها لا تعني إهدار القيود القانونية التي تحكم الحصول على الدليل أو إفشاء المعلومات التي أحاطها المشرع بحماية خاصة، كما لا تعني إعفاء الحكم من بيان الأساس الذي استند إليه في التعويل على دليل جوهري كان محل منازعة جدية من جانب الدفاع.
ويكون الحكم قد ازداد قصوراً وفساداً في الاستدلال إذا كان قد أقام من هذه الأقوال نتيجة قانونية تتعلق بانتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع أو تجاوز نطاق الوكالة، في حين أن هذه النتيجة لا تستخلص بمجرد أقوال الموظفين، ولا سيما إذا كانت الوكالة ذاتها محرراً رسمياً ثابتاً بالأوراق، وكانت الإدارة العامة للتوثيق قد انتهت – في المذكرة الرسمية الصادرة في الملف رقم 134 لسنة 2026 – إلى أن التوكيل محل الاتهام يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
فإذا كان الحكم قد رجّح أقوال الموظفين على الدلالة المستمدة من سند الوكالة والمذكرة الرسمية، كان لزاماً عليه أن يكشف عن الأسباب الواقعية والقانونية التي دعته إلى هذا الترجيح، وأن يبين تحديداً الواقعة التي أدركها كل شاهد إدراكاً مباشراً، ومصدر علمه، ومدى مشروعية إفشائه للمعلومة الوظيفية، ثم يبين كيف تؤدي شهادته – بعد ذلك – إلى النتيجة التي انتهى إليها. أما الاكتفاء بسرد أقوالهم ثم اتخاذها أساساً لنفي سلطة المتهم الأول دون هذا البيان، فإنه يحجب وجه استدلال الحكم ويعجز محكمة الطعن عن مراقبة سلامة تطبيق القانون على الواقعة.
ولا سيما أن الدفاع قد تمسك – على نحو جوهري – بأن مصدر سلطة المتهم الأول في التوقيع ثابت بمحرر رسمي، وأن نطاق تلك السلطة قد تعزز بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق، وأن ما يقال خلاف ذلك من جانب بعض الموظفين لا يجوز أن يتحول إلى قيد غير مكتوب على سند الوكالة دون بيان مصدره القانوني والواقعي. ومن ثم كان يتعين على الحكم أن يواجه هذا الدفاع مواجهة حقيقية، وأن يبين لماذا طرح المستندات الرسمية وما استمد منها من دلالة، ولماذا أخذ بالأقوال الوظيفية المخالفة لها، بعد التحقق ابتداءً من استيفاء شروط التعويل عليها قانوناً.
والأخطر من ذلك أن السكوت عن التحقق من وجود الإذن الصادر من السلطة المختصة، متى كانت المعلومات محل الشهادة من تلك التي يشملها القيد الوارد بالمادة 65 من قانون الإثبات، يجعل الحكم قد أقام قضاءه على دليل لم يستظهر استيفاء شروط استعماله القانونية. ولا يكفي في مقام القضاء الجنائي أن يكون الدليل وارداً بالأوراق؛ بل يتعين أن يكون صالحاً للتعويل عليه، وأن يكون استخلاص النتيجة منه سائغاً ومنطقياً ومحمولاً على أسباب تكشف عن عناصره ومصدره وحدود دلالته.
ومن ثم، فإن الحكم المعارض فيه، إذ عوّل على أقوال موظفين عموميين في شأن معلومات وإجراءات وظيفية دون أن يستظهر انطباق القيد المقرر بالمادة 65 من قانون الإثبات، ودون أن يتحقق من نشر المعلومات بالطريق القانوني أو من صدور الإذن من السلطة المختصة عند لزومه، ودون أن يبين مصدر علم كل شاهد ومدى مباشرته للواقعة، ثم اتخذ من تلك الأقوال سنداً في استخلاص انتفاء سلطة المتهم الأول وفي بناء صورة الاتهام، يكون قد شابه قصور جوهري في التسبيب وفساد في الاستدلال، بما يعيبه ويهدر ما أقيم عليه من نتائج.
ولما كان هذا الدليل قد اتصل اتصالاً مباشراً بعنصر جوهري في الدعوى، ولم يكن مجرد دليل ثانوي يمكن الاستغناء عنه دون أن يتغير وجه الرأي فيها، فإن قصور الحكم في استظهار مشروعية التعويل عليه، والتحقق من استيفائه الشرط الإجرائي الذي قرره القانون، يكون مؤثراً في سلامة النتيجة التي انتهى إليها، ولا سيما مع قيام محررات رسمية يتعين بحث دلالتها على استقلال وعدم إهدارها بأقوال وظيفية لم يستظهر الحكم مدى صلاحيتها القانونية لهذا الغرض.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول عدم التعويل على ما استند إليه الحكم من أقوال الموظفين العموميين في الحدود التي تكون فيها متعلقة بمعلومات وصلت إليهم بسبب وظائفهم ولم يستظهر الحكم استيفاء شروط إفشائها قانوناً، واستبعاد أثرها في إثبات انتفاء سلطة المتهم الأول أو قيام فعل التزوير، والقضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على فساد الاستدلال والقصور في التسبيب وعدم كفاية الدليل القولي – على الصورة التي عوّل عليها الحكم – لإهدار الثابت بالمحررات الرسمية، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم اعتبار هذا الدفع تنازلاً أو عدولاً عن أي منها.
الدفع الخمسون: عدم صلاحية شهادة السيد/ محمود ماهر عبد العظيم الحصري للإسناد والإثبات في واقعة إصدار التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017، لعدم مباشرته تحرير أو توثيق التوكيل محل الاتهام، وانحصار علمه بالواقعة – بحسب الثابت من الأوراق – في معلومات لاحقة لا تنهض بها شهادة مباشرة على واقعة الإصدار
يتمسك المتهم الأول بعدم صلاحية ما أدلى به السيد/ محمود ماهر عبد العظيم الحصري من أقوال للإسناد إليه في واقعة إصدار التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وبالأخص فيما جاوز حدود ما أدركه الشاهد إدراكاً شخصياً ومباشراً، ذلك أن الشاهد لم يباشر – بحسب الثابت بالأوراق – تحرير التوكيل محل الاتهام، ولم يثبت أنه كان القائم على توثيقه أو الحاضر لواقعة صدوره، ولم يثبت كذلك أنه عاين بنفسه واقعة إنشائه أو توقيعه أو إقراره من صاحبة الشأن، ومن ثم فلا تستقيم أقواله – متى كانت قائمة على معلومات لاحقة أو على مجرد الاطلاع على أوراق ومستندات بعد صدورها – دليلاً مباشراً على واقعة إصدار التوكيل أو على حقيقة الإرادة التي انصرفت إليها صاحبة الشأن عند إنشائه.
ذلك أن الواقعة محل البحث ليست مجرد واقعة قانونية مجردة يمكن للشاهد أن يستخلصها من قراءته اللاحقة للمستند، وإنما هي واقعة مادية محددة تتعلق بصدور توكيل رسمي في تاريخ معين، وبمضمونه الثابت في محرر رسمي، وبما صدر عن الموكل من إرادة عند إنشائه، وهي أمور لا تثبت بالشهادة المبنية على مجرد الاستنتاج أو الاطلاع اللاحق، وإنما تكون العبرة فيها بما يثبته سند الوكالة الرسمي ذاته، وبما يكون الشاهد قد أدركه بحواسه إدراكاً مباشراً إذا كان قد حضر واقعة الإصدار بالفعل.
والثابت أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 قائم كمحرر رسمي، ثابت التاريخ والبيانات والصفة، وقد تضمن على نحو صريح السلطات التي خولتها صاحبة الشأن للمتهم الأول، ومنها القيام نيابة عنها بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، وما اتصل بذلك من سلطات التعامل أمام الجهات المختصة. ومن ثم فإن مضمون الوكالة ليس واقعة مجهلة تحتاج إلى استنتاج الشاهد، وإنما هو أمر ثابت بذات المحرر الرسمي الذي أُنشئ لإثباته.
ولا يجوز بالتالي أن تتحول شهادة شاهد لم يباشر تحرير التوكيل أو توثيقه إلى مصدر بديل عن المحرر الرسمي ذاته، بحيث يستخلص منها قيد أو استثناء أو تحديد لم يرد في نص الوكالة، أو أن تُتخذ أقواله اللاحقة لإعادة بناء إرادة الموكل على خلاف ما أثبته سند الوكالة رسمياً، ما لم يكن الشاهد قد أدرك بنفسه واقعة مادية مستقلة تبرر ذلك، مع بيان مصدر علمه بها على وجه محدد ومباشر.
والأمر يزداد أهمية في الدعوى الماثلة لأن مدى سلطة المتهم الأول في التوقيع يمثل عنصراً محورياً في التصوير الذي أقيم عليه الاتهام؛ فإذا كان الاتهام قد انطلق من القول بأن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة التوقيع على تعديل عقد الشركة أو على تعديل حصص الشركاء، فإن إثبات هذا الأمر لا يكون بمجرد قول لاحق من شاهد لم يباشر إنشاء سند الوكالة، وإنما يتعين أن يستند إلى دليل مباشر ومعتبر يكشف عن الحقيقة التي كانت قائمة وقت إنشاء الوكالة، أو عن واقعة قانونية لاحقة ثابتة أدت إلى زوال السلطة قبل مباشرة التصرف محل الاتهام.
أما إذا كانت أقوال الشاهد قد تأسست على أنه اطلع لاحقاً على التوكيل أو على ملفات الشركة أو على أقوال أطراف أخرى، أو أنه استخلص من تلك الأوراق أن الوكالة لا تشمل التصرف محل الاتهام، فإن هذا لا يعدو أن يكون تفسيراً أو استنتاجاً من جانب الشاهد، ولا يتحول بمجرد إسناده إلى شخص ذي صلة بالجهة المختصة إلى واقعة مادية أدركها بنفسه. كما أن تفسير نطاق الوكالة من الناحية القانونية لا يستمد حجيته من شخص الشاهد، وإنما يستخلص من ألفاظ سند الوكالة وظروف التصرف وسائر الأدلة المطروحة على المحكمة.
ولا ينال من ذلك أن يكون الشاهد موظفاً أو صاحب صلة وظيفية بالأعمال محل الدعوى، إذ إن الصفة الوظيفية لا تمنح القول حجية تتجاوز حدود العلم الشخصي للشاهد، ولا تجعل المعلومات التي وصلت إليه بطريق الأوراق أو المكاتبات أو أقوال الغير بمنزلة واقعة عاينها بنفسه. فالعبرة في قيمة الشهادة ليست بمركز قائلها أو صفته، وإنما بمصدر علمه بالواقعة ومدى مباشرته لها وقدرته على الإدلاء بما أدركه شخصياً بشأنها.
ومن ثم، فإذا كان الشاهد لم يكن محرراً للتوكيل، ولم يثبت حضوره واقعة صدوره أو توقيعه أو توثيقه، ولم يباشر بنفسه تحديد إرادة الموكل أو تلقّيها، فإن أقواله – في هذا النطاق – لا تصلح لإثبات أن التوكيل لم يصدر بالصورة الثابتة به، ولا لإثبات أن الموكل لم يقصد منح السلطة الواردة فيه، ولا لإنشاء قيد على الوكالة لم يرد في نصها، ولا لإثبات أن المتهم الأول كان يعلم – وقت مباشرة التصرف محل الاتهام – بانعدام سلطته أو تجاوزها.
ولا سيما أن الأوراق قد تضمنت سنداً رسمياً قائماً بذاته، وهو التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017، فضلاً عما انتهت إليه مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
ومن ثم فإن أي قول من الشاهد يخالف هذا الثابت الرسمي لا يجوز أن يُتعامل معه باعتباره حقيقة مستقلة لمجرد صدوره منه، وإنما يتعين أولاً تحديد مصدر علمه: هل كان حاضراً واقعة إنشاء الوكالة؟ هل تلقى إرادة الموكل بنفسه؟ هل باشر توثيقها؟ أم أنه اطلع عليها بعد ذلك واستخلص منها رأياً أو تفسيراً خاصاً؟ فالفارق بين هذه الصور جوهري؛ إذ إن الشهادة المباشرة تتعلق بواقعة أدركها الشاهد بنفسه، بينما الرأي المستخلص من قراءة محرر أو من معلومات وردت إليه لاحقاً لا يحول الشاهد إلى مصدر أصلي للواقعة ذاتها.
كما لا يجوز أن يُستفاد من مجرد عدم مباشرة الشاهد لتحرير التوكيل أنه يستطيع نفي صدوره أو تفسيره على نحو يخالف ما هو ثابت به، لأن واقعة الإصدار لها مستند رسمي قائم، وتظل دلالة هذا المستند هي الأصل في تحديد ما صدر عن الموكل من سلطات، ولا يُعدل عنها إلا بدليل قانوني معتبر يتناول الواقعة ذاتها ويصلح لإهدار أو زعزعة ما أثبته المحرر.
وإذا كان الشاهد قد أدلى بأقوال تتعلق بمضمون التوكيل أو بحدود السلطة التي تضمنها، دون أن يكون قد شارك في إنشائه أو توثيقه أو عاين الواقعة التي صدر فيها، فإن أقواله في هذا الشق لا تكون شهادة على واقعة الإصدار، وإنما هي – في أحسن فروضها – قراءة أو تفسير لاحق لمحرر قائم، ولا يجوز أن تُمنح من القوة ما يجعلها بديلاً عن المحرر الرسمي أو وسيلة لإضافة قيد لم يتضمنه.
ويتعين كذلك التمييز بين أمرين لا يجوز الخلط بينهما: الأول، أن يكون الشاهد قد أدرك واقعة مادية مستقلة، كحضوره واقعة التوقيع أو علمه المباشر بواقعة لاحقة مؤثرة في الوكالة؛ والثاني، أن يكون قد استخلص من المستندات أو من أقوال الغير أن المتهم الأول لم تكن له سلطة في التصرف. فالأول قد يكون محلاً للشهادة متى توافرت شروطها، أما الثاني فلا يعدو أن يكون استنتاجاً لا يغني عن الدليل الأصلي ولا يصلح وحده لإثبات الركن المادي لجريمة التزوير أو القصد الجنائي فيها.
ومن ناحية أخرى، فإن مجرد اختلاف الشاهد مع دفاع المتهم الأول في تفسير نطاق الوكالة لا يثبت أن المتهم قد غير الحقيقة في محرر، ولا يثبت أنه كان يعلم بعدم سلطته، ولا يثبت أنه قصد استعمال محرر مزور. فهذه نتائج جنائية مستقلة يتعين إقامة الدليل عليها بذاتها، ولا يجوز استخلاصها من رأي شخصي أو تفسير لاحق لمحرر رسمي لم يشارك الشاهد في إنشائه.
وإذ كان الاتهام في الدعوى الماثلة قد اتخذ من القول بانتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع أساساً لنسبة التزوير إليه، فإن إقامة هذا الأساس على شهادة شخص لم يباشر واقعة إصدار التوكيل، ولم يثبت إدراكه المباشر لها، تكون قد أقامت الدليل على واقعة جوهرية بواسطة مصدر لا يملك – في حدود علمه – الشهادة المباشرة عليها. ويزداد ضعف هذا الاستدلال حين يتعارض ما يستخلص من أقواله مع نص سند الوكالة الرسمي ومع ما انتهت إليه الجهة المختصة بالتوثيق في مذكرتها الرسمية.
ومن ثم، يتمسك المتهم الأول بأن أقوال السيد/ محمود ماهر عبد العظيم الحصري لا تصلح – في حدود ما لم يدركه شخصياً ولم يباشره بنفسه – لإثبات واقعة إصدار التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 على خلاف الثابت بالمحرر الرسمي، ولا لإثبات انتفاء السلطة المستمدة منه، ولا لإثبات أن المتهم الأول كان يعلم بانعدام سلطته وقت التوقيع، ولا لإثبات ارتكابه فعلاً مادياً من أفعال تغيير الحقيقة.
وإذا كانت المحكمة قد عولت على تلك الأقوال في تكوين عقيدتها بالإدانة، فإن المتهم الأول يتمسك بوجوب تحديد مصدر علم الشاهد بكل واقعة أدلى بها، وتمييز ما أدركه مباشرة عما نقله أو استخلصه من أوراق أو أقوال أو معلومات لاحقة، وعدم تحميل شهادته أكثر مما تحتمل، وعدم اتخاذها سنداً لهدم محرر رسمي أو لإضافة قيد إلى الوكالة غير ثابت بنصها.
وعليه، فإن شهادة السيد/ محمود ماهر عبد العظيم الحصري – في حدود ما لم يباشره شخصياً ولم يدركه مباشرة من واقعة إصدار التوكيل – لا تصلح سنداً لإسناد فعل التزوير إلى المتهم الأول، ولا لإثبات انتفاء سلطته في التوقيع، ولا لإقامة القصد الجنائي في حقه، ولا يجوز التعويل عليها في مواجهة الثابت بالمحرر الرسمي وبالدلالة المؤيدة التي جاءت بها مذكرة الإدارة العامة للتوثيق، الأمر الذي ينهار معه أحد الأسس التي أقيم عليها الاتهام، ويتعين معه القضاء ببراءة المتهم الأول مما أسند إليه، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم التنازل عنها.
الدفع الواحد والخمسون: بانهيار الدليل القولي المستمد من شهادة الموظفين العموميين، وعدم جواز التعويل عليه كدليل مستقل أو معزز للإدانة متى ثبت عدم استيفائه الضمانات والقيود المقررة قانونًا لسماع شهادتهم عن المعلومات التي وصلت إلى علمهم بسبب الوظيفة
يتمسك المتهم الأول بعدم جواز التعويل على ما ورد بأقوال الموظفين العموميين الذين استند إليهم الاتهام في إثبات انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع أو في تفسير مضمون سند الوكالة أو تحديد مداه، متى كانت المعلومات التي أدلوا بها قد وصلت إلى علمهم أثناء مباشرتهم لوظائفهم أو بسببها، وكانت تلك المعلومات لم تنشر بالطريق القانوني ولم يثبت صدور الإذن من السلطة المختصة بإذاعتها والشهادة بها، وذلك في الحدود التي تنطبق فيها أحكام المادة 65 من قانون الإثبات.
ذلك أن المشرع لم يترك أمر إفشاء الموظف العام لما يصل إلى علمه بسبب الوظيفة مطلقاً، وإنما أقام قيداً تشريعياً صريحاً على أداء هذه الشهادة، مؤداه أن الموظفين والمكلفين بخدمة عامة لا يشهدون – ولو بعد تركهم العمل – عما وصل إلى علمهم أثناء قيامهم به من معلومات لم تنشر بالطريق القانوني ولم تأذن السلطة المختصة في إذاعتها، مع جواز أن تأذن السلطة المختصة لهم في الشهادة بناءً على طلب المحكمة أو أحد الخصوم. ومؤدى ذلك أن مناط تطبيق هذا القيد ليس مجرد الصفة الوظيفية للشاهد، وإنما طبيعة المعلومة ومصدر علمه بها ومدى خضوعها للقيد القانوني، وما إذا كان قد استوفى الإذن اللازم للشهادة عنها.
ومن ثم، فإذا كان ما أدلى به الموظفون الذين عُوِّل على أقوالهم في الدعوى لا يقوم على واقعة شاهدوها بأنفسهم، وإنما على معلومات اطلعوا عليها بحكم وظائفهم، أو بيانات وملفات ومستندات رسمية وصلت إليهم بحكم عملهم، أو إجراءات داخلية أو بيانات غير منشورة، فإن تحديد مدى جواز سماعهم عنها لا يكون أمراً هامشياً يمكن تجاوزه، وإنما يصبح شرطاً سابقاً على ترتيب الأثر الاستدلالي على هذه الأقوال، متى توافرت في الواقعة عناصر القيد الوارد بالمادة 65 من قانون الإثبات.
ولا ينال من ذلك القول بأن الشاهد موظف عام وأن أقواله قد صدرت أمام جهة التحقيق أو المحكمة، إذ إن مجرد أداء الشهادة لا يغني عن استيفاء القيود التي وضعها القانون بالنسبة إلى نوع معين من المعلومات التي تصل إلى الموظف بسبب وظيفته. فالمناط ليس في مكان الإدلاء بالقول وحده، وإنما في مصدر العلم وطبيعة المعلومات وكونها مما أباح القانون للموظف إفشاءه أو مما اشترط فيه إذناً من السلطة المختصة.
والأخطر من ذلك أن الدليل القولي محل المنازعة – بحسب تصوير الاتهام – لم يكن منصباً على واقعة مادية مستقلة شاهدها الموظفون بأنفسهم، وإنما جاوز ذلك إلى تفسير سند الوكالة وتحديد نطاق السلطة التي خولها لصاحبها، والقول بأن تلك السلطة لا تمتد إلى التصرف محل الاتهام. وهذه مسائل يتعين أن تُستمد في المقام الأول من محرر الوكالة ذاته ومن مضمونه الثابت رسمياً، لا من مجرد الانطباع الشخصي للموظف أو تفسيره اللاحق لما ورد بالمحرر، ولا سيما إذا لم يكن الشاهد هو من حرر سند الوكالة أو وثقه أو حضر واقعة صدوره.
فإذا كان الموظف قد أدلى برأي أو تفسير لمضمون محرر رسمي، دون أن يكون قد شهد واقعة إنشائه أو صدوره، فإن أقواله – في هذا القدر – لا تكون شهادة على واقعة مادية عاينها بحواسه، وإنما تتحول إلى تفسير أو استنتاج شخصي لا يجوز أن يحل محل المحرر ذاته، ولا أن ينشئ قيداً غير وارد فيه، ولا أن يهدم دلالة نص صريح ثابت بمحرر رسمي.
ويزداد الأمر وضوحاً إذا كان الدليل القولي قد استُخدم لإثبات أن التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 لا يبيح للمتهم الأول التوقيع على تعديل عقد الشركة أو إجراء التعديل المتعلق بحصص الشركاء، بينما الثابت من سند الوكالة ذاته أنه تضمن تفويض المتهم الأول في القيام نيابة عن موكلته بالمسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات، فضلاً عما انتهت إليه مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 من أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء بتقليل أو زيادة حصة الشركاء.
ومن ثم لا يجوز أن تتحول شهادة الموظف – متى كانت قائمة على مجرد تفسير لاحق لمحرر رسمي – إلى وسيلة لإنشاء قيد على الوكالة لم يرد بها، أو إلى أداة لإهدار الدلالة المستمدة من نصها، أو إلى دليل مستقل على ارتكاب المتهم الأول لجريمة تزوير، خاصة إذا لم يثبت أن الشاهد قد استمد علمه من واقعة مباشرة وإنما من أوراق أو معلومات وظيفية أو آراء وتفسيرات سابقة.
كما أن تعدد الموظفين الذين يرددون ذات المعلومة لا يحول المعلومة غير المباشرة إلى واقعة مشاهدة، ولا يمنحها – بمجرد تكرارها – حجية الدليل المستقل. فالعبرة بمصدر العلم الحقيقي لكل شاهد وبمدى إدراكه الشخصي للواقعة محل الإثبات، لا بعدد من نقلوا ذات المعلومة عن مصدر واحد أو عن ملف واحد أو عن تفسير واحد.
ولا سيما أن المسألة الجوهرية في الدعوى ليست مجرد إثبات أن تعديل عقد الشركة قد تم، وإنما تحديد ما إذا كان المتهم الأول قد أحدث تغييراً للحقيقة في المحرر محل الاتهام رغم كونه يباشر التوقيع بصفته وكيلاً، وما إذا كانت سلطته التمثيلية تمتد إلى هذا التصرف. وهذه المسألة لا يجوز أن تُحسم بمجرد أقوال وظيفية لموظفين لم يشهدوا واقعة إنشاء الوكالة أو صدورها، ولم يباشروا بالضرورة التصرف محل الاتهام، وإنما اطلعوا على المستندات لاحقاً بحكم وظائفهم واستخلصوا منها رأياً في نطاق الوكالة.
وفوق ذلك، فإن الثابت بالأوراق أن الجهة الرسمية المختصة بالتوثيق قد تناولت المسألة ذاتها بالفحص، وانتهت في المذكرة الرسمية الصادرة في الملف رقم 134 لسنة 2026 إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، وأن إلغاء التوكيل وقع بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة. وهذه النتيجة الرسمية لا تجعل المذكرة حكماً قضائياً ملزماً، إلا أنها تجعل من المتعين على محكمة الموضوع أن تزن دلالتها إلى جانب باقي الأدلة، وألا تستبدل بها مجرد أقوال أو تفسيرات وظيفية غير مستوفية لشرائطها القانونية.
كما أن المادة 225 من قانون الإجراءات الجنائية تقرر أن المحاكم الجنائية تتبع في المسائل غير الجنائية التي تفصل فيها تبعاً للدعوى الجنائية طرق الإثبات المقررة في القانون الخاص بتلك المسائل، بما يؤكد أهمية التمييز بين الدليل الذي يثبت واقعة جنائية بطريق مشروع وبين المعلومات التي تخضع في تداولها وشهادة الموظفين بشأنها لقيود قانونية خاصة.
وعليه، فإن الدفاع لا يجادل في الأصل المجرد القائل بأن المحكمة الجنائية لها سلطة تقدير الأدلة المطروحة عليها، وإنما يتمسك بأن سلطة التقدير لا تعني إهدار قيد تشريعي واجب التطبيق على نوع معين من المعلومات، ولا تعني تحويل قول الموظف إلى دليل مستقل متى كان القانون قد اشترط لإفشائه واستشهاده بشأنه توافر شروط وضمانات محددة لم يثبت استيفاؤها.
فإذا لم يثبت بالأوراق أن السلطة المختصة قد أذنت لهؤلاء الموظفين بالشهادة عن المعلومات التي وصلت إلى علمهم بسبب وظائفهم، ولم يثبت كذلك أن تلك المعلومات قد نُشرت بالطريق القانوني، وكانت أقوالهم قد اتخذت أساساً لإثبات واقعة جوهرية في الاتهام، فإن التعويل عليها – في هذا النطاق – يكون قد أقيم على دليل لم يستوفِ الشرائط التي فرضها القانون لسماع الشهادة بشأنه، ولا يجوز أن يتحول هذا الدليل إلى أساس مستقل للإدانة أو إلى عنصر تعزيزي تستكمل به النيابة ما نقص من أدلة الاتهام.
ولا يجوز كذلك أن يُستعاض عن الدليل القانوني المستوفي لشروطه بمجرد القول بأن الموظف كان بحكم وظيفته أقدر على فهم المستندات أو تفسيرها، إذ إن الخبرة الوظيفية لا تمنح الشاهد سلطة إنشاء مضمون جديد للمحرر، ولا تجعل الرأي الشخصي في تفسير الوكالة واقعة مادية ثابتة، ولا تعفي من الالتزام بالقيود التي وضعها القانون على إفشاء المعلومات الوظيفية.
ومن ثم، فإذا سقطت القيمة القانونية للأقوال محل المنازعة، أو تعذر التعويل عليها لعدم استيفائها القيد المقرر قانوناً، عاد الاتهام إلى أدلته الأخرى مجردة من ذلك السند القولي الذي أريد له أن يثبت انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع. وعندئذ لا يبقى أمام المحكمة إلا المحررات الرسمية ذاتها، وفي مقدمتها سند الوكالة، وما ثبت رسمياً من امتداد نطاقها إلى التصرف محل الاتهام، وهي أدلة لا تنهض معها – بذاتها – صورة التزوير التي أقيم الاتهام عليها.
ومن ثم، فإن انهيار الدليل القولي المستمد من شهادة الموظفين العموميين، سواء لعدم استيفاء الشروط القانونية اللازمة لسماعهم عن المعلومات الوظيفية محل الشهادة، أو لكون أقوالهم في جوهرها مجرد تفسير أو استنتاج لاحق لمحررات رسمية لم يحررها أو يشهد واقعة إنشائها، يترتب عليه سقوط قيمته كدليل مستقل أو معزز للإدانة، ولا سيما إذا كان هذا القول هو الذي أريد به إثبات انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع.
وحيث إن الاتهام الجنائي لا يُبنى إلا على أدلة مشروعة ومعتبرة تكشف على وجه يقيني عن توافر أركان الجريمة، وحيث إن الأوراق – في المقابل – تحمل سند وكالة رسمي قائم وقت التصرف، وثبت رسمياً امتداد نطاقه إلى عقود تعديل الشركات والإجراءات المتعلقة بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن استبعاد أو عدم التعويل على الدليل القولي غير المستوفي لشروطه يترك الاتهام بغير السند الذي يصلح لإثبات أن المتهم الأول قد باشر التوقيع بغير صفة أو خارج نطاق سلطته على نحو يشكل تغييراً للحقيقة الجنائي.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول عدم التعويل على أقوال الموظفين العموميين محل هذا الدفع في الحدود التي تخضع فيها لشروط وقيد المادة 65 من قانون الإثبات، وعدم اتخاذها دليلاً مستقلاً أو معززاً على انتفاء سلطة المتهم الأول أو على ارتكابه فعل التزوير، وطرح ما جاوز منها مجرد النقل المباشر لواقعة عاينها الشاهد إلى التفسير والاستنتاج والرأي الشخصي في مضمون سند الوكالة، والقضاء تبعاً لذلك ببراءة المتهم الأول مما أسند إليه، تأسيساً على عدم ثبوت الركن المادي لجريمة التزوير وانهيار الدليل الذي أقيم عليه القول بانتفاء سلطته في التوقيع، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة دون نزول أو تنازل عن أي منها.
الدفع الثاني والخمسون – بالقصور في استظهار الدليل على نحو يقيني، والفساد في الاستدلال، لتعويل الحكم المعارض فيه على شهادة موظفين عموميين دون بيان مصدر علم كل شاهد بالوقائع التي شهد بها، ودون التحقق من مدى اتصال معلوماته المباشر بالواقعة محل الاتهام، ومدى مشروعية إفشائها والإدلاء بها
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد ران عليه القصور في استظهار الدليل، وشابه الفساد في الاستدلال، إذ أقام جانباً من قضائه على ما أسنده إلى أقوال بعض الموظفين العموميين، دون أن يستظهر على نحو كافٍ مصدر علم كل منهم بالوقائع التي أدلى بشأنها بشهادته، ودون أن يكشف عن الكيفية التي وصلت بها تلك المعلومات إلى علمه، وما إذا كان قد أدركها إدراكاً شخصياً مباشراً، أم أنها كانت وليدة اطلاع وظيفي لاحق على مستندات أو ملفات، أو منقولة إليه عن غيره، أو مستخلصة من مجرد تفسير أو استنتاج وظيفي لمضمون محررات أو إجراءات لم يكن الشاهد طرفاً في إنشائها أو مباشرتها.
ذلك أن مناط الأخذ بالشهادة في مقام الإثبات الجنائي لا يقف عند مجرد إطلاق وصف «الشاهد» على من أدلى بأقوال أمام جهة التحقيق أو المحكمة، وإنما يتعين الوقوف على حقيقة ما أدركه هذا الشاهد بنفسه، ومصدر علمه به، ومدى اتصاله المباشر بالواقعة المراد إثباتها، والفصل بين الواقعة التي أدركها بحواسه وبين ما استخلصه من مستندات أو تلقاه من الغير أو انتهى إليه من رأي أو تفسير.
ولما كان الحكم المعارض فيه قد عوّل على أقوال موظفين عموميين لإثبات انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع، ثم اتخذ من هذا الانتفاء أساساً لاستخلاص وقوع التزوير، فقد كان لزاماً عليه أن يستظهر – على وجه التحديد – ما الذي شاهده كل شاهد بنفسه، ومتى وأين وكيف أدركه، وما إذا كان قد حضر واقعة تحرير أو توقيع أو تقديم المحررات محل الاتهام، وما إذا كان قد عاين بنفسه واقعة تغيير الحقيقة التي نسبها الحكم إلى المتهم الأول، أم أن شهادته لم تجاوز إبداء تفسير لاحق لمستندات كان قد اطلع عليها بحكم وظيفته.
ذلك أن ثمة فارقاً جوهرياً بين أن يشهد الموظف بواقعة قام بها بنفسه أو حضرها أو أدركها إدراكاً مباشراً، وبين أن يشهد بما استخلصه من ملف أو محرر، أو بما نقله إليه موظف آخر، أو بما يراه تفسيراً لنطاق وكالة أو لصلاحية إجراء قانوني. ففي الحالة الأولى يكون الحديث عن واقعة مادية تدخل في نطاق إدراك الشاهد، أما في الحالة الثانية فإن الأمر قد لا يعدو أن يكون رأياً أو استنتاجاً أو نقلاً لمعلومة مصدرها شخص أو مستند آخر، وهو ما يتعين على المحكمة أن تستظهر حقيقته قبل أن تجعل منه دليلاً على ارتكاب جريمة.
وتتأكد أهمية ذلك في الدعوى الماثلة بصفة خاصة، لأن جوهر الاتهام لا ينصب على مجرد وجود توقيع أو حصول تعديل في عقد الشركة، وإنما على القول بأن المتهم الأول لم تكن له سلطة قانونية في مباشرة هذا التوقيع، وأن مباشرته له قد شكلت تغييراً للحقيقة في المحرر. وهذه مسألة لا يكفي لإثباتها أن يقرر موظف – بعد اطلاعه على المستندات – أن الوكالة لا تمتد إلى التصرف محل الاتهام، بل يتعين تحديد أساس هذا القول، ومصدر علم قائله، وما إذا كان يمثل واقعة أدركها بنفسه أم تفسيراً لمحرر رسمي.
والثابت بالأوراق – في المقابل – قيام التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو محرر رسمي سابق على التصرف محل الاتهام، كما ثبت أن المتهم الأول باشر التوقيع بصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، فضلاً عما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 من أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
ومن ثم، فإذا كان أحد الموظفين الذين عوّل الحكم على أقوالهم قد انتهى إلى القول بعدم امتداد الوكالة إلى التصرف محل الاتهام، فقد كان يتعين على الحكم أن يستظهر: هل كان ذلك الموظف قد شارك في تحرير التوكيل أو توثيقه؟ وهل حضر واقعة صدوره؟ وهل كانت له معرفة مباشرة بإرادة الموكل وقت إصداره؟ أم أنه لم يكن سوى مطلع لاحق على المحرر ثم استخلص منه، من وجهة نظره، قيداً أو تحديداً لم يرد به صراحة؟
فإذا كان علم الشاهد مستمداً من مجرد اطلاعه اللاحق على التوكيل أو ملف الشركة، فإن هذا الاطلاع لا يجعله شاهداً على واقعة إصدار الوكالة أو على إرادة الموكل، ولا يجعل تفسيره الشخصي لنطاقها حقيقة مادية قائمة بذاتها. وكان يتعين على الحكم عندئذ أن يميز بين ما يصلح للشاهد أن يقرره باعتباره واقعة أدركها بنفسه، وبين ما لا يعدو أن يكون استنتاجاً أو رأياً في مدلول محرر رسمي.
كما كان يتعين على الحكم أن يستظهر مصدر كل معلومة وظيفية استند إليها الشاهد، وما إذا كانت هذه المعلومة قد وصلت إليه بطريق مباشر ومشروع، أم عن طريق الاطلاع على بيانات أو مستندات أو معلومات وظيفية لم يكن مخولاً بإفشائها أو نقلها خارج نطاق وظيفته إلا وفقاً للقواعد والإجراءات التي رسمها القانون.
وهنا لا يتمسك المتهم الأول بقاعدة مؤداها عدم جواز شهادة الموظف العام لمجرد كونه موظفاً، وإنما يتمسك بأمر أدق وأخص، هو ضرورة التحقق من مشروعية مصدر المعلومة ذاتها وحدود إفشائها متى كان الشاهد قد بنى أقواله على معلومات لم تصل إليه إلا بسبب وظيفته، وذلك في الحدود التي تخضع فيها هذه المعلومات للحظر أو تستلزم إذناً من السلطة المختصة وفقاً للقانون.
فإذا كانت المعلومات التي أدلى بها الشاهد من قبيل المعلومات التي اكتسبها بسبب وظيفته ولم تكن قد نشرت بالطريق القانوني، كان لزاماً على المحكمة أن تستظهر مدى توافر الشرائط القانونية التي تجيز إفشاءها والإدلاء بها، وألا تتخذ من مجرد حيازة الموظف للمعلومة بحكم وظيفته سنداً تلقائياً لمشروعية الكشف عنها أو لقوة حجيتها في الإثبات.
وإغفال هذا البحث يصبح أكثر خطورة حينما تكون هذه الأقوال هي التي أقامت عليها المحكمة النتيجة الجوهرية التي انتهت إليها، وهي انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع، لأن هذه النتيجة لم تعد مجرد واقعة ثانوية، وإنما أصبحت الحلقة التي انتقل بها الحكم من وجود التوقيع والتعديل إلى القول بوقوع التزوير.
ولا يكفي في هذا المقام أن يورد الحكم مضموناً عاماً لأقوال الشهود، دون أن يبين أيهم أدرك الواقعة مباشرة، وأيهم استمد معلوماته من مستندات أو أقوال غيره، وما الذي يثبت تحديداً أن المتهم الأول قد غيّر الحقيقة في المحررات محل الاتهام. إذ إن اختلاف مصدر العلم يؤدي بالضرورة إلى اختلاف القيمة الإثباتية لما يقرره الشاهد، ولا يجوز جمع الأقوال المختلفة المصدر في سلة واحدة ثم اتخاذها دليلاً واحداً متسانداً على الإدانة.
كما لا يجوز أن تتحول أقوال موظف اطلع على محرر رسمي إلى وسيلة لإنشاء مضمون جديد لهذا المحرر أو إضافة قيد غير ثابت به، ولا أن يصبح التفسير الشخصي للشاهد لنطاق الوكالة بديلاً عن المحرر ذاته، ولا أن يستمد الحكم من الصفة الوظيفية للشاهد حجية لم يمنحها القانون لأقواله.
وإذا كان الحكم قد طرح التوكيل الرسمي أو ضيّق نطاقه استناداً إلى ما قرره الموظفون، فقد كان يتعين عليه أن يبين بوضوح الأساس الذي استند إليه هؤلاء في هذا التحديد، وأن يواجه الدلالة المستمدة من نص الوكالة ذاته، وأن يبين كذلك سبب إطراح ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق في مذكرتها الرسمية من امتداد سلطة الوكالة إلى عقود تعديل الشركات وإلى تقليل أو زيادة حصص الشركاء.
أما أن يأخذ الحكم بأقوال الموظفين دون استظهار مصدر علمهم، ثم يستخلص منها انتفاء سلطة المتهم الأول، ثم يبني على هذا الانتفاء وقوع التزوير، فإنه يكون قد أقام النتيجة على مقدمات لم يستظهر حقيقتها، وأقام الدليل على الواقعة من خلال استنتاج لم يبين مصدره، بما يعيبه بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال.
ولا يغير من ذلك ما للمحكمة الجنائية من سلطة في تقدير أقوال الشهود، إذ إن هذه السلطة لا تعني أن لها أن تستخلص من الشهادة ما لم يقله الشاهد، أو أن تنسب إليه علماً لم يستظهر الحكم مصدره، أو أن تعتبر الرأي تفسيراً لمحرر واقعة مادية أدركها الشاهد بحواسه. كما أن سلطة المحكمة في وزن الدليل لا تعفيها من بيان مؤداه ومصدره ووجه استدلالها به، خاصة متى كان هذا الدليل هو عماد النتيجة التي انتهت إليها.
والأمر كذلك لا يقف عند مجرد قيمة أقوال هؤلاء الموظفين، وإنما يمتد إلى سلامة النتيجة التي أقام عليها الحكم إدانته؛ إذ إن الدليل على انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع كان يتعين أن يكون دليلاً مستقلاً ومحدداً، لا مجرد استنتاج مستمد من أقوال لم يستظهر الحكم مصدرها، ولا سيما في مواجهة سند وكالة رسمي قائم وقت التصرف، وثبوت مباشرة المتهم الأول للتوقيع بصفته وكيلاً، ووجود مذكرة رسمية لاحقة صادرة عن الإدارة العامة للتوثيق تؤيد امتداد نطاق الوكالة إلى التصرف محل الاتهام.
ومن ثم، فإن الحكم إذ لم يستظهر مصدر علم كل شاهد، ولم يحدد حدود ما أدركه بنفسه، ولم يميز بين الشهادة المباشرة وبين النقل أو الاستنتاج أو التفسير، ولم يتحقق – في الحدود القانونية المنطبقة – من مشروعية إفشاء المعلومات الوظيفية التي بنيت عليها الشهادة، ثم اتخذ هذه الأقوال أساساً لإثبات انتفاء سلطة المتهم الأول وإثبات التزوير، يكون قد عوّل على دليل لم يستظهر عناصره الجوهرية، وأقام استدلاله على مقدمات لا تؤدي حتماً إلى النتيجة التي انتهى إليها.
وإذ كان هذا القصور قد اتصل اتصالاً مباشراً بعنصر جوهري في الاتهام، هو مصدر سلطة المتهم الأول في التوقيع ومدى وقوع تغيير للحقيقة من جانبه، فإنه ليس قصوراً شكلياً أو تفصيلاً ثانوياً، وإنما قصور يحجب وجه الرأي في الدليل ويحول دون الوقوف على ما إذا كانت الإدانة قد قامت على دليل يقيني صالح لحملها من عدمه.
ومن ثم، يتمسك المتهم الأول بأن أقوال الموظفين – بالصورة التي عوّل عليها الحكم – لا تنهض وحدها دليلاً يقينياً على انتفاء سلطته في التوقيع أو على ارتكابه فعلاً مادياً من أفعال التزوير، وأن ما شاب الحكم من قصور في استظهار مصدر العلم ومدى مباشرته ومشروعية إفشاء المعلومات، وما ترتب عليه من فساد في الاستدلال، يوجب طرح هذا الدليل في الحدود التي لا تصلح فيها أقوال الشهود لإثبات الواقعة، والقضاء ببراءة المتهم الأول مما أسند إليه، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الثالث والخمسون – بعدم جواز تأسيس الإدانة على شهادة غير مباشرة أو قائمة على الاستنتاج في شأن واقعة جوهرية تمس أصل سلطة المتهم الأول في التوقيع، ولا سيما مع عدم كون الشاهد القائم بأداء الشهادة هو محرر أو موثق التوكيل الرسمي محل الاتهام
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد أقام جانباً جوهرياً من قضاء الإدانة على أقوال لا تكشف عن إدراك مباشر للواقعة محل الاستدلال، وإنما تقوم – بحسب حقيقتها ومصدرها – على مجرد الاطلاع اللاحق على مستندات أو استنتاج مضمونها أو تفسير نطاق السلطة المستمدة منها، مع أن الواقعة التي استخلص منها الحكم انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع تمثل واقعة جوهرية تمس أصل الإسناد الجنائي ذاته، إذ اتخذ الحكم من القول بانعدام سلطة المتهم الأول أساساً للانتقال إلى القول بوقوع التزوير.
ذلك أن إثبات أن المتهم الأول لم تكن له سلطة في التوقيع لا يتحقق بمجرد إبداء رأي لاحق في مضمون التوكيل، وإنما يتطلب أن يكون الدليل الذي يستند إليه الحكم مؤدياً إلى هذه النتيجة بطريق سائغ ومباشر، وأن يكون الشاهد – فيما يقرره عن الوقائع التي يستند إليها الحكم – قد أدركها بنفسه، أو أن يكون ما يورده مستنداً إلى مصدر معلوم يمكن التحقق منه، لا إلى استنتاج شخصي أو نقل غير مباشر.
والثابت أن التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة هو المصدر الأصلي للسلطة التي استند إليها المتهم الأول في مباشرة التصرف، وأن تحديد نطاق هذه السلطة إنما يكون ابتداءً بالرجوع إلى ذات المحرر الرسمي ومضمونه، باعتباره الوثيقة التي أنشأت سند النيابة وحددت نطاقها، وليس إلى الانطباع الشخصي لشاهد لم يشترك في تحرير التوكيل أو توثيقه ولم يكن حاضراً واقعة صدوره.
ومن ثم، فإذا كان الشاهد الذي عوّل الحكم على أقواله لم يكن هو محرر التوكيل أو موثقه، ولم يحضر واقعة صدوره، ولم يشهد إرادة صاحبة الشأن عند إصدار الوكالة، ولم يكن طرفاً في إنشاء سند النيابة، فإن أقصى ما يمكن أن يستمده من اطلاعه اللاحق على التوكيل هو أن يقرر ما هو ثابت فيه كما هو، أما أن يتخذ من ذلك الاطلاع أساساً لإضافة قيود إلى نطاق الوكالة أو استبعاد سلطات لم يستبعدها المحرر صراحةً، أو أن يستخلص من فهمه الشخصي لإرادة الموكل أنها لم تكن تقصد تخويل المتهم الأول التصرف محل الاتهام، فذلك لا يعدو أن يكون استنتاجاً لا يرقى – بذاته – إلى مرتبة الدليل المباشر على واقعة انتفاء السلطة.
ولا يجوز أن يتحول الشاهد، لمجرد اطلاعه على محرر رسمي بعد صدوره، إلى مصدر بديل عن المحرر ذاته، أو أن يحل تفسيره الشخصي لمضمونه محل عباراته الثابتة، أو أن يستخلص من واقعة لم يشهدها بنفسه إرادة لم يكن طرفاً في تكوينها. فمصدر السلطة هو سند الوكالة، وليس الشاهد الذي اطلع عليه لاحقاً.
وتتأكد هذه القاعدة في الدعوى الماثلة، لأن المتهم الأول لم يستمد سلطته من أقوال الشهود، وإنما من توكيل رسمي قائم وقت مباشرة التصرف، وقد ثبت أن هذا التوكيل تضمن تخويله القيام نيابة عن صاحبة الشأن بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عن سائر السلطات الواردة بسنده.
ومن ثم، فإن القول بأن هذه الوكالة لا تمتد إلى التصرف محل الاتهام يحتاج إلى دليل له مصدره المستقل، ولا يكفي فيه مجرد أن يقرر شاهد – بعد الاطلاع على الوكالة – أنه يفهم منها خلاف ذلك، ما لم يكن هذا القول قائماً على واقعة أدركها بنفسه أو على سند قانوني واضح ومحدد يمكن للمحكمة مراقبته.
ولا ينال من ذلك أن الشاهد موظف عام أو أن اطلاعه على التوكيل تم بمناسبة أداء عمله؛ ذلك أن الصفة الوظيفية لا تحول الاستنتاج الشخصي إلى واقعة مادية، ولا تمنح الشاهد سلطة إنشاء مضمون جديد للمحرر الرسمي، ولا تجعل تفسيره الخاص لإرادة الموكل دليلاً على تلك الإرادة ما لم يكن قد أدركها بطريق مباشر.
وإذا كان الشاهد قد بنى أقواله على ما هو ثابت في ملف إداري أو على ما قرره موظف سابق أو على نتيجة فحص أجراه غيره، كان يتعين على الحكم أن يستظهر هذا المصدر تحديداً، وأن يبين مدى استقلاله، وأن يتحقق مما إذا كان الشاهد قد أدرك الواقعة محل الإثبات بنفسه أم كان مجرد ناقل لمعلومة مصدرها شخص آخر أو مستند آخر. أما جمع هذه الأقوال وإضفاء وصف الشهادة المباشرة عليها دون الكشف عن مصدرها، فإنه يحجب عن المحكمة حقيقة قيمتها الإثباتية.
والأخطر من ذلك أن الحكم – متى جعل من هذه الشهادة غير المباشرة دليلاً على انتفاء سلطة المتهم الأول – يكون قد أقام نتيجة جوهرية في الدعوى على استنتاج لم يستظهر مقدماته، ذلك أن انتفاء السلطة ليس واقعة مادية شاهدها الموظف بمجرد اطلاعه على الملف، وإنما هو نتيجة تتطلب تحديد مضمون سند الوكالة ونطاقه ثم استخلاص مدى امتداده إلى التصرف محل الاتهام. فإذا كان الشاهد لم يحرر الوكالة ولم يوثقها ولم يشهد إصدارها، فإن قوله في شأن إرادة الموكل أو حدود سلطته لا يعدو أن يكون تفسيراً لاحقاً للمحرر، وليس شهادة على الواقعة المنشئة للسلطة.
ولا يغير من ذلك أن للمحكمة الجنائية حرية واسعة في تقدير الأدلة والشهود، إذ إن هذه الحرية لا تعني جواز تأسيس الإدانة على ما لم يدركه الشاهد بنفسه، أو تحميل أقواله معنى لم تؤده، أو استخلاص واقعة من مجرد رأي شخصي في مضمون محرر رسمي، وإنما يتعين أن يكون استخلاص المحكمة سائغاً وله أصله الثابت بالأوراق.
كما أن حرية الإثبات في المواد الجنائية لا تعني إهدار التمييز بين الواقعة التي يشهد بها الشاهد وبين الرأي الذي يستخلصه منها. فحتى مع التسليم بأن جريمة التزوير يجوز إثباتها بمختلف طرق الإثبات، يظل واجباً على المحكمة أن تتحقق من أن الدليل الذي استندت إليه يكشف فعلاً عن وقوع التغيير المادي للحقيقة، وأنه ليس مجرد استنتاج قائم على واقعة أخرى لا تثبت الجريمة بذاتها.
وفي الدعوى الماثلة، فإن الشهادة محل التعويل – متى كانت قائمة على تفسير نطاق الوكالة دون حضور واقعة إصدارها أو تحريرها أو توثيقها – لا تثبت بذاتها أن المتهم الأول غيّر الحقيقة في المحرر، ولا تثبت أنه انتحل صفة صاحبة الشأن، ولا تثبت أنه اصطنع توقيعاً منسوباً إليها، ولا تثبت أنه كان يعلم أن مباشرته للتوقيع تقع خارج نطاق سلطته، وإنما أقصى ما قد تفيده هو وجود تفسير معين لنطاق الوكالة، وهو أمر لا يكفي بذاته لإثبات الركن المادي لجريمة التزوير.
ويزداد ضعف هذا الاستدلال في مواجهة ما هو ثابت رسمياً من قيام التوكيل وقت مباشرة التصرف، وما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 – بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء.
فإذا كان الحكم قد أخذ بتفسير الشاهد لنطاق الوكالة وطرحه أو أغفل هذه الدلالة الرسمية، كان لزاماً عليه أن يبين سبب ترجيحه لهذا التفسير، ومصدر علم الشاهد به، والأساس الذي يسمح له بإسناد إرادة معينة إلى الموكل رغم أنه لم يكن حاضراً واقعة إصدار التوكيل ولم يحرره ولم يوثقه، وأن يواجه في الوقت ذاته ما هو ثابت بذات سند الوكالة وما انتهت إليه الجهة الرسمية المختصة بالتوثيق.
أما الاكتفاء بقول الشاهد إن الوكالة لا تخول المتهم الأول التصرف محل الاتهام، دون بيان كيف وصل إلى هذه النتيجة، ودون أن يكون قد عاين واقعة إنشاء الوكالة أو كان طرفاً فيها، ودون مواجهة النص الثابت في المحرر ذاته، فإنه لا يعدو أن يكون استنتاجاً شخصياً لا يصلح وحده لحمل نتيجة جنائية قوامها إهدار سند النيابة ونسبة التزوير إلى المتهم الأول.
ولا يجوز كذلك استخلاص عدم وجود السلطة من مجرد عدم رضا صاحبة الشأن لاحقاً عن التصرف أو من اعتراضها على آثاره، لأن عدم الرضا اللاحق لا يثبت بذاته أن المتهم لم يكن مخولاً وقت التصرف، كما أن إلغاء الوكالة بعد مباشرة التوقيع لا يثبت رجوعها قبل التصرف، ولا يحول بأثر رجعي التوقيع الصادر في ظل وكالة قائمة إلى توقيع منتحل أو مزور.
ومن ثم، فإن ما كان يتعين على الحكم إثباته ليس مجرد وجود خلاف حول نطاق الوكالة، وإنما إثبات واقعة جنائية محددة، هي أن المتهم الأول قد غيّر الحقيقة في محرر من المحررات محل الاتهام، وأنه فعل ذلك بغير سند من السلطة التي كانت ثابتة له وقت التوقيع. فإذا لم يكن الدليل الذي أقام عليه الحكم هذا الاستنتاج سوى شهادة غير مباشرة أو تفسير صادر عمن لم يحضر واقعة إنشاء الوكالة ولم يحررها ولم يوثقها، فإن هذا الدليل لا يستقيم أساساً منفرداً لإثبات ذلك العنصر الجوهري.
وبذلك يكون الحكم قد خلط بين مصدر السلطة، وهو التوكيل الرسمي ذاته، وبين تفسير لاحق لمصدر السلطة، وهو ما نسبه إلى الشاهد، ثم جعل التفسير دليلاً على إهدار الأصل، دون أن يبين واقعة مادية مستقلة تكشف عن التزوير. وهو ما يعيبه بالقصور في استظهار الدليل والفساد في الاستدلال.
ومن جماع ما تقدم، فإن شهادة من لم يكن محرراً أو موثقاً للتوكيل، ولم يشهد واقعة صدوره، ولم يدرك إرادة الموكل عند إنشائه، لا يجوز أن تحمل – بمجرد تفسير لاحق لمضمونه – أكثر مما تحتمل، ولا أن تتحول إلى دليل يقيني على انتفاء سلطة المتهم الأول، ولا سيما إذا عارض هذا التفسير نص المحرر الرسمي ذاته ودلالة المستندات الرسمية الأخرى القائمة بالأوراق.
ولما كان انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع قد اتخذ في الحكم أساساً لاستخلاص وقوع التزوير، وكان هذا الانتفاء لم يقم على واقعة أدركها الشاهد مباشرة، وإنما على استنتاج أو تفسير لاحق من شخص لم يكن محرراً أو موثقاً لسند الوكالة، فإن الأساس الذي أقيمت عليه الإدانة يكون قد جاء فاقداً لسنده اليقيني، بما يتعين معه عدم التعويل على هذه الشهادة في الحدود التي لا تتجاوز فيها نطاق الإدراك المباشر للشاهد، والقضاء ببراءة المتهم الأول متى لم يبق في الأوراق بعد ذلك دليل مستقل يقيني على ارتكابه فعلاً مادياً من أفعال التزوير.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لعدم صلاحية الشهادة غير المباشرة أو القائمة على الاستنتاج – في حدود ما لم يدركه الشاهد بنفسه – لإثبات انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع أو إقامة الركن المادي لجريمة التزوير، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الرابع والخمسون – بفساد استدلال الحكم المعارض فيه وقصوره في التسبيب لإغفاله بحث أثر بطلان أو عدم صلاحية الدليل المستمد من شهادة الموظفين العموميين على باقي أدلة الدعوى، رغم تعويله عليها في تكوين عقيدته بثبوت الاتهام
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه الفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب، إذ عوّل على ما أدلى به بعض الموظفين العموميين من أقوال في تكوين عقيدته بثبوت الاتهام، واتخذ من هذه الأقوال أساساً لاستخلاص انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع، ثم انتقل من هذا الاستخلاص إلى ثبوت ارتكابه لجريمة التزوير، دون أن يبحث الأثر القانوني والإثباتي المترتب على عدم صلاحية هذا الدليل أو عدم كفايته، ودون أن يستظهر ما إذا كانت باقي أدلة الدعوى – مستقلة عن هذه الشهادة – تنهض بذاتها لإثبات أركان الجريمة على نحو يقيني أم أنها لم تكن لتكتسب دلالتها التي عوّل عليها الحكم إلا من خلال تلك الأقوال.
ذلك أن الدليل لا يقاس بمجرد وجوده في أوراق الدعوى، وإنما بقيمته الحقيقية في سلسلة الاستدلال التي أقام عليها الحكم قضاءه. فإذا كان الحكم قد جعل من أقوال الموظفين الحلقة التي انتقل بها من الوقائع الثابتة بالمستندات إلى النتيجة التي انتهى إليها بشأن انتفاء سلطة المتهم الأول، فإن استبعاد هذه الحلقة أو سقوط صلاحيتها أو عدم كفايتها يقتضي بالضرورة إعادة فحص باقي عناصر الاستدلال، للوقوف على ما إذا كانت هذه العناصر تستقل عن الدليل المطعون عليه، أم أن دلالتها ذاتها كانت مستمدة منه أو متوقفة عليه.
والثابت أن جوهر الاتهام في الدعوى الماثلة يرتبط بمصدر سلطة المتهم الأول في التوقيع على المحررات محل الاتهام، إذ أُقيم التصوير الجنائي للواقعة على أساس مؤداه أن المتهم الأول لم تكن له سلطة في مباشرة التصرف، وأن توقيعه على هذا الأساس يمثل تغييراً للحقيقة. ومن ثم فإن إثبات انتفاء السلطة ليس واقعة هامشية يمكن فصلها عن باقي عناصر الاتهام، وإنما يمثل حلقة جوهرية في البناء الاستدلالي الذي انتهى منه الحكم إلى القول بوقوع التزوير.
فإذا كان الحكم قد استند في إثبات انتفاء السلطة إلى أقوال موظفين لم يستظهر مصدر علمهم، ولم يبين مدى إدراكهم المباشر للوقائع، أو كانت أقوالهم في حقيقتها قائمة على تفسير لاحق لمضمون التوكيل الرسمي أو على معلومات وظيفية منقولة أو مستخلصة من ملفات ومستندات، فإن عدم صلاحية هذه الأقوال – في الحدود التي تجاوزت فيها نطاق علمهم المباشر – لا يمكن أن يُعامل باعتباره عيباً منفصلاً عن باقي أدلة الدعوى، بل يتعين بحث أثره على النتيجة التي استخلصها الحكم من هذه الأدلة مجتمعة.
وكان يتعين على الحكم، بعد أن اتخذ من أقوال هؤلاء الموظفين سنداً لإثبات انتفاء سلطة المتهم الأول، أن يبين بوضوح ما إذا كانت لديه أدلة أخرى مستقلة تثبت بذاتها هذه النتيجة، وما إذا كانت هذه الأدلة الأخرى تكشف عن فعل مادي محدد من أفعال تغيير الحقيقة، أم أنها لم تكن سوى مستندات أو وقائع محايدة لم تكتسب دلالتها الجنائية إلا من خلال تفسير الشهود لها.
ولا يكفي أن يسرد الحكم وجود التوكيل الرسمي أو عقد تعديل الشركة أو غيرهما من المحررات، ثم يضم إليها أقوال الموظفين ويخلص منها مجتمعة إلى ثبوت التزوير، لأن مجرد اجتماع الأدلة في سياق واحد لا يجعلها أدلة مستقلة بالضرورة، فقد يكون أحدها هو الذي منح الآخر دلالته الجنائية، فإذا انهار الدليل الذي حمل هذه الدلالة، وجب على المحكمة أن تبحث ما إذا كانت الأدلة الأخرى قادرة بذاتها على حمل النتيجة ذاتها.
والأمر يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، إذ إن هذا المحرر لا يمثل مجرد دليل عرضي في الدعوى، وإنما هو أصل مصدر السلطة التي استند إليها المتهم الأول في مباشرة التصرف. فإذا كانت المحكمة قد فسرت نطاقه تفسيراً يضيق عن التصرف محل الاتهام اعتماداً على أقوال موظفين، فإن سقوط أو عدم صلاحية هذه الأقوال في هذا الجزء يوجب عليها أن تعيد النظر في الدلالة المستمدة من التوكيل ذاته، لا أن تبقي النتيجة السابقة قائمة بمجرد ترديدها.
ويزداد الأمر وضوحاً مع وجود مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي انتهت – بحسب الثابت بالأوراق – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة، وإن كانت لا تحل محل القضاء في تقدير المسؤولية الجنائية، تمثل دليلاً رسمياً جوهرياً كان يتعين على الحكم أن يضعه في ميزان الاستدلال عند بحث مدى سلطة المتهم الأول في التوقيع، وأن يبين أثرها في مواجهة الأقوال التي اتخذها سنداً لنفي تلك السلطة. فإذا كان الحكم قد عوّل على أقوال الموظفين للوصول إلى نتيجة مناقضة لمؤدى هذه المذكرة، كان واجباً عليه أن يكشف عن سبب سائغ ومحدد لطرح دلالتها، لا أن يتجاوزها أو يطرحها ضمناً.
ولا يكفي في هذا المقام القول بأن المحكمة اطمأنت إلى أقوال الشهود، إذ إن الاطمئنان إلى الدليل لا يعفي المحكمة من بحث مدى صلاحيته لإثبات الواقعة التي استندت إليه فيها، ولا من بيان مدى استقلال باقي الأدلة عنه. فالمسألة ليست مجرد مفاضلة بين أدلة متعارضة، وإنما تتعلق بتحديد ما إذا كانت الأدلة التي بقيت في الدعوى بعد استبعاد أو إضعاف الدليل المطعون عليه تؤدي بالفعل إلى النتيجة التي انتهى إليها الحكم.
فإذا كان عقد تعديل الشركة يثبت حصول تعديل في حصص الشركاء، فإن هذه الواقعة في ذاتها لا تثبت التزوير، وإنما تثبت وجود تصرف وتعديل. وإذا كان التوكيل يثبت وجود علاقة وكالة، فإنه لا يثبت بذاته – بغير تفسير قانوني سليم لنطاقه – وقوع تزوير. وإذا كانت إجراءات التوثيق تثبت تقديم المستندات وإتمام الإجراءات أمام الجهة المختصة، فإنها لا تثبت بذاتها أن المتهم الأول قد غيّر الحقيقة في أي من هذه المحررات. ومن ثم، إذا كانت الدلالة الجنائية لهذه المستندات قد استمدها الحكم من أقوال الموظفين التي قررت انتفاء سلطة المتهم الأول، فإن سقوط هذه الحلقة أو عدم صلاحيتها يفرض على المحكمة بيان الدليل المستقل الذي يبقى لإثبات فعل التزوير.
وبعبارة أخرى، فإن مجرد بقاء المستندات في ملف الدعوى لا يعني بقاء دلالتها التي استخلصها الحكم منها؛ إذ يتعين الفصل بين وجود الدليل وبين الدلالة التي أسبغها الحكم عليه. فإذا كانت هذه الدلالة قد بنيت على شهادة ثبت قصورها أو عدم مباشرتها أو عدم صلاحيتها لإثبات الواقعة محل الاستدلال، فلا يجوز افتراض بقاء النتيجة الجنائية ذاتها دون إعادة بناء الاستدلال على أساس مستقل.
ومن ناحية أخرى، فإن الحكم كان ملزماً – متى كانت أقوال الموظفين هي التي فسرت للمحكمة معنى المستندات وأمدتها بالنتيجة التي انتهت إليها – بأن يبين ما إذا كانت هذه الأقوال مجرد دليل مساعد أم أنها كانت دليلاً جوهرياً لا يستقيم الاستدلال بدونه. فإن كانت جوهرية، كان يتعين بحث أثر سقوطها أو عدم صلاحيتها على النتيجة برمتها، وإن كانت غير جوهرية، كان يتعين بيان الأدلة المستقلة التي تكفي وحدها لإثبات أركان الجريمة.
ولا يجوز في الأحكام الجنائية أن يظل هذا الأمر مجهلاً، لأن محكمة النقض لا تستطيع بغير هذا البيان أن تراقب سلامة الاستدلال، ولا أن تعرف ما إذا كانت المحكمة قد بنت إدانتها على دليل مستقل يقيني، أم أنها اعتمدت في حقيقة الأمر على دليل واحد أعادت صياغته في صورة مجموعة من الأدلة المتساندة.
كما أن قصور الحكم في هذه الناحية لا يمكن تداركه بمجرد القول بأن الأدلة قد تكاملت وتساندت، لأن التساند لا يفترض استقلال الأدلة، ولا يغني عن بيان مصدر كل دليل وقيمته ومدى قدرته على إثبات العنصر الذي استند إليه الحكم فيه. فإذا كان أحد الأدلة هو الذي أنشأ الدلالة الجنائية لباقي الأدلة، فإن سلامة النتيجة تتوقف على سلامة هذا الدليل الأصلي.
والحال في الدعوى الماثلة أن أقوال الموظفين – بحسب ما عوّل عليه الحكم – لم تكن مجرد شهادة على واقعة مادية منفصلة، وإنما استُخدمت لتفسير نطاق التوكيل، ولإثبات أن المتهم الأول لم يكن يملك السلطة التي باشر بها التوقيع. وهذه النتيجة هي التي سمحت للحكم بالانتقال من واقعة توقيع المتهم الأول بصفته وكيلاً إلى القول بأن هذا التوقيع يمثل تغييراً للحقيقة. فإذا لم تكن هذه الأقوال صالحة لهذا الغرض، فإن الحلقة الجوهرية في هذا الانتقال تكون قد انهارت، ولا يكفي بعد ذلك مجرد الاستناد إلى وجود عقد التعديل أو إلى ترتب أثره القانوني لإثبات التزوير.
ومن ثم، فإن الحكم إذ لم يبحث هذا الأثر، ولم يبين ما إذا كانت باقي الأدلة تستقل عن شهادة الموظفين وتنهض بذاتها لإثبات فعل تغيير الحقيقة، يكون قد ترك حلقة جوهرية في سلسلة استدلاله بغير بيان، وأقام الإدانة على بناء لم يستظهر مدى تماسك عناصره بعد سقوط أو ضعف الدليل الذي كان يحمل دلالته الرئيسية.
ولا يغير من ذلك أن المحكمة الجنائية تملك حرية تقدير الأدلة، إذ إن هذه الحرية لا تعفيها من بيان الأساس الذي بنت عليه النتيجة، ولا من فحص الدليل الجوهري الذي عوّلت عليه، ولا من بيان ما إذا كانت الأدلة الأخرى مستقلة عنه وقادرة بذاتها على حمل القضاء بالإدانة. فحرية التقدير شيء، وسلامة الاستدلال وتسبيب الحكم وإمكان مراقبته شيء آخر.
ولما كان المتهم الأول قد تمسك بقيام الوكالة الرسمية وقت مباشرة التصرف، وثبوت صدور توقيعه بصفته وكيلاً، وثبوت امتداد نطاق الوكالة – وفقاً لما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق – إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وكان الحكم قد اعتمد في مخالفة هذا الدفاع على أقوال موظفين لم يستظهر مصدر علمهم على نحو كافٍ، فإنه كان يتعين عليه أن يواجه هذا الدفاع وأن يبين على وجه الاستقلال الدليل الذي يثبت أن المتهم الأول قد غيّر الحقيقة في المحررات محل الاتهام رغم قيام سند الوكالة.
أما أن يطرح الحكم هذا الدفاع اعتماداً على شهادة غير مباشرة أو قائمة على الاستنتاج، ثم لا يبحث أثر عدم صلاحية هذه الشهادة على باقي أدلة الدعوى، فإنه يكون قد افترض النتيجة التي كان يتعين عليه إثباتها، وأبقى على الإدانة دون أن يكشف عن دليل مستقل صالح لحملها.
ومن ثم، فإن إغفال الحكم بحث أثر عدم صلاحية أو عدم كفاية الدليل المستمد من شهادة الموظفين العموميين على باقي عناصر الاستدلال، رغم تعويله عليها في إثبات انتفاء سلطة المتهم الأول، يشكل قصوراً جوهرياً في التسبيب وفساداً في الاستدلال، إذ يحول دون الوقوف على ما إذا كانت الإدانة قد قامت على دليل يقيني مستقل، أم كانت نتيجة مترتبة على دليل لم يستظهر الحكم صلاحيته ابتداءً.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لفساد استدلال الحكم المعارض فيه وقصوره في التسبيب لإغفاله بحث الأثر المترتب على عدم صلاحية أو عدم كفاية الدليل المستمد من شهادة الموظفين العموميين على باقي أدلة الدعوى، وعدم بيان وجود دليل مستقل يقيني يثبت فعل تغيير الحقيقة وينسبه إلى المتهم الأول، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الخامس والخمسون: عدم جواز التعويل على البينة الشفوية في إنشاء قيد غير ثابت بالمحرر الرسمي أو تعديل نطاق التوكيل الثابت به، وعدم جواز اتخاذ شهادة الشهود وسيلة لإهدار الدلالة القانونية لسند الوكالة أو تعطيل آثاره في غير نطاقها
يتمسك المتهم الأول بعدم جواز التعويل على البينة الشفوية، في الحدود التي تجاوز فيها وظيفتها القانونية والإثباتية، لإضافة قيد إلى نطاق التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، أو استحداث شرط أو استثناء لم يرد به، أو تفسيره على نحو يجرده من سلطة التوقيع التي أثبتها صراحة، ثم اتخاذ هذا التفسير أساساً للقول بانعدام صفة المتهم الأول في مباشرة التصرف محل الاتهام، وصولاً إلى إسناد جريمة التزوير إليه.
ذلك أن سند الوكالة محل الدعوى محرر رسمي قائم بذاته، وقد صدر قبل الواقعة محل الاتهام، وثبت به مصدر السلطة التي استند إليها المتهم الأول في مباشرة التوقيع. ومتى كان النزاع منصباً على حدود هذه السلطة، فإن نقطة البدء في تحديد نطاقها يجب أن تكون ذات المحرر ذاته، بألفاظه وعباراته وما تضمنه من سلطات، وليس أقوالاً لاحقة يقرر أصحابها أن الوكالة كانت – في اعتقادهم – مقيدة بقيد لم يرد فيها، أو أن المقصود منها كان مختلفاً عما يدل عليه نصها.
والثابت أن التوكيل الرسمي قد تضمن تخويل المتهم الأول القيام نيابة عن الموكل بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، ومنحه الحق في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، بما يجعل التوقيع على تعديل عقد الشركة داخلاً – بحسب ظاهر النص ومضمونه – في نطاق الأعمال التي خول بها الوكيل.
وقد تعزز هذا الفهم بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
ومن ثم، فإن القول – عن طريق الشهادة – إن التوكيل لم يكن يبيح للمتهم الأول التوقيع على التعديل محل الاتهام لا يجوز أن يُتخذ في ذاته بديلاً عن قراءة سند الوكالة ذاته، ولا أن يتحول إلى وسيلة لإضافة قيد لم يتضمنه المحرر، ولا سيما إذا كان الشاهد لا ينقل واقعة مادية أدركها بنفسه، وإنما يقدم تفسيراً شخصياً لنطاق السلطة الواردة بالتوكيل.
والدفاع لا يجادل في أن للمحكمة الجنائية، في الأصل، سلطة واسعة في تقدير أدلة الدعوى، وأن وقائع التزوير يجوز إثباتها بمختلف طرق الإثبات المقررة قانوناً، بما في ذلك الشهادة والقرائن. وإنما يتمسك بأن حرية الإثبات لا تعني أن يكون لكل دليل ذات الوظيفة، ولا أن تتحول شهادة الشاهد إلى مصدر لإنشاء مضمون جديد لمحرر رسمي، أو إلى وسيلة لإثبات قيد قانوني لا أصل له في سند الوكالة، أو إلى بديل عن الدليل الذي يجب أن يثبت به الفعل المادي للتزوير.
فثمة فارق جوهري بين أن يشهد الشاهد على واقعة مادية مستقلة أدركها بحواسه، كأن يشهد بأنه حضر واقعة معينة أو رأى فعلاً محدداً صدر من المتهم الأول، وبين أن يقول إن الوكالة – من وجهة نظره – لا تشمل التصرف محل الاتهام، أو أن إرادة الموكل كانت مقصورة على أمر آخر، أو أن المتهم الأول كان يعلم أن سلطته لا تمتد إلى تعديل حصص الشركاء. ففي الحالة الأخيرة لا تكون الشهادة منصبة على واقعة مادية شاهدها الشاهد، وإنما على تفسير لنطاق محرر قائم أو استنتاج من مضمونه أو من ظروف لاحقة عليه.
ولا يجوز – والحال كذلك – أن يُستبدل بالمحرر الرسمي تفسير شفهي لا يستند إلى واقعة مباشرة، ثم يُبنى على هذا التفسير استنتاج جنائي بالغ الخطورة مؤداه أن المتهم الأول قد وقع بغير صفة وأنه ارتكب جريمة تزوير.
ويزداد الأمر وضوحاً إذا كان الشاهد الذي استند إليه الحكم لم يحرر التوكيل، ولم يشترك في توثيقه، ولم يحضر واقعة صدوره، ولم يكن طرفاً في العلاقة الأصلية بين الموكل والوكيل، وإنما اطلع على التوكيل في وقت لاحق بحكم وظيفته أو من خلال ملف الدعوى أو مستندات الشركة. ففي هذه الحالة لا يجوز أن تتحول معرفته اللاحقة بالمحرر إلى مصدر مستقل لإنشاء قيود لم يتضمنها، ولا أن تكون عباراته التفسيرية أرجح من نص المحرر ذاته دون أن يبين الحكم الأساس الموضوعي والقانوني الذي أقام عليه هذا الترجيح.
كما لا يجوز اتخاذ شهادة الشهود وسيلة لتعطيل الآثار القانونية التي رتبها سند الوكالة طالما كان قائماً وقت مباشرة التصرف، ثم إضفاء وصف التزوير على فعل صدر من الوكيل في إطار صفته المعلنة وبالاستناد إلى سند وكالة رسمي. فإذا كانت هناك منازعة حول مدى استعمال الوكيل لسلطته أو حول الآثار المدنية للتصرف، فهذه مسألة تختلف عن إثبات أن الوكيل قد غيّر حقيقة مادية في محرر تغييراً مؤثماً جنائياً.
ذلك أن التوسع في تفسير الشهادة إلى الحد الذي يجعلها منشئة لقيد جديد على الوكالة يؤدي إلى قلب ترتيب الدليل؛ فيصبح الدليل الشفهي هو مصدر تحديد مضمون المحرر الرسمي، بدلاً من أن يكون المحرر هو المصدر الأول لتحديد السلطة التي منحها الأصيل لوكيله، ثم يصبح هذا التفسير الشفهي أساساً لإثبات القصد الجنائي والتزوير معاً، وهو ما لا يستقيم مع ضرورة التحديد الدقيق للفعل المادي المنسوب إلى المتهم.
والأخطر من ذلك أن الأخذ بهذا التصور من شأنه أن يحول الخلاف حول تفسير نطاق الوكالة إلى دليل على التزوير، مع أن مجرد الاختلاف في فهم مدى اتساع سلطة الوكيل لا يساوي بذاته تغييراً للحقيقة في المحرر، ولا يثبت أن المتهم الأول قد قصد اصطناع واقعة غير صحيحة أو انتحال صفة أو تقليد توقيع أو استعمال محرر يعلم أنه مزور.
ولا سيما أن المتهم الأول لم ينسب لنفسه صفة صاحبة الشأن، ولم يوقع متخفياً وراء شخصيتها، وإنما أثبت صفته كوكيل، واستند إلى توكيل رسمي قائم وقت مباشرة التصرف. ومن ثم فإن القول بانعدام سلطته لا يكفي وحده لإثبات التزوير، بل كان يلزم – فوق ذلك – إثبات الفعل المادي المحدد الذي غير به الحقيقة، وإثبات علمه بأن ما يباشره يمثل تغييراً للحقيقة، وهو ما لا تنهض به مجرد شهادة تتناول تفسير نطاق الوكالة أو مدى موافقة الموكل على التصرف.
وإذا كان الحكم قد عوّل على أقوال الشهود في القول بأن التوكيل لا يمتد إلى التصرف محل الاتهام، فقد كان يتعين عليه أن يبين تحديداً: ما الواقعة المادية التي شهد بها كل شاهد؟ وهل أدركها بنفسه؟ أم أنه فسر نص التوكيل؟ وما المصدر الذي استند إليه في القول بوجود قيد على سلطة المتهم الأول؟ وأين ورد هذا القيد في سند الوكالة؟ وما سبب إهدار الدلالة التي استمدتها الإدارة العامة للتوثيق من ذات السند الرسمي وانتهت إلى امتداد سلطته إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء؟
أما الاكتفاء بإيراد أقوال الشهود ثم استخلاص انتفاء سلطة المتهم الأول دون الإجابة عن هذه التساؤلات الجوهرية، فإنه يجعل الدليل القولي غير مستظهر المصدر والدلالة، ويحول دون التحقق من مدى صلاحيته لإثبات الواقعة التي رتب عليها الحكم قضاءه.
ولا يغير من ذلك أن الشهادة قد تكون – من حيث الأصل – طريقاً من طرق الإثبات في المواد الجنائية، إذ إن محل الدفاع ليس استبعاد الشهادة كوسيلة إثبات بصورة مطلقة، وإنما عدم صلاحيتها، في صورتها محل التعويل، لأن تكون أداة لإنشاء مضمون مغاير للمحرر الرسمي أو لإضافة قيد غير ثابت فيه، ثم اتخاذ هذا القيد المفترض أساساً لإثبات الركن المادي لجريمة التزوير.
كما أن القول بأن الشهادة قد تصلح لإثبات واقعة التزوير لا يعني أنها تصلح تلقائياً لإثبات كل مقدمة قانونية لازمة للجريمة، ولا أن كل تفسير يقدمه الشاهد لمحرر رسمي يصبح حقيقة ثابتة بمجرد وروده في شهادته. فلكل دليل حدوده، وتبقى المحكمة ملزمة بأن تميز بين الواقعة التي أدركها الشاهد وبين الرأي الذي يستخلصه منها، وبين الحقيقة المادية وبين التفسير القانوني للمحرر.
ومن ثم، فإن كان أساس الاتهام هو أن المتهم الأول قد تجاوز نطاق الوكالة، فلا يكفي لإثبات ذلك أن يقرر شاهد أن الوكالة – في تقديره – لا تشمل تعديل الحصص، بل يجب تحديد النص الذي يستفاد منه هذا القيد، وبيان أساس تفسيره، ثم إثبات أن المتهم الأول كان يعلم بهذا القيد وأن مباشرته للتوقيع رغم ذلك شكلت تغييراً للحقيقة في المحرر. أما الانتقال مباشرة من شهادة تفسيرية إلى النتيجة الجنائية، فإنه يمثل قفزاً في الاستدلال لا يسنده دليل مستقل.
وعليه، فإن شهادة الشهود – متى كانت لا تثبت واقعة مادية مستقلة، وإنما ترمي إلى إعادة تفسير التوكيل الرسمي أو إنشاء قيد غير وارد به – لا يجوز أن تكون وحدها أساساً لإهدار دلالة سند الوكالة أو تعطيل آثاره القانونية، ولا أن تحمل فوق مدلولها لإثبات فعل التزوير ذاته، ولا سيما في مواجهة مستند رسمي قائم وقت التصرف ومذكرة رسمية لاحقة تؤيد امتداد نطاق الوكالة إلى التصرف محل الاتهام.
وإذ خالف الحكم المعارض فيه هذا النظر، وعوّل على أقوال الشهود في استحداث قيد على نطاق الوكالة دون أن يستظهر مصدر هذا القيد من سند الوكالة ذاته، ودون أن يبين الواقعة المادية المباشرة التي أدركها كل شاهد، ودون أن يواجه الدلالة المستمدة من المحررات الرسمية ومذكرة الإدارة العامة للتوثيق، فإنه يكون قد أقام قضاءه على استدلال غير سائغ، وأهدر التفرقة الجوهرية بين إثبات الواقعة المادية وبين تفسير المحرر الرسمي، بما يعيبه بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال.
ومن ثم، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على عدم صلاحية الأقوال الشفوية محل التعويل لإثبات قيد غير ثابت بسند الوكالة أو لإهدار دلالته القانونية، وعدم ثبوت فعل مادي مستقل من أفعال تغيير الحقيقة يمكن نسبته إلى المتهم الأول، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع بأي حال من الأحوال عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع السادس والخمسون: عدم جواز اتخاذ شهادة الشهود وسيلة لإضافة قيود أو شروط غير واردة بالتوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة
يتمسك المتهم الأول بعدم جواز اتخاذ ما أدلى به الشهود من أقوال وسيلة لإضافة قيود أو شروط أو استثناءات إلى نطاق التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، أو لإنشاء حدود لسلطة النيابة لم يرد بها نص في سند الوكالة، ذلك أن التوكيل باعتباره محرراً رسمياً هو المصدر المباشر لتحديد نطاق السلطة التي منحها الموكل للوكيل، ولا يجوز أن يُستعاض عن عباراته الصريحة أو أن يُستكمل مضمونها بقيود مستمدة من أقوال لاحقة لا تستند إلى نص ثابت في سند الوكالة ذاته.
فالثابت أن التوكيل الرسمي المشار إليه قد صدر قبل الواقعة محل الاتهام، وأنه تضمن تخويل المتهم الأول القيام نيابة عن الموكل في المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، ومنحه الحق في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عن السلطات الأخرى الواردة بسنده. ومن ثم فإن نقطة الانطلاق في تحديد نطاق سلطة المتهم الأول لا تكون بما يستنبطه الشاهد من رأيه الشخصي، وإنما بما هو ثابت في المحرر ذاته من ألفاظ وعبارات وما تدل عليه في سياقها القانوني.
ولا ينال من ذلك أن يكون للشاهد علم وظيفي بالمعاملات أو أن يكون قد تعامل مع مستندات الشركة أو اطلع على التوكيل في مرحلة لاحقة، إذ يتعين التمييز بدقة بين الشهادة على واقعة مادية أدركها الشاهد بنفسه، وبين إبداء الرأي في تفسير محرر أو تحديد نطاق سلطة قانونية مستمدة منه. فإذا لم يكن الشاهد قد حضر واقعة إنشاء التوكيل أو تحريره أو الاتفاق الذي صدر بمقتضاه، فلا يجوز أن تتحول أقواله اللاحقة إلى مصدر لإنشاء إرادة جديدة للموكل أو لإضافة قيد لم يرد في المحرر.
والأصل أن تحديد نطاق الوكالة يستمد من سندها وما تضمنه من عبارات، فإذا كانت عباراته قد خولت الوكيل التوقيع على عقود تعديل الشركات، فلا يجوز – لمجرد أقوال شاهد أو تفسيره الشخصي – إضافة شرط مؤداه أن هذه السلطة لا تمتد إلى نوع معين من التعديلات، أو أنها لا تشمل تعديل حصص الشركاء، أو أنها مشروطة بموافقة لاحقة من الموكل، متى كان شيء من ذلك غير وارد في سند الوكالة ولم يثبت بمحرر معتبر سابق على التصرف.
وهذا الأمر يكتسب أهمية خاصة في الدعوى الماثلة، لأن الاتهام قد اتخذ من القول بانتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع أساساً للصورة الجنائية المسندة إليه، بينما يتمسك المتهم الأول بأن سلطته لم تكن مفترضة أو مستخلصة من أقوال لاحقة، وإنما كانت مستمدة من توكيل رسمي قائم وقت مباشرة التصرف، وقد ثبت كذلك – وفقاً لما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 – أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء.
ومن ثم، فإذا كانت الشهادة قد انصبت على القول بأن التوكيل – رغم عباراته – لا يسمح للمتهم الأول بإجراء التعديل محل الاتهام، فإن هذه الشهادة لا تكون في هذا الجزء شهادة على واقعة مادية أدركها الشاهد، وإنما تكون تفسيراً لمضمون سند الوكالة أو تحديداً لمدى السلطة القانونية المستمدة منه. ولا يجوز أن يُتخذ هذا التفسير وحده وسيلة لإضافة قيد غير مكتوب إلى المحرر، ثم بناء المسؤولية الجنائية على هذا القيد المستحدث.
ولا يقصد المتهم الأول بذلك تقييد حرية المحكمة الجنائية في تقدير أدلة الدعوى، أو القول بأن المحررات الرسمية لا يجوز مناقشتها أو أن الشهادة لا قيمة لها في المواد الجنائية، وإنما يتمسك بأن لكل دليل نطاقه في الإثبات، وأن الشهادة – أياً كانت صفة قائلها – لا تتحول إلى وسيلة لإنشاء مضمون جديد لمحرر رسمي أو لإثبات شرط لم يتضمنه سند الوكالة، ولا سيما إذا كان الشاهد لم يدرك بنفسه واقعة تكوين الوكالة أو الاتفاق على حدودها.
فإذا كان الشاهد قد قرر – على سبيل المثال – أن صاحبة الشأن لم تكن تقصد أن تشمل الوكالة تعديل حصص الشركاء، أو أن التوكيل كان مقصوداً به نوع معين من التعديلات دون غيره، أو أن سلطة الوكيل كانت مشروطة بالحصول على موافقة أخرى، فإن مثل هذه الأقوال لا يكفي لإثبات هذه القيود إذا لم يكن الشاهد قد أدرك بنفسه واقعة صدورها أو علم بها علماً مباشراً، وإذا لم تجد هذه القيود سنداً في نص التوكيل أو في محرر مستقل سابق على التصرف.
والأخطر من ذلك أن تحويل مثل هذه الأقوال إلى دليل على وقوع التزوير يؤدي إلى قلب عبء الإثبات، إذ يصبح المتهم مطالباً بإثبات عدم وجود قيود لم يرد بها أصلاً أي نص، في حين أن الواجب ابتداءً على الاتهام أن يثبت الفعل المادي المكون للجريمة، وأن يبين على وجه التحديد كيف غيّر المتهم الأول الحقيقة في المحرر، وما الحقيقة التي استبدل بها الحقيقة الصحيحة، وما هو السند الذي يثبت أن توقيعه قد صدر بغير سلطة.
كما لا يجوز الاستناد إلى النتيجة التي ترتبت على تعديل حصص الشركاء لاستحداث القيد بأثر رجعي، بمعنى أن القول بأن التعديل أدى إلى خفض حصة شريك وزيادة حصة شريك آخر لا يثبت بذاته أن الوكالة لم تكن تشمل هذا النوع من التصرفات، ولا يحول التعديل – من مجرد كونه محل منازعة – إلى واقعة تزوير. فالعبرة في تحديد سلطة الوكيل بما كان ثابتاً له وقت مباشرة التصرف، لا بما ترتب على التصرف من آثار أو بما نشأ عنه من خلاف لاحق.
ويؤكد ذلك أن مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 قد تناولت سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، وانتهت إلى أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، فضلاً عن ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة. وهذه المذكرة – وإن لم تكن حكماً قضائياً ملزماً في تقدير المسؤولية الجنائية – تظل دليلاً رسمياً جوهرياً يؤكد أن القول بانحصار سلطة المتهم الأول في نطاق أضيق مما ورد بسند الوكالة ليس أمراً مسلماً به، بل هو محل منازعة جدية تدحضه الدلالة المستمدة من السند ذاته وما انتهت إليه الجهة الفنية المختصة بالتوثيق.
ومن ثم، كان يتعين على الحكم المعارض فيه – إذا عوّل على أقوال الشهود في القول بأن التوكيل لا يشمل التصرف محل الاتهام – أن يبين مصدر علم كل شاهد بهذا القيد، وما إذا كان قد حضر واقعة إنشاء الوكالة أو سمع من الموكل تحديداً صريحاً لنطاقها، وأن يبين السند الذي استند إليه في ترجيح هذا القول على العبارة الثابتة بالمحرر الرسمي، وعلى ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بشأن نطاق الوكالة.
أما إذا خلا الحكم من ذلك، واكتفى بمجرد نقل أقوال الشهود ثم اتخاذها أساساً لتضييق نطاق الوكالة، فإنه يكون قد أقام النتيجة الجنائية على تفسير لمصدر السلطة بدلاً من إقامة الدليل على فعل التزوير ذاته، وأصبح القول بانعدام سلطة المتهم الأول مقدمة مفترضة استخلصت من دليل لا يثبتها على النحو الذي أقيمت به الإدانة.
ولما كان التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 قائماً وقت مباشرة التصرف، وكان قد تضمن سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات، وكان قد ثبت رسمياً – وفقاً للمذكرة المشار إليها – أن هذه السلطة تمتد إلى الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن مجرد أقوال تخالف هذا الفهم دون أن تستند إلى واقعة مباشرة أو محرر مستقل لا تصلح وحدها لإنشاء قيد جنائي على سلطة المتهم الأول، ولا يجوز اتخاذها أساساً لإثبات أنه وقع بغير صفة أو أنه ارتكب فعلاً من أفعال تغيير الحقيقة.
وبذلك يكون الاتهام – في هذا الجانب – قد انتقل من إثبات فعل التزوير إلى افتراض تجاوز الوكالة، ثم انتقل من افتراض التجاوز إلى افتراض تغيير الحقيقة، وهو استدلال لا يستقيم إلا إذا ثبتت مقدمته الأولى بدليل مستقل ومعتبر. أما إذا كانت المقدمة ذاتها محل شك جدي، وتعارضها عبارة سند الوكالة ودلالته والمذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق، فلا يجوز بناء الإدانة عليها.
وعليه، فإن أقوال الشهود – في حدود ما انصبت عليه من إنشاء قيود أو شروط غير واردة بالتوكيل الرسمي – لا تصلح بذاتها لإثبات انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع، ولا لإثبات وقوع تغيير للحقيقة في المحررات محل الاتهام، ولا لإقامة الركن المادي لجريمة التزوير، الأمر الذي ينهار معه الأساس الاستدلالي الذي أقيم عليه الاتهام في هذا الخصوص.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لعدم ثبوت تجاوزه لسلطته التمثيلية، وعدم جواز إنشاء قيود على نطاق التوكيل الرسمي بأقوال لا تثبت واقعة مادية مباشرة ولا تستند إلى سند سابق على التصرف، وانتفاء الدليل اليقيني على وقوع تغيير للحقيقة في المحررات محل الاتهام، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
.
الدفع السابع والخمسون: حجية التوكيل الرسمي في تحديد نطاق النيابة، وامتناع استبدال مدلوله القانوني بتصورات شخصية أو أقوال شفوية تخالف عباراته الصريحة
يتمسك المتهم الأول بأن تحديد نطاق النيابة التي استمد منها سلطته في مباشرة التصرف محل الاتهام لا يجوز أن ينفصل عن سندها المنشئ لها، ولا أن يستبدل بمضمونها الثابت في محرر رسمي تصورات شخصية أو أقوال شفوية لاحقة تتعارض مع عباراتها الصريحة، ذلك أن التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة هو المصدر المباشر للوقوف على حدود السلطة التي خولتها صاحبة الشأن للمتهم الأول، ومن ثم فإن نقطة البدء في تحديد مدى سلطته لا تكون بما يقال لاحقاً عن إرادة الموكل أو بما يستخلصه بعض الشهود من تصور شخصي لنطاق الوكالة، وإنما بما ثبت في سند الوكالة ذاته، وبمدلول عباراته وما تنصرف إليه قانوناً.
والثابت من سند الوكالة أن صاحبة الشأن قد خولت المتهم الأول القيام نيابة عنها بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، ومنحته الحق في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عن السلطات الأخرى الواردة بسند الوكالة. وهذه العبارات لم ترد في محرر عرفي أو في ورقة غير موثقة، وإنما أثبتت في توكيل رسمي صادر عن صاحبة الشأن، بما يجعلها الأساس الموضوعي الذي يتعين الرجوع إليه عند تحديد نطاق النيابة ومداها.
ولا يجوز – والحال كذلك – أن يستبدل مدلول هذا المحرر الرسمي بتصور شخصي لشاهد أو موظف أو خصم حول ما كان ينبغي أن تعنيه الوكالة، أو بما يراه أحدهم من أن الموكل لم يكن يقصد أن تمتد الوكالة إلى تصرف معين، متى كانت عبارات السند ذاته قد جاءت على نحو يتسع لذلك التصرف. فالإرادة التي أنشأت النيابة قد خرجت إلى محرر رسمي محدد، ولا يجوز بعد ذلك أن تُعاد صياغة مضمونها من خلال أقوال لاحقة لا تعدو أن تكون تفسيراً شخصياً أو استنتاجاً غير مستند إلى عبارة صريحة في سند الوكالة.
ويزداد الأمر وضوحاً في الدعوى الماثلة، إذ إن الاتهام يقوم – في أحد أهم مرتكزاته – على القول بأن المتهم الأول لم تكن له سلطة في التوقيع على تعديل عقد الشركة وما ترتب عليه من تعديل حصص الشركاء، في حين أن سند الوكالة ذاته تضمن تخويله التوقيع نيابة عن صاحبة الشأن على عقود تعديل الشركات. ومن ثم فإن القول بانعدام السلطة لا يمكن أن يستخلص بمجرد عبارة عامة أو شهادة مرسلة، وإنما يتعين تحديد النص أو القيد الوارد في سند الوكالة الذي يحول دون مباشرة التصرف محل الاتهام.
فإذا كان الاتهام يستند إلى قيد غير مكتوب في الوكالة، أو إلى تخصيص لم يرد في عباراتها، أو إلى تفسير يجعل عبارة «تعديل الشركات» قاصرة عن أحد أهم آثار تعديل عقد الشركة، وجب بيان السند القانوني والمنطقي لهذا التقييد، ولا يكفي في ذلك مجرد القول بأن الموكل لم يكن يقصد السماح بهذا التصرف، ما دام هذا القصد المدعى به لم يثبت في سند الوكالة ذاته على نحو يقيد السلطة الممنوحة.
والأصل أن نطاق الوكالة يستخلص من عبارات سندها والظروف القانونية المحيطة بها، ولا يجوز إضافة قيد إلى السلطة الممنوحة لمجرد أن هذا القيد يبدو ملائماً لتفسير لاحق للواقعة، إذ إن إضافة قيد غير وارد بالمحرر تؤدي عملياً إلى إنشاء مضمون جديد للوكالة غير الذي صدر به سندها.
ولا يغير من ذلك الاستناد إلى أقوال شهود لم يشاركوا في تحرير التوكيل أو توثيقه، أو لم يشهدوا واقعة إنشائه، متى كانت أقوالهم في حقيقتها لا تتناول واقعة مادية أدركوها بأنفسهم، وإنما تتضمن تفسيراً لنطاق السلطة الواردة في محرر رسمي. فالفارق جوهري بين أن يشهد الشخص على واقعة حضرها وأدركها مباشرة، وبين أن يبدي رأياً في مدلول محرر أو يقرر أن الوكالة – من وجهة نظره – لا تشمل تصرفاً معيناً.
ومن ثم، فإن ما قد يرد على لسان بعض الشهود من أن المتهم الأول لم يكن مخولاً بإجراء تعديل معين لا يكفي بذاته لإثبات انعدام سلطته، ما لم يستند هذا القول إلى واقعة مادية مستقلة ومباشرة، أو إلى نص صريح في سند الوكالة يضع ذلك القيد. أما أن يكون مصدر القول مجرد قراءة شخصية للتوكيل، فإن هذه القراءة لا يمكن أن تحل محل المحرر ذاته ولا أن تنشئ قيداً لم يرد فيه.
والأمر ذاته ينطبق على الأقوال المنسوبة إلى صاحبة الشأن بشأن ما كانت تريده أو لا تريده وقت إنشاء الوكالة، متى كان المقصود منها إهدار الدلالة الصريحة لسند رسمي قائم. فثمة فارق بين إثبات واقعة مستقلة يمكن أن تكون لها آثارها القانونية في نطاقها الصحيح، وبين استخدام الأقوال اللاحقة لإعادة تشكيل مضمون التوكيل ذاته وإضافة قيود لم ترد فيه. ولا سيما في المجال الجنائي، حيث لا يجوز الانتقال من مجرد خلاف حول تفسير الوكالة إلى إثبات جريمة تزوير دون تحديد الفعل المادي المؤثم الذي وقع من المتهم الأول.
ويؤكد سلامة هذا النظر أن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل، في الملف رقم 134 لسنة 2026، قد فحصت سند الوكالة والتصرف محل الاتهام وانتهت – بحسب الثابت بالمذكرة الرسمية – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة لا تنشئ سلطة جديدة للمتهم الأول ولا تحل محل المحكمة في تقدير المسؤولية الجنائية، وإنما تكتسب أهميتها من كونها دليلاً رسمياً مستقلاً يؤكد أن القراءة التي تذهب إلى اتساع نطاق الوكالة لتشمل التصرف محل الاتهام ليست تصوراً شخصياً للمتهم الأول، وإنما لها سند فني ورسمي صادر عن الجهة المختصة بأعمال التوثيق بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل النزاع.
ومن ثم، فإذا كان الحكم المعارض فيه قد أخذ بتفسير ضيق للوكالة، أو عوّل على أقوال شهود لتقرير أن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة إجراء التعديل محل الاتهام، فقد كان لزاماً عليه أن يواجه صراحةً العبارة الواردة في التوكيل والتي تخوله التوقيع على عقود تعديل الشركات، وأن يبين وجه عدم انطباقها على التصرف محل الاتهام، وأن يكشف عن الأساس الذي استخلص منه القيد الذي أقامه على هذه السلطة، وألا يكتفي باستبدال مدلول المحرر الرسمي بأقوال أو تصورات لا تكشف عن مصدر مباشر لعلم أصحابها.
ولا يكفي في هذا المقام مجرد القول بأن تعديل حصة أحد الشركاء يتضمن أثراً مالياً أو قانونياً مهماً؛ لأن الأثر المالي أو القانوني للتعديل لا يجيب بذاته عن السؤال محل البحث، وهو ما إذا كانت سلطة التوقيع على «عقود تعديل الشركات» تشمل التصرف الذي تم بالفعل أم لا. فإذا ثبت رسمياً أن نطاق الوكالة يمتد إلى عقود تعديل الشركات، فإن تحديد ما إذا كان التصرف محل الاتهام يدخل في هذا النطاق يجب أن يتم من خلال قراءة قانونية موضوعية لعبارات السند، لا من خلال افتراض قيد غير مكتوب.
كما لا يجوز الخلط بين حدود السلطة المدنية أو آثار التصرف من ناحية، وبين الركن المادي لجريمة التزوير من ناحية أخرى؛ فإذا ثار خلاف حول مدى استعمال الوكالة أو مدى موافقة الأصيل على نتيجة التصرف، فإن ذلك لا يعفي الاتهام من إثبات أن المتهم الأول قد ارتكب فعلاً مادياً من أفعال تغيير الحقيقة في المحرر. ولا يكفي لإثبات هذا الركن مجرد القول بأن الوكالة كان يجب تفسيرها على نحو أضيق، ما لم يثبت أن المتهم الأول تجاوز قيداً قانونياً ثابتاً على نحو يشكل فعلاً جنائياً من أفعال التزوير.
وبعبارة أخرى، لا يجوز أن يبدأ الاستدلال من النتيجة المراد إثباتها، فيقال إن التوقيع مزور لأن الوكالة لا تشمل التصرف، ثم يستدل على عدم شمول الوكالة بمجرد كون التصرف قد ترتب عليه تغيير في حصص الشركاء. فهذا استدلال دائري لا يكشف عن دليل مستقل على وقوع تغيير الحقيقة، وإنما يفترض عدم السلطة ليبني عليه التزوير، ثم يستخدم التزوير لإثبات عدم السلطة.
والصحيح أن يحدد الحكم – إذا انتهى إلى عدم امتداد الوكالة إلى التصرف – مصدر هذا التحديد تحديداً دقيقاً، وأن يبين العبارة التي استند إليها، والقيد الذي استخلصه، والأساس القانوني لتفسيره، وسبب طرحه للمحرر الرسمي والدلالة المستمدة من المذكرة الرسمية للإدارة العامة للتوثيق، حتى يمكن الوقوف على سلامة استخلاصه. أما إغفال هذه العناصر الجوهرية والاكتفاء بأقوال عامة أو استنتاجات شخصية، فإنه يحجب الأساس الحقيقي للقضاء ويحول دون مراقبة سلامة تطبيق القانون.
ولما كان المتهم الأول قد باشر التوقيع بنفسه وبصفته وكيلاً، ولم ينسب إلى نفسه صفة صاحبة الشأن، وكان سند الوكالة قائماً وقت مباشرة التصرف، وثبت رسمياً – وفقاً للمذكرة المشار إليها – أن نطاق الوكالة يمتد إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن استبدال هذا الثابت بأقوال شفوية أو تصورات شخصية لا يكفي لإثبات انتفاء السلطة، ولا يصلح – منفرداً أو بمجرده – لإقامة الركن المادي لجريمة التزوير.
ومن ثم، فإن التوكيل الرسمي يظل هو نقطة الانطلاق الأساسية في تحديد نطاق النيابة، ولا يجوز إهدار مدلوله الصريح أو تضييق نطاقه بإضافة قيود غير واردة فيه استناداً إلى مجرد أقوال أو استنتاجات لاحقة، ولا سيما متى جاءت الأوراق الرسمية اللاحقة مؤيدة لاتساع نطاق السلطة على النحو الذي يتمسك به المتهم الأول.
وبناءً عليه، يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه، متى عوّل على أقوال أو تصورات تخالف المدلول المستفاد من سند الوكالة دون أن يبين أساساً سائغاً لهذا الطرح، يكون قد أقام قضاءه على دليل لا ينهض لحمل النتيجة التي انتهى إليها، وشابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال، بما يتعين معه القضاء ببراءة المتهم الأول، تأسيساً على عدم ثبوت انتفاء سلطته في التوقيع، وانتفاء الدليل اليقيني على ارتكابه فعلاً مادياً من أفعال تغيير الحقيقة، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم اعتبار هذا الدفع تنازلاً أو عدولاً عن أي منها.
الدفع الثامن والخمسون: ثبوت سلطة المتهم الأول في التوقيع على عقود تعديل الشركات بموجب التوكيل الرسمي، وانهيار الدليل القولي المخالف لذلك الثابت الكتابي
يتمسك المتهم الأول بثبوت سلطته في مباشرة التوقيع على عقد تعديل الشركة محل الاتهام، استناداً إلى التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، باعتباره المحرر المنشئ لمصدر سلطته التمثيلية، والثابت فيه صراحةً تخويله القيام نيابة عن الموكل بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عن سائر السلطات الواردة بذات السند.
فالثابت بالأوراق أن المتهم الأول لم يباشر التوقيع محل الاتهام بغير سند، ولم يقدم نفسه باعتباره أصيلاً عن صاحبة الشأن، وإنما وقع بصفته وكيلاً عنها، مستنداً إلى وكالة رسمية قائمة وقت مباشرة التصرف، ومن ثم فإن مصدر سلطته لم يكن قولاً شفوياً أو واقعة لاحقة، وإنما كان ثابتاً ابتداءً في محرر رسمي سابق على التصرف ذاته.
وقد تعزز هذا الثبوت الكتابي بما انتهت إليه مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
ومن ثم، فإن المسألة المطروحة لا تتعلق بمجرد ادعاء من جانب المتهم الأول بقيام سلطته، وإنما تتعلق بسلطة مصدرها محرر رسمي قائم بذاته، وقد جاءت جهة التوثيق المختصة لاحقاً لتؤيد – في حدود دلالة مذكرتها – امتداد هذه السلطة إلى نوع التصرف محل الاتهام.
وإذ كان التوكيل الرسمي هو الأداة التي استمد منها المتهم الأول صفته التمثيلية وحدود سلطته، فإن تحديد هذه الحدود يتعين أن يبدأ من مضمون سند الوكالة ذاته، باعتباره المصدر المباشر للسلطة، لا من أقوال لاحقة تسعى إلى إضافة قيد لم يرد فيه، أو تفسير العبارة الواردة به تفسيراً يؤدي إلى استبعاد عقود تعديل الشركات من نطاق وكالة نصت صراحةً على التوقيع على عقود تأسيس وتعديل الشركات.
ولا ينال من ذلك ما قد يكون قد ورد على لسان بعض الشهود من أقوال تخالف هذا الثابت الكتابي، إذ يتعين التمييز بين شهادة الموظف أو غيره عن واقعة مادية أدركها بنفسه، وبين إبدائه تفسيراً شخصياً لنطاق الوكالة أو استخلاصه قيداً غير وارد في سندها. فالأولى قد تكون محلاً للتقدير بحسب ظروفها، أما الثانية فلا يجوز أن تتحول بمجرد إسنادها إلى شاهد إلى مصدر مستقل لإنشاء سلطة أو تقييدها على خلاف ما يستفاد من المحرر ذاته.
وعلى الأخص، إذا كان الشاهد لم يشارك في تحرير التوكيل أو توثيقه، ولم يكن حاضراً واقعة صدوره، ولم يكن طرفاً في تحديد إرادة الموكل عند إنشائه، فإن ما يدلي به لاحقاً بشأن مدى السلطة التي تضمنها التوكيل لا يعدو أن يكون تفسيراً لمحرر قائم، ولا يجوز أن يحل تفسيره الشخصي محل مضمون سند الوكالة أو أن يُستخلص منه وحده أن المتهم الأول قد تجاوز سلطته.
والأخطر من ذلك أن جعل الدليل القولي المخالف أساساً لإثبات عدم سلطة المتهم الأول يؤدي إلى قلب ترتيب الإثبات؛ إذ يصبح القول هو الذي يهدم المحرر المنشئ للسلطة دون أن يبين الحكم أساساً موضوعياً وقانونياً سائغاً يبرر طرح دلالة التوكيل الرسمي، ودون أن يحدد النص الذي استخلص منه القيد المدعى به، أو الواقعة التي تثبت أن الموكل قد استثنى صراحةً من نطاق الوكالة التعديلات المتعلقة بحصص الشركاء.
ولا يكفي في هذا الخصوص مجرد القول بأن صاحبة الشأن لم تكن ترغب في إتمام التعديل أو أنها لم تكن توافق على النتيجة التي ترتبت عليه، إذ إن عدم الرضا اللاحق أو المنازعة في آثار التصرف لا يغير من حقيقة أن المتهم الأول كان يحمل وقت التوقيع سند وكالة رسمياً قائماً، ولا يحول بذاته دون قيام صفته التمثيلية، ولا يثبت بذاته أن توقيعه قد انطوى على تغيير للحقيقة.
كما أن إلغاء التوكيل في تاريخ لاحق على مباشرة التصرف لا يصلح سنداً للقول بانعدام السلطة وقت التوقيع، طالما كان الإلغاء قد تم بعد مباشرة العمل محل الاتهام. فالعبرة في تحديد وجود السلطة التمثيلية وقت ارتكاب الفعل المنسوب إلى المتهم هي بحالة الوكالة في ذلك الوقت، ولا يجوز اتخاذ واقعة لاحقة أساساً لإثبات أن السلطة لم تكن قائمة في تاريخ سابق.
والثابت كذلك أن مذكرة الإدارة العامة للتوثيق المشار إليها لم تنشئ للمتهم الأول سلطة لم تكن موجودة، وإنما جاءت – بحسب ما انتهت إليه الجهة المختصة بعد فحص المستندات – لتؤكد أن مضمون سند الوكالة يمتد إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وإلى تقليل أو زيادة حصص الشركاء. ومن ثم فإنها تمثل دليلاً رسمياً مؤيداً لما يستفاد أصلاً من سند الوكالة، ولا يجوز إغفال دلالتها عند وزن الدليل القولي المخالف.
وإذا كان الحكم المعارض فيه قد أخذ بأقوال بعض الشهود التي مؤداها انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع، فقد كان يتعين عليه – حتى يستقيم قضاؤه – أن يبين بوضوح مصدر علم هؤلاء الشهود، وما إذا كانوا قد عاصروا إنشاء الوكالة أو حضروا صدورها أو شاركوا في توثيقها، وأن يوضح الأساس الذي استندوا إليه في تحديد نطاقها، وأن يبين سبب طرح الدلالة المستمدة من نص الوكالة الرسمي ومذكرة الإدارة العامة للتوثيق، وأن يكشف عن مصدر القيد الذي انتهى إليه في نطاق السلطة.
أما أن يطرح الحكم الثابت في محرر رسمي، ثم يستند إلى أقوال لا تكشف بذاتها عن مصدر مباشر لعلم قائليها، ليصل منها إلى انتفاء سلطة المتهم الأول، فإنه يكون قد أقام النتيجة على دليل لا يؤدي إليها، وأغفل دليلاً جوهرياً من شأنه – لو فطن إليه ووازنه بغيره – أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى.
ولا يقصد المتهم الأول بذلك القول بأن المحكمة الجنائية مقيدة في تقديرها للأدلة أو أن الشهادة لا قيمة لها في مجال الإثبات الجنائي، وإنما يتمسك بأن قيمة كل دليل تتحدد في حدود دلالته الحقيقية، وأن القول لا يجوز أن يُحمَّل ما لا يحتمل، ولا أن يتحول إلى وسيلة لإنشاء واقعة قانونية أو قيد على وكالة رسمية لمجرد أن قائله موظف عام، ما لم يستند في ذلك إلى واقعة مادية أدركها بنفسه أو إلى أساس قانوني وفني واضح يمكن للمحكمة مراقبته.
ومن ثم، فإن الثابت الكتابي المتمثل في التوكيل الرسمي القائم وقت مباشرة التصرف، والمؤيد بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بشأن امتداد نطاقه إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، يهدم الأساس الذي أقيم عليه القول بانعدام سلطة المتهم الأول، ويجعل الدليل القولي المخالف – في حدود ما يراد به إنشاء قيد غير وارد في سند الوكالة – غير كافٍ لإثبات أن المتهم قد وقع بغير صفة أو خارج حدود سلطة تمثيلية ثابتة.
ومتى ثبتت سلطة المتهم الأول في التوقيع على عقد تعديل الشركة، فإن مجرد مباشرته لهذا التوقيع بصفته وكيلاً لا يشكل في ذاته تغييراً للحقيقة، ولا ينهض دليلاً على الاصطناع أو التقليد أو انتحال الصفة، ولا يغني عن ضرورة إثبات فعل مادي مستقل من أفعال التزوير، وهو ما تخلو الأوراق من دليل يقيني عليه.
وبذلك ينهار الدليل القولي المخالف للثابت الكتابي، وتبقى الحقيقة الثابتة بالمحررات الرسمية قائمة، وهي أن المتهم الأول باشر التوقيع محل الاتهام في إطار وكالة رسمية قائمة، ثبت رسمياً امتدادها إلى عقود تعديل الشركات والتصرف المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، الأمر الذي تنتفي معه الصورة التي أقيم عليها الاتهام، ويضحى القضاء بالبراءة هو النتيجة التي تتفق والثابت بالأوراق.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على ثبوت سلطته في التوقيع على عقود تعديل الشركات بموجب التوكيل الرسمي القائم وقت التصرف، وانهيار الدليل القولي المخالف لذلك الثابت الكتابي، وانتفاء الدليل اليقيني على ارتكابه فعلاً مادياً من أفعال تغيير الحقيقة، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم التنازل عن أي منها.
الدفع التاسع والخمسون: ثبوت شمول التوكيل الرسمي سلطة تقليل أو زيادة حصص الشركاء، وعدم جواز نفي هذه السلطة بشهادة الشهود أو بغير دليل قانوني يهدر سند النيابة ذاته
يتمسك المتهم الأول بأن الثابت من سند الوكالة الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة أن صاحبة الشأن قد فوضته في مباشرة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، ومنحته الحق في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، وأن هذه السلطة – بحسب ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – تمتد إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات، وإلى الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
ومن ثم فإن السلطة التي باشر المتهم الأول التصرف استناداً إليها لم تكن سلطة مفترضة أو مستخلصة من أقواله، وإنما كانت ثابتة ابتداءً بمحرر رسمي سابق على التصرف، هو مصدر النيابة ذاته، وكانت قائمة وقت مباشرة التوقيع محل الاتهام. ولا يجوز – في مقام ترتيب المسؤولية الجنائية – أن يُهدر هذا السند أو يُفرغ من مضمونه بمجرد أقوال أو تفسيرات لاحقة لا تستند إلى محرر قانوني مماثل يثبت أن تلك السلطة كانت مقيدة بقيد لم يرد في سند الوكالة.
والأصل أن نطاق النيابة يستمد من سندها، وأن الوقوف على ما إذا كان الوكيل قد باشر التصرف داخل حدود السلطة المخولة له يقتضي ابتداءً الرجوع إلى نص الوكالة ذاته، وقراءته كوحدة واحدة، والوقوف على الألفاظ التي استعملها الموكل في تفويض الوكيل، دون إضافة قيود أو استثناءات لم يرد لها ذكر في السند، ثم بحث التصرف الذي باشره الوكيل في ضوء تلك السلطة.
وقد جاء سند الوكالة محل الدعوى متضمناً سلطة التوقيع نيابة عن الموكل على عقود تأسيس وتعديل الشركات، وهي عبارة تتصل بطبيعتها القانونية بالتعديلات التي تطرأ على البناء القانوني للشركة وبياناتها وحصص شركائها، ولا يجوز فصلها عن طبيعة التصرف محل الاتهام ثم القول، بغير سند مستقل، إن سلطة التعديل كانت مقصورة على نوع معين من التعديلات دون غيره.
وقد حسمت الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل هذه المسألة في المذكرة الرسمية الواردة بالملف رقم 134 لسنة 2026، وانتهت – بعد فحص التوكيل والتصرف محل الاتهام – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة «يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء بتقليل أو زيادة حصة الشركاء كما هو ثابت بالوكالة التي تمت بناءً على رغبة الموكل»، كما ثبت بالمذكرة أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه النتيجة الرسمية لا تنشئ سلطة جديدة للمتهم الأول، وإنما تكشف عن نطاق سلطة كانت ثابتة في سند الوكالة ذاته وقت مباشرة التصرف. ومن ثم فإنها تمثل دليلاً رسمياً جوهرياً في النزاع حول مدى سلطة المتهم الأول، ولا يجوز تجاهلها أو إغفال أثرها في تقدير مدى قيام الاتهام، ولا سيما أن المسألة التي تناولتها هي ذاتها المسألة التي أقيم عليها جانب أساسي من التصوير الجنائي للواقعة.
ولا ينال من ذلك ما قد يكون قد ورد على لسان بعض الشهود من تفسير مغاير لنطاق الوكالة، إذ يتعين التمييز بين شهادة الشاهد على واقعة مادية أدركها بنفسه، وبين إبدائه تفسيراً لمضمون سند الوكالة أو استخلاصه قيداً قانونياً غير منصوص عليه في هذا السند. فالشهادة قد تكون دليلاً على وقائع مادية متى توافرت شروطها، ولكنها لا تتحول بمجرد صدورها من موظف أو شخص ذي صلة بالواقعة إلى مصدر مستقل لإنشاء قيد لم يرد في سند النيابة أو تعديل مضمونه.
وبعبارة أخرى، فإن السؤال ليس ما إذا كان يجوز للمحكمة الجنائية من حيث الأصل أن تستمع إلى الشهود أو تستخلص من أقوالهم بعض الوقائع، وإنما السؤال الأدق هو: ما الواقعة التي أدركها الشاهد بنفسه والتي تنقض سلطة ثابتة بمحرر رسمي؟ وهل شهد الشاهد واقعة صدور قيد على الوكالة؟ وهل كان حاضراً عند تحريرها أو تعديلها أو تقييدها؟ وهل يستند قوله إلى محرر قانوني لاحق أو سابق يثبت هذا القيد؟ أم أنه لا يعدو أن يكون تفسيراً شخصياً لنطاق السلطة؟
فإذا لم يكن ثمة محرر أو واقعة مباشرة تثبت أن الموكل قد استثنى من سلطة الوكيل إجراء تقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن مجرد القول بأن الوكالة لا تشمل هذا الإجراء لا يكفي بذاته لإهدار الدلالة المستمدة من سند الوكالة، ولا يصلح وحده لأن يتحول إلى أساس لإثبات أن المتهم الأول قد باشر التوقيع بغير سلطة.
ولا يجوز كذلك قلب عبء الإثبات على المتهم الأول، بأن يُطلب منه إثبات وجود سلطة إضافية غير تلك الثابتة بالفعل في التوكيل، في حين أن الاتهام هو الملزم بإثبات أنه قد تجاوز سلطة قائمة أو أنه باشر فعلاً لا يشمله سند النيابة. فإذا كان سند الوكالة يتضمن صراحة سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات، وكان التصرف محل الاتهام أحد هذه التعديلات، ثم تمسك الاتهام بأن هذا التعديل تحديداً مستثنى من السلطة، فإن هذا الاستثناء يحتاج إلى دليل معتبر يثبت وجوده، ولا يكفي افتراضه أو استخلاصه من مجرد اعتراض لاحق على التصرف.
ولا يغير من ذلك ما قد يثار بشأن إرادة الموكل أو مدى رضائه عن النتيجة التي انتهى إليها التعديل، إذ إن البحث في حدود سلطة الوكيل شيء، والبحث في مدى موافقة الموكل لاحقاً على آثار التصرف شيء آخر. فإذا كانت الوكالة قد منحت سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات، وثبت رسمياً أن هذه السلطة تشمل تقليل أو زيادة حصص الشركاء، فلا يجوز تحويل النزاع حول موقف الموكل اللاحق من التصرف إلى دليل تلقائي على انعدام سلطة الوكيل وقت مباشرة التصرف.
كما أن إلغاء التوكيل في تاريخ لاحق على التوقيع لا يهدر السلطة التي كانت قائمة وقت استعمالها، ولا يصلح بذاته دليلاً على أن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة التوقيع عند صدوره. وقد أكدت المذكرة الرسمية المشار إليها أن الإلغاء تم بعد التوقيع بموجب الوكالة على تعديل عقد الشركة، بما يؤكد أن واقعة الإلغاء اللاحقة لا تصلح سنداً لإثبات انعدام السلطة في تاريخ سابق عليها.
ومن ناحية أخرى، فإن إهدار سند الوكالة دون بيان القيد القانوني الذي يحد من نطاقه من شأنه أن يؤدي إلى نتيجة خطرة في مجال التجريم؛ إذ يصبح كل خلاف لاحق بين الأصيل والوكيل حول مدى استعمال الوكالة قابلاً للتحول إلى جريمة تزوير بمجرد تقديم تفسير مخالف لنص السند، دون إثبات فعل مادي مستقل من أفعال تغيير الحقيقة. وهو ما لا يستقيم مع ضرورة التمييز بين المنازعة في حدود استعمال السلطة وبين تحقق الركن المادي لجريمة التزوير.
فحتى على فرض وجود خلاف في تفسير نطاق الوكالة، فإن مجرد هذا الخلاف لا يثبت بذاته أن المتهم الأول قد زور المحرر أو غيّر الحقيقة فيه. وإنما يتعين – فوق ذلك – إثبات فعل مادي محدد من أفعال التزوير، وبيان الحقيقة التي تم تغييرها وكيفية تغييرها، وإثبات نسبة هذا الفعل إلى المتهم الأول على وجه يقيني. أما إذا كان المتهم قد وقع باسمه وبصفته وكيلاً، وبموجب توكيل رسمي قائم، وكانت الجهة المختصة بالتوثيق قد انتهت إلى شمول الوكالة للتصرف محل الاتهام، فإن مجرد المنازعة في هذا النطاق لا تنهض وحدها دليلاً على ارتكاب التزوير.
ومن ثم، فإن أي استدلال يراد به نفي سلطة المتهم الأول في تقليل أو زيادة حصص الشركاء يجب أن يقوم على أساس قانوني ومادي محدد، وأن يواجه صراحة نص التوكيل ذاته، وأن يبين مصدر القيد المدعى به، وكيف ثبت وجوده، ولماذا يجوز قانوناً حمل سند الوكالة عليه، وأسباب طرح الدلالة الرسمية التي انتهت إليها الإدارة العامة للتوثيق. أما إهدار سند النيابة بمجرد شهادة لا تتصل مباشرة بواقعة إنشاء الوكالة أو تقييدها، أو بمجرد تفسير شخصي لمضمونها، فإنه يمثل استدلالاً غير سائغ لا يكفي لحمل قضاء بالإدانة.
ولما كان الثابت أن المتهم الأول قد باشر التصرف في ظل وكالة رسمية قائمة، وأن سند الوكالة تضمن سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات، وأن المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق قد انتهت صراحة إلى امتداد هذه السلطة إلى تقليل أو زيادة حصص الشركاء، ولم يقدم في المقابل دليل قانوني مستقل يثبت وجود قيد يستثني هذا النوع من التعديل من نطاق الوكالة، فإن القول بانعدام سلطة المتهم الأول في التوقيع يظل قولاً مجرداً من الدليل اليقيني اللازم لإقامة المسؤولية الجنائية.
ويكون الحكم الذي يعول على أقوال أو تفسيرات لإهدار هذا السند الرسمي، دون أن يبين مصدر القيد المدعى به وأساسه القانوني، قد أقام قضاءه على استنتاج لا تسنده مقدماته، وأغفل دليلاً جوهرياً من شأنه – لو فُطن إليه ومُحص – أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى، بما يعيبه بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال.
وعليه، فإن ثبوت شمول التوكيل الرسمي سلطة تقليل أو زيادة حصص الشركاء، وثبوت قيام هذه السلطة وقت مباشرة التصرف، وعدم وجود دليل قانوني معتبر يهدر سند النيابة أو يثبت تقييده على نحو يحول دون مباشرة التصرف محل الاتهام، يقطع الطريق على تصوير الواقعة باعتبارها توقيعاً صادراً بغير صفة، وينفي الأساس الذي أقيم عليه القول بوقوع تزوير من جانب المتهم الأول، بما يتعين معه القضاء ببراءته مما أسند إليه، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
.
الدفع الستون: عدم جواز الخلط بين حدود الوكالة الثابتة بالمحرر الرسمي وبين التعليمات أو الرغبات الداخلية للأصيل، وعدم صلاحية الأخيرة بذاتها لنفي السلطة الظاهرة والثابتة بسند النيابة
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد خلط بين أمرين متغايرين في طبيعتهما وأثرهما القانوني؛ أولهما حدود السلطة التي أفصح عنها الأصيل وأثبتها في سند الوكالة الرسمي، وثانيهما ما قد يكون قد صدر عنه من تعليمات أو توجيهات أو رغبات داخلية لم تُثبت في سند النيابة ولم تُدرج فيه كقيد على سلطة الوكيل، ورتب على هذا الخلط نتيجة مؤداها نفي سلطة المتهم الأول في مباشرة التصرف محل الاتهام، رغم قيام سند وكالة رسمي سابق على التصرف وثبوت سريان سلطته وقت مباشرة التوقيع.
ذلك أن سند الوكالة الرسمي هو الأداة التي يُستدل بها ابتداءً على مصدر النيابة وحدودها في مواجهة الغير، وهو الذي يحدد نطاق السلطة التي أظهر الأصيل إرادته في منحها للوكيل. فإذا تضمن السند حق الوكيل في التوقيع نيابة عن الأصيل على عقود تأسيس وتعديل الشركات، فإن الأصل هو الوقوف على هذا التفويض في ضوء ألفاظه ومضمونه وطبيعة التصرف الذي خُوّل الوكيل مباشرته، ولا يجوز بمجرد أقوال لاحقة أو تعليمات داخلية غير ثابتة في سند النيابة إنشاء قيد لم يرد فيه ثم ترتيب المسؤولية الجنائية على أساس هذا القيد المستحدث.
والثابت في الدعوى أن التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة قد صدر قبل الواقعة محل الاتهام بسنوات، وتضمن تخويل المتهم الأول القيام نيابة عن صاحبة الشأن بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، ومنحه الحق في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، وهي سلطة ثابتة بمحرر رسمي لا تستمد وجودها من أقوال المتهم الأول ولا من تفسير لاحق للواقعة.
وقد تعزز هذا الفهم بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
ومن ثم، فإن ما قد يثار من أن صاحبة الشأن كانت قد أصدرت للمتهم الأول تعليمات أو رغبات داخلية تحد من كيفية استعمال الوكالة، أو أنها لم تكن ترغب في إجراء معين، لا يؤدي بذاته إلى تحويل التصرف الذي باشره الوكيل في حدود السلطة الظاهرة والثابتة في سند النيابة إلى فعل تزوير، ما لم يثبت على نحو مستقل وجود قيد قانوني معتبر على السلطة، أو أن المتهم الأول كان يعلم وقت التصرف بزوال سلطته أو بتقييدها على نحو يحول دون مباشرة العمل محل الاتهام.
فثمة فارق جوهري بين نطاق السلطة الذي أفصح عنه الأصيل في سند الوكالة وبين التعليمات الداخلية المتعلقة بكيفية استعمال تلك السلطة. فالأول هو الذي يحدد في الأصل ما أُظهر للغير أن الوكيل يملكه من سلطة، أما الثاني فقد يتعلق بالعلاقة الداخلية بين الأصيل والوكيل، ولا يجوز الخلط بينهما بحيث يصبح كل إخلال محتمل بتعليمات داخلية سبباً تلقائياً لاعتبار التوقيع تزويراً أو التصرف صادراً من غير ذي صفة.
والأهم من ذلك أن المسؤولية الجنائية لا يجوز أن تُبنى على مجرد افتراض وجود تعليمات داخلية لم يثبت محتواها على وجه يقيني، أو على أقوال لاحقة تنازع في إرادة الأصيل، دون تحديد مضمون هذه التعليمات وتاريخ صدورها وطريقة إبلاغها إلى المتهم الأول ومدى ثبوت علمه بها وقت مباشرة التصرف. فليس كل خلاف بين الأصيل والوكيل حول طريقة استعمال الوكالة ينشئ بالضرورة جريمة تزوير، ولا يتحول القيد الداخلي – بمجرد الادعاء بوجوده – إلى حقيقة جنائية إلا إذا ثبتت عناصره وأثره في الواقعة بدليل معتبر.
وإذا كان الاتهام قد استند إلى أن صاحبة الشأن لم تكن تقصد أن تشمل وكالتها إجراء تقليل أو زيادة حصتها في الشركة، فإن هذا القول يحتاج إلى دليل يتجاوز مجرد الإرادة الباطنة أو الرغبة اللاحقة، ويبين كيف انعكست تلك الإرادة في قيد قانوني على سلطة الوكيل، وكيف ثبت علم المتهم الأول بهذا القيد وقت مباشرته التصرف. أما أن يستخلص من مجرد عدم رضا الأصيل عن النتيجة التي انتهى إليها التصرف أن الوكيل لم يكن يملك سلطة إجرائه أصلاً، فذلك خلط بين إرادة الأصيل الداخلية وبين نطاق النيابة الثابت في السند.
ولا سيما أن سند الوكالة محل الدعوى لم يقتصر على تفويض عام غامض، وإنما تضمن على نحو صريح سلطة التوقيع نيابة عن الأصيل على عقود تأسيس وتعديل الشركات، وقد انتهت الجهة الإدارية المختصة بالتوثيق، بعد فحص السند، إلى أن هذه السلطة تشمل التوقيع على تعديل الشركة والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء. ومن ثم فإن القول بوجود قيد داخلي مخالف لذلك لا يمكن أن يهدر هذه الدلالة بمجرد القول به، وإنما يتعين إثباته بدليل قانوني معتبر، مع إثبات علم المتهم الأول به وأثره في سلطته وقت التصرف، إذا أريد ترتيب أثر جنائي عليه.
كما أن التمييز بين السلطة الظاهرة الثابتة بسند النيابة وبين التعليمات الداخلية لا يعني أن التعليمات الداخلية لا قيمة لها مطلقاً في كل نزاع، وإنما مؤداه أن وجودها – متى أريد الاستناد إليها – يجب أن يثبت بذاته، وأن يحدد نطاقها وتاريخها وأثرها، وأن يثبت اتصالها بعلم الوكيل وقت مباشرته التصرف، وألا تستخدم بمجردها لإعادة كتابة سند الوكالة أو إضافة استثناء لم يرد فيه، ثم اتخاذ هذا الاستثناء المفترض أساساً لإثبات جريمة تزوير.
وفي المجال الجنائي تحديداً، تزداد ضرورة هذا التمييز؛ لأن إسناد جريمة التزوير لا يقوم على مجرد القول بأن الوكيل لم ينفذ رغبة موكله أو خالف توجيهاً داخلياً، وإنما يتطلب إثبات فعل مادي محدد من أفعال تغيير الحقيقة، وأن يكون المتهم قد ارتكبه عالماً بحقيقته وبما يترتب عليه. فإذا كان التوقيع قد صدر منه علناً وبصفته وكيلاً، وبموجب سند رسمي قائم، فلا يكفي لإثبات الركن المادي للجريمة مجرد القول بأن الأصيل كان يريد نتيجة أخرى أو كان قد أصدر تعليمات مختلفة، ما لم يثبت فوق ذلك فعل التزوير ذاته.
كما لا يجوز اتخاذ عدم موافقة الأصيل اللاحقة أو إلغائه للوكالة بعد التصرف دليلاً رجعياً على أن السلطة لم تكن قائمة وقت التوقيع. فالعبرة في تحديد قيام الصفة التمثيلية بالوقت الذي باشر فيه الوكيل التصرف، ولا يجوز أن يتحول الإلغاء اللاحق أو النزاع اللاحق حول آثار التصرف إلى وسيلة لإثبات انعدام سلطة كانت قائمة بموجب محرر رسمي وقت مباشرة العمل.
ومن ثم، فإذا كان الحكم قد استند إلى أقوال مفادها أن صاحبة الشأن لم تكن تقصد منح المتهم الأول سلطة إجراء التعديل محل الاتهام، دون أن يحدد قيداً مكتوباً في سند الوكالة، أو مستنداً قانونياً سابقاً على التصرف يثبت هذا القيد، أو دليلاً يقينياً على علم المتهم الأول به وقت التوقيع، فإنه يكون قد استخلص انعدام السلطة من إرادة داخلية مجردة، وأهدر في المقابل السند الرسمي الذي أنشأ وأظهر السلطة، وهو ما يعيب استدلاله ويجعله غير قائم على أساس كافٍ.
ولا يغير من ذلك ما قد يثار من أن المحكمة الجنائية تملك تقدير الأدلة جميعها؛ إذ إن تقدير الدليل شيء، وإنشاء قيد غير ثابت في سند النيابة شيء آخر. وللمحكمة أن تزن الأقوال والمستندات وأن ترجح دليلاً على آخر متى كان استخلاصها سائغاً، لكنها تظل مطالبة بأن تكشف عن الأساس الواقعي والقانوني الذي حملها على طرح الدليل الرسمي الجوهري، وأن تبين كيف انتقلت من مجرد وجود رغبة أو تعليمات داخلية – إن ثبتت – إلى القول بأن سلطة المتهم الأول قد زالت أو قُيدت على نحو يجعل توقيعه تغييراً للحقيقة.
وإذ كان الثابت أن المتهم الأول قد استند إلى توكيل رسمي قائم وقت التصرف، وأنه باشر التوقيع بصفته وكيلاً، وأن نطاق الوكالة قد ثبت رسمياً امتداده إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن مجرد الادعاء بوجود تعليمات أو رغبات داخلية مخالفة لا يكفي وحده لنفي تلك السلطة أو لتحويل التصرف إلى جريمة تزوير، ما لم يثبت قيد قانوني محدد، ويثبت علم المتهم الأول به، ويثبت كذلك الفعل المادي الذي به تغيّرت الحقيقة في المحرر.
ومن ثم، يكون الخلط بين حدود الوكالة الثابتة بالمحرر الرسمي وبين التعليمات أو الرغبات الداخلية للأصيل قد أدى إلى بناء الاتهام على أساس غير يقيني، وإلى مساواة المنازعة في كيفية استعمال الوكالة بانعدام السلطة ذاتها، وإلى الخلط بين الآثار المدنية المحتملة لمخالفة تعليمات الأصيل وبين تحقق الركن المادي لجريمة التزوير، الأمر الذي لا يصلح سنداً لإدانة جنائية.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على ثبوت سلطته في مباشرة التصرف محل الاتهام بموجب سند وكالة رسمي قائم، وثبوت امتداد هذه السلطة إلى التوقيع على تعديل الشركة وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وعدم صلاحية مجرد التعليمات أو الرغبات الداخلية غير الثابتة بذاتها لإهدار سند النيابة أو نفي السلطة التي أظهرها للغير، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
.
الدفع الواحد والستون: عدم جواز تحويل المنازعة في رضا الأصيل عن الأثر الاقتصادي للتصرف إلى دليل على انتفاء صفة الوكيل أو قيام جريمة التزوير
يتمسك المتهم الأول بأن المنازعة في مدى رضا الأصيل عن الأثر الاقتصادي الذي ترتب على التصرف محل الاتهام لا تصلح بذاتها سنداً للقول بانتفاء صفة المتهم الأول كوكيل، ولا يجوز قانوناً أن تتحول مجرد المنازعة في النتيجة الاقتصادية للتصرف أو الاعتراض اللاحق عليها إلى دليل على قيام جريمة التزوير، ما لم يقم إلى جانب ذلك دليل مستقل ويقيني يثبت أن المتهم الأول قد باشر التصرف بغير سند من النيابة أو أنه أحدث تغييراً مادياً في الحقيقة المثبتة بالمحررات محل الاتهام.
ذلك أن صفة الوكالة تستمد – في الأصل – من سند النيابة الذي صدر قبل مباشرة التصرف، ولا تتوقف في وجودها وقت مباشرة العمل على مدى رضا الأصيل اللاحق عن النتائج التي ترتبت على استعمال الوكالة، طالما كان سند الوكالة قائماً ولم يثبت زوال سلطة الوكيل قبل مباشرة التصرف، وكان الوكيل قد باشر العمل في حدود السلطة المستمدة من ذلك السند.
والثابت بالأوراق أن المتهم الأول لم يباشر التوقيع محل الاتهام خفية أو منتحلاً لشخصية صاحبة الشأن، وإنما وقّع بصفته وكيلاً عنها، مستنداً إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو سند سابق على التصرف ظل قائماً وقت مباشرة التوقيع، بما يجعل مصدر صفته التمثيلية ثابتاً بمحرر رسمي لا بمجرد ادعاء لاحق.
ولا يغير من ذلك ما قد يثار من أن التصرف ترتب عليه أثر اقتصادي تمثل في تعديل حصص الشركاء، أو أن صاحبة الشأن لم تكن راضية عن هذا الأثر أو نازعت في حصوله أو في مدى ملاءمته لإرادتها أو مصلحتها؛ إذ إن هذه المنازعة – على فرض صحتها – تنصب في ذاتها على النتيجة التي ترتبت على التصرف، ولا تكشف بالضرورة عن كيفية صدور التوقيع أو عن حقيقة صفة من وقّع به أو عن وقوع تغيير مادي للحقيقة في المحرر.
فثمة فارق جوهري بين ثلاثة أمور لا يجوز الخلط بينها: أولها وجود السلطة التمثيلية ومصدرها ومدى استمرارها وقت مباشرة التصرف؛ وثانيها مدى موافقة الأصيل على النتيجة الاقتصادية أو مدى رضاه عنها بعد وقوع التصرف؛ وثالثها وقوع جريمة التزوير وما تتطلبه من فعل مادي لتغيير الحقيقة في محرر على نحو مؤثم قانوناً. ولا يصح أن يُستخلص أحد هذه الأمور من الآخر بغير دليل مستقل يثبت عناصره.
وبعبارة أخرى، فإن عدم رضا الأصيل عن النتيجة الاقتصادية للتصرف لا يؤدي منطقاً ولا قانوناً إلى النتيجة القائلة بأن الوكيل لم يكن وكيلاً، كما أن القول بأن الأصيل لم يكن يرغب في إنقاص حصته أو زيادة حصة شريك آخر لا يثبت بذاته أن الوكيل قد انتحل صفته أو اصطنع توقيعاً أو غيّر الحقيقة في محرر.
وإذا كان المتهم الأول قد أفصح في المحرر ذاته عن صفته كوكيل، فإن ذلك يهدم – من حيث الأصل – أي تصوير للواقعة باعتبارها انتحالاً لشخصية الأصيل أو إيهاماً بأنه هو صاحب التوقيع، ويجعل مناط المناقشة – إن وجدت – متعلقاً بمدى السلطة التي خولها سند الوكالة، لا بمجرد وجود الصفة ذاتها.
والثابت كذلك أن مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 قد انتهت – بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه النتيجة الرسمية لا تعني أن الإدارة العامة للتوثيق قد فصلت في المسؤولية الجنائية للمتهم الأول، وإنما دلالتها في نطاق هذا الدفاع أنها تؤكد أن المنازعة حول النتيجة الاقتصادية للتصرف لا يجوز أن تُختزل تلقائياً في القول بأن سند الوكالة لم يكن يمتد إلى التصرف محل الاتهام، إذ إن الجهة المختصة بفحص أعمال التوثيق قد انتهت إلى دلالة مغايرة مستندة إلى مضمون سند الوكالة ذاته.
ومن ثم، فإذا كان الاتهام قد استند في تصوير الواقعة إلى أن صاحبة الشأن لم تكن راضية عن تخفيض حصتها أو عن زيادة حصة شريك آخر، فإن هذا القول لا يكفي لإثبات أن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة مباشرة التصرف وقت توقيعه، ولا يكفي لإثبات أنه ارتكب فعلاً من أفعال تغيير الحقيقة. فعدم الرضا عن الأثر الاقتصادي شيء، وانعدام الصفة التمثيلية شيء آخر، ووقوع التزوير شيء ثالث، ولا يجوز إقامة رابطة حتمية بينها دون دليل مستقل.
كما لا يجوز أن يُستخلص من النتيجة الاقتصادية للتصرف دليل على تزوير المحرر؛ إذ إن انخفاض حصة أحد الشركاء وارتفاع حصة شريك آخر هو أثر مترتب على مضمون التعديل ذاته، وليس دليلاً مستقلاً على أن الحقيقة قد غُيّرت في المحرر بطريق من طرق التزوير. وإلا أصبح الأثر المترتب على التصرف دليلاً على عدم مشروعية التصرف، ثم أصبح عدم المشروعية المفترضة دليلاً على التزوير، وهو استدلال دائري لا يثبت الفعل المادي للجريمة.
وكان يتعين – إذا أريد تأسيس الاتهام على أن المتهم الأول قد تجاوز حدود وكالته – تحديد النص أو العبارة الواردة في سند الوكالة التي تمنع مباشرة التصرف محل الاتهام، وبيان وجه التجاوز تحديداً، ثم بيان كيف تحول هذا التجاوز – إن ثبت – إلى فعل مادي من أفعال تغيير الحقيقة في المحرر. أما مجرد الاستناد إلى أن الأصيل لم يكن راضياً عن الأثر المالي أو الاقتصادي للتعديل، فلا ينهض مقام هذا الإثبات.
ذلك أن المسؤولية الجنائية لا تُبنى على مجرد عدم تطابق النتيجة التي تحققت مع الإرادة اللاحقة التي يدعي الأصيل أنه كان يتمناها، وإنما يلزم أن يثبت الفعل الإجرامي ذاته بكافة عناصره. ولا يجوز للمحكمة أن تستبدل بإثبات الفعل المادي للتزوير استنتاجاً مؤداه أن النتيجة الاقتصادية لم تكن مرغوبة لدى الأصيل، ثم تجعل من هذا الاستنتاج قرينة حاسمة على انتفاء الوكالة أو تغيير الحقيقة.
كما أن إلغاء التوكيل في تاريخ لاحق على مباشرة التصرف لا يغير من ذلك شيئاً، إذ لا يجوز اتخاذ الإلغاء اللاحق دليلاً بذاته على انتفاء صفة الوكيل وقت التوقيع، ولا تحويله إلى قرينة رجعية على أن التوقيع كان صادراً بغير سلطة منذ البداية، ما لم يثبت بدليل مستقل أن سبب الإلغاء أو واقعة سابقة عليه قد أنهت الوكالة قبل مباشرة التصرف محل الاتهام.
ومن ناحية أخرى، فإن المنازعة في رضا الأصيل عن الأثر الاقتصادي للتصرف قد يكون لها – بحسب ظروف كل حالة – مجال في منازعة مدنية حول آثار التصرف أو حدود استعمال الوكالة أو مدى نفاذه، إلا أن نقلها مباشرة إلى المجال الجنائي يتطلب أكثر من مجرد إثبات عدم الرضا؛ إذ يتعين إثبات الواقعة الجنائية المستقلة، وهي هنا فعل تغيير الحقيقة في محرر على النحو الذي يتطلبه القانون.
وعليه، فإن أقصى ما يمكن أن تدل عليه المنازعة في رضا الأصيل – متى ثبتت – هو وجود خلاف حول التصرف أو آثاره أو مدى موافقته للإرادة التي يدعيها الأصيل، أما أن تكون هذه المنازعة بذاتها دليلاً على انتفاء صفة الوكيل أو على تزوير المحرر، فذلك انتقال غير مشروع من واقعة إلى أخرى دون إقامة الدليل اللازم على كل منهما.
وإذ كان المتهم الأول قد استند إلى وكالة رسمية قائمة وقت مباشرة التصرف، وثبت رسمياً أن نطاقها يمتد – بحسب ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق – إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وكان قد وقع معلناً صفته كوكيل، ولم يثبت في المقابل فعل مادي مستقل لتغيير الحقيقة، فإن المنازعة في رضا الأصيل عن النتيجة الاقتصادية للتصرف لا تنهض سنداً لإدانته، ولا تصلح لهدم أصل صفته التمثيلية، ولا يجوز أن تُتخذ بديلاً عن الدليل الواجب على الركن المادي لجريمة التزوير.
ومن ثم، يكون الاستناد إلى عدم رضا الأصيل عن الأثر الاقتصادي للتصرف – لإثبات انتفاء صفة المتهم الأول كوكيل أو استخلاص وقوع التزوير – استدلالاً غير منتج في مقام الإثبات الجنائي، وقاصراً عن حمل النتيجة التي انتهى إليها الحكم، بما يتعين معه طرح هذا الاستنتاج وعدم التعويل عليه في إدانة المتهم الأول.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على عدم جواز تحويل المنازعة في رضا الأصيل عن الأثر الاقتصادي للتصرف إلى دليل على انتفاء صفة الوكيل أو قيام جريمة التزوير، وانتفاء الدليل اليقيني على وقوع فعل مادي من أفعال تغيير الحقيقة، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الثاني والستون: استقلال تحديد نطاق النيابة عن النزاع حول تنفيذ الوكيل لتعليمات الأصيل، وعدم جواز إثبات تجاوز التعليمات بمجرد شهادة تهدر أو تعدل مضمون التوكيل الرسمي
يتمسك المتهم الأول بأن تحديد نطاق النيابة وسلطة الوكيل في مباشرة التصرف محل الاتهام يظل مسألة مستقلة عن أي نزاع قد يثور بشأن مدى التزام الوكيل بتعليمات الأصيل أو مدى تنفيذه لرغباته وتوجيهاته الداخلية، وأن الخلط بين الأمرين يؤدي إلى نتيجة قانونية وجنائية غير صحيحة، إذ إن وجود تعليمات خاصة أو لاحقة بين الأصيل ووكيله لا يستتبع بذاته أن تكون هذه التعليمات قيداً وارداً في سند الوكالة أو أن مخالفتها – بفرض ثبوتها – تتحول تلقائياً إلى فعل من أفعال التزوير.
والثابت أن مصدر السلطة التمثيلية التي باشر المتهم الأول التوقيع استناداً إليها هو التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو المحرر الذي يتعين الرجوع إليه أولاً لتحديد نطاق النيابة والسلطات التي خولتها صاحبة الشأن لوكيلها. وقد تضمن هذا التوكيل تخويل المتهم الأول القيام نيابة عنها بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، ومنحه الحق في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، وهو ما يتعين أن يكون نقطة الانطلاق في تحديد مدى سلطته التمثيلية.
ومن ثم، فإن القول بوجود تعليمات داخلية صادرة من الأصيل إلى الوكيل لا يؤدي – بمجرده – إلى تغيير مضمون سند الوكالة الرسمي أو إلى إنشاء قيد عليه لم يرد فيه، ما لم يثبت هذا القيد بدليل قانوني مستقل يصلح لإثباته في الإطار الذي يتطلبه القانون. ولا يجوز أن تتحول الأقوال المتعلقة بما دار في العلاقة الداخلية بين الأصيل والوكيل إلى وسيلة لإعادة صياغة سند الوكالة أو إضافة حدود جديدة إلى السلطة الثابتة فيه.
ذلك أن هناك فارقاً جوهرياً بين نطاق السلطة التمثيلية وبين كيفية استعمال هذه السلطة؛ فنطاق السلطة يستمد أساسه من سند النيابة وما تضمنه من تفويض، أما التزام الوكيل بتعليمات الأصيل فيتصل بالعلاقة الداخلية بين الطرفين وبكيفية استعمال الوكيل للسلطة الممنوحة له. ولا يجوز الخلط بين مخالفة التعليمات – على فرض ثبوتها – وبين انعدام الصفة أو انتحالها أو تغيير الحقيقة في المحرر.
فإذا كان الوكيل قد وقع معلناً صفته كوكيل وبموجب سند وكالة قائم، فإن مجرد الادعاء بأنه خالف رغبة داخلية للأصيل أو لم ينفذ توجيهاً خاصاً لا يجعل توقيعه بذاته توقيعاً مزوراً، ولا يحول التصرف الذي باشره إلى محرر مصطنع، ولا يثبت أنه انتحل شخصية الأصيل أو نسب إليه ما لم يصدر عنه. وإنما يتعين – إذا أريد ترتيب أثر قانوني على مخالفة التعليمات – إثبات تلك المخالفة في نطاقها القانوني الصحيح، دون تحويلها إلى دليل تلقائي على وقوع جريمة تزوير.
والأخطر من ذلك أن يكون الدليل الوحيد على وجود تلك التعليمات أو مضمونها هو شهادة من لم يشهد صدورها أو لم يكن طرفاً فيها، وإنما استخلص مضمونها من أقوال الغير أو من ظروف لاحقة على التصرف. ففي هذه الحالة لا يجوز أن تُعامل تلك الأقوال باعتبارها دليلاً مستقلاً على تقييد سلطة ثابتة بمحرر رسمي، ولا أن يُبنى عليها القول بأن المتهم الأول كان يعلم أن سلطته لا تمتد إلى التصرف محل الاتهام.
كما لا يجوز استخدام الشهادة لإهدار أو تعديل مضمون التوكيل الرسمي على نحو ينشئ قيداً لم يرد فيه، متى كان موضوع الشهادة في حقيقته لا يثبت واقعة خارجية مستقلة، وإنما يستهدف إعادة تفسير سند الوكالة أو استحداث شرط أو حظر لم يتضمنه المحرر. فالشاهد قد يقرر واقعة شاهدها بنفسه – كواقعة حضور اجتماع أو تسليم مستند أو صدور قول محدد – وهذه واقعة مستقلة يجوز بحثها وتقديرها في نطاقها، أما أن يتحول قوله إلى مصدر لإنشاء نطاق جديد للوكالة أو نفي سلطة ثابتة فيها، فذلك أمر مختلف يتعين أن يخضع للقواعد القانونية الحاكمة للإثبات وتفسير المحررات.
وقد تأكدت دلالة سند الوكالة في الدعوى الماثلة بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص التوكيل والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه النتيجة الرسمية لا تنشئ سلطة جديدة للمتهم الأول، وإنما تؤيد ما هو ثابت أصلاً من سند الوكالة، وتكشف عن أن المسألة التي يحاول الاتهام بناءها على أقوال الشهود – وهي مدى امتداد الوكالة إلى تعديل حصص الشركاء – لها سند مباشر في المحرر الرسمي ذاته، وقد انتهت الجهة الإدارية المختصة بالتوثيق إلى تفسير يؤكد هذا الامتداد.
ومن ثم، فإن محاولة إثبات أن المتهم الأول تجاوز تعليمات الأصيل لا يجوز أن تستبدل بالسؤال الجنائي الحقيقي: هل ثبت أنه غيّر الحقيقة في المحرر مع علمه بذلك؟ فإذا كان المتهم الأول قد باشر التوقيع مستنداً إلى وكالة قائمة، ومعلناً صفته كوكيل، وكانت الوكالة في ذاتها تتضمن سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات، وثبت رسمياً امتدادها إلى الإجراء محل الاتهام، فإن مجرد القول بأنه خالف تعليمات داخلية – بفرض ثبوته – لا يثبت الركن المادي للتزوير ولا القصد الجنائي الخاص به.
ولا يجوز كذلك الانتقال من إثبات مخالفة تعليمات مفترضة إلى إثبات العلم بانعدام السلطة؛ إذ إن هذا الانتقال يحتاج إلى دليل مستقل. فقد يكون الوكيل قد باشر التصرف معتقداً – استناداً إلى ظاهر سند وكالته ومضمونه – أنه يدخل في نطاق السلطة المخولة له، وحتى إذا ثار نزاع لاحق حول العلاقة الداخلية بينه وبين الأصيل، فإن هذا النزاع لا يصلح بذاته لإثبات أنه كان يعلم وقت التوقيع أن ما يباشره يشكل تغييراً للحقيقة أو أنه يتصرف منتحلاً سلطة لا يملكها.
كما أن إلغاء الوكالة في تاريخ لاحق على التوقيع لا يغير من هذه النتيجة؛ إذ لا يجوز اتخاذ واقعة الإلغاء اللاحقة دليلاً على أن تعليمات سابقة كانت قد قيدت سلطة الوكيل وقت مباشرة التصرف، ولا أن يستخلص منها علم المتهم الأول بانعدام سلطته في تاريخ سابق على الإلغاء.
وعليه، فإن الدفاع لا ينازع في أن العلاقة الداخلية بين الأصيل والوكيل قد تكون محلاً للمناقشة أو الإثبات بالوسائل القانونية المناسبة بحسب طبيعة الواقعة، وإنما يتمسك بأن هذه المسألة يجب ألا تختلط بمصدر السلطة التمثيلية الثابتة في سند الوكالة، وألا تستخدم لإثبات جريمة التزوير دون دليل مستقل على فعل تغيير الحقيقة ذاته.
فإذا كان الحكم المعارض فيه قد استخلص انتفاء سلطة المتهم الأول أو تجاوزه لنطاق وكالته من أقوال شهود تضمنت في حقيقتها تحديداً لتعليمات الأصيل أو تفسيراً لعلاقته الداخلية بالوكيل، دون أن يبين كيف تحولت هذه الأقوال إلى دليل على وقوع تغيير مادي للحقيقة في المحرر، فإنه يكون قد خلط بين مسألتين مختلفتين: الأولى هي مدى التزام الوكيل بتعليمات الأصيل، والثانية هي مدى وقوع تزوير في المحرر. وهذا الخلط يفسد الاستدلال، لأن ثبوت الأولى – بفرضه – لا يؤدي حتماً إلى ثبوت الثانية.
ومن ثم، فإن الدليل على تجاوز تعليمات الأصيل لا يجوز أن يستمد من مجرد شهادة تهدر مضمون التوكيل الرسمي أو تعدله أو تضيف إليه قيوداً غير واردة فيه، ولا يجوز أن يحل هذا الدليل محل إثبات الفعل المادي للتزوير. وإذ كان سند الوكالة قائماً وقت التوقيع، وكان المتهم الأول قد وقع بصفته وكيلاً، وثبت رسمياً أن نطاق الوكالة يمتد إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن المنازعة في تنفيذ تعليمات الأصيل لا تنهض وحدها دليلاً على انعدام السلطة أو تغيير الحقيقة.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لعدم ثبوت أن توقيعه قد صدر بغير سلطة أو بطريق انتحال الصفة أو تغيير الحقيقة، وعدم جواز الاستناد إلى مجرد أقوال تتعلق بتعليمات الأصيل الداخلية له لإهدار مضمون التوكيل الرسمي أو إنشاء قيد غير وارد فيه، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
.
الدفع الثالث والستون: حجية المستند الرسمي الصادر عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في بيان نطاق التوكيل، ووجوب بحثه والرد عليه باعتباره دليلاً جوهرياً في الدعوى
يتمسك المتهم الأول بأن المستند الرسمي الصادر عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل، والوارد في الملف رقم 134 لسنة 2026، يمثل دليلاً جوهرياً في الدعوى، يتصل اتصالاً مباشراً بأصل الاتهام وأحد أركانه التي أقيم عليها، باعتباره متناولاً بالتحديد لنطاق التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، ومدى امتداد السلطة التي خولها هذا التوكيل إلى التصرف محل الاتهام، ومن ثم كان يتعين على الحكم المعارض فيه أن يعرض له ويمحص مضمونه ويبين أثره في عقيدته، وألا يطرحه أو يتجاهله بغير رد سائغ ومقبول.
ذلك أن هذا المستند لم يصدر عن أحد أطراف الخصومة أو عن جهة لا صلة لها بموضوع النزاع، وإنما صدر عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، وفي إطار اختصاص الجهة الإدارية والفنية المعنية بأعمال التوثيق وفحص المحررات والتعامل مع مسائل الوكالات والتصرفات التي توثقها الجهات المختصة.
وقد انتهت المذكرة الرسمية المشار إليها – بحسب الثابت بها – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة «يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء بتقليل أو زيادة حصة الشركاء كما هو ثابت بالوكالة التي تمت بناءً على رغبة الموكل»، كما أثبتت أن التوكيل قد تم إلغاؤه بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه النتيجة الرسمية تتصل اتصالاً مباشراً بجوهر دفاع المتهم الأول، إذ إن الاتهام قد قام – في جانب أساسي منه – على القول بانتفاء سلطته في التوقيع على التصرف محل الاتهام، بينما تأتي المذكرة الرسمية لتقرر، بعد فحص سند الوكالة، نتيجة مغايرة مؤداها امتداد نطاق الوكالة إلى عقود تعديل الشركات وإلى الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
ولا يستند المتهم الأول في تمسكه بهذا المستند إلى القول بأنه حكم قضائي ملزم للمحكمة أو أنه يحسم وحده المسؤولية الجنائية، وإنما يتمسك بحجيته ودلالته باعتباره مستنداً رسمياً صادراً عن جهة حكومية مختصة، وبقوته في إثبات ما صدر عنها وما انتهت إليه في حدود اختصاصها، وبكونه دليلاً جوهرياً يتعين على محكمة الموضوع أن تتناوله بالبحث والتمحيص إذا كان من شأنه – بحسب محتواه – أن يغير وجه الرأي في الدعوى.
فالفارق واضح بين أن تكون المذكرة هي مصدر سلطة المتهم الأول، وبين أن تكون دليلاً رسمياً على كيفية فهم الجهة المختصة لمضمون سند السلطة القائم بالفعل؛ إذ إن مصدر سلطة المتهم الأول هو التوكيل الرسمي ذاته، أما المذكرة فتكشف عن النتيجة التي انتهت إليها الإدارة العامة للتوثيق عند فحص هذا السند ومدى انطباقه على التصرف محل الاتهام. ومن ثم، فإن قيمتها لا تقوم على إنشاء حق أو سلطة لم تكن موجودة، وإنما على تعزيز الدلالة المستمدة أصلاً من محرر الوكالة الرسمي.
ويزداد وزن هذا المستند في الدعوى الماثلة لأنه لا يتناول مسألة بعيدة أو فرعية، وإنما يتصل بالواقعة التي يدور حولها الاتهام تحديداً، وهي ما إذا كان المتهم الأول قد باشر التوقيع على عقد تعديل الشركة بغير سند من سلطته التمثيلية، أم أنه باشره استناداً إلى وكالة قائمة كان نطاقها – وفقاً لما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق – يشمل هذا النوع من التعديلات.
فإذا كان الحكم قد انتهى إلى إدانة المتهم الأول على أساس أنه لم يكن يملك سلطة التوقيع، ثم كانت بالأوراق مذكرة رسمية صادرة عن الإدارة العامة للتوثيق تقرر امتداد نطاق الوكالة إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن هذا المستند يغدو دفاعاً جوهرياً ودليلاً مؤثراً في وجه الرأي في الدعوى، إذ إن الأخذ بمضمونه قد يؤدي إلى تغيير التصوير القانوني للواقعة من فعل تزوير مزعوم إلى تصرف صدر من وكيل مستند إلى سند وكالة قائم، بما يؤثر مباشرة في استظهار الركن المادي والقصد الجنائي للجريمة.
ومن ثم، لم يكن جائزاً للمحكمة أن تتجاهل هذا المستند أو تكتفي بعبارة عامة في شأنه، وإنما كان يتعين عليها – إذا كانت قد رأت عدم التعويل عليه – أن تكشف عن سبب طرحه، وأن تبين وجه عدم صلاحيته للدلالة التي تمسك بها الدفاع، وأن تواجه ما ورد به بما يكفي لحمل قضائها، ولا سيما إذا كان الحكم قد عوّل في المقابل على أقوال أو استنتاجات مؤداها أن الوكالة لا تمتد إلى التصرف محل الاتهام.
ذلك أن إغفال الدليل الجوهري لا يقاس بمجرد حجمه المادي أو عدد صفحاته، وإنما بمدى اتصاله بواقعة الدعوى وقدرته – لو صح – على تغيير وجه الرأي فيها. ومتى كان المستند متعلقاً مباشرة بمصدر سلطة المتهم الأول في التوقيع، وكان الاتهام نفسه قائماً على نفي هذه السلطة أو القول بتجاوزها، فإن الالتفات عنه دون بحث جدي يحول دون معرفة الأساس الذي أقامت عليه المحكمة عقيدتها في هذه المسألة الجوهرية.
كما أن الرد على هذا الدليل لا يتحقق بمجرد القول بأن المحكمة اطمأنت إلى أقوال الشهود أو إلى أدلة أخرى، ما لم يتضمن الحكم بياناً سائغاً يواجه مضمون المذكرة ذاتها ويبين لماذا لم ترَ المحكمة فيها ما يغير وجه الرأي. ذلك أن الدليل الجوهري لا يواجه بعبارة عامة عن اطمئنان المحكمة إلى أدلة أخرى، وإنما يلزم بيان سبب طرح دلالته إذا كان من شأنه أن يناقض النتيجة التي انتهت إليها المحكمة.
ولا سيما أن المذكرة الرسمية لم تكن منفصلة عن سند الوكالة، وإنما تناولت التوكيل ذاته وفحصت نطاقه، وانتهت إلى نتيجة تتصل مباشرة بالتصرف محل الاتهام. ومن ثم فإن إغفالها يؤدي عملياً إلى تجزئة الدليل، بحيث يؤخذ من التوكيل ما يخدم التصوير الاتهامي، بينما يتم تجاهل التفسير الرسمي لنطاقه، دون بيان سبب سائغ يبرر ذلك.
كما أن ثبوت أن إلغاء التوكيل قد وقع بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة يمثل عنصراً آخر ذا دلالة في هذا السياق، إذ يؤكد – في نطاق البحث في الحالة القانونية وقت مباشرة التصرف – أن سند الوكالة كان قائماً عند إتمام التوقيع، وأن الإلغاء اللاحق لا يصلح بذاته دليلاً على انعدام السلطة وقت مباشرة التصرف.
وإذا كان الحكم قد أقام قضاءه على أن المتهم الأول قد تجاوز حدود الوكالة، فإن المذكرة الرسمية تصبح أكثر جوهرية، إذ كان يتعين على المحكمة أن تحدد أولاً الحد الذي قالت إن الوكالة تقف عنده، وأن تبين النص أو العبارة التي استندت إليها في ذلك، ثم تواجه صراحة ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق من أن الوكالة تشمل التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وأن تبين لماذا لا تأخذ بهذا الفهم، حتى يمكن الوقوف على سلامة الأساس الذي أقيمت عليه الإدانة.
أما إهدار هذا المستند دون مناقشة حقيقية، أو مجرد إغفاله من أسباب الحكم، مع كونه متعلقاً بمسألة جوهرية من شأنها – لو صحت دلالته – أن تنفي عن الواقعة الصورة التي أقيم عليها الاتهام، فإنه يعيب الحكم بالقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، فضلاً عما قد يترتب عليه من فساد في الاستدلال إذا كان الحكم قد استخلص انتفاء سلطة المتهم الأول من أدلة لم يوازن بينها وبين هذا المستند الرسمي.
ولا يغير من ذلك أن المحكمة الجنائية لها كامل السلطة في تقدير الأدلة والموازنة بينها، إذ إن هذه السلطة لا تعني جواز إغفال دليل جوهري تمسك به الدفاع وكان من شأنه، لو صح، أن يغير وجه الرأي في الدعوى. وإنما يكون للمحكمة أن تطرح الدليل بعد أن تعرض له وتفحصه وتبين سبب عدم اطمئنانها إليه، أما السكوت عنه أو طرحه بعبارة لا تواجه جوهره فلا يكشف عن أن المحكمة قد أحاطت بعناصر الدفاع وأدلتها إحاطة كافية.
ومن ثم، فإن دفاع المتهم الأول بهذا المستند لا يستهدف فرض نتيجة معينة على المحكمة، وإنما يستهدف إلزامها بواجبها في تمحيص دليل رسمي جوهري يتصل اتصالاً مباشراً بمصدر السلطة التي باشر على أساسها المتهم الأول التوقيع، وبمدى توافر الفعل المادي المكون لجريمة التزوير، وبالقصد الجنائي المستخلص من ظروف الواقعة.
ولما كان الحكم المعارض فيه قد عوّل على القول بانتفاء سلطة المتهم الأول أو تجاوز نطاق الوكالة، دون أن يواجه على نحو سائغ المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق والتي انتهت إلى امتداد نطاق التوكيل إلى التصرف محل الاتهام، فإن هذا الإغفال يكون قد حجب عن المحكمة دليلاً جوهرياً مؤثراً في تكوين عقيدتها، وأقام قضاءه على استدلال لم يستوفِ عناصره، بما يعيبه بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على وجوب الاعتداد بالدلالة الجوهرية للمستند الرسمي الصادر عن الإدارة العامة للتوثيق، وعلى ما يكشف عنه من قيام سند الوكالة وامتداد نطاقها إلى التصرف محل الاتهام، وعلى ما يترتب على إغفال الحكم بحث هذا الدليل والرد عليه من قصور وفساد في الاستدلال، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار هذا الدفع أو إبداء أي دفاع موضوعي عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الرابع والستون: ثبوت أن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل قد انتهت – بعد فحص التوكيل وعقد تعديل الشركة والمستندات ذات الصلة – إلى أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء
الثابت بالأوراق أن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل قد باشرت فحصاً للمستندات المتصلة بالواقعة محل الاتهام، وفي مقدمتها التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وعقد تعديل الشركة محل الاتهام، والمستندات ذات الصلة، وانتهت – في المذكرة الرسمية المحررة في الملف رقم 134 لسنة 2026 – إلى نتيجة جوهرية تمس صميم الأساس الذي أقيم عليه الاتهام في حق المتهم الأول، مؤداها أن التوكيل المشار إليه يبيح للوكيل التوقيع على عقود تعديل الشركات، كما يبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء.
وقد جاء مؤدى المذكرة الرسمية – بحسب الثابت بها – على نحو صريح في أن: «التوكيل العام رقم 664 حرف ص لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء بتقليل أو زيادة حصة الشركاء كما هو ثابت بالوكالة التي تمت بناءً على رغبة الموكل، علماً بأن التوكيل قد تم إلغاؤه بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة المذكورة».
وتكتسب هذه النتيجة أهمية استثنائية في الدعوى الماثلة، ذلك أن المسألة التي دارت حولها الدعوى، والتي اتخذ منها الاتهام أساساً لنسبة فعل التزوير إلى المتهم الأول، تتصل في جوهرها بمدى سلطة المتهم الأول في التوقيع على عقد تعديل الشركة، وما إذا كان توقيعه قد صدر مستنداً إلى وكالة تخوله مباشرة هذا الإجراء أم أنه صدر بغير سند من السلطة. فإذا كانت الجهة الإدارية المختصة بأعمال التوثيق قد فحصت سند الوكالة ذاته والمحررات المرتبطة بالتصرف، وانتهت رسمياً إلى أن نطاق الوكالة يشمل التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن هذه النتيجة لا يجوز التعامل معها باعتبارها واقعة هامشية أو دليلاً ثانوياً يمكن تجاوزه دون بحث وتمحيص.
ولا يتمسك المتهم الأول بأن هذه المذكرة تُلزم المحكمة في تقديرها الجنائي أو تحل محل سلطتها في وزن الأدلة، وإنما يتمسك بدلالتها القانونية والإثباتية باعتبارها مستنداً رسمياً جوهرياً صدر عن جهة إدارية فنية مختصة، بعد فحص سند الوكالة والمستندات ذات الصلة، ويتناول تحديداً المسألة التي يقوم عليها الاتهام، وهي نطاق السلطة التي استمد منها المتهم الأول صفته في التوقيع.
ومن ثم، فإن مؤدى هذه المذكرة يتساند مع الثابت أصلاً من سند الوكالة الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017، ولا ينشئ للمتهم الأول سلطة جديدة لم تكن موجودة، وإنما يكشف – وفق ما انتهت إليه الجهة المختصة بعد الفحص – عن مدلول السلطة الثابتة في سند الوكالة ذاته. وهذا فارق جوهري، إذ إن مصدر السلطة هو التوكيل الرسمي، أما المذكرة الإدارية فهي دليل رسمي مستقل يعزز الدلالة المستفادة من ذلك السند ويؤكد أن القراءة التي انتهت إلى شمول الوكالة للتوقيع على تعديل الشركة وتقليل أو زيادة الحصص ليست مجرد تصور دفاعي أبداه المتهم الأول بعد وقوع النزاع.
كما أن المذكرة لم تتناول مسألة مجردة أو نظرية، وإنما تعلقت بذات التوكيل وبذات التصرف محل الاتهام وبالمستندات المرتبطة به، الأمر الذي يجعل صلتها بالواقعة محل الدعوى صلة مباشرة وجوهرية. ومن ثم فإن إغفالها أو طرح دلالتها دون بيان سائغ لأسباب ذلك من شأنه أن يحجب عن المحكمة عنصراً أساسياً من عناصر التقدير الصحيح للواقعة، ولا سيما إذا كان الحكم قد أقام جانباً من قضاءه على القول بأن المتهم الأول لم تكن له سلطة في مباشرة التوقيع محل الاتهام.
والأمر كذلك يكشف عن أن المنازعة في الدعوى لا يجوز اختزالها في مجرد القول بأن نتيجة تعديل عقد الشركة قد تمثلت في زيادة حصة أحد الشركاء وانخفاض حصة شريك آخر، ذلك أن هذه النتيجة لا تثبت بذاتها أن المتهم الأول ارتكب فعلاً من أفعال تغيير الحقيقة، وإنما يتعين أولاً تحديد ما إذا كان قد باشر التصرف في إطار سلطة تمثيلية قائمة، وهو ما تناولته الإدارة العامة للتوثيق صراحة وانتهت فيه إلى ثبوت امتداد سلطة الوكالة إلى هذا النوع من التصرفات.
ويتعين كذلك التفرقة بين أمرين متغايرين تماماً: أولهما مدى صحة أو نفاذ التصرف وآثاره المدنية بين أطرافه، وثانيهما مدى قيام جريمة التزوير في حق من باشر التوقيع. فحتى قيام منازعة مدنية حول آثار التعديل أو مدى موافقة الموكل عليه لا يغني عن إثبات الفعل المادي المكون لجريمة التزوير، ولا يحول التوقيع الصادر من وكيل بموجب وكالة قائمة – متى ثبت امتدادها إلى التصرف – إلى فعل تزوير لمجرد قيام نزاع لاحق حول آثار التصرف.
كما أن ثبوت إلغاء التوكيل في تاريخ لاحق على التوقيع لا ينال من هذه الدلالة، بل إن المذكرة الرسمية ذاتها أثبتت أن الإلغاء قد تم بعد التوقيع بموجب التوكيل على تعديل عقد الشركة. ومن ثم فإن واقعة الإلغاء اللاحقة لا تصلح بذاتها لإهدار السلطة التي كانت قائمة وقت مباشرة التصرف، ولا يجوز اتخاذها دليلاً بأثر رجعي على انعدام الصفة وقت التوقيع.
ويتمسك المتهم الأول كذلك بأن هذه النتيجة الرسمية تثير – في أقل تقدير – شكاً جدياً في الأساس الذي أقيم عليه الاتهام، إذ لا يستقيم منطقياً وقانوناً أن يُبنى القول بانعدام سلطة الوكيل على مجرد تفسير أو شهادة ينازعها مستند رسمي صادر عن الجهة الفنية المختصة بعد فحص ذات سند الوكالة وذات التصرف، ثم تُتخذ النتيجة المفترضة لانعدام السلطة أساساً لإثبات أن التوقيع قد تضمن تغييراً للحقيقة.
فإذا كانت الوكالة قائمة وقت التصرف، وكان المتهم الأول قد وقع بصفته وكيلاً، وكانت الجهة المختصة بالتوثيق قد انتهت بعد الفحص إلى أن الوكالة تشمل التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن القول بوقوع التزوير يظل بحاجة إلى دليل مستقل يحدد على وجه الدقة الحقيقة التي غيرها المتهم الأول، وكيف قام بهذا التغيير، وما هو الفعل المادي الذي ارتكبه، ولماذا لا يكون توقيعه مجرد تنفيذ لسلطة تمثيلية كان يعتقد – وتؤيده الأوراق الرسمية – أنها قائمة في حقه وقت التصرف.
ومن ثم، فإن المذكرة الرسمية للإدارة العامة للتوثيق لا تمثل مجرد رأي عابر في الدعوى، وإنما تمثل دليلاً جوهرياً يتصل مباشرة بأصل السلطة التي باشر بها المتهم الأول التصرف، ويعزز الثابت بالمحرر الرسمي للوكالة، ويهدم الأساس الذي يقوم على افتراض انعدام هذه السلطة دون دليل يقيني مستقل.
وإذا كان الحكم المعارض فيه قد انتهى إلى نتيجة مغايرة، فكان يتعين عليه أن يواجه هذه المذكرة بما لها من دلالة، وأن يبين على نحو سائغ ومحدد سبب عدم الأخذ بما انتهت إليه، وأن يوضح وجه عدم امتداد الوكالة إلى التوقيع على تعديل الشركة وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وأن يكشف عن الدليل المستقل الذي يستند إليه في القول بأن المتهم الأول قد باشر التصرف بغير سلطة. أما مجرد تجاوز المذكرة دون بحث مضمونها أو بيان سبب طرح دلالتها، مع كونها متعلقة بذات سند الوكالة وذات التصرف، فإنه يعيب الاستدلال ويحول دون الوقوف على الأساس الحقيقي الذي أقيم عليه القضاء.
وعليه، فإن الثابت رسمياً من انتهاء الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل – بعد فحص التوكيل وعقد تعديل الشركة والمستندات ذات الصلة – إلى أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، يعضد بصورة جوهرية دفاع المتهم الأول، وينفي عنه صورة التوقيع الصادر بغير صفة، ويضعف الأساس الذي أقيم عليه إسناد فعل التزوير إليه، ولا سيما مع خلو الأوراق من دليل يقيني مستقل يثبت ارتكابه فعلاً مادياً من أفعال تغيير الحقيقة.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على ثبوت قيام الوكالة وقت مباشرة التصرف، وثبوت امتداد نطاقها إلى التوقيع على عقد تعديل الشركة وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وفقاً لما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل بعد فحص المستندات ذات الصلة، وما يترتب على ذلك من انتفاء الأساس المادي لصورة التزوير المسندة إليه، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الخامس والستون: عدم جواز إهدار الدلالة الجوهرية للمذكرة الرسمية الصادرة في ملف الإدارة رقم 134 لسنة 2026 بمجرد أقوال شفوية مخالفة لها، ووجوب مواجهة المحكمة لهذا المستند بأسباب قانونية سائغة
يتمسك المتهم الأول بأن المذكرة الرسمية الصادرة في ملف الإدارة رقم 134 لسنة 2026، والصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل، تمثل دليلاً جوهرياً مطروحاً على بساط البحث، لاتصالها المباشر بذات المسألة التي يدور حولها الاتهام، وهي تحديد نطاق التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، ومدى امتداد السلطة التي خولها للمتهم الأول إلى التوقيع على عقد تعديل الشركة والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة أحد الشركاء.
والثابت من هذه المذكرة – بحسب ما انتهت إليه الجهة المختصة بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، وأن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
ومؤدى ذلك أن المذكرة لا تتناول واقعة هامشية أو دليلاً بعيداً عن موضوع الدعوى، وإنما تتصل اتصالاً مباشراً بأحد الأسس الجوهرية التي أقيم عليها الاتهام، ذلك أن القول بانعدام سلطة المتهم الأول في التوقيع أو تجاوزه لنطاق وكالته هو الذي يُراد اتخاذه مدخلاً لإسناد وصف التزوير إلى توقيعه وتصرفه، فإذا قامت في الأوراق مذكرة رسمية صادرة عن الإدارة المختصة بالتوثيق تفيد – بعد فحص سند الوكالة – امتداد تلك السلطة إلى التصرف محل الاتهام، فإن دلالتها تصبح من الأدلة الجوهرية التي يتعين على المحكمة أن تعرض لها وتمحصها وتقول كلمتها فيها.
ولا يتمسك المتهم الأول بأن هذه المذكرة تعد حكماً قضائياً ملزماً للمحكمة أو أنها تحسم وحدها المسؤولية الجنائية، وإنما يتمسك بأمر أدق وألزم، هو أن المستند الرسمي الجوهري الذي يتصل مباشرة بواقعة جوهرية في الاتهام لا يجوز إغفاله أو إهدار دلالته بمجرد إطلاق أقوال شفوية مخالفة له، دون بيان مصدر هذه الأقوال، ومدى اتصال أصحابها المباشر بالواقعة، وأساس ما انتهوا إليه، وسبب تفضيلها على المستند الرسمي، ومدى صلاحيتها أصلاً لإنشاء قيد على نطاق وكالة ثابتة بمحرر رسمي.
فإذا كانت المحكمة قد أخذت بأقوال بعض الشهود التي مؤداها أن التوكيل لا يخول المتهم الأول إجراء التعديل محل الاتهام، رغم وجود المذكرة الرسمية التي انتهت إلى عكس ذلك، كان لزاماً عليها أن تواجه هذا التعارض مواجهة حقيقية، وأن تكشف في أسباب حكمها عن الأساس الذي حملها على طرح الدلالة المستمدة من المذكرة، لا أن تكتفي بمجرد الأخذ بالأقوال الشفوية أو توردها باعتبارها حاسمة دون مناقشة المستند الرسمي المناقض لها.
ذلك أن جوهر المسألة لا يكمن في المفاضلة المجردة بين «مستند» و«شهادة»، وإنما في تحديد طبيعة كل دليل ومصدره ومدى اتصاله بالواقعة. فالمذكرة محل الدفاع صادرة عن الإدارة العامة للتوثيق، وبعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، بينما قد تكون الأقوال الشفوية التي عُوِّل عليها الحكم صادرة ممن لم يحرر التوكيل، ولم يشهد إنشاءه، ولم يحضر واقعة التوقيع محل الاتهام، وإنما استخلص موقفه من قراءة لاحقة للمستندات أو من تفسير إداري أو شخصي لنطاق الوكالة. ومن ثم فإن مجرد التعارض الظاهري بين القول والمستند لا يكفي لإهدار الأخير، بل يتعين بيان القيمة الإثباتية لكل منهما ومصدر العلم الذي يستند إليه.
والأصل أن المحكمة الجنائية وإن كانت تملك كامل السلطة في تقدير الأدلة والموازنة بينها، إلا أن هذه السلطة لا تعني إغفال دليل جوهري من شأنه – لو صح – أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى، ولا تعني الاكتفاء بإيراد الأدلة المؤيدة للنتيجة مع تجاهل دليل قائم بالأوراق يناقضها في مسألة جوهرية. فإذا تمسك الدفاع بمستند رسمي محدد، وكانت دلالته متعلقة مباشرة بأحد أركان الجريمة أو بعنصر جوهري من عناصر الإسناد، وجب على الحكم أن يعرض له بما يكشف عن أنه فطن إلى وجوده وأحاط بمضمونه ودلالته، ثم يبين – إن طرحه – الأسباب السائغة التي تبرر هذا الطرح.
وفي الدعوى الماثلة، فإن دلالة المذكرة الرسمية لا تنصرف إلى مجرد واقعة إدارية منفصلة، وإنما تمتد إلى أصل التصوير الذي أقيم عليه الاتهام، إذ إن ثبوت امتداد الوكالة إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء يضعف بصورة جوهرية القول بأن المتهم الأول قد وقع بغير صفة أو تجاوز سلطة ثابتة في سند رسمي، ويستوجب لذلك بحثاً مستقلاً من المحكمة لمدى وجود فعل مادي آخر من أفعال تغيير الحقيقة يمكن أن تقوم به جريمة التزوير.
ومن ثم، لا يكفي – في مواجهة هذا المستند – أن يقال إن بعض الموظفين أو الشهود قرروا خلاف مضمونه، لأن مجرد مخالفة القول للمستند لا تجعل القول بذاته دليلاً قاطعاً، ولا تعفي المحكمة من بيان لماذا أخذت به، وما هو مصدر علم قائله، وما الذي أدركه بنفسه، وما الأساس الفني أو القانوني الذي استند إليه، وكيف أمكن لهذه الأقوال أن تهدم الدلالة المستمدة من سند وكالة رسمي ومن مذكرة رسمية صادرة عن الإدارة المختصة بفحص أعمال التوثيق.
ولا سيما أن محل الخلاف ليس واقعة مادية بسيطة يمكن حسمها بمجرد المشاهدة، وإنما يتعلق بتحديد نطاق سلطة تمثيلية ثابتة في محرر رسمي. ومن ثم فإن القول بأن الوكالة لا تشمل التصرف محل الاتهام يحتاج إلى سند واضح في ذات المحرر أو إلى أساس قانوني معتبر، ولا يكفي فيه مجرد الرأي الشخصي للشاهد أو الموظف، ما لم يكن هذا القول قائماً على واقعة مادية أدركها الشاهد بنفسه أو على اختصاص قانوني محدد يخول له إصدار هذا التفسير، وهو ما كان يتعين على الحكم استظهاره.
كما أن المذكرة الرسمية محل الدفاع قد انتهت – على نحو واضح – إلى أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، وهي النتيجة التي تمس مباشرة لب الاتهام، ولذلك فإن طرحها دون مناقشة تفصيلية لمضمونها ومصدرها والأساس الذي بنيت عليه، ثم التعويل بدلاً منها على أقوال شفوية غير مستظهر مصدر علم أصحابها، يؤدي إلى قصور جوهري في التسبيب، إذ يحول دون معرفة الأساس الحقيقي الذي أقامت عليه المحكمة عقيدتها في انتفاء سلطة المتهم الأول.
ولا يغير من ذلك أن المحكمة غير مقيدة بالرأي الوارد في المذكرة، إذ إن عدم الإلزام لا يعني عدم الاعتداد، وعدم حجية المستند كحكم قضائي لا يعني جواز تجاهله. فالفارق واضح بين القول بأن المحكمة تملك أن تخالف ما ورد بالمذكرة إذا قامت لديها أسباب سائغة، وبين القول بأن لها أن تطرحها دون مناقشة أو أن تستبدل بها أقوالاً شفوية لم تستظهر مصدرها أو قيمتها الإثباتية. الأول من صميم سلطة المحكمة في تقدير الدليل، أما الثاني فيمس واجبها في تمحيص الأدلة الجوهرية والرد على الدفاع الجوهري.
ويزداد الأمر وضوحاً أن المذكرة لم تنشئ واقعة جديدة أو تمنح المتهم الأول سلطة لم تكن موجودة، وإنما تناولت سند وكالة سابقاً على التصرف، وانتهت – بعد فحصه – إلى تحديد نطاق السلطة الواردة فيه. ومن ثم فإن دلالتها تتصل مباشرة بتفسير مدى السلطة التي كان يستند إليها المتهم الأول وقت التوقيع، ولا يجوز إهدارها بمجرد واقعة لاحقة هي إلغاء الوكالة، ولا بمجرد أقوال لاحقة تنازع في مضمونها، ما لم يقدم الدليل القانوني والفني الذي يفسر هذا التعارض ويبرر طرح النتيجة التي انتهت إليها الجهة المختصة.
ومن ناحية أخرى، فإن الأخذ بأقوال شفوية مخالفة للمذكرة لا يكفي وحده لإثبات الركن المادي لجريمة التزوير؛ إذ حتى مع التسليم جدلاً بوجود خلاف حول نطاق الوكالة، يظل على الاتهام أن يثبت فعلاً مادياً محدداً من أفعال تغيير الحقيقة ارتكبه المتهم الأول. أما الانتقال من القول بانعدام السلطة إلى القول بوقوع التزوير دون بيان الفعل المادي الذي تحقق به تغيير الحقيقة، فهو انتقال استدلالي لا يكفي لحمل الإدانة.
وبذلك يكون الدفاع قد تمسك بدليل رسمي جوهري من شأنه – لو صح ما ورد به – أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى، لأنه يمس بصورة مباشرة أحد الأسس التي بني عليها الاتهام. وكان يتعين على المحكمة أن تواجه هذا الدفاع وأن تقول كلمتها في المستند ودلالته، وأن تبين – إذا رأت عدم الأخذ به – الأسباب القانونية والواقعية السائغة التي حملتها على ذلك، وأن توازن بينه وبين الأقوال التي عولت عليها، لا أن تكتفي بمجرد سرد تلك الأقوال وإهدار المستند ضمناً.
فإذا خلا الحكم من هذا البيان، ولم يحدد لماذا طرح المذكرة الرسمية، ولا لماذا غلّب الأقوال الشفوية المخالفة لها، ولا مصدر علم أصحاب هذه الأقوال، ولا الأساس الذي يجعلها صالحة لإثبات انتفاء سلطة المتهم الأول رغم قيام سند وكالة رسمي، فإنه يكون قد حجب عن رقابة محكمة الطعن وجه استدلاله، وأقام قضاءه على دليل لم يستظهر عناصره في مواجهة دليل جوهري مناقض له.
ومن ثم، فإن إهدار الدلالة الجوهرية للمذكرة الرسمية الصادرة في ملف الإدارة رقم 134 لسنة 2026 بمجرد أقوال شفوية مخالفة لها، دون تمحيص مصدر تلك الأقوال ومدى اتصالها المباشر بالواقعة، ودون بيان الأسباب القانونية والواقعية السائغة لطرح المذكرة، يعيب الحكم بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال، ويحول دون الاطمئنان إلى أن عقيدته قد تكونت من أدلة يقينية متساندة تكفي لحمل قضائه بالإدانة.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على قصور الحكم في مواجهة الدليل الرسمي الجوهري المتمثل في مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بملف الإدارة رقم 134 لسنة 2026، وفساد استدلاله فيما عول عليه من أقوال شفوية مخالفة لها دون استظهار مصدر العلم ومدى مباشرته للواقعة والأساس الذي يبرر ترجيحها، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع السادس والستون: الخطأ في تطبيق قواعد الإثبات، متى اتخذ الحكم من شهادة الشهود وسيلة لإثبات ما يخالف أو يجاوز الثابت بمحرر رسمي، بالمخالفة للقواعد المنظمة للإثبات في المسائل غير الجنائية المرتبطة بالدعوى الجنائية
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد أخطأ في تطبيق قواعد الإثبات، وقصر في إنزال حكم القانون على الواقعة، حين اتخذ من أقوال الشهود وسيلة لإثبات أمور تخالف أو تجاوز ما هو ثابت بمحرر رسمي قائم بالأوراق، دون أن يميز بين الدليل المتعلق بذات الواقعة الجنائية، وبين المسألة غير الجنائية التي يتوقف عليها تحديد مصدر سلطة المتهم الأول في التوقيع ومدى امتداد الوكالة إلى التصرف محل الاتهام.
ذلك أن الدعوى الماثلة لا يمكن فصل عناصرها عن مسألة سابقة عليها ولازمة لتحديد الوصف الجنائي للواقعة، مؤداها تحديد نطاق السلطة التي استمدها المتهم الأول من التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وما إذا كان هذا السند قد خوله التوقيع نيابة عن صاحبة الشأن على عقد تعديل الشركة والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء. وهذه المسألة – في أصلها – تتعلق بمضمون سند وكالة وآثاره ونطاق السلطة المستمدة منه، وهي مسألة ذات طبيعة غير جنائية يتعين على المحكمة، متى كان الفصل فيها لازماً للفصل في الدعوى الجنائية، أن تراعي القواعد القانونية المنظمة لإثباتها.
وقد أوجب قانون الإجراءات الجنائية، في المادة 225، اتباع القواعد المقررة في قانون الإجراءات المدنية والتجارية عند الفصل في المسائل غير الجنائية التي يتوقف عليها الفصل في الدعوى الجنائية، ما لم يوجد نص خاص يقضي بغير ذلك. ومؤدى ذلك أن حرية المحكمة الجنائية في تقدير الدليل لا تعني إهدار القواعد الخاصة بالإثبات التي تحكم المسألة غير الجنائية محل البحث، ولا تعني أن الدليل القولي يمكن أن يحل محل المحرر الرسمي في إثبات مضمون قانوني أو واقعة تعاقدية مما خص القانون المحرر بإثباته، متى كانت تلك المسألة هي الأساس الذي أقيم عليه الاتهام.
والثابت بالأوراق أن مصدر سلطة المتهم الأول لم يكن واقعة شفوية أو اتفاقاً مجهلاً، وإنما كان توكيلاً رسمياً محرراً وموثقاً لدى الجهة المختصة، هو التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وقد تضمن – بحسب الثابت بالمحرر – تخويل المتهم الأول القيام نيابة عن صاحبة الشأن في المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، إلى جانب السلطات الأخرى الواردة به.
ومن ثم، فإذا أراد الحكم أن ينتهي إلى أن هذه الوكالة لا تمتد إلى التوقيع على التعديل محل الاتهام، فلا يكفيه أن يستند إلى أقوال شهود تفسر الوكالة تفسيراً مغايراً، أو تضيف إليها قيداً غير وارد في ألفاظها، أو تستخلص منها إرادة مغايرة لما أثبته المحرر، ما لم يبين الأساس القانوني الذي يجي له إثبات تلك المسألة على خلاف الثابت بالمحرر الرسمي بطريق الشهادة.
ولا يغير من ذلك أن الشهادة تعد من أدلة الإثبات في المواد الجنائية بوجه عام؛ إذ إن هذا الأصل لا يعني إهدار قواعد الإثبات التي تحكم المسألة غير الجنائية التي تفصل فيها المحكمة بصفة عارضة ولازمة للفصل في الاتهام. فثمة فارق بين أن تستخدم شهادة الشهود لإثبات واقعة جنائية مستقلة، وبين أن تتخذ الشهادة وسيلة لإعادة تحديد مضمون محرر رسمي أو إنشاء قيد على نطاق وكالة ثابتة به، ثم بناء المسؤولية الجنائية على هذا التفسير.
والحاصل أن الحكم – إذا كان قد استند إلى أقوال الشهود لإثبات أن المتهم الأول لم يكن مخولاً بالتوقيع على تعديل الشركة أو أنه كان ممنوعاً من إجراء تعديل حصص الشركاء، رغم خلو التوكيل الرسمي من هذا القيد وثبوت ما يتصل بالتعديل في نطاق السلطة الواردة به – يكون قد أقام النتيجة الجنائية على دليل قولي استخدم في غير نطاقه، وحوّل الشهادة من وسيلة لإثبات واقعة أدركها الشاهد إلى وسيلة لإنشاء مضمون جديد لمحرر رسمي.
ولا سيما إذا كان الشاهد لم يحضر واقعة إنشاء التوكيل أو تحريره، ولم يشترك في تحديد مضمونه، ولم يكن طرفاً فيه، وإنما اطلع عليه لاحقاً ثم أبدى تفسيراً شخصياً لنطاق السلطة الواردة به. ففي هذه الحالة لا تكون شهادته، من حيث دلالتها، مصدراً مستقلاً لإنشاء قيد على الوكالة، ولا يجوز أن تتحول آراؤه أو استنتاجاته إلى بديل عن مضمون المحرر ذاته.
كما أن المسألة لا تقف عند مجرد التعارض بين دليلين، وإنما تتعلق بتحديد القاعدة التي تحكم إثبات الواقعة محل التعارض. فإذا كانت الواقعة التي استند إليها الحكم لتجريم الفعل هي أن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة التوقيع، وكانت هذه السلطة مستمدة من محرر رسمي، فإن إثبات انعدامها أو تقييدها بقيد غير ثابت بالمحرر لا يكون أمراً متروكاً لشهادة عارضة أو لتفسير شخصي، وإنما يتعين أن يتم وفق القواعد القانونية التي تحكم حجية المحرر ونطاق الإثبات الجائز في المسألة غير الجنائية التي يقوم عليها الاتهام.
ويؤكد ذلك أن الأوراق لا تشتمل فقط على سند الوكالة، وإنما تضم كذلك مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي انتهت – بحسب الثابت فيها – إلى أن التوكيل العام المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة، وإن لم تكن حكماً قضائياً فاصلاً في النزاع، تمثل مستنداً رسمياً جوهرياً كان يتعين على المحكمة أن تضع دلالته في ميزان تقديرها، ولا سيما أنها تتصل بذات المسألة التي عوّل عليها الاتهام، وهي نطاق السلطة المستمدة من الوكالة. فإذا أخذ الحكم بأقوال شهود تفيد خلاف ذلك، كان لزاماً عليه أن يبين بوضوح مصدر هذه الأقوال، وطبيعتها، والأساس القانوني الذي يجي له تقديمها على دلالة سند الوكالة والمستند الرسمي المؤيد له، وأن يبين لماذا اعتبرها صالحة لإثبات قيد غير ثابت في المحرر.
ولا يصح في هذا المقام الاستناد إلى حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته لإهدار هذه الضوابط؛ لأن حرية الاقتناع الجنائي لا تعني حرية مخالفة القانون المنظم للإثبات في المسألة غير الجنائية التي يتوقف عليها الفصل في الاتهام، ولا تعني أن المحكمة تستطيع أن تستبدل بالمحرر الرسمي رواية شفوية لتغيير مضمونه ثم تجعل من ذلك أساساً لإثبات الركن المادي للجريمة.
كما أن القول بأن المحكمة الجنائية يجوز لها الاستعانة بكل طرق الإثبات لإثبات جريمة التزوير ذاتها لا يغير من وجه الدفاع؛ إذ إن محل التمسك هنا ليس منع المحكمة من استخدام الشهادة في إثبات الجريمة الجنائية متى كانت الشهادة صالحة لذلك، وإنما منعها من استخدام الدليل القولي على نحو يتجاوز وظيفته القانونية، فيجعل منه وسيلة لإعادة إنشاء مضمون الوكالة أو إثبات قيد عليها لم يرد في محررها، ثم يستخلص من هذا القيد المفترض قيام جريمة التزوير.
ومن ثم، فإن الفارق جوهري بين إثبات واقعة جنائية – كحضور شخص أو مشاهدة فعل أو واقعة مادية – وبين إثبات مضمون سند رسمي أو إنشاء قيد على نطاق وكالة ثابتة به. فإذا كان الحكم قد استخدم أقوال الشهود في الصورة الثانية، فإنه يكون قد أخطأ في تحديد نطاق الدليل وفي القاعدة القانونية واجبة التطبيق، وأقام قضاءه على استدلال غير سائغ.
ويضاف إلى ذلك أن الأخذ بأقوال الشهود على خلاف مدلول المحرر الرسمي يقتضي من الحكم – على الأقل – أن يحدد المسألة التي يجوز قانوناً إثباتها بالشهادة، وأن يبين أن الشهادة لا تستهدف تعديل مضمون المحرر أو مجاوزته، وأن يوضح وجه اتصالها المباشر بالفعل المادي للتزوير. أما إذا كان مؤدى الشهادة مجرد القول بأن صاحبة الشأن لم تكن تقصد منح المتهم الأول سلطة تعديل حصتها، أو أن الموظف يرى أن الوكالة لا تشمل الإجراء محل الاتهام، فإن ذلك لا يعد في ذاته إثباتاً لفعل تغيير الحقيقة، ولا يكفي لإهدار سند النيابة الرسمي.
وعليه، فإن ما انتهى إليه الحكم من انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع – إن كان قد استخلصه من أقوال الشهود على نحو يخالف أو يجاوز الثابت بالتوكيل الرسمي – يكون قد قام على خطأ في تطبيق قواعد الإثبات، فضلاً عن فساد الاستدلال، لأن النتيجة التي أقام عليها الحكم الإدانة لم تستمد من دليل يصلح قانوناً لإثباتها في هذا النطاق.
ومتى سقط هذا الأساس، لم يبقَ في الأوراق دليل يقيني مستقل يثبت أن المتهم الأول كان يوقع بغير صفة أو أنه غيّر الحقيقة في المحررات محل الاتهام. ولا يكفي في مقام الإدانة أن يثبت أن نتيجة معينة قد ترتبت على التعديل أو أن صاحبة الشأن نازعت لاحقاً في آثاره، إذ يظل واجباً إثبات الفعل المادي للتزوير ذاته، وتحديد الحقيقة التي تم تغييرها وكيفية تغييرها ونسبة ذلك الفعل إلى المتهم الأول.
ومن ثم، فإن تعويل الحكم المعارض فيه على شهادة الشهود لإثبات ما يخالف أو يجاوز الثابت بمحرر رسمي، في المسألة غير الجنائية المتعلقة بنطاق الوكالة ومصدر سلطة المتهم الأول، مع عدم مراعاة القواعد المنظمة لإثبات تلك المسألة، يكون قد أفسد الأساس الذي أقيم عليه قضاؤه، وأدى إلى استخلاص غير سائغ لانتفاء سلطة المتهم الأول، ومن ثم إلى إسناد الركن المادي لجريمة التزوير إليه بغير دليل يقيني.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على الخطأ في تطبيق قواعد الإثبات والفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب، وعدم صلاحية ما عوّل عليه الحكم من أقوال لإثبات ما يخالف أو يجاوز الثابت بالمحرر الرسمي في المسألة غير الجنائية المتعلقة بنطاق الوكالة، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع السابع والستون: مخالفة الحكم المعارض فيه لنطاق المادة 225 من قانون الإجراءات الجنائية، متى تعلق الفصل في سلطة الوكيل ومضمون سند النيابة بمسألة تخضع لقواعد إثبات خاصة
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد أخطأ في تطبيق القانون وشابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال، إذ تعامل مع مسألة سلطة الوكيل ومضمون سند النيابة ونطاق التفويض الثابت به باعتبارها مجرد واقعة جنائية يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات دون مراعاة للقواعد الخاصة التي تحكم إثبات المسألة غير الجنائية التي يتوقف عليها الفصل في الدعوى الجنائية، في حين أن المادة 225 من قانون الإجراءات الجنائية قد أقامت حكماً خاصاً مؤداه أن المحاكم الجنائية، متى تصدت للفصل في مسألة غير جنائية تبعاً للدعوى الجنائية، تتبع في إثبات تلك المسألة طرق الإثبات المقررة في القانون الخاص بها.
ومؤدى هذا النص أن حرية المحكمة الجنائية في تكوين عقيدتها من أدلة الدعوى لا تعني إطلاق حرية الإثبات في كل مسألة تعرض عليها أياً كانت طبيعتها، وإنما تظل هذه الحرية محكومة بالنصوص الخاصة متى كان الأمر متعلقاً بمسألة غير جنائية تخضع في أصلها لنظام إثبات خاص. فالمشرع لم يرد للمحكمة الجنائية – وهي تفصل في الدعوى الجنائية – أن تتحلل من القواعد التي أوجب القانون اتباعها في إثبات المسألة المدنية أو التجارية أو غيرها التي يتوقف عليها الفصل في الاتهام.
والثابت أن تحديد سلطة المتهم الأول في التوقيع على عقد تعديل الشركة محل الاتهام لا يمثل واقعة عرضية أو هامشية في الدعوى، وإنما يمثل محوراً جوهرياً في التصوير الذي أقيم عليه الاتهام؛ إذ إن القول بوقوع التزوير في جانب المتهم الأول قد ارتبط – بحسب تصوير الاتهام والحكم – بالقول بأنه لم يكن يملك سلطة التوقيع نيابة عن صاحبة الشأن، وأن التوقيع قد تم بغير سند صحيح من النيابة أو خارج نطاق السلطة التي خولها له سند الوكالة.
ومن ثم، فإن تحديد مصدر هذه السلطة ومداها لا يمكن فصله عن مضمون سند الوكالة ذاته، وعن القواعد القانونية التي تحكم تفسيره وتحديد نطاق النيابة وآثار التصرف الصادر من الوكيل، وهي مسائل ذات طبيعة غير جنائية في أصلها، وإن أصبحت لازمة للفصل في الاتهام الجنائي. فإذا تصدت المحكمة الجنائية لهذه المسألة باعتبارها مسألة أولية لازمة للفصل في جريمة التزوير، تعين عليها أن تراعي حكم المادة 225 من قانون الإجراءات الجنائية وأن تطبق عليها قواعد الإثبات الخاصة التي تحكمها، بدلاً من إطلاق القول بحرية الإثبات الجنائي عليها دون قيد.
والتوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة ليس مجرد قرينة من القرائن التي يجوز تجاوزها بأقوال متعارضة معها دون بحث، وإنما هو محرر رسمي قائم بالأوراق، يمثل المصدر المباشر للسلطة التي تمسك المتهم الأول بها عند مباشرة التصرف. ومن ثم فإن الوقوف على نطاق هذه السلطة ينبغي أن يبدأ من المحرر ذاته، باعتباره سند النيابة الذي أنشأ العلاقة التمثيلية وحدد نطاقها، لا من أقوال لاحقة تحاول إنشاء قيود أو استثناءات لم ترد فيه.
ولا يجوز – والحال كذلك – أن يُستبدل بمضمون سند الوكالة الرسمي مجرد أقوال شهود أو تفسيرات شخصية أو استنتاجات لاحقة، ثم يُتخذ من تلك الأقوال أساساً للقول بأن المتهم الأول لم يكن يملك السلطة التي باشر بها التوقيع، دون أن يبين الحكم القاعدة القانونية التي تسمح بهذا الإثبات المخالف لطبيعة المسألة التي تصدى للفصل فيها، ودون أن يحدد مدى انطباق قواعد الإثبات الخاصة عليها.
فإذا كان الحكم قد أقام قضاءه على أن الوكالة لا تشمل التصرف محل الاتهام، ثم استند في ذلك إلى شهادة موظف أو أكثر، أو إلى تفسير شخصي لنطاق الوكالة، أو إلى أقوال صاحبة الشأن بشأن ما كانت تريده أو لا تريده، دون أن يواجه مضمون سند الوكالة ذاته ودون أن يحدد القاعدة القانونية التي أجازت له إثبات قيد غير وارد بالمحرر بهذه الوسائل، فإنه يكون قد خلط بين إثبات الواقعة الجنائية ذاتها وبين إثبات المسألة غير الجنائية الأولية التي يتوقف عليها تحديد ما إذا كان التوقيع قد صدر من وكيل ذي سلطة أم من شخص لا صفة له.
ولا ينال من ذلك أن جريمة التزوير من الجرائم التي يجوز إثباتها – في أصلها – بكافة طرق الإثبات المقررة قانوناً؛ إذ إن محل ذلك هو إثبات الواقعة الجنائية وأركانها وعناصرها، وليس إهدار القواعد الخاصة بإثبات المسألة غير الجنائية التي استعانت بها المحكمة لتحديد مضمون سند الوكالة ونطاق السلطة المستمدة منه. فحرية الإثبات في المواد الجنائية لا تعني أن المحكمة تستطيع أن تثبت كل مسألة أولية معروضة عليها بأي دليل، متى كان القانون قد أفرد للمسألة التي تتصدى لها نظاماً خاصاً للإثبات.
وهنا يبرز الفارق الجوهري بين أمرين: أولهما إثبات أن المتهم الأول قد وقع بالفعل على المحرر، وأنه قدمه واستعمله، وهي وقائع جنائية يجوز للمحكمة أن تستخلصها من أدلة الدعوى وفقاً للقواعد المقررة في المواد الجنائية؛ وثانيهما تحديد ما إذا كان هذا التوقيع قد صدر منه بصفته وكيلاً وبموجب سلطة قائمة، وما هو نطاق تلك السلطة، وما إذا كان سند الوكالة يسمح له بإجراء تعديل عقد الشركة وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وهي مسألة يتعين – متى كانت لازمة للفصل في الدعوى الجنائية – أن تراعى في إثباتها القواعد القانونية الخاصة بها.
والثابت أن سند الوكالة قد تضمن تخويل المتهم الأول القيام نيابة عن صاحبة الشأن بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، ومنحه الحق في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، وهو نص مكتوب ثابت بمحرر رسمي سابق على الواقعة محل الاتهام. ومن ثم كان يتعين على الحكم، قبل أن يستخلص انتفاء سلطة المتهم الأول، أن يحدد مضمون هذا النص تحديداً دقيقاً، وأن يفسر نطاقه في ضوء القواعد القانونية الحاكمة، وأن يبين كيف انتهى إلى أن التعديل محل الاتهام يخرج عنه، وألا يستعيض عن ذلك بمجرد أقوال أو استنتاجات لا تنهض قانوناً لتعديل مضمون سند النيابة.
ويزداد الأمر وضوحاً في الدعوى الماثلة مع وجود المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي انتهت – بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن إلغاء التوكيل تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة لا يُراد بها أن تحل محل القضاء أو أن تفرض على المحكمة نتيجة ملزمة في شأن المسؤولية الجنائية، وإنما تتمسك بها الدفاع باعتبارها دليلاً رسمياً جوهرياً على أن المسألة التي أقام عليها الاتهام – وهي نطاق سلطة الوكيل – ليست مسألة محسومة لمصلحة التصوير الذي أخذ به الحكم، بل إن الجهة الإدارية المختصة التي فحصت سند الوكالة انتهت إلى نتيجة تؤيد امتداد السلطة إلى التصرف محل الاتهام.
ومن ثم كان لزاماً على الحكم، إذا أراد طرح هذه الدلالة والأخذ بتفسير مغاير لنطاق الوكالة، أن يبين الأساس القانوني الذي استند إليه في هذا الطرح، وأن يواجه مضمون سند الوكالة ذاته، وأن يوضح لماذا لا تنطبق على الواقعة السلطة الصريحة المتعلقة بالتوقيع على عقود تعديل الشركات، وأن يبين – على نحو سائغ – مصدر القيد الذي افترضه على تلك السلطة.
ولا يكفي في هذا المقام القول بأن المحكمة الجنائية حرة في تقدير أقوال الشهود، لأن محل الدفاع ليس مصادرة المحكمة في تقدير الدليل الجنائي، وإنما إلزامها بتطبيق النص الإجرائي الذي يحكم طريقة إثبات المسألة غير الجنائية التي تصدت لها تبعاً للدعوى الجنائية. فإذا كانت المسألة التي بنت عليها المحكمة ثبوت الركن المادي للتزوير هي أن المتهم الأول لم تكن له سلطة التوقيع، فإن تحديد وجود هذه السلطة ومداها لا يجوز أن يتم بمعزل عن سند الوكالة والقواعد الخاصة بإثبات المسألة التي يستند إليها هذا الاستنتاج.
كما لا يجوز أن يتحول القول بحرية المحكمة في الإثبات الجنائي إلى وسيلة لإهدار محرر رسمي أو إنشاء قيد على مضمونه عن طريق أقوال لا تستند إلى واقعة مباشرة أدركها الشاهد بحواسه، وإنما إلى تفسير لاحق للمحرر أو إلى معلومات وظيفية أو إلى تصور شخصي لمراد صاحبة الشأن. فالشهادة – مهما كانت قيمتها في إثبات الوقائع الجنائية التي يدركها الشاهد مباشرة – لا تكتسب بذاتها سلطة تعديل مضمون سند رسمي أو إنشاء شرط لم يرد فيه، متى كانت المسألة محل الإثبات تخضع لنظام قانوني خاص.
ويكون الحكم قد وقع كذلك في خلط بين «مدى سلطة الوكيل» باعتبارها مسألة أولية لازمة لتحديد مشروعية التصرف، وبين «وقوع التزوير» باعتباره الواقعة الجنائية محل الاتهام؛ إذ جعل من النتيجة التي انتهى إليها في المسألة الأولى – وهي انتفاء السلطة – دليلاً على وقوع التزوير، دون أن يثبت استقلالاً الفعل المادي الذي تغيرت به الحقيقة في المحرر. وهو ما يكشف عن أن الخطأ في تحديد نطاق الوكالة لم يكن مجرد خطأ في مسألة فرعية، وإنما امتد أثره مباشرة إلى الركن المادي للجريمة وإلى الأساس الذي أقيمت عليه الإدانة.
وعلى ذلك، فإذا كان الحكم قد اعتمد في إثبات خروج التصرف محل الاتهام عن نطاق الوكالة على شهادة أو أقوال لم يبين مصدرها أو على تفسير لمضمون سند النيابة لا يستند إلى قواعد الإثبات الخاصة بالمسألة التي تصدى للفصل فيها، فإنه يكون قد أقام قضاءه على دليل لا يكفي قانوناً لحمل النتيجة التي انتهى إليها، وأهدر في الوقت ذاته حكم المادة 225 من قانون الإجراءات الجنائية.
ولا يغير من ذلك ما قد يثار من أن المحكمة الجنائية تختص بالفصل في المسائل غير الجنائية التي تعرض لها تبعاً للدعوى، إذ إن المادة 225 لم تنف عنها هذا الاختصاص، وإنما نظمت كيفية الإثبات عند مباشرتها له، فأوجبت اتباع طرق الإثبات المقررة في القانون الخاص بتلك المسائل. ومن ثم فالمشكلة ليست في أن المحكمة الجنائية تعرضت لمسألة نطاق الوكالة، وإنما في الكيفية التي أثبتت بها هذه المسألة، وفي مدى التزامها بالقواعد الخاصة التي تحكم إثباتها.
ومتى كان إثبات انتفاء سلطة المتهم الأول هو الحلقة اللازمة التي انتقل منها الحكم إلى القول بوقوع التزوير، وكان هذا الانتفاء قد استخلص من أدلة قولية أو استنتاجات لم يبين الحكم مدى صلاحيتها قانوناً لإثبات مضمون سند النيابة ونطاقه، رغم قيام محرر رسمي ثابت بالأوراق ومذكرة رسمية لاحقة تؤيد امتداد الوكالة إلى التعديل محل الاتهام، فإن هذا الاستدلال يكون قد فقد سنده القانوني، ويضحى ما بني عليه من إسناد جريمة التزوير إلى المتهم الأول فاقداً للأساس اليقيني اللازم للإدانة.
ومن ثم، فإن مخالفة الحكم لنطاق المادة 225 من قانون الإجراءات الجنائية، وإغفاله تطبيق قواعد الإثبات الخاصة بالمسألة غير الجنائية المتعلقة بمضمون سند النيابة ونطاق سلطة الوكيل، قد أفسدا طريقة استخلاصه للركن المادي للجريمة، وأديا إلى إهدار الدلالة القانونية للمحرر الرسمي الذي يستمد منه المتهم الأول صفته وسلطته، الأمر الذي يتعين معه القضاء ببراءته مما أسند إليه.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته، تأسيساً على مخالفة الحكم المعارض فيه لحكم المادة 225 من قانون الإجراءات الجنائية، وفساد استدلاله في تحديد نطاق سلطة المتهم الأول المستمدة من سند الوكالة، وعدم ثبوت خروجه عن نطاقها بدليل صالح قانوناً، وما يترتب على ذلك من انتفاء الأساس الذي أقيم عليه القول بوقوع تغيير للحقيقة في المحررات محل الاتهام، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
.
الدفع الثامن والستون: مخالفة الحكم للمادة 61 من قانون الإثبات – في نطاق انطباقها – باتخاذ البينة الشفوية لإثبات ما يخالف أو يجاوز الثابت بالدليل الكتابي، والفساد في الاستدلال الناشئ عن إهدار الدلالة القانونية للمحررات الرسمية
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد خالف صحيح القانون وشابه الفساد في الاستدلال، حين عوّل على أقوال شفهية في استخلاص قيد أو تحديد لنطاق الوكالة يخالف أو يجاوز ما هو ثابت صراحةً بالمحرر الكتابي الرسمي، واتخذ من تلك الأقوال أساساً للقول بانتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع على التصرف محل الاتهام، رغم أن مصدر هذه السلطة وحدودها ثابتان أصلاً في سند وكالة رسمي قائم بالأوراق، بما كان يتعين معه – في نطاق انطباق أحكام المادة 61 من قانون الإثبات – ألا تتخذ البينة الشفوية وسيلة لإثبات ما يخالف أو يجاوز الثابت بالدليل الكتابي.
ذلك أن التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة ليس مجرد ورقة عادية يجوز أن يستمد مضمونها من أقوال لاحقة أو أن يعاد تحديد نطاقها وفقاً لتفسيرات شخصية، وإنما هو المحرر الذي أنشأ مصدر السلطة التمثيلية التي باشر المتهم الأول التصرف استناداً إليها، ومن ثم فإن تحديد نطاق تلك السلطة يتعين أن يبدأ من عبارات سند الوكالة ذاته، باعتباره المصدر الكتابي المنشئ للنيابة والمحدد لحدودها، لا من أقوال لاحقة ترمي إلى إضافة قيد لم يرد فيه أو استبعاد سلطة دل عليها صراحةً.
والثابت من سند الوكالة أن صاحبة الشأن قد خولت المتهم الأول القيام نيابة عنها بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، ومنحته الحق في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، وهو نص كتابي واضح في أصل السلطة التي باشر المتهم الأول على أساسها التوقيع محل الاتهام.
ومن ثم، فإذا كانت الشهادة التي عوّل عليها الحكم قد تجاوزت مجرد إثبات واقعة مادية مستقلة، واتجهت إلى القول بأن الوكالة – رغم ألفاظها – لا تشمل التوقيع على التعديل محل الاتهام، أو أنها لا تمتد إلى تقليل أو زيادة حصة الشركاء، أو أن صاحبة الشأن كانت قد استثنت هذا النوع من التصرفات، دون أن يكون هذا الاستثناء أو القيد ثابتاً في سند الوكالة ذاته بمحرر كتابي مستقل، فإن الشهادة تكون قد اتخذت لإثبات ما يخالف أو يجاوز الثابت بالدليل الكتابي، وهو ما لا يجوز التعويل عليه في الحدود التي تنطبق فيها أحكام المادة 61 من قانون الإثبات.
ولا يغير من ذلك أن المحكمة الجنائية لها سلطة واسعة في تقدير الأدلة، إذ إن حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته لا تعني إهدار القواعد القانونية التي تحكم قيمة الدليل أو تحميل دليل معين ما لا يحتمله. كما لا تعني أن القول الشفهي يستطيع أن ينشئ قيداً على سند رسمي لم يتضمنه، أو أن يحل محل المحرر في تحديد مصدر السلطة التمثيلية ونطاقها، متى كان هذا التحديد من المسائل التي نظمها محرر كتابي قائم بذاته.
والدفاع لا يذهب إلى القول بأن الشهادة غير جائزة في المواد الجنائية على إطلاقها، ولا ينازع في الأصل العام من حرية المحكمة في تقدير أدلة الدعوى، وإنما ينصب اعتراضه على وظيفة الشهادة التي عوّل عليها الحكم؛ فإذا كانت الشهادة قد استُخدمت لإثبات واقعة مادية مستقلة أدركها الشاهد بنفسه، فذلك أمر يختلف عن استخدامها لإضافة قيد إلى محرر مكتوب، أو نفي سلطة ثابتة فيه، أو إنشاء شرط لم يرد به، أو تفسير إرادة طرفي المحرر على نحو يهدم مضمونه الكتابي دون سند كتابي آخر.
وهنا يتعين التمييز بين أمرين جوهريين: أولهما أن يشهد الموظف أو غيره على واقعة مادية شاهدها أو أدركها إدراكاً مباشراً، كواقعة حضور أو توقيع أو تسليم أو تقديم مستند؛ وثانيهما أن يشهد على مضمون إرادة أحد أطراف الوكالة أو يقرر – من عنده – أن الوكالة لم تكن تشمل تصرفاً معيناً، رغم أن سندها المكتوب جاء خلواً من هذا القيد. فالأول قد يكون محلاً للتقدير في نطاقه القانوني، أما الثاني فلا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لإعادة صياغة المحرر أو إنشاء قيد غير وارد فيه.
وتزداد قوة هذا الدفاع في الدعوى الماثلة لأن القول بانتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع لم يستند – بحسب ما هو ثابت بالأوراق – إلى محرر كتابي سابق على التصرف يثبت وجود قيد صريح على الوكالة، وإنما استند إلى أقوال وتفسيرات جاءت لاحقة على وجود سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، في حين أن الأصل الكتابي الثابت هو أن الوكالة قد تضمنت سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات.
كما أن هذا المعنى قد تعزز بما انتهت إليه مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي خلصت – بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وإن كانت هذه المذكرة لا تحل محل القضاء ولا تقيد المحكمة في تقديرها، إلا أنها تظل مستنداً رسمياً جوهرياً يتعين بحث دلالته عند المفاضلة بين الدليل الكتابي الرسمي وبين الأقوال التي يراد بها إهدار مضمونه أو تضييق نطاقه. فإذا كان الحكم قد أخذ بالأقوال الشفوية التي انتهت إلى تضييق نطاق الوكالة، دون أن يبين أساس هذا التضييق، ودون أن يحدد المحرر الذي استند إليه في إثبات القيد الذي أخذ به، ودون أن يواجه المذكرة الرسمية المشار إليها، فإنه يكون قد أقام قضاءه على دليل لا يكشف عن مصدر قانوني صحيح للقيد الذي استخلصه.
ولا يجوز أن يتحول مجرد عدم رضا صاحبة الشأن عن النتيجة التي ترتبت على التعديل، أو منازعتها اللاحقة في آثاره، إلى دليل على أن الوكالة كانت تتضمن قيداً لم يرد فيها. فالإرادة التي تحدد نطاق النيابة في التعامل مع الغير يجب أن تستخلص من سندها ومظاهرها القانونية الثابتة، ولا يجوز افتراض قيد غير مكتوب ثم بناء المسؤولية الجنائية عليه.
كما لا يجوز الخلط بين تفسير المحرر وبين تغيير مضمونه؛ فالتفسير القضائي للمحرر شيء، وإضافة واقعة أو شرط أو قيد إليه شيء آخر. فإذا كان الحكم قد انتهى إلى أن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة إجراء التعديل، كان يتعين عليه أن يكشف عن المصدر الذي استخلص منه هذا القيد، وأن يبين كيف أمكن التوفيق بينه وبين العبارات الصريحة الواردة في سند الوكالة، لا أن يستبدل بالمحرر الرسمي أقوالاً لاحقة ثم يجعل منها أساساً لنفي السلطة.
ويترتب على ذلك أن اتخاذ البينة الشفوية لإثبات عكس ما ورد في سند الوكالة أو لإضافة قيد لم يتضمنه، ثم بناء الإدانة في جريمة التزوير على أساس أن المتهم الأول تجاوز سلطة غير ثابتة في الأوراق، يمثل انقلاباً في ترتيب الأدلة؛ إذ أصبح القول الشفهي هو مصدر تحديد الحقيقة الكتابية، بدلاً من أن يكون المحرر الكتابي هو المصدر الأول لتحديد نطاق السلطة التي باشر المتهم التصرف استناداً إليها.
ومن ناحية أخرى، فإن هذا العيب لا ينحصر في مجرد مخالفة قاعدة من قواعد الإثبات، وإنما يمتد أثره إلى سلامة الاستدلال على الركن المادي لجريمة التزوير؛ ذلك أن القول بتجاوز الوكالة كان هو الحلقة التي انتقل بها الحكم من مجرد وجود توقيع صادر من المتهم الأول بصفته وكيلاً إلى القول بأن هذا التوقيع يمثل فعلاً غير مشروع ومغيراً للحقيقة. فإذا كان أساس هذا الانتقال قد أقيم على شهادة استخدمت لإثبات ما يخالف أو يجاوز الثابت كتابياً، سقطت النتيجة التي بنيت عليها هذه المقدمة، أو على الأقل لم تعد صالحة وحدها لحمل الإدانة.
ولا سيما أن المتهم الأول لم يوقع منتحلاً شخصية صاحبة الشأن، وإنما وقع بشخصه وأعلن صفته كوكيل عنها، وكان سند الوكالة قائماً وقت مباشرة التصرف، ولم يثبت إلغاؤه إلا بعد ذلك. ومن ثم فإن إثبات التجاوز – إن أريد اتخاذه أساساً للمسؤولية الجنائية – يقتضي دليلاً مستقلاً على أن التصرف وقع خارج سلطة الوكالة رغم مدلولها الكتابي، وليس مجرد أقوال شفوية تعيد تحديد مضمون الوكالة على خلاف الثابت بها.
وبذلك يكون الحكم المعارض فيه قد أقام جزءاً جوهرياً من استدلاله على مصدر إثبات لا يصلح – في حدود المسألة التي استُخدم لإثباتها – لهدم الدلالة الكتابية الثابتة بسند الوكالة، كما لم يستظهر على نحو كافٍ سبب العدول عن الدلالة الظاهرة للمحرر الرسمي، ولم يبين السند الذي أقام عليه القيد الذي نسبه إلى الوكالة، الأمر الذي يعيبه بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال ومخالفة القانون في نطاق انطباق أحكام المادة 61 من قانون الإثبات.
ومن ثم، فإن مؤدى هذا الدفاع ليس مجرد المفاضلة بين أقوال شهود ومستندات، وإنما التمسك بأن الدليل الشفوي لا يجوز أن يُستخدم، في الحدود التي تحكمها المادة 61 من قانون الإثبات، لإنشاء قيد أو شرط أو استثناء يناقض أو يجاوز ما ثبت بالدليل الكتابي، ثم اتخاذ هذا القيد المنشأ من الشهادة أساساً لإسناد جريمة تزوير إلى المتهم الأول.
ولما كان الحكم قد عوّل على هذا المسلك في استخلاص انتفاء سلطة المتهم الأول، ثم رتب عليه النتيجة الجنائية المتمثلة في إدانته بالتزوير، رغم قيام سند وكالة رسمي ثابت بالأوراق، وتعزز دلالته بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق، فإن استدلال الحكم يكون قد فقد سنده الصحيح، ولم يعد ما أورده من أقوال كافياً لإثبات الركن المادي للجريمة إثباتاً يقينياً.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على مخالفة الحكم للقواعد الحاكمة لحجية الدليل الكتابي – في نطاق انطباق المادة 61 من قانون الإثبات – وعدم جواز اتخاذ البينة الشفوية لإثبات ما يخالف أو يجاوز الثابت بسند الوكالة الرسمي، وما ترتب على ذلك من فساد في الاستدلال وقصور في استظهار الدليل على نحو يقيني، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع التاسع والستون: فساد الاستدلال لاستخلاص عدم سلطة المتهم الأول من أقوال شفوية رغم ثبوت مصدر السلطة ونطاقها في محرر رسمي
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه الفساد في الاستدلال، حين استخلص عدم سلطته في مباشرة التوقيع والتصرف محل الاتهام من أقوال شفوية وتفسيرات قولية، رغم أن مصدر السلطة التي باشر المتهم الأول التصرف استناداً إليها ثابت أصلاً ومحدداً في محرر رسمي سابق على الواقعة، هو التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، بما كان يقتضي أن ينصرف البحث ابتداءً إلى حقيقة ما ورد في هذا السند الرسمي، وحدود السلطة التي منحها للمتهم الأول، وما إذا كان التصرف محل الاتهام قد وقع داخل نطاقها أو خارجه، قبل أن يُستخلص من أقوال لاحقة عكس ما يدل عليه سند الوكالة.
ذلك أن المسألة الجوهرية في هذا الخصوص ليست مجرد وجود توقيع على عقد تعديل الشركة، وإنما مصدر الصفة التي صدر بها هذا التوقيع. وهذا المصدر لم يكن واقعة شفوية مجهولة أو ادعاءً مستحدثاً، وإنما كان سند وكالة رسمي قائماً وقت مباشرة التصرف، ثابتاً بأوراق الدعوى، ومحدداً للسلطات التي خولتها صاحبة الشأن للمتهم الأول، ومن بينها التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الجهات المختصة.
ومن ثم، فإن استخلاص انعدام السلطة لا يستقيم بمجرد أقوال شفوية تنسب إلى بعض الشهود أو الموظفين تفسيراً مغايراً لمضمون الوكالة، ما لم يبين الحكم على وجه الدقة الأساس الذي استند إليه في هذا التفسير، ومصدر علم صاحبه به، ووجه استخلاصه منه، وكيف يمكن أن ينتقل هذا القول من مجرد تفسير أو رأي إلى دليل على واقعة مادية مؤداها أن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة التوقيع وقت مباشرة التصرف.
ولا يغير من ذلك أن المحكمة الجنائية لها كامل السلطة في تقدير الأدلة المطروحة عليها، إذ إن سلطة التقدير لا تعني إغفال مصدر السلطة الثابت في محرر رسمي، ولا تعني مساواة الرأي أو التفسير الشخصي بالمحرر الذي ينشئ الصفة ويحدد نطاقها، ولا تعني استخلاص نتيجة لا تؤدي إليها مقدماتها. فإذا كان الحكم قد أقام قضاءه على أن المتهم الأول لم تكن له سلطة في التوقيع، فقد كان لزاماً عليه أن يحدد أولاً مضمون سند الوكالة، وأن يستظهر النصوص التي تحدد نطاقها، ثم يبين وجه خروج التصرف محل الاتهام عن هذا النطاق، وألا يستبدل بذلك مجرد أقوال مرسلة أو استنتاجات لاحقة.
والثابت أن التوكيل الرسمي محل الاتهام لم يقتصر على تفويض عام مجهّل، وإنما تضمن سلطات محددة في مجال إنشاء وتأسيس الشركات والتوقيع نيابة عن الموكل على عقود تأسيس وتعديل الشركات، وهو ما يجعل تحديد مدى السلطة مسألة يتعين أن تستمد أساسها الأول من ألفاظ المحرر ذاته وسياقه، لا من تصور لاحق ينشئ قيداً لم يثبت وجوده في سند الوكالة.
ويزداد فساد هذا الاستدلال وضوحاً في ضوء ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
فهذه المذكرة الرسمية لا تُنشئ بذاتها سلطة جديدة للمتهم الأول، وإنما تكشف عن الفهم الرسمي الذي انتهت إليه الجهة المختصة بشأن نطاق السلطة الثابتة أصلاً في سند الوكالة. ولذلك كان يتعين على الحكم، إذا أراد طرح هذه الدلالة والأخذ بأقوال شفوية مغايرة، أن يواجهها مواجهة حقيقية، وأن يبين سبب عدم الأخذ بها، ووجه تفوق الدليل القولي عليها، وأساس القول بأن السلطة الثابتة في الوكالة لا تمتد إلى التصرف محل الاتهام.
أما أن يستخلص الحكم عدم السلطة من أقوال شفوية دون أن يحدد مصدر علم أصحابها، ودون أن يبين ما إذا كانت أقوالهم تنقل واقعة عاينوها بأنفسهم أم تتضمن تفسيراً لنطاق الوكالة، ودون أن يواجه صراحة مضمون سند الوكالة والمذكرة الرسمية المشار إليها، فإن ذلك يؤدي إلى إحلال الاستنتاج محل الدليل، وإلى إقامة النتيجة الجنائية على مقدمة لم يستظهر الحكم مصدرها أو أساسها.
ولا سيما أن القول بانعدام السلطة كان له أثر حاسم في تصوير الواقعة باعتبارها جريمة تزوير؛ إذ إن الاتهام لا يستطيع أن يستخلص من مجرد وجود تعديل في حصص الشركاء أن التوقيع الذي باشره المتهم الأول كان مزوراً، وإنما يحتاج إلى إثبات مستقل يبين أن المتهم الأول لم يكن يملك الصفة التي وقع بها أو أنه تجاوز سلطة ثابتة على نحو ترتب عليه تغيير الحقيقة في المحرر. فإذا كان مصدر السلطة ذاته ثابتاً بمحرر رسمي، فإن إسقاط هذه السلطة لا يكون بمجرد الافتراض أو التفسير القولي، وإنما يحتاج إلى دليل واضح ومحدد يكشف عن وجه انتفاء السلطة أو تجاوزها.
كما أن الفارق جوهري بين أن يشهد شخص بواقعة مادية أدركها بنفسه، وبين أن يدلي برأي في تفسير محرر رسمي أو في مدى ما يترتب عليه من سلطة. فالأولى قد تكون واقعة إثباتية تدخل في نطاق الشهادة، أما الثانية فلا يجوز أن تُعامل تلقائياً باعتبارها حقيقة مادية مستقلة عن المحرر محل التفسير، ولا أن تصبح بذاتها بديلاً عن النص الذي يستمد منه مصدر السلطة.
ومن ثم، فإذا كانت الأقوال التي عول عليها الحكم لا تتضمن مشاهدة مباشرة لواقعة إلغاء السلطة قبل التصرف، أو واقعة سحب الوكالة قبل التوقيع، أو واقعة أخرى مادية تنهي سلطة المتهم الأول قبل مباشرة العمل، وإنما اقتصرت على تفسير نطاق الوكالة أو القول بأن المتهم لم يكن مخولاً بإجراء التعديل، فإنها لا تكفي بذاتها لإثبات انعدام السلطة، ما لم يكشف الحكم عن الأساس الواقعي والقانوني الذي استند إليه أصحابها في هذا القول.
ولا يغير من ذلك أن الإدانة الجنائية يجوز أن تقوم على أقوال الشهود وسائر عناصر الإثبات متى اطمأنت إليها المحكمة؛ ذلك أن مناط سلامة هذا التعويل أن يكون الدليل مؤدياً عقلاً ومنطقاً إلى النتيجة المستخلصة منه، وأن يكون الحكم قد استظهر مؤداه الحقيقي ومصدره وحدوده. أما إذا كان الدليل القولي لا يثبت إلا رأياً أو تفسيراً لنطاق محرر رسمي، ثم اتخذه الحكم دليلاً حاسماً على انعدام السلطة، دون بيان سبب تفضيله على المحرر الرسمي ودون تحديد الواقعة التي أدركها الشاهد مباشرة، فإن الاستدلال يغدو غير سائغ.
والأخطر من ذلك أن الحكم – بهذا المسلك – يكون قد انتقل من مجرد إثبات وجود التصرف إلى افتراض عدم مشروعية مصدر السلطة التي صدر بها، ثم من هذا الافتراض إلى استخلاص وقوع التزوير، في حين أن الواجب كان أن يثبت كل حلقة من حلقات الاستدلال بدليلها المستقل، وبخاصة الفعل المادي المكون للتزوير.
فلا يكفي القول بأن صاحبة الشأن لم تكن راضية عن التعديل أو أنها نازعت في آثاره، كما لا يكفي القول بأن أحد الشهود يرى أن الوكالة لا تشمل التصرف، لإثبات أن المتهم الأول قد غير الحقيقة في المحرر. إذ تظل هناك ضرورة لإثبات واقعة التغيير ذاتها، وتحديد الحقيقة التي تم تغييرها، والطريقة التي تم بها التغيير، وعلاقة المتهم الأول بها، والقصد الجنائي المصاحب لها.
وإذ كان المتهم الأول قد وقع بصفته وكيلاً، وكان سند وكالته قائماً وقت التصرف، وكانت الإدارة العامة للتوثيق قد انتهت رسمياً إلى امتداد نطاق الوكالة إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن استخلاص عدم السلطة من مجرد الأقوال الشفوية، دون بيان وجه الخروج عن سند الوكالة أو مواجهة الدلالة الرسمية المخالفة، يكون استخلاصاً غير مستند إلى أساس كافٍ، ويكون الحكم بذلك قد استبدل بالثابت في الأوراق استنتاجاً لا تنهض به مقدماته.
ومن ثم، فإن فساد الاستدلال لا ينصرف إلى مجرد ترجيح دليل على آخر، وإنما إلى أن الدليل الذي أقام عليه الحكم النتيجة التي انتهى إليها لا يؤدي إليها في حدود دلالته، وأن الحكم لم يستظهر الحلقة الجوهرية التي تصل بين الأقوال الشفوية وبين النتيجة التي رتب عليها أثرها الجنائي، وهي انعدام سلطة المتهم الأول في التوقيع، ثم وقوع التزوير بناءً على ذلك.
ولما كان هذا الاستخلاص قد تعلق بمسألة جوهرية في بنية الاتهام، وكان ثبوت سلطة المتهم الأول من عدمه هو المدخل الذي يتوقف عليه توصيف التوقيع والتصرف محل الاتهام، فإن فساد الاستدلال فيه ينعكس حتماً على النتيجة التي انتهى إليها الحكم، ويجعل الدليل الذي أقام عليه الإدانة غير كافٍ لحملها.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على فساد استدلال الحكم في استخلاص عدم سلطته من أقوال شفوية رغم ثبوت مصدر السلطة ونطاقها في محرر رسمي، وعدم كفاية تلك الأقوال – في حدود دلالتها ومصدرها – لإثبات انتفاء السلطة أو وقوع فعل مادي من أفعال تغيير الحقيقة، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع السبعون: فساد الاستدلال لاستخلاص عدم مشروعية توقيع المتهم الأول من مجرد الاعتراض على مضمون التصرف أو آثاره الاقتصادية، دون التحقق ابتداءً من مصدر سلطة الوكيل وحدودها الثابتة بسند النيابة
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه الفساد في الاستدلال، إذ أقام نتيجة عدم مشروعية توقيعه على مجرد الاعتراض على مضمون التصرف محل الاتهام وما ترتب عليه من آثار اقتصادية وقانونية، دون أن يستظهر ابتداءً المصدر القانوني للسلطة التي باشر المتهم الأول التوقيع استناداً إليها، ودون أن يفحص على نحو جازم حدود هذه السلطة كما حددها سند النيابة ذاته، الأمر الذي أدى إلى قلب التسلسل المنطقي اللازم لاستخلاص المسؤولية الجنائية، فجعل من الاعتراض على نتيجة التصرف دليلاً على عدم مشروعية التوقيع، بدلاً من أن يبحث أولاً عما إذا كان المتهم الأول قد باشر التوقيع في نطاق سلطة تمثيلية قائمة وقت التصرف.
ذلك أن مجرد اعتراض صاحب الشأن على مضمون التصرف أو عدم رضائه عن آثاره أو منازعته في النتائج الاقتصادية المترتبة عليه لا يكشف بذاته عن عدم مشروعية التوقيع، ولا يصلح بمجرده لإثبات أن من باشر التوقيع قد ارتكب فعلاً من أفعال تغيير الحقيقة. فالاعتراض على التصرف شيء، وإثبات وقوع جريمة تزوير في المحرر الذي أثبت التصرف شيء آخر مستقل عنه في عناصره وأساسه القانوني.
وكان يتعين على الحكم – قبل أن يستخلص من مضمون التصرف أو نتائجه أن توقيع المتهم الأول قد صدر بغير سند – أن يبدأ بالسؤال الجوهري السابق منطقاً وقانوناً: ما هو مصدر سلطة المتهم الأول في التوقيع؟ وهل كان هذا المصدر قائماً وقت مباشرة التصرف؟ وما حدود السلطة التي خولها له سند النيابة؟ وهل كان التصرف الذي وقّع عليه داخلاً في تلك الحدود أم خارجاً عنها؟ ثم بعد ذلك، وعلى فرض ثبوت الخروج عن نطاق السلطة، هل يشكل هذا الخروج في ذاته تغييراً للحقيقة بطريق من طرق التزوير التي يعاقب عليها القانون، أم أنه لا يعدو أن يكون منازعة في حدود الوكالة وآثار التصرف؟
والثابت بالأوراق أن مصدر سلطة المتهم الأول لم يكن قولاً مرسلاً أو تفويضاً مجهلاً، وإنما كان توكيلاً رسمياً قائماً وقت مباشرة التصرف، هو التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، والصادر من صاحبة الشأن إلى المتهم الأول، والذي تضمن منحه سلطة القيام نيابة عنها بالمسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، إلى جانب السلطات الأخرى الواردة بسند الوكالة.
ومن ثم، فإن نقطة البدء الصحيحة في تقدير مشروعية التوقيع لم تكن النتيجة الاقتصادية التي انتهى إليها تعديل عقد الشركة، ولا مقدار الزيادة أو النقص في حصص الشركاء، ولا الاعتراض اللاحق على مضمون التصرف، وإنما كانت ولا تزال سند النيابة ذاته ونطاق السلطة المستمدة منه وقت مباشرة التوقيع.
وقد تعزز هذا الثابت بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد وقع بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه النتيجة الرسمية لا تجعل من المذكرة الإدارية حكماً قضائياً في صحة التصرف، ولا تحولها إلى مصدر للسلطة، إذ إن مصدر السلطة هو سند الوكالة ذاته، وإنما تكشف أهميتها في أنها تؤيد – من الجهة المختصة بفحص أعمال التوثيق – أن القراءة التي تجعل سلطة المتهم الأول ممتدة إلى التصرف محل الاتهام ليست مجرد قول صادر عنه دفاعاً عن نفسه، وإنما لها سند في فهم الجهة الإدارية المختصة لمضمون الوكالة.
ومن ثم، كان يتعين على الحكم، إذا أراد أن ينتهي إلى عدم مشروعية توقيع المتهم الأول، أن يحدد بدقة النص أو القيد الوارد في سند الوكالة الذي حال دون مباشرة التصرف محل الاتهام، وأن يبين كيف تجاوز المتهم الأول هذا القيد، وأن يحدد في الوقت ذاته الفعل المادي الذي أدى به هذا التجاوز – إن ثبت – إلى تغيير الحقيقة في المحرر، لا أن يستخلص عدم المشروعية من مجرد أن التصرف ترتب عليه إنقاص حصة شريك وزيادة حصة شريك آخر.
ذلك أن النتيجة الاقتصادية للتصرف لا تثبت بذاتها عدم مشروعية مصدر التوقيع، كما أن اختلاف أحد أطراف العلاقة مع النتيجة التي رتبها التعديل لا يحول الوكيل تلقائياً إلى مزور. فقد يكون التصرف محل منازعة مدنية من حيث نطاق الوكالة أو آثارها أو مدى نفاذها في مواجهة الأصيل، وقد يثور بشأنه خلاف حول مدى ملاءمة استعمال السلطة أو حدودها، ولكن لا يجوز القفز من هذه المنازعة – بغير دليل مستقل – إلى إثبات الركن المادي لجريمة التزوير.
والأخطر من ذلك أن استخلاص عدم مشروعية التوقيع من مجرد أثر التصرف يؤدي إلى مصادرة المسألة محل الإثبات؛ إذ تصبح النتيجة الاقتصادية دليلاً على عدم السلطة، وعدم السلطة دليلاً على التزوير، ثم يصبح التزوير بدوره دليلاً على عدم مشروعية التصرف، في دائرة استدلالية مغلقة لا تستند إلى واقعة مادية مستقلة تثبت تغيير الحقيقة.
والصحيح أن كل عنصر من هذه العناصر يجب أن يثبت بذاته وبالدليل الذي يصلح له: فمصدر السلطة يثبت بسند النيابة، ونطاقها يستظهر من عباراته وملابساته القانونية، ووقوع التجاوز – إن ادعي – يجب تحديده وإثباته، أما جريمة التزوير فلا تقوم إلا إذا ثبت فوق ذلك فعل مادي محدد من أفعال تغيير الحقيقة في محرر على النحو المؤثم قانوناً، مع توافر باقي أركان الجريمة.
ولا يجوز كذلك اتخاذ عدم رضا الأصيل عن التصرف اللاحق أو إلغائه للوكالة بعد إتمام التصرف دليلاً رجعياً على انعدام السلطة وقت مباشرة التوقيع؛ إذ إن إلغاء الوكالة اللاحق لا يثبت بذاته أن الوكيل كان فاقداً لسلطته قبل الإلغاء، ولا يحول واقعة كانت صادرة في ظل سند نيابة قائم إلى واقعة مزورة لمجرد أن الأصيل نازع لاحقاً في آثارها أو اعترض عليها.
وإذا كان الحكم قد عوّل على أقوال أو شهادات مؤداها أن صاحبة الشأن لم تكن تقصد إجراء التعديل أو لم تكن ترغب في تخفيض حصتها أو زيادة حصة شريك آخر، فإن ذلك – على فرض صحته – لا يغني عن فحص سند الوكالة ذاته، ولا يثبت وحده أن المتهم الأول لم تكن له سلطة تمثيلية تخوله التعبير عن إرادة الأصيل في حدود الوكالة. كما لا يجوز تحويل أقوال تتعلق بالإرادة الباطنة أو بالموقف اللاحق من التصرف إلى دليل مباشر على وقوع تغيير للحقيقة في المحرر.
وبحسب الثابت بالأوراق، فإن المتهم الأول لم يوقع متخفياً وراء شخصية صاحبة الشأن، وإنما باشر التوقيع بصفته وكيلاً عنها، وهو ما يجعل تحديد نطاق السلطة التمثيلية مسألة سابقة ولازمة قبل نسبة أي صورة من صور التزوير إليه. فإذا كان سند النيابة قائماً، وكان قد ثبت رسمياً امتداده إلى عقود تعديل الشركات وما يتصل بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن مجرد الاعتراض على النتيجة التي رتبها التصرف لا يصلح بذاته لنقض هذا الثابت أو استخلاص عدم مشروعية التوقيع منه.
ومن ثم، فإن الحكم – إذ انتقل مباشرة من الاعتراض على مضمون التعديل وآثاره الاقتصادية إلى القول بعدم مشروعية توقيع المتهم الأول – يكون قد أقام النتيجة على مقدمة لا تؤدي إليها، وأغفل بحث المسألة السابقة عليها، وهي مصدر سلطة الوكيل وحدودها الثابتة في سند النيابة، ثم أغفل كذلك بيان الفعل المادي المستقل الذي يمثل تغييراً للحقيقة في المحرر.
وهذا الفساد في الاستدلال ليس متعلقاً بتفصيل ثانوي، وإنما ينصب على أصل البناء الذي أقيم عليه الاتهام؛ لأن ثبوت سلطة المتهم الأول في التوقيع – أو قيام دليل رسمي جدي على امتدادها إلى التصرف محل الاتهام – يهدم الاستدلال القائم على مجرد افتراض أن التوقيع غير مشروع بسبب النتيجة التي ترتبت عليه.
ولا يغير من ذلك أن المحكمة الجنائية لها كامل السلطة في تقدير الأدلة المطروحة عليها، إذ إن سلطة التقدير لا تعني استخلاص نتيجة لا تؤدي إليها مقدماتها، ولا تعفي المحكمة من بيان الطريق الذي انتقلت به من الواقعة الثابتة إلى النتيجة الجنائية. فإذا كان الدليل الذي عُوّل عليه لا يثبت سوى وقوع التعديل أو الاعتراض عليه، فلا يجوز أن يستخلص منه، دون واسطة إثبات مستقلة، أن المتهم الأول لم تكن له سلطة التوقيع أو أنه ارتكب فعلاً مادياً من أفعال تغيير الحقيقة.
وعليه، فإن سلامة الاستدلال كانت تقتضي أن يبدأ الحكم بسند الوكالة، وأن يستظهر نطاقه، وأن يحدد بصورة قاطعة القيد الذي قيل إن المتهم الأول قد تجاوزه، ثم يبين – على نحو مستقل – الفعل المادي الذي أدى به إلى تغيير الحقيقة في المحرر، لا أن يبدأ من النتيجة الاقتصادية للتصرف ليستخلص منها انعدام السلطة، ثم يستخلص من انعدام السلطة وقوع التزوير.
وإذ لم يفعل الحكم ذلك، وإنما اتخذ من الاعتراض على مضمون التصرف وآثاره الاقتصادية منطلقاً لاستخلاص عدم مشروعية التوقيع، دون أن يستظهر ابتداءً مصدر سلطة المتهم الأول وحدودها الثابتة بسند النيابة، ودون أن يحدد فعلاً مادياً مستقلاً لتغيير الحقيقة، فإنه يكون قد شابه الفساد في الاستدلال والقصور في استظهار عناصر الدليل على نحو يقيني، بما يتعين معه طرح هذا الاستدلال وعدم التعويل عليه في إدانة المتهم الأول.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على فساد الاستدلال الذي أقام عليه الحكم عدم مشروعية توقيعه، وعلى ثبوت مصدر سلطته التمثيلية بسند وكالة رسمي قائم وقت التصرف، وثبوت امتداد نطاق تلك الوكالة – وفقاً لما انتهت إليه الجهة المختصة بالتوثيق – إلى التصرف محل الاتهام، وعدم جواز استخلاص وقوع جريمة التزوير من مجرد الاعتراض على مضمون التصرف أو آثاره الاقتصادية، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الواحد والسبعون: القصور في التسبيب لإغفال الحكم بيان السند القانوني الذي أجاز له إهدار أو تقييد مدلول التوكيل الرسمي بالأقوال الشفوية
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه القصور في التسبيب، إذ عوّل في استخلاص عدم امتداد سلطة الوكالة إلى التصرف محل الاتهام على أقوال شفوية، واتخذ منها أساساً لتقييد مدلول التوكيل الرسمي أو إهدار دلالته، دون أن يبين السند القانوني الذي أجاز له أن يستخلص من تلك الأقوال قيداً غير ثابت في محرر الوكالة، أو أن يحمل سند النيابة على معنى يخالف ظاهره ومدلوله، ودون أن يستظهر المصدر القانوني الذي سوغ له ترجيح هذه الأقوال على المحرر الرسمي القائم بالأوراق.
ذلك أن التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يمثل المصدر المباشر للسلطة التي يستند إليها المتهم الأول في توقيعه محل الاتهام، وقد تضمن تخويله القيام نيابة عن صاحبة الشأن بالمسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، وهي عبارات لها مدلولها الثابت في محرر رسمي سابق على الواقعة محل الاتهام.
ومن ثم، فإن تحديد نطاق السلطة التي باشرها المتهم الأول لا يجوز أن يبدأ من الأقوال اللاحقة على التصرف، وإنما يتعين أن يبدأ من سند النيابة ذاته، باعتباره مصدر السلطة التمثيلية، ثم يبحث بعد ذلك – إن كان ثمة قيد يدعى أنه يحد من تلك السلطة – عن سنده الثابت بالأوراق، ومصدره، ومدى صلاحيته قانوناً لإضافة قيد إلى مدلول المحرر.
وإذا كان الحكم قد انتهى إلى أن التوكيل، رغم عباراته الصريحة، لا يمتد إلى التعديل محل الاتهام، أو أن المتهم الأول قد تجاوز حدود السلطة المخولة له، فقد كان لزاماً عليه أن يبين على وجه الدقة الأساس الذي أقام عليه هذا الاستخلاص، وأن يحدد القيد الذي قال إنه يحد من الوكالة، ومصدر هذا القيد، والدليل الذي استمده منه، وكيف أصبح هذا الدليل – رغم كونه قولياً – قادراً على تغيير مدلول سند رسمي قائم بالأوراق.
أما أن يورد الحكم أقوالاً شفوية مؤداها أن صاحبة الشأن لم تكن تقصد تخفيض حصتها، أو أنها لم تأذن بإجراء التعديل، أو أن الوكالة لم تكن – في رأي بعض الشهود – تمتد إلى هذا النوع من التصرفات، ثم يتخذ من هذه الأقوال سنداً للقول بانعدام سلطة المتهم الأول، دون أن يبين الأساس القانوني الذي يسمح له باستخلاص قيد على الوكالة من تلك الأقوال، فإن ذلك لا يكشف عن مصدر النتيجة التي انتهى إليها الحكم ولا عن الطريق المنطقي والقانوني الذي سلكه في الانتقال من الأقوال إلى تقييد مدلول المحرر.
ولا ينال من ذلك أن المحكمة الجنائية تتمتع بسلطة واسعة في تقدير أدلة الدعوى، إذ إن حرية القاضي الجنائي في تقدير الدليل لا تعني إعفاءه من تسبيب قضائه، ولا تخوله أن يكتفي بمجرد ترجيح دليل على آخر دون بيان مؤدى كل دليل وأثره ووجه صلاحيته لإثبات الواقعة التي أقام عليها قضاءه، وبصفة خاصة عندما يتعلق الأمر بمحرر رسمي يمثل مصدر سلطة التوقيع محل الاتهام.
فحرية الإثبات شيء، وإهدار الدليل الرسمي دون بيان أساس ذلك شيء آخر؛ وتقدير الشهادة شيء، وإنشاء قيد على سند النيابة لم يرد فيه شيء آخر. وما كان للمحكمة – إذا أرادت أن تأخذ بالأقوال الشفوية في تحديد نطاق الوكالة – أن تكتفي بمجرد إيرادها، بل كان يتعين عليها أن تكشف عن وجه دلالتها القانونية، ومصدر علم قائليها، ومدى اتصالهم المباشر بإنشاء الوكالة وتحديد شروطها، وما إذا كانت أقوالهم تتعلق بواقعة مادية أدركوها بأنفسهم أم أنها مجرد تفسير شخصي لمضمون محرر رسمي.
ويزداد قصور الحكم وضوحاً إذا كان الشاهد الذي عوّل عليه لم يشترك في تحرير التوكيل أو توثيقه، ولم يكن حاضراً واقعة إصداره أو تحديد نطاق السلطة التي أراد الموكل منحها، ثم أدلى بعد ذلك بتفسير شخصي لمضمونه. ففي هذه الحالة كان يتعين على الحكم أن يبين لماذا اعتبر هذا التفسير دليلاً على حقيقة نطاق الوكالة، وكيف أمكن له أن يغلب هذا التفسير على العبارات الواردة في سند النيابة ذاته، بدلاً من أن يكتفي بمجرد نقل القول والأخذ به.
كما كان يتعين على الحكم أن يواجه الدلالة المستمدة من المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي انتهت – بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة لا يُراد بها أن تحل محل القضاء أو أن تفرض على المحكمة نتيجة بعينها، وإنما تكتسب أهميتها من كونها مستنداً رسمياً مستقلاً يتصل مباشرة بالمسألة التي أقام الحكم عليها قضاءه، وهي مدى امتداد سلطة الوكالة إلى التصرف محل الاتهام. فإذا أراد الحكم طرح دلالتها، أو الأخذ بأقوال شفوية تناقض ما انتهت إليه، كان يتعين عليه أن يبين أسباب ذلك بياناً سائغاً، وأن يوضح لماذا لم يأخذ بالقراءة الرسمية التي انتهت إليها الجهة المختصة بالتوثيق، وما هو الأساس الذي جعله يعتد بالأقوال المخالفة لها.
ولا يكفي في هذا المقام القول بأن المحكمة تطمئن إلى أقوال الشهود؛ لأن الاطمئنان إلى الشهادة لا يغني عن بيان المسألة الجوهرية التي تتعلق بمصدر علم الشاهد وبحدود ما يستطيع إثباته. فإذا كان القول الشفوي لا يثبت واقعة مادية مباشرة، وإنما يتضمن تفسيراً لمضمون التوكيل أو تحديداً لنطاق السلطة القانونية المستمدة منه، فإن الحكم يكون مطالباً ببيان أساس أخذه بهذا التفسير، وإلا ظل قضاؤه قائماً على نتيجة غير معلومة المصدر.
كما أن الحكم كان يتعين عليه أن يميز بين أمرين متغايرين تماماً: أولهما إثبات واقعة مادية يجوز للشاهد أن يدلي بما أدركه عنها، كواقعة حضور التوقيع أو تقديم المستند أو مباشرة إجراء معين؛ وثانيهما تفسير مضمون التوكيل وتحديد حدود السلطة القانونية المستمدة منه، وهي مسألة لا يجوز أن تُنسب إلى شاهد لمجرد صفته الوظيفية أو اطلاعه اللاحق على المستند، دون بيان الأساس الذي يخوله هذا التفسير ومدى دلالته في الدعوى.
والأصل أن المحكمة إذا أخذت بدليل معين وطرحته في مواجهة دليل آخر، وجب أن يكون استخلاصها سائغاً وأن يكون مؤدى الدليل الذي أخذت به صالحاً عقلاً ومنطقاً لحمل النتيجة التي رتبتها عليه. فإذا كان الدليل القولي لا يثبت سوى أن صاحبة الشأن اعترضت على التصرف أو أنكرت رغبتها في إجرائه، فلا يجوز أن يتحول هذا الاعتراض بمجرده إلى دليل على أن الوكالة لم تكن تخول المتهم الأول إجراءه، ثم إلى دليل على عدم مشروعية التوقيع، ثم إلى دليل على وقوع التزوير، ما لم يبين الحكم حلقات هذا الاستدلال ومصدر كل منها.
وذلك لأن عدم رضا الأصيل عن التصرف – بفرض ثبوته – لا يساوي قانوناً عدم وجود سلطة تمثيلية، كما أن المنازعة في مدى استعمال الوكالة لا تساوي بذاتها وقوع تغيير للحقيقة في محرر. وكان يتعين على الحكم أن يفصل بين هذه المسائل وأن يحدد لكل منها دليلها المستقل، لا أن يستخدم القول الشفوي المتعلق بإرادة صاحبة الشأن أو اعتراضها على التصرف لإهدار مدلول سند النيابة ثم يبني عليه النتيجة الجنائية.
ومن ناحية أخرى، فإن الحكم لم يبين ما إذا كان القيد الذي استخلصه على الوكالة منصوصاً عليه في سندها، أم مستفاداً من نص قانوني، أم مستخلصاً من طبيعة التصرف، أم من إرادة الأصيل، أم من أقوال الشهود. وهذا البيان جوهري؛ إذ لا يمكن مراقبة سلامة الحكم دون معرفة المصدر الذي أنشأ منه القيد الذي انتهى إليه، ولا يمكن معرفة ما إذا كان هذا المصدر يصلح قانوناً لحمل النتيجة التي رتبها الحكم عليه.
فإذا كان القيد غير موجود في سند الوكالة، ولم يحدد الحكم نصاً قانونياً أنشأه، ولم يبين دليلاً مباشراً على اتفاق سابق يحد من السلطة، ثم استخلصه من أقوال لاحقة على التصرف، فإن الحكم يكون قد أضاف إلى سند النيابة قيداً لم يستظهر مصدره القانوني، وهو ما يعيبه بالقصور في التسبيب ويفسد استدلاله على عدم مشروعية توقيع المتهم الأول.
ولا سيما أن المسألة لم تعد مجرد خلاف في تفسير واقعة ثانوية، وإنما تتعلق بعنصر محوري في الدعوى الجنائية، إذ إن ثبوت قيام سلطة الوكيل وقت التوقيع، ومدى امتدادها إلى التصرف محل الاتهام، يؤثر بصورة مباشرة في التصوير الذي أقيم عليه الاتهام وفي مدى إمكان نسبة فعل مادي من أفعال التزوير إلى المتهم الأول.
وكان لزاماً على الحكم، والحال كذلك، أن يستظهر على نحو واضح: نصوص التوكيل التي استمد منها المتهم الأول سلطته؛ والقيود التي قيل إنها تحد من تلك السلطة؛ ومصدر هذه القيود؛ والدليل الذي يثبتها؛ ومصدر علم الشهود بها؛ ووجه قانونية الاستناد إلى أقوالهم في هذا الخصوص؛ وسبب ترجيحها – إن كان الحكم قد رجحها – على مدلول سند النيابة؛ ومدى توافق ذلك كله مع المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق.
أما إغفال هذه العناصر والاكتفاء بالقول بأن الشهود قرروا عدم امتداد الوكالة إلى التصرف، ثم بناء الإدانة على هذا القول، فإنه يحجب الأساس الحقيقي الذي أقيم عليه القضاء، ويحول دون مراقبة مدى سلامة تطبيق القانون على الواقعة، ولا سيما أن المحكمة لم تبين السند القانوني الذي أجاز لها الانتقال من الدليل القولي إلى تقييد مدلول محرر رسمي هو مصدر السلطة ذاتها.
ومن ثم، فإن العيب الذي يلحق الحكم ليس مجرد عدم الأخذ بدليل من أدلة الدفاع، وإنما يتمثل في أن الحكم لم يستظهر الأساس القانوني والمنطقي الذي سوغ له إهدار أو تقييد مدلول التوكيل الرسمي، ولم يبين لماذا أصبحت الأقوال الشفوية – في المسألة التي استخلص منها عدم مشروعية التوقيع – قادرة على إنشاء قيد على سند النيابة، ولم يواجه الدلالة المؤيدة لهذا السند فيما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق.
ولما كان هذا القصور قد اتصل اتصالاً مباشراً بأصل الإسناد الجنائي إلى المتهم الأول، وكان من شأن استظهار حقيقة نطاق الوكالة على وجهها الصحيح أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى، فإن الحكم يكون قد جاء قاصراً في تسبيبه وفاسداً في استدلاله، بما يتعين معه عدم التعويل على ما أقامه من استنتاج بشأن عدم مشروعية توقيع المتهم الأول.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على قصور الحكم في بيان السند القانوني الذي أجاز له تقييد مدلول التوكيل الرسمي بالأقوال الشفوية، وعدم استظهاره مصدر القيود التي أضافها إلى سند النيابة، وعدم بيانه أساس ترجيح تلك الأقوال على المحررات الرسمية والدلالة المستمدة من مذكرة الإدارة العامة للتوثيق، وما ترتب على ذلك من فساد في الاستدلال بشأن سلطة المتهم الأول في التوقيع، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الثاني والسبعون: القصور في التسبيب لعدم بيان أسباب إطراح العبارات الصريحة الواردة بالتوكيل الرسمي بشأن سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، إذ أعرض عن الدلالة الصريحة المستمدة من التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، ولم يستظهر على نحو سائغ العبارات الواضحة التي تضمنها سند الوكالة بشأن تخويل المتهم الأول مباشرة الأعمال المتعلقة بالشركات والتوقيع نيابة عن صاحبة الشأن على عقود تأسيس وتعديل الشركات، ثم انتهى – رغم ذلك – إلى ترتيب أثر جنائي على القول بانتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع، دون أن يبين الأساس الذي أقام عليه هذا الإهدار لدلالة محرر رسمي قائم بذاته بالأوراق.
ذلك أن سند الوكالة ليس دليلاً هامشياً أو دليلاً مستأنساً به في الدعوى، وإنما هو المستند الذي يستمد منه المتهم الأول مصدر صفته وسلطته في مباشرة التصرف محل الاتهام، ومن ثم فإن تحديد نطاق عباراته والوقوف على حقيقة ما تخوله للوكيل يمثل مسألة جوهرية تتصل اتصالاً مباشراً بأصل الاتهام، وبمدى توافر الفعل المادي المنسوب إلى المتهم الأول، وبمدى صحة تصوير التوقيع الصادر منه باعتباره فعلاً غير مشروع أو تغييراً للحقيقة.
والثابت أن التوكيل الرسمي قد تضمن عبارات صريحة في تخويل المتهم الأول القيام نيابة عن الموكل بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، وأن له الحق في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، وهي عبارات لا تقف عند مجرد الإشارة العامة إلى إدارة شؤون الموكل، وإنما تتناول على وجه التحديد «عقود تعديل الشركات» وحق التوقيع عليها نيابة عن صاحبة الشأن.
ومن ثم، فإذا كانت المحكمة قد انتهت إلى أن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة التوقيع على التعديل محل الاتهام، فقد كان لزاماً عليها – حتى يستقيم قضاؤها – أن تواجه هذه العبارات الصريحة مواجهة حقيقية، وأن تبين تحديداً لماذا لا تنصرف عبارة «عقود تعديل الشركات» إلى عقد التعديل محل الاتهام، وما هو القيد الذي استخلصته المحكمة من سند الوكالة ذاته، ومصدر هذا القيد، والأساس الذي يبرر تخصيص العبارة العامة الصريحة أو استبعادها في غير الحدود التي يسمح بها نص الوكالة.
أما مجرد القول بانعدام سلطة المتهم الأول أو تجاوز الوكالة، دون تحليل لعبارات سندها التي تمنحه صراحة حق التوقيع على عقود تعديل الشركات، فلا يكشف عن الأساس الذي أقيم عليه هذا الاستنتاج، ولا يمكن معه الوقوف على الكيفية التي انتقلت بها المحكمة من عبارة التوكيل الصريحة إلى النتيجة المناقضة لها.
ولا يكفي في هذا الخصوص أن تورد المحكمة سند الوكالة في معرض سردها للوقائع ثم تنصرف عنه عند استخلاص النتيجة، إذ إن إيراد المستند لا يغني عن بحث دلالته متى كان دفاع المتهم الأول قد أقام دفاعه الجوهري على مؤداه، ومتى كانت هذه الدلالة – لو صحت – من شأنها أن تغير وجه الرأي في الدعوى برمتها، لكونها تمس أصل السلطة التي باشر بها المتهم الأول التوقيع.
والأمر كذلك لأن المحكمة لا تكون قد استظهرت حقيقة الدليل بمجرد الإشارة إلى وجود التوكيل، وإنما يتعين عليها أن تبحث مضمونه الحقيقي وأن تواجه عباراته الجوهرية، وأن تبين سبب عدم أخذها بالدلالة التي يتمسك بها الدفاع، وبالأخص متى كانت العبارة محل الدفاع صريحة في منح الوكيل حق التوقيع على عقود تعديل الشركات.
كما أن القول بأن التوكيل يخول التوقيع على «عقود تعديل الشركات» لا يستقيم قانوناً طرحه بمجرد القول بأن التعديل محل الاتهام تضمن تغييراً في حصص الشركاء؛ إذ إن هذا التحديد – بحسب ظاهره – يتعلق بطبيعة التصرف ذاته باعتباره «عقد تعديل للشركة»، ولا يجوز استخلاص استثناء خاص بتعديلات حصص الشركاء إلا إذا كان سند الوكالة ذاته يتضمن هذا الاستثناء أو كان هناك نص قانوني أو قيد ثابت بالأوراق يقتضي هذا التخصيص.
فإذا كانت المحكمة قد رأت أن عبارة التوكيل – رغم صراحتها – لا تشمل الإجراء الذي باشره المتهم الأول، فقد كان يتعين عليها أن تكشف عن سند هذا التخصيص، وأن تحدد العبارة أو القيد الذي يمنع انطباقها، وأن توضح كيف انتهت إلى أن التوقيع على عقد تعديل الشركة يخرج من نطاق عبارة صريحة تخول التوقيع على عقود تعديل الشركات. أما إطلاق النتيجة دون بيان هذا المسار الاستدلالي، فيجعل الحكم قاصراً عن حمل قضائه.
ويزداد هذا القصور وضوحاً في ضوء ما ثبت بالأوراق من أن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل قد انتهت – في الملف رقم 134 لسنة 2026 وبعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، كما يبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، وأن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه النتيجة الرسمية لا تجعل المحكمة مقيدة بها، إلا أنها تجعل من إغفالها أو طرح دلالتها دون بيان أسباب سائغة أمراً أكثر جوهرية، لأنها تتعلق بذات المسألة التي اعتمد عليها الاتهام في تصوير التوقيع باعتباره صادراً بغير سلطة. فإذا كان الحكم قد استند إلى فهم مغاير لنطاق الوكالة، فقد كان يتعين عليه أن يبين لماذا رفض هذه الدلالة الرسمية، وأن يكشف عن الأساس الذي اعتمد عليه في تحديد نطاق الوكالة على نحو يخالف ظاهر عباراتها وما انتهت إليه الجهة المختصة بالتوثيق.
ولا يغير من ذلك ما قد يثار من أن المحكمة الجنائية لها كامل السلطة في تقدير الأدلة؛ إذ إن سلطة التقدير لا تعني إهدار الدليل الجوهري دون مناقشة، ولا تعني الاستغناء عن بيان سبب طرحه متى كان من شأنه – لو صح – أن يؤدي إلى تغيير وجه الرأي في الدعوى. فحرية المحكمة في وزن الأدلة تقابلها واجبها في بيان مؤدى الدليل الذي أخذت به وأسباب اطراحها للأدلة الجوهرية المناقضة له، حتى يتسنى الوقوف على سلامة استخلاصها.
كما أن الدفاع لا يتمسك بمجرد تفسير شخصي لعبارة غامضة، وإنما يتمسك بعبارة محددة واردة في محرر رسمي، تتناول صراحة «التوقيع نيابة عن الموكل على عقود تأسيس وتعديل الشركات». ومن ثم فإن تجاهل هذه العبارة أو عدم بيان سبب عدم انطباقها على التصرف محل الاتهام يحجب عن الحكم أساساً جوهرياً من أسس الدفاع، ويجعل النتيجة التي انتهى إليها بشأن انتفاء سلطة المتهم الأول غير مستندة إلى تحليل كافٍ للمحرر الذي أنشأ تلك السلطة.
ومن ناحية أخرى، فإن إغفال هذه الدلالة ينعكس مباشرة على الركن المادي لجريمة التزوير؛ إذ إن ثبوت صدور التوقيع من المتهم الأول بصفته وكيلاً، ووجود سند رسمي يخوله التوقيع على عقود تعديل الشركات، يفرض على المحكمة – قبل إسباغ وصف التزوير على هذا السلوك – أن تحدد على وجه الدقة الفعل المادي الذي تم به تغيير الحقيقة، وأن تبين لماذا لا يكون التوقيع الذي صدر من وكيل في حدود سلطة ثابتة بسند رسمي مجرد استعمال لسلطة تمثيلية، وليس تزويراً أو انتحالاً أو اصطناعاً.
فإذا عجز الحكم عن بيان هذا الفارق، واكتفى بافتراض انعدام السلطة دون مواجهة سندها الرسمي، فإنه يكون قد انتقل من نتيجة مفترضة إلى نتيجة جنائية دون إقامة الدليل على الحلقة الأساسية التي تصل بينهما.
ولما كان هذا الدفاع قد انصب على محرر رسمي جوهري، وكانت عباراته الصريحة متعلقة مباشرة بمصدر سلطة المتهم الأول في التوقيع، وكان من شأن الأخذ بدلالتها أن يتغير به وجه الرأي في الاتهام، فإن عدم بيان أسباب إطراحها أو تقييد نطاقها يمثل قصوراً مؤثراً في التسبيب، فضلاً عما ينطوي عليه من فساد في الاستدلال إذا كانت النتيجة التي انتهى إليها الحكم لا تتفق مع ظاهر العبارات التي أقام عليها الدفاع سنده.
ومن ثم، فإن الحكم المعارض فيه – وقد انتهى إلى إدانة المتهم الأول دون أن يستظهر على نحو كافٍ سبب إهدار الدلالة الصريحة لعبارات التوكيل الرسمي بشأن سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات – يكون قد أقام قضاءه على استدلال غير مكتمل، وحجب عن نفسه بحث دفاع جوهري من شأنه، لو صح، أن تنتفي معه إحدى الركائز الأساسية للتصوير الجنائي للواقعة، الأمر الذي يعيبه بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال بما يتعين معه القضاء ببراءة المتهم الأول.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على قصور الحكم المعارض فيه في بيان أسباب إطراح العبارات الصريحة الواردة بالتوكيل الرسمي بشأن سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات، وعدم مواجهته لدلالة هذا المحرر الرسمي ودلالة مذكرة الإدارة العامة للتوثيق مواجهة سائغة، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الثالث والسبعون: القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، لإغفال بحث أثر المستند الرسمي الصادر عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في تحديد نطاق الوكالة ومدى امتدادها إلى التصرف محل الاتهام
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، إذ أغفل بحث وتمحيص الأثر القانوني والدلالي للمستند الرسمي الصادر عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل، والوارد في الملف رقم 134 لسنة 2026، رغم أن هذا المستند قد تناول على وجه التحديد ذات المسألة الجوهرية التي دار حولها الاتهام، وهي تحديد نطاق التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، ومدى امتداد السلطة المستمدة منه إلى التوقيع على عقد تعديل الشركة والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
فالثابت بالأوراق أن المتهم الأول قد تمسك بسند وكالة رسمي سابق على التصرف محل الاتهام، وأن دفاعه لم يقم على مجرد القول بوجود وكالة في صورتها المجردة، وإنما انصب على أن هذه الوكالة كانت قائمة ونافذة وقت مباشرة التصرف، وأن نطاقها يشمل التوقيع نيابة عن صاحبة الشأن على عقود تعديل الشركات، وهو ما يتصل اتصالاً مباشراً بالركن المادي للجريمة؛ إذ إن القول بوقوع التزوير في الحالة محل الاتهام يفترض ابتداءً إثبات أن المتهم الأول قد باشر التوقيع بغير سند من السلطة أو على خلاف حقيقة صفته أو حدودها، وهو ما ينازع فيه الدفاع ويتمسك بثبوت عكسه.
ولم يقف الدليل عند حدود نص التوكيل ذاته، وإنما قدم الدفاع للمحكمة مستنداً رسمياً صادراً عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل، انتهى – بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة «يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء بتقليل أو زيادة حصة الشركاء كما هو ثابت بالوكالة التي تمت بناءً على رغبة الموكل»، مع إثبات أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة المذكورة.
وهذه النتيجة تمس جوهر الاتهام ذاته، ولا تتعلق بتفصيل ثانوي أو واقعة هامشية، إذ إن تحديد نطاق الوكالة هو المقدمة المنطقية اللازمة لتحديد ما إذا كان توقيع المتهم الأول قد صدر في حدود سلطة تمثيلية قائمة أم صدر بغير سند، ومن ثم لتحديد ما إذا كان ثمة فعل مادي يمكن وصفه بأنه تغيير للحقيقة في المحرر محل الاتهام.
فإذا كانت الجهة المختصة بأعمال التوثيق قد انتهت، بعد فحص سند الوكالة، إلى أن نطاقها يمتد إلى عقود تعديل الشركات وإلى الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن هذا المستند يمثل دليلاً جوهرياً كان يتعين على المحكمة أن تعرض له وتقول كلمتها فيه، وأن تبين مدى أخذه في تكوين عقيدتها، ولا سيما أن مضمونه يتصل اتصالاً مباشراً بالأساس الذي أقيم عليه الاتهام.
ولا يُفهم من تمسك المتهم الأول بهذا المستند أن رأي الإدارة العامة للتوثيق يحل محل سلطة المحكمة في تقدير المسؤولية الجنائية أو يلزمها حتماً بنتيجة معينة، وإنما مؤدى الدفاع أن هذا المستند الرسمي، بما يحمله من دلالة فنية وإدارية صادرة عن الجهة المختصة بالتوثيق وبعد فحص سند الوكالة، لا يجوز تجاهله أو المرور عليه دون بحث متى كان من شأنه – لو صح ما ورد به – أن يغير وجه الرأي في الدعوى.
ذلك أن الدفاع الجوهري الذي يترتب عليه – لو صح – تغيير وجه الرأي في الدعوى، يتعين على المحكمة أن تعرض له وتقول كلمتها فيه بأسباب سائغة، وإلا كان حكمها قاصراً عن بلوغ حد التسبيب الذي يمكن معه الوقوف على أنها أحاطت بعناصر الدعوى وأدلتها ودفاع المتهم فيها إحاطة كاملة.
والحال أن الحكم المعارض فيه – بحسب ما ينعاه الدفاع – قد اتخذ من القول بانتفاء سلطة المتهم الأول أو تجاوزه لنطاق الوكالة أساساً للاستدلال على وقوع التزوير، دون أن يستظهر الأثر الذي يمكن أن يترتب على المستند الرسمي الصادر عن الإدارة العامة للتوثيق، ودون أن يبين سبب طرح دلالته أو عدم التعويل عليه، ودون أن يواجه ما انتهى إليه من أن الوكالة تبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
وهذا الإغفال لا يمكن اعتباره مجرد قصور في مناقشة دليل فرعي، لأن المستند المذكور يتعلق تحديداً بالحلقة التي تصل بين التوقيع وبين التجريم؛ فإذا ثبتت سلطة المتهم الأول في التوقيع، أو قامت على الأقل أدلة رسمية جدية تؤيد قيامها وامتدادها إلى التصرف محل الاتهام، فإن ذلك ينعكس بصورة مباشرة على التصوير الجنائي للواقعة، وعلى مدى إمكانية القول بأن التوقيع قد صدر بغير صفة أو انطوى على انتحال أو تغيير للحقيقة.
كما أن الحكم لا يستطيع أن يستخلص انعدام سلطة المتهم الأول من مجرد أقوال أو استنتاجات لاحقة دون أن يواجه في الوقت ذاته سند الوكالة الرسمي وما صدر عن الجهة المختصة بالتوثيق بشأن نطاقه؛ إذ إن المسألة لا تتعلق بتعارض دليلين على واقعة هامشية، وإنما تتعلق بتحديد مصدر السلطة التي استند إليها المتهم الأول عند مباشرة الفعل محل الاتهام.
ويزداد أثر هذا المستند جوهرية بالنظر إلى أن إلغاء التوكيل لم يقع – بحسب الثابت بالمستند الرسمي – إلا بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة. ومن ثم فإن الحكم، إذا أراد الاستناد إلى واقعة الإلغاء في إثبات انتفاء السلطة، كان يتعين عليه أن يحدد أثرها الزمني، وأن يبين كيف يمكن لواقعة لاحقة على التوقيع أن تنشئ بذاتها دليلاً على انتفاء السلطة وقت مباشرة التصرف، مع وجود سند رسمي كان قائماً في ذلك التاريخ.
كما كان يتعين على الحكم أن يبين – إن كان قد طرح ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق – الأساس الذي استند إليه في ذلك، وأن يكشف عن أسباب سائغة ومحددة تبرر رفض الدلالة المستمدة من المستند الرسمي، لا أن يطرحه ضمناً أو يسكت عنه، ولا سيما أن الدفاع قد تمسك به باعتباره من الأدلة الجوهرية على انتفاء الركن المادي لجريمة التزوير.
ولا يغني عن ذلك ما قد يكون الحكم قد أورده من عبارات عامة عن عدم اقتناعه بدفاع المتهم الأول أو عن ثبوت الاتهام من أقوال الشهود؛ إذ إن الرد العام لا يواجه دليلاً محدداً من شأنه – لو صح – أن يغير وجه الرأي في الدعوى، ولا يكشف عن أن المحكمة قد فحصت هذا الدليل ووازنت أثره ثم انتهت إلى طرحه لأسباب معلومة.
ولا سيما أن أقوال الشهود – أياً كانت صفتهم – لا تغني المحكمة عن بحث المستند الرسمي ذاته متى كان موضوع الشهادة يدور حول تفسير نطاق الوكالة أو نفي السلطة المستمدة منها. فالأصل أن تحديد مضمون السند المكتوب يبدأ من ذات المحرر، وأن ما يثار حوله من أقوال أو تفسيرات يجب أن يخضع لتقدير المحكمة في ضوء المستند ذاته وسائر الأدلة القائمة بالأوراق.
ومن ثم، فإن إغفال الحكم بحث هذا المستند لا يمثل مجرد عدم إيراد لوسيلة من وسائل الدفاع، وإنما يمثل إغفالاً لدليل جوهري متصل اتصالاً مباشراً بأحد الأسس التي أقيم عليها الاتهام، بما يحجب عن محكمة الموضوع حقيقة ما إذا كانت قد واجهت هذا الدليل ووازنته أم أنها لم تتنبه إلى دلالته أصلاً.
كما أن هذا الإغفال قد أخل بحق المتهم الأول في الدفاع، لأن حق الدفاع لا يقتصر على مجرد السماح للمتهم بتقديم مستنداته أو إبداء أقواله، وإنما يمتد إلى إلزام المحكمة بتمحيص الدفاع الجوهري الذي من شأنه – إذا صح – أن يغير وجه الرأي في الدعوى، والرد عليه رداً سائغاً يكشف عن عناصر الاقتناع التي بنت عليها قضاءها.
وإذ كان المستند الرسمي الصادر عن الإدارة العامة للتوثيق قد خلص إلى نتيجة تمس بصورة مباشرة نطاق الوكالة وسلطة المتهم الأول في التوقيع، وكان هذا النطاق هو أحد الأسس التي يدور حولها الاتهام، فإن عدم تعرض الحكم لمضمونه وأثره في الدعوى، وعدم بيان موقفه منه، وعدم الكشف عن سبب طرحه إن كان قد طرحه، يجعل أسباب الحكم قاصرة عن حمل النتيجة التي انتهى إليها.
ولا سيما أن القضاء بالإدانة في جريمة التزوير يقتضي استظهار الفعل المادي المكون للجريمة استظهاراً يقينياً، ولا يكفي في ذلك مجرد القول بانعدام السلطة أو تجاوزها دون تحديد مصدر هذا القول ودليله، ودون مواجهة المستندات التي تثبت قيام السلطة أو تؤيد امتدادها إلى التصرف محل الاتهام.
فإذا كان الحكم قد افترض انتفاء سلطة المتهم الأول ثم بنى على هذا الافتراض وقوع التزوير، في حين أن الأوراق تتضمن توكيلاً رسمياً قائماً وقت التصرف، ومذكرة رسمية لاحقة من الإدارة العامة للتوثيق تؤيد امتداد هذا التوكيل إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن السكوت عن هذه الدلالة الجوهرية يعيب الحكم بالقصور في التسبيب، ويفسد استدلاله، إذ لا يستقيم استخلاص النتيجة الجنائية مع إغفال الدليل الذي ينقض إحدى مقدماتها الأساسية.
ومن ثم، فإن المتهم الأول يتمسك بأن المستند الرسمي المشار إليه كان من شأنه – لو فُحص وتمحيصه والرد على دلالته – أن يغير وجه الرأي في الدعوى، وأن إغفال الحكم لهذا الدفاع الجوهري قد حال دون التحقق من حقيقة نطاق الوكالة، وأدى إلى بناء الإدانة على تصور غير مكتمل لعناصر الواقعة، بما يوجب طرح الحكم المعارض فيه والقضاء ببراءة المتهم الأول مما أسند إليه، تأسيساً على القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع والفساد في الاستدلال، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم اعتبار هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
.
الدفع الرابع والسبعون: عدم كفاية مجرد عبارة «اطمئنان المحكمة إلى أقوال الشهود» رداً على دفاع قانوني جوهري يتعلق بمدى صلاحية الشهادة أصلاً لإثبات ما يخالف الثابت بمحرر رسمي
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، إذ واجه الدفاع الجوهري المتعلق بمدى صلاحية الأقوال الشفهية التي عوّل عليها لإهدار الدلالة المستمدة من التوكيل الرسمي محل الاتهام، بمجرد القول باطمئنان المحكمة إلى أقوال الشهود، دون أن يستظهر الأساس القانوني الذي يجي لها أن تجعل من هذه الأقوال دليلاً على إنشاء قيد أو تحديد نطاق للوكالة يخالف أو يجاوز ما هو ثابت بالمحرر الرسمي، ودون أن يبين طبيعة المعلومات التي أدلى بها كل شاهد ومصدر علمه ومدى اتصالها المباشر بالواقعة محل الاتهام.
ذلك أن الدفاع لم يكن ينكر – على إطلاقه – سلطة المحكمة الجنائية في تقدير أقوال الشهود أو الأخذ بها، ولم يتمسك بقاعدة مؤداها أن الشهادة غير جائزة في المواد الجنائية بصفة مطلقة، وإنما تمسك بمسألة أكثر تحديداً وجوهرية، مؤداها أن الدليل القولي لا تكون له قيمة مطلقة لمجرد اطمئنان المحكمة إليه، وأنه يتعين أولاً تحديد ما الذي تثبته الشهادة تحديداً، وما مصدر علم الشاهد به، وما إذا كان يتحدث عن واقعة مادية أدركها بنفسه، أم عن تفسير لمحرر رسمي، أم عن استنتاج شخصي لنطاق وكالة ثابتة بالكتابة.
وهذا التمييز جوهري في الدعوى الماثلة؛ ذلك أن التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة هو المحرر الذي يستمد منه المتهم الأول صفته وسلطته في مباشرة التصرف، ومن ثم فإن تحديد نطاق هذه السلطة ينبغي أن يبدأ من نص سند الوكالة ذاته، وما ورد فيه من عبارات صريحة بشأن القيام نيابة عن الموكل بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، ثم بحث مدى انطباق تلك العبارات على التصرف محل الاتهام.
فإذا كان الشاهد لم يشترك في تحرير الوكالة أو توثيقها، ولم يحضر واقعة صدورها، ولم يكن طرفاً فيها، ثم أدلى برأيه في أن الوكالة لا تشمل التوقيع على التعديل محل الاتهام، فإن أقواله – في هذا الجانب – لا تكون شهادة على واقعة مادية أدركها بحواسه، وإنما تكون تفسيراً لمحرر رسمي أو استنتاجاً منه. ولا يكفي عندئذ أن تقول المحكمة إنها اطمأنت إلى أقواله، بل يتعين عليها أن تبين لماذا جعلت تفسير الشاهد لمضمون المحرر مقدماً على مدلول المحرر ذاته، وما مصدر علمه الذي يؤهله لإثبات واقعة لم يشهد إنشاءها أو صدورها.
ولا سيما أن المسألة التي عوّل الحكم على الشهادة فيها ليست واقعة عارضة، وإنما هي من صميم الأساس الذي أقيم عليه الاتهام؛ إذ إن القول بانتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع هو الذي يراد منه الانتقال إلى القول بأن مباشرته للتوقيع قد مثلت تغييراً للحقيقة. فإذا انهارت هذه المقدمة أو لم يثبتها الحكم بدليل سائغ ومستقل، تعذر اتخاذها أساساً لإثبات الركن المادي لجريمة التزوير.
ومن ثم، فإن عبارة «اطمئنان المحكمة إلى أقوال الشهود» لا تواجه الدفاع في حقيقته، لأنها تجيب عن سؤال مختلف هو: هل أخذت المحكمة بأقوال الشهود أم لم تأخذ بها؟ بينما السؤال الذي طرحه الدفاع هو: هل ما شهد به هؤلاء الشهود، في حدود مصدر علمهم وطبيعة معلوماتهم، يصلح قانوناً ودلالةً لإثبات الواقعة التي اتخذها الحكم أساساً لإدانة المتهم الأول، وبالأخص إثبات أن سلطته المستمدة من التوكيل الرسمي لم تكن تمتد إلى التصرف محل الاتهام؟
وكان يتعين على الحكم – وقد طرح عليه هذا الدفاع – أن يبين مضمون أقوال كل شاهد على نحو يسمح بالوقوف على الواقعة التي أدركها بنفسه، وأن يحدد ما إذا كان الشاهد قد حضر واقعة التوقيع، أو واقعة إصدار الوكالة، أو واقعة تقديمها، أو إجراءات تعديل عقد الشركة، أم أنه لم يفعل سوى الاطلاع اللاحق على المستندات والملفات، ثم استخلاص رأي شخصي بشأن مدى سلطة المتهم الأول.
كما كان يتعين عليه أن يبين ما إذا كانت أقوال الشهود تتعلق بوقائع مادية مستقلة عن المحرر الرسمي، أم أنها تستهدف تفسير مضمون التوكيل أو إضافة قيد إلى نطاقه أو نفي سلطة لم يتضمن سند الوكالة نفياً لها. فالشهادة التي تثبت واقعة شاهدها الموظف بنفسه تختلف في قيمتها وطبيعتها عن شهادة تتضمن مجرد تفسير لمستند رسمي لم يحرره الشاهد ولم يشترك في توثيقه.
ويزداد قصور الحكم وضوحاً إذا كان قد اتخذ من أقوال هؤلاء الشهود سنداً لإهدار الدلالة المستمدة من التوكيل الرسمي، دون أن يواجه ما قدمه الدفاع من دليل رسمي مؤيد لنطاق الوكالة، وبالأخص ما انتهت إليه مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء.
فهذا المستند الرسمي لا يحول دون تقدير المحكمة للأدلة، ولا يلزمها حتماً بنتيجة معينة، لكنه يجعل من واجبها – متى أريد طرح دلالته – أن تناقشه وأن تبين سبب عدم الأخذ به، ولا يكفي في ذلك مجرد ترديد أن المحكمة اطمأنت إلى أقوال الشهود، لأن الاطمئنان لا يشكل في ذاته تعليلاً لطرح دليل جوهري، ولا يبين وجه الترجيح بين دليل وآخر، ولا يكشف عن الأساس الذي أقيم عليه هذا الترجيح.
ولا يغير من ذلك ما للمحكمة الجنائية من حرية في تكوين عقيدتها من الأدلة المطروحة عليها، إذ إن هذه الحرية لا تعني إطلاقاً أن يكون تقدير الدليل بمنأى عن التسبيب، ولا أن تستبدل المحكمة ببيان مصدر الدليل ومؤداه عبارة عامة عن الاطمئنان إليه، ولا أن تجعل من الشهادة – أياً كان مصدرها – وسيلة تلقائية لإهدار كل ما يخالفها من مستندات دون بيان وجه الدلالة ومناط الترجيح.
وإذا كان القانون لا يمنع المحكمة الجنائية، من حيث الأصل، من الاستدلال بالشهادة وسائر عناصر الإثبات الجنائي لإثبات الوقائع محل الاتهام، فإن ذلك لا يعفيها من تحديد الواقعة التي تثبتها الشهادة فعلاً، ولا يجعل كل ما يقوله الشاهد حقيقة قضائية بمجرد صدوره منه، ولا يسوغ تحويل أقواله إلى دليل على مسائل لم يدركها مباشرة أو إلى تفسير قانوني لمحرر رسمي لم يحرره.
ومن ثم فإن الدفاع الماثل لا يقوم على قاعدة جامدة مؤداها عدم جواز الاستدلال بالشهادة في مواجهة محرر رسمي، وإنما يقوم على ضرورة التحقق من حدود الوظيفة الإثباتية للشهادة في الواقعة محل الاتهام، والتمييز بين الشهادة على واقعة مادية وبين الرأي في تفسير سند الوكالة أو تحديد نطاقه. فإذا كانت أقوال الشهود لا تتجاوز النوع الثاني، فإن مجرد اطمئنان المحكمة إليها لا يكفي لحمل النتيجة التي رتبتها عليها، ما لم تبين المحكمة الأساس الذي يبرر اعتبار ذلك التفسير دليلاً على انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع.
والأخطر من ذلك أن الحكم، إذا جعل من أقوال الشهود أساساً للقول بأن المتهم الأول قد وقع بغير سلطة، ثم بنى على ذلك أن توقيعه يمثل تغييراً للحقيقة، يكون قد أقام الركن المادي للجريمة على استنتاج متفرع عن استنتاج، دون أن يستظهر الفعل المادي المحدد الذي تم به تغيير الحقيقة في المحرر، ودون أن يبين كيف تحولت المنازعة في حدود الوكالة إلى فعل من أفعال التزوير.
ومن ثم، فإن مجرد القول باطمئنان المحكمة إلى أقوال الشهود لا يعد رداً على هذا الدفاع، وإنما هو مصادرة على المطلوب إثباته؛ لأن مناط الدفاع هو صلاحية هذه الأقوال ذاتها لإثبات النتيجة التي انتهى إليها الحكم، لا مجرد وجودها أو اطمئنان المحكمة إليها.
وإذ كان هذا الدفاع قد اتصل اتصالاً مباشراً بأصل الدليل الذي أقيمت عليه الإدانة، وبالأساس الذي استخلص منه الحكم انتفاء سلطة المتهم الأول في التوقيع، وبالتبعية بالركن المادي لجريمة التزوير، فإنه دفاع جوهري كان يتعين على المحكمة أن تعرض له عرضاً كافياً وأن تقول كلمتها فيه بأسباب سائغة تكشف عن حقيقة الأساس الذي أقامت عليه قضاءها، أما الاكتفاء بعبارة عامة من قبيل «اطمئنان المحكمة إلى أقوال الشهود» فلا يحقق هذا الغرض ولا يكشف عن أن المحكمة قد فطنت إلى جوهر الدفاع وأعملت أثره في تقدير الدليل.
وبناءً عليه، يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد ران عليه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال، لإغفاله بحث مدى صلاحية الشهادة – في حدود مصدر علم الشهود ومضمون أقوالهم – لإثبات ما نسب إليها من دلالة في مواجهة محرر رسمي، ولعدم بيان سبب إهدار أو تجاوز الدلالة المستمدة من التوكيل الرسمي ومذكرة الإدارة العامة للتوثيق، بما يعيب الحكم في أساس استدلاله ويحول دون الاطمئنان إلى سلامة النتيجة التي انتهى إليها.
ومن ثم يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لعدم كفاية الدليل الذي أقيم عليه الاتهام، وللقصور في استظهار الدليل والفساد في الاستدلال، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الخامس والسبعون: التمييز بين سلطة المحكمة في وزن الأدلة وبين صلاحية الدليل قانوناً لإثبات الواقعة محل الاستدلال، وعدم امتداد حرية الاقتناع الجنائي إلى مخالفة قواعد الإثبات الواجبة التطبيق
يتمسك المتهم الأول بأن من الأصول الجوهرية في القضاء الجنائي التفرقة الدقيقة بين أمرين مختلفين في الطبيعة والأثر: أولهما سلطة محكمة الموضوع في وزن الأدلة المطروحة عليها وتقدير قوتها وترجيح بعضها على بعض واستخلاص الصورة التي تطمئن إليها من جماع عناصر الدعوى، وثانيهما – وهو سابق منطقاً وقانوناً على عملية الوزن والترجيح – صلاحية الدليل ذاته لأن يكون محلاً للتعويل عليه في إثبات الواقعة المراد الاستدلال بها، من حيث مصدره وطبيعته ومشروعية الحصول عليه ومدى اتصاله بالواقعة وحدود دلالته القانونية.
ذلك أن حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته لا تعني أن كل ما يطرح في الدعوى يصلح قانوناً لأن يكون دليلاً على كل واقعة، ولا تعني أن المحكمة تستطيع أن تستخلص من الدليل نتيجة لا يحتملها، أو أن تجعل من قول لا يتصل مباشرة بالواقعة دليلاً عليها، أو أن تمنح الدليل وظيفة إثباتية لم يخولها له القانون، أو أن تتجاوز القواعد القانونية الآمرة التي تحدد شروط قبول الدليل أو نطاق حجيته أو مشروعية الحصول عليه.
فثمة فارق جوهري بين وزن الدليل وبين صلاحية الدليل؛ فوزن الدليل يفترض ابتداءً أن الدليل صالح قانوناً لأن يدخل في عملية الاستدلال، أما إذا كان الدليل ذاته لا يصلح لإثبات الواقعة محل الاستدلال، أو كانت دلالته لا تتجاوز مجرد الظن أو الاستنتاج، أو كان مستنداً إلى مصدر غير مباشر لا يبين الحكم كيفية اتصاله بالواقعة، أو كان استعماله على النحو الذي اتبعه الحكم مصادماً لقاعدة قانونية واجبة التطبيق، فإن المسألة لا تعود مجرد منازعة في وزن الدليل، وإنما تتعلق بمشروعية الاستدلال وسلامة الأساس الذي أقيم عليه الحكم.
وتطبيقاً لذلك على الدعوى الماثلة، فإن القول بأن للمحكمة سلطة تقدير أقوال الشهود لا يعفيها من تحديد الواقعة التي أدركها كل شاهد إدراكاً شخصياً، ومصدر علمه بها، ومدى اتصال شهادته المباشر بها، وما إذا كان ما أدلى به شهادة على واقعة مادية عاينها بنفسه، أم مجرد نقل لما ورد في أوراق أو ملفات، أم تفسير لمحرر رسمي، أم استنتاج شخصي لنطاق وكالة أو لمراد صاحب الشأن.
فإذا كان الحكم قد عوّل على أقوال موظفين عموميين لإثبات أن المتهم الأول لم تكن له سلطة في التوقيع، فإن مجرد إطلاق القول بأن المحكمة اطمأنت إلى شهادتهم لا يحسم المسألة؛ إذ كان يتعين أولاً التحقق من طبيعة المعلومات التي أدلوا بها، ومصدرها، ومدى اتصالهم المباشر بالواقعة، وما إذا كانوا قد حضروا واقعة إنشاء الوكالة أو تحريرها أو التصرف محل الاتهام، أم أنهم لم يتصلوا بها إلا لاحقاً من خلال ملفات ومستندات أو أقوال الغير.
ذلك أن الموظف الذي يقرر واقعة شاهدها بنفسه يختلف مركزه الإثباتي عن موظف لم يشهد الواقعة وإنما اطلع لاحقاً على ملفها ثم استخلص منه رأياً في مدى سلطة الوكيل أو في حقيقة إرادة الموكل. والأخير لا يجوز أن تتحول ملاحظته أو تفسيره الشخصي إلى بديل عن المحرر ذاته، ولا أن تُمنح أقواله حجية تتجاوز مصدرها الأصلي.
كما أن حرية الاقتناع الجنائي لا تعني إطلاق سلطة المحكمة في مخالفة القواعد القانونية التي تحكم الدليل متى كانت تلك القواعد واجبة التطبيق. فالقاضي الجنائي يملك تقدير الدليل المشروع، لكنه لا يملك أن يجعل من دليل غير صالح قانوناً دليلاً صالحاً بمجرد الاطمئنان إليه، ولا أن يهدر قاعدة قانونية آمرة بمجرد أن وجد في الدليل ما يستحسنه أو يراه مؤيداً لوجهة نظر الاتهام.
ومن ثم، فإن الدفع بعدم صلاحية دليل معين لإثبات واقعة محددة لا يُجاب عليه بمجرد القول بأن المحكمة حرة في تكوين عقيدتها، لأن حرية الاقتناع تأتي في مرحلة لاحقة على تحديد ما يجوز قانوناً أن يكون محلاً للاقتناع، وما إذا كان الدليل قد استوفى شروطه القانونية وأمكن إسناد الواقعة إليه على نحو سائغ.
ويظهر ذلك بجلاء في الواقعة محل الاتهام؛ إذ إن السؤال المتعلق بنطاق التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة لا يجوز اختزاله في مجرد رأي شخصي لشاهد حول ما إذا كان الوكيل يملك سلطة تعديل حصص الشركاء، وإنما يتعين أن يقرأ سند الوكالة ذاته في ضوء عباراته وحدوده وسائر المحررات الرسمية المتصلة به، مع تقدير ما إذا كانت الأقوال التي أخذ بها الحكم تتضمن واقعة مادية مستقلة أم مجرد تفسير أو استنتاج.
ولا يغير من ذلك أن المحكمة الجنائية غير مقيدة – في الأصل – بطرق الإثبات المقررة في المواد المدنية عند فصلها في الواقعة الجنائية، إذ إن هذا الأصل لا يعني إهدار كل قاعدة قانونية للإثبات، ولا يبيح الاستناد إلى دليل غير مشروع أو غير صالح بطبيعته لإثبات الواقعة، ولا يبرر مخالفة القواعد الخاصة التي رسمها القانون بشأن بعض أنواع الأدلة أو المعلومات أو الإجراءات.
وعلى وجه الخصوص، فإن التفرقة تكون لازمة بين القاعدة التي تمنح المحكمة حرية تقدير الدليل، وبين القاعدة التي تحدد نطاق حجية محرر رسمي أو شروط إفشاء معلومات وصلت إلى الموظف بسبب وظيفته أو الضوابط التي تحكم الدليل المستمد من مصدر معين. فالأولى تتعلق بوزن الدليل بعد صلاحيته، أما الثانية فتتعلق بأصل مشروعية الاستدلال ومداه، ولا يجوز الخلط بينهما.
كما لا يجوز أن تتحول سلطة المحكمة في تقدير الأدلة إلى وسيلة لإهدار دليل رسمي قائم بالأوراق دون بيان سبب سائغ، ثم إحلال أقوال أو استنتاجات لا تستمد قوتها إلا من تفسير أصحابها محل الدلالة المستمدة من المحرر ذاته. فإذا كان التوكيل الرسمي هو مصدر السلطة التمثيلية، فإن القول بأن نطاقه لا يشمل التصرف محل الاتهام يجب أن يقوم على أساس موضوعي ظاهر من الأوراق، لا على مجرد انطباع شخصي لشاهد لم يحرر التوكيل ولم يشارك في إنشائه، ولا على استنتاج لاحق لا يكشف الحكم عن مصدره.
ويزداد الأمر وضوحاً مع ثبوت صدور مذكرة رسمية عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، انتهت – بحسب الثابت بالأوراق – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة لا تكتسب قوتها من كونها رأياً واجب الاتباع قضائياً، وإنما من كونها مستنداً رسمياً مستقلاً يتصل مباشرة بالمسألة التي جعلها الحكم أساساً لاستنتاج انعدام سلطة المتهم الأول. ومن ثم، فإذا اختار الحكم الأخذ بأقوال تخالف دلالتها، كان لزاماً عليه أن يبين وجه طرح هذا المستند وأسباب عدم الأخذ بدلالته، لا أن يكتفي بعبارة عامة مؤداها أنه اطمأن إلى أقوال الشهود؛ لأن الاطمئنان إلى دليل لا يغني عن مواجهة دليل جوهري مناقض له.
ولا يصح كذلك أن يُقال إن هذه المنازعة لا تعدو أن تكون جدلاً موضوعياً في تقدير الدليل، متى كان وجه الدفاع منصباً على صلاحية الدليل ذاته لإثبات الواقعة، لا على مقدار القوة التي ينبغي أن تمنحها المحكمة له. فمتى كان الدليل لا يتصل مباشرة بالواقعة، أو كان لا يثبت إلا رأياً أو استنتاجاً، أو كان استعماله على النحو الذي جرى عليه الحكم يخالف قاعدة قانونية واجبة التطبيق، فإن المنازعة تنصرف إلى سلامة الاستدلال ذاته وإلى الأساس القانوني للإدانة.
والأصل أن كل واقعة يراد ترتيب أثر جنائي عليها يجب أن يكون لها سند إثبات صالح، وأن تكون النتيجة التي انتهت إليها المحكمة مستمدة من هذا السند بطريق منطقي سائغ. فلا يجوز الانتقال من واقعة ثابتة – كوجود تعديل في حصص الشركاء – إلى نتيجة أخرى مختلفة – كوقوع تزوير – دون إثبات الحلقة الوسطى التي تربط بينهما، أي فعل تغيير الحقيقة ذاته، وطريق ارتكابه، ونسبته إلى المتهم الأول.
ومن ثم، فإن ثبوت أن عقد التعديل قد ترتب عليه تغيير في حصص الشركاء لا يثبت بذاته أن المحرر مزور، كما أن ثبوت وجود منازعة في مدى موافقة صاحبة الشأن على التصرف لا يثبت بذاته أن المتهم الأول غيّر الحقيقة، كما أن قول شاهد إن الوكالة لا تشمل التصرف لا يكفي بذاته لإثبات ذلك إذا كان مصدر قوله مجرد تفسير لاحق للمحرر ولم يبين الحكم أساسه، ولا سيما في مواجهة ما هو ثابت بسند الوكالة وما انتهت إليه الجهة المختصة بالتوثيق.
وإذا كان الحكم قد جمع بين هذه العناصر ثم انتقل منها مباشرة إلى إدانة المتهم الأول بالتزوير، دون أن يبين الواقعة المادية التي تشكل تغيير الحقيقة، ودون أن يستظهر صلاحية كل دليل لإثبات العنصر الذي عوّل عليه فيه، فإنه يكون قد خلط بين وجود الدليل وبين صلاحية الدليل، وبين حرية تقدير الدليل وبين حرية إنشاء الدليل، وهي أمور تختلف قانوناً ولا يجوز دمجها في عبارة عامة عن اقتناع المحكمة.
ومن ثم، فإن سلطة المحكمة في تكوين عقيدتها، وإن كانت أصلاً مقرراً في المجال الجنائي، تظل مقيدة بحدود المنطق والقانون وبأن يكون استخلاصها سائغاً ومستنداً إلى أدلة صالحة لإثبات ما رتبه الحكم عليها. ولا تمتد هذه السلطة إلى مخالفة قاعدة قانونية واجبة التطبيق، أو إهدار القيمة القانونية لدليل رسمي دون سبب سائغ، أو اتخاذ قول لا يجاوز الرأي أو الاستنتاج دليلاً حاسماً على واقعة مادية لم يدركها قائله، أو استخلاص جريمة التزوير من مجرد النتيجة المدنية أو الاقتصادية للتصرف.
ولما كان الحكم المعارض فيه قد أقام جانباً من قضاءه على أقوال لم يستظهر مصدرها ومدى مباشرتها للواقعة، ولم يميز بين ما أدركه الشاهد بحواسه وبين ما استخلصه أو فسره من مستندات، ولم يبين – في الحدود التي تكون فيها المعلومات مستمدة من الوظيفة – مدى مشروعية إفشائها، كما لم يواجه على نحو كافٍ المحررات الرسمية الدالة على قيام الوكالة ونطاقها، فإن التعويل على تلك الأقوال لا يكون مجرد اختيار لدليل على آخر، وإنما يكون قد جاوز حدود الوزن المشروع للأدلة إلى إسناد واقعة جنائية إلى دليل لم يستظهر الحكم صلاحيته القانونية لإثباتها.
ومن ثم، يكون الحكم قد شابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال، بما يعيبه ويستوجب القضاء ببراءة المتهم الأول متى لم يبق بعد استبعاد ما لا يصلح قانوناً للتعويل عليه دليل يقيني مستقل يثبت في حقه فعل تغيير الحقيقة وأركان جريمة التزوير.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على عدم صلاحية الأدلة التي عوّل عليها الحكم لإثبات الواقعة محل الاتهام في حدود دلالتها القانونية، وعدم جواز التوسع في حرية الاقتناع الجنائي بما يؤدي إلى مخالفة قواعد الإثبات الواجبة التطبيق أو إنشاء الدليل من مجرد الاستنتاج، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع السادس والسبعون: عدم جواز استعمال شهادة الشهود لإنشاء مضمون جديد للتوكيل أو إعادة صياغة إرادة الموكل على خلاف ما أثبته السند الرسمي المنشئ للنيابة
يتمسك المتهم الأول بعدم جواز التعويل على أقوال الشهود في إنشاء مضمون جديد لسند الوكالة، أو استحداث قيود أو استثناءات لم يتضمنها التوكيل الرسمي، أو إعادة صياغة إرادة الموكل على نحو مغاير لما أثبته السند المنشئ للنيابة، ذلك أن نطاق السلطة التي استمدها المتهم الأول في مباشرة التصرف محل الاتهام يتحدد – في الأصل – من مدلول سند الوكالة ذاته، باعتباره المحرر الذي أنشأ العلاقة التمثيلية وحدد نطاقها وحدودها، وليس من التفسيرات اللاحقة التي قد يبديها أشخاص لم يكونوا أطرافاً في إنشاء السند أو شهوداً على إرادة الموكل عند إصداره.
والثابت بالأوراق أن مصدر سلطة المتهم الأول لم يكن قولاً شفهياً أو تفويضاً مجرداً يمكن استكمال مضمونه بشهادة من خارج المحرر، وإنما كان توكيلاً رسمياً محدداً، هو التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وقد تضمن تخويل المتهم الأول القيام نيابة عن الموكل في المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، ومنحه الحق في التوقيع نيابة عنه على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، وهو ما يتعين أن يكون نقطة الانطلاق في تحديد نطاق النيابة وسلطة الوكيل.
ومن ثم، فإن الشهادة – أياً كان مصدرها – لا يجوز أن تتحول من وسيلة لإثبات واقعة مادية أدركها الشاهد إدراكاً مباشراً إلى وسيلة لإنشاء قيد لم يرد في سند الوكالة، كأن يقال إن الموكل كان يقصد السماح للوكيل بالتوقيع على بعض أنواع التعديلات دون غيرها، أو أن عبارة «تعديل الشركات» كانت مقصورة على تعديلات محددة لم يذكرها المحرر، أو أن الموكل لم يكن يقصد أن تمتد الوكالة إلى تعديل حصص الشركاء، ما لم يكن ثمة سند قانوني معتبر يبرر هذا التحديد وكان له أساس ثابت في الأوراق.
ذلك أن الفارق جوهري بين تفسير عبارة واردة في المحرر في ضوء قواعد التفسير القانونية، وبين إضافة عبارة غير موجودة أصلاً إلى المحرر عن طريق شهادة لاحقة. فالتفسير يستخرج مدلول العبارة من ذات السند وملابساته القانونية المعتبرة، أما إنشاء قيد جديد فيضيف إلى إرادة الموكل ما لم يثبته في سند الوكالة، وهو أمر لا يجوز أن يُستخلص لمجرد أن شاهداً قرر – بعد نشوء النزاع – أن إرادة الموكل كانت أضيق من العبارات التي أثبتها في التوكيل الرسمي.
ويزداد الأمر وضوحاً في الدعوى الماثلة، إذ إن الاتهام يتأسس – في أحد أهم عناصره – على القول بأن المتهم الأول لم تكن له سلطة في مباشرة التعديل محل الاتهام. فإذا كان هذا القول مستنداً إلى شهادات أشخاص لم يشهدوا واقعة إنشاء الوكالة أو صدورها، ولم يكونوا طرفاً في تحديد نطاقها، فإن أقوالهم لا تصلح – بمجردها – لإنشاء إرادة مختلفة عن الإرادة الثابتة في المحرر، ولا لإضافة استثناء غير مدون في التوكيل، ولا لتحويل التفسير الشخصي لمضمونه إلى حقيقة ثابتة تحمل المتهم الأول مسؤولية جنائية.
ولا يغير من ذلك أن تكون الشهادة قد صدرت من موظف عام أو من شخص له صلة بالجهة التي تعاملت مع المحرر؛ إذ العبرة ليست بصفة الشاهد وإنما بمصدر علمه. فإذا كان علمه بمضمون إرادة الموكل مستمداً من قراءة التوكيل ذاته، فإن المصدر الأصلي لهذه المعرفة هو التوكيل، وليس الشهادة. أما إذا كان يستند إلى أقوال سمعها من الغير أو إلى تصور شخصي لنطاق الوكالة، فإن أقواله في هذا الجزء لا تعدو أن تكون رأياً أو استنتاجاً لا يجوز أن يحل محل المحرر المنشئ للنيابة.
ولا سيما أن تحديد ما إذا كان التوكيل يشمل التوقيع على تعديل عقد الشركة وتقليل أو زيادة حصة أحد الشركاء هو في حقيقته بحث في مدلول سند الوكالة ونطاق السلطة التي أنشأها، وليس واقعة حسية يمكن لشاهد لم يحضر إصدار الوكالة أن يستبدل فيها نص المحرر برأيه الشخصي.
وقد تعزز مدلول سند الوكالة في الواقعة محل الاتهام بما انتهت إليه مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي خلصت – بحسب الثابت بها – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة لا تُنشئ بدورها سلطة جديدة للمتهم الأول، وإنما تؤكد أن البحث في نطاق الوكالة يجب أن ينصرف إلى السند ذاته وما يستفاد منه قانوناً، لا إلى إرادة مفترضة يتم تركيبها من أقوال لاحقة. فإذا أراد الحكم طرح الدلالة المستمدة من التوكيل ومن المذكرة الرسمية المشار إليها، وجب عليه أن يبين أساساً سائغاً لهذا الطرح، وأن يحدد النص أو القيد الذي يستند إليه في القول بأن سلطة المتهم الأول كانت مقصورة على غير التصرف محل الاتهام.
ولا يجوز في المقابل أن يستعاض عن هذا البيان بإطلاق القول بأن «الشهود قرروا أن الموكل لم يفوض المتهم في إجراء التعديل»، دون استظهار مصدر علمهم بهذه الإرادة، ودون بيان ما إذا كانوا قد حضروا واقعة إصدار التوكيل أو عاصروا التعبير عن إرادة الموكل أو كانت لهم معرفة شخصية مباشرة بالحدود التي أرادها عند إنشاء النيابة. فمجرد علم الشاهد بالواقعة من خلال عمله أو اطلاعه اللاحق على الأوراق لا يمنحه سلطة إعادة كتابة سند الوكالة أو إضافة قيد إليه.
كما أن القول بأن الموكل لم يكن يقصد إجراء معيناً لا يكفي – بذاته – لإثبات وقوع تزوير من الوكيل، ما لم يقترن بدليل مستقل يثبت أن الوكيل غيّر حقيقة مادية في المحرر بطريق من طرق التزوير. فحتى المنازعة في مدى استعمال الوكيل لسلطته أو مدى مطابقته للمصلحة المقصودة من الموكل تظل مسألة يتعين فصلها عن السؤال الجنائي المتعلق بوقوع تغيير للحقيقة في المحرر.
ومن ثم، فإن محاولة استخدام الشهادة لإثبات أن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة التوقيع على التعديل، رغم ثبوت سند وكالة رسمي قائم وقت التصرف وثبوت أن هذا السند يتضمن سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات، إنما تؤدي عملياً إلى استبدال مضمون المحرر الرسمي بمضمون آخر مصدره أقوال لاحقة، وهو ما يفسد الاستدلال متى لم يبين الحكم الأساس القانوني الذي يسمح له بهذا الاستبدال، ومصدر علم الشهود بالإرادة الباطنة للموكل، وكيفية وصولهم إليها.
والدفاع لا يجادل في أن الشهادة قد تكون لها قيمتها في إثبات الوقائع الجنائية متى كانت منصبة على وقائع أدركها الشاهد بنفسه، ولا يجادل في سلطة المحكمة في تقدير أقوال الشهود، وإنما يتمسك بأن هذه السلطة لا تمتد إلى منح الشاهد سلطة إنشاء محرر غير المحرر القائم، أو إضافة قيد إلى التوكيل لم يرد فيه، أو إحلال تفسير شخصي لإرادة الموكل محل الإرادة التي عبر عنها في سند رسمي، ثم بناء المسؤولية الجنائية للمتهم الأول على هذا التفسير.
ومن ثم، فإن أقصى ما يمكن أن تثبته الشهادة – بحسب طبيعتها ومصدرها – هو واقعة خارجية محددة متى كان الشاهد قد أدركها إدراكاً مباشراً، أما أن تستخدم الشهادة لإنشاء مضمون جديد للتوكيل أو لتقييد عبارة «التوقيع على عقود تعديل الشركات» بقيد لم يرد في السند، أو لإثبات أن الموكل قصد شيئاً آخر غير ما أثبته في المحرر، فذلك لا يستقيم إلا بدليل قانوني مستقل ومعتبر، ولا يجوز أن يكون مجرد أقوال لاحقة أو استنتاجات شخصية.
وبتطبيق ذلك على الواقعة محل الاتهام، فإن المتهم الأول قد باشر التوقيع بصفته وكيلاً، وكان سند الوكالة قائماً وقت مباشرة التصرف، ولم يثبت أنه أخفى صفته أو انتحل شخصية الموكل، كما أن الجهة المختصة بالتوثيق انتهت في المذكرة الرسمية المشار إليها إلى امتداد سلطة الوكالة إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء. ومن ثم، فإن القول بانعدام السلطة لا يمكن أن يقوم على مجرد شهادة تعيد تفسير الوكالة أو تضيف إليها قيداً غير وارد فيها.
وإذا كان الحكم المعارض فيه قد أقام قضاءه على هذا النوع من الأقوال دون أن يحدد مصدر علم الشهود بإرادة الموكل، ودون أن يبين كيف جاز له قانوناً أن يستخلص من شهادتهم قيداً غير موجود في سند الوكالة، ودون أن يواجه الدلالة الصريحة للمحرر الرسمي والمذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق، فإن استدلاله يكون قد جاوز حدود الدليل الذي أقام عليه قضاءه، وأصبح قائماً على افتراض إرادة لم تثبت في محرر الوكالة وعلى تفسير لم يستظهر مصدره.
ولا يجوز – في المجال الجنائي – أن تكون النتيجة التي يراد الوصول إليها، وهي انتفاء سلطة المتهم الأول، هي ذاتها الأساس الذي تستخلص منه واقعة التزوير، ثم يُستعاض عن إثبات الفعل المادي لتغيير الحقيقة بمجرد القول بأن الوكالة لم تكن تشمل التصرف، دون تحديد مصدر هذا القيد ودليله المستقل.
وعليه، فإن استخدام أقوال الشهود لإنشاء مضمون جديد للتوكيل أو إعادة صياغة إرادة الموكل على خلاف ما أثبته السند الرسمي، مع إقامة الإدانة على هذا المعنى، يعيب الحكم بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال، ويهدر الدلالة الجوهرية للمحرر الرسمي الذي استمد منه المتهم الأول سلطته، ولا يصلح سنداً كافياً لإثبات الركن المادي لجريمة التزوير أو لإسناد فعل جنائي إلى المتهم الأول.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لعدم ثبوت تغيير الحقيقة في المحررات محل الاتهام، وعدم جواز إنشاء قيد أو مضمون جديد للتوكيل عن طريق الشهادة، وانتفاء الدليل اليقيني على أن المتهم الأول قد باشر التوقيع بغير سند من النيابة القائمة وقت التصرف، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع السابع والسبعون: عدم جواز اعتبار مجرد إنكار الأصيل أو اعتراضه اللاحق على التصرف دليلاً بذاته على تزوير التوقيع أو انعدام صفة الوكيل
يتمسك المتهم الأول بعدم جواز اتخاذ مجرد إنكار الأصيل للتصرف أو اعتراضه اللاحق عليه دليلاً بذاته على وقوع جريمة التزوير أو على انعدام صفة الوكيل وقت مباشرة التصرف، ذلك أن إنكار الأصيل أو عدم إقراره بالتصرف – أياً كان أثره في نطاق العلاقة المدنية بين أطرافها – لا يثبت بذاته أن التوقيع قد جرى اصطناعه أو تقليده أو انتحاله، ولا يثبت بذاته أن من وقعه كان مجرداً من السلطة التمثيلية التي استند إليها وقت مباشرة التصرف.
فثمة فارق جوهري بين إنكار التصرف أو الاعتراض على آثاره وبين إنكار واقعة التوقيع أو إثبات تزويره، كما أن ثمة فارقاً آخر بين المنازعة في حدود السلطة الممنوحة للوكيل وبين انعدام هذه السلطة أصلاً. ولا يجوز الخلط بين هذه المسائل الثلاث وإحلال إحداها محل الأخرى، إذ إن كل واحدة منها تستلزم دليلاً مستقلاً بحسب طبيعتها وأثرها القانوني.
والثابت بالأوراق أن المتهم الأول لم ينسب إلى نفسه صفة الأصيل، ولم يوقع متخفياً وراء شخصية صاحبة الشأن، وإنما باشر التوقيع معلناً صفته كوكيل عنها، مستنداً إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو سند رسمي كان قائماً وقت مباشرة التصرف محل الاتهام.
ومن ثم، فإن السؤال الجنائي لا يكون بمجرد القول بأن الأصيل أنكر لاحقاً صدور التصرف أو اعترض على مضمونه، وإنما يكون السؤال هو: هل ثبت أن المتهم الأول، رغم قيام سند الوكالة، قد ارتكب فعلاً مادياً محدداً من أفعال تغيير الحقيقة في المحرر؟ وهل ثبت أنه وقع بغير صفة أو انتحل شخصية الأصيل أو اصطنع توقيعاً منسوباً إليه؟ أم أن الثابت أنه وقع بنفسه، وبصفته وكيلاً، وعلى سند وكالة قائم وقت التصرف؟
فإذا كان الثابت أن المتهم الأول قد وقع باسمه وبصفته وكيلاً، فإن إنكار الأصيل اللاحق للتصرف لا ينقلب بذاته إلى دليل على أن توقيع الوكيل مزور، لأن توقيع الوكيل – متى صدر في حدود النيابة التي يدعيها – ليس توقيعاً منسوباً إلى الأصيل من حيث فعل الكتابة ذاته، وإنما هو تعبير قانوني يصدر من النائب باسم الأصيل وفي حدود السلطة التي يستمدها من سند النيابة.
ولا يغير من ذلك أن الأصيل قد يقرر لاحقاً أنه لم يأذن بإجراء معين، أو أنه لم يكن يرغب في النتيجة التي ترتبت عليه، أو أنه لم يوافق على مضمون التعديل؛ إذ إن هذه الأقوال – في ذاتها – لا تثبت أن التوقيع قد زُوِّر، ولا تكفي وحدها لإثبات أن الوكيل كان يعلم بانعدام سلطته أو أنه تعمد تغيير الحقيقة في محرر.
وإذا كان الاتهام قد أقيم على أساس أن المتهم الأول لم تكن له سلطة إجراء التعديل محل الدعوى، فإن هذا الأمر لا يثبت بمجرد الإنكار اللاحق، وإنما يتعين تحديد مصدر السلطة وقت التصرف، والرجوع إلى سند الوكالة ذاته للوقوف على نطاقه، ثم إثبات – بدليل مستقل – أن التصرف الذي باشره المتهم الأول كان خارجاً عن تلك السلطة خروجاً مؤثماً، وأن هذا الخروج قد اتخذ صورة من صور تغيير الحقيقة التي يعاقب عليها القانون.
والثابت أن التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة كان قائماً وقت مباشرة المتهم الأول للتصرف، وقد تضمن من السلطات ما يتعلق بالتوقيع نيابة عن الموكل على عقود تأسيس وتعديل الشركات. كما أن مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 قد انتهت، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، إلى أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد وقع بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
ومن ثم، فإن إنكار الأصيل اللاحق لا يستطيع – بمجرده – أن يهدم سند الوكالة القائم وقت التصرف، ولا أن ينشئ بأثر رجعي انعداماً للصفة لم يكن قائماً عند مباشرة العمل، ولا أن يحول التوقيع الصادر من الوكيل إلى توقيع مزور لمجرد أن الأصيل أصبح لاحقاً منازعاً في التصرف أو غير راضٍ عن آثاره.
وإذا كان ثمة خلاف حول مدى موافقة الأصيل على التصرف، أو حول مدى استعمال الوكيل للسلطة الممنوحة إليه، فإن ذلك قد يكون محلاً لمنازعة مستقلة حول آثار التصرف أو صحته أو نفاذه أو حدود النيابة، بحسب الأحوال، لكنه لا يصبح جريمة تزوير إلا إذا ثبت – فوق ذلك – أن حقيقة مادية قد جرى تغييرها في محرر بطريق من طرق التزوير، وأن هذا الفعل المادي منسوب إلى المتهم الأول على وجه يقيني.
ولا يجوز بالتالي الانتقال من واقعة «الأصيل ينكر التصرف» إلى نتيجة «التوقيع مزور» دون إقامة الحلقة المفقودة بين المقدمتين، لأن هذا الانتقال لا يعدو أن يكون استنتاجاً غير لازم؛ فقد ينكر الأصيل التصرف مع بقاء التوقيع صحيحاً وصادراً من الوكيل، وقد ينازع في حدود الوكالة دون أن يكون التوقيع ذاته مزوراً، وقد يعترض على آثار التصرف دون أن يثبت وقوع أي تغيير للحقيقة في المحرر.
كما لا يجوز اعتبار مجرد الاعتراض اللاحق على التصرف دليلاً على توافر القصد الجنائي لدى المتهم الأول؛ إذ إن العلم بأن التصرف قد تم والقيام به استناداً إلى سند وكالة قائم يختلف تماماً عن العلم بأن المتهم يرتكب فعلاً من أفعال التزوير. ولا يستقيم استخلاص القصد الجنائي من مجرد نتيجة لاحقة للتصرف أو من موقف الأصيل منه بعد إتمامه.
ويؤكد ذلك أن إلغاء التوكيل ذاته – بحسب الثابت بالأوراق – قد تم بعد مباشرة التوقيع محل الاتهام، بما مؤداه أن واقعة الإلغاء اللاحقة لا تصلح بذاتها لإثبات انعدام الصفة وقت التوقيع، ولا يجوز إسباغ أثر رجعي عليها بحيث تُعتبر الوكالة غير قائمة في الفترة السابقة على إلغائها.
ومن ناحية أخرى، فإن مجرد إنكار الأصيل لا يستغني عن وجوب تحديد الفعل المادي الذي وقع به التزوير. فإذا كان المتهم الأول هو من قام بالتوقيع بنفسه بصفته وكيلاً، فإن على الاتهام أن يحدد ما الذي تغير في الحقيقة، وما الحقيقة الأصلية التي كانت قائمة، وما الحقيقة التي أثبتها المحرر على خلافها، وكيف وقع هذا التغيير، ولماذا يشكل هذا الفعل تزويراً رغم وجود سند الوكالة. أما أن يكون الدليل الوحيد أو الجوهري هو قول الأصيل اللاحق بأنه لم يأذن أو لم يوافق، فإن ذلك لا يكفي بذاته لإقامة الركن المادي للجريمة.
ولا يغير من ذلك ما قد يقال من أن نتيجة التعديل قد ترتب عليها زيادة حصة أحد الشركاء وانخفاض حصة شريك آخر، لأن النتيجة الاقتصادية أو القانونية للتصرف لا تثبت بذاتها أن المحرر مزور. وإنما يلزم إثبات فعل التزوير ذاته بصورة مستقلة عن الأثر الذي ترتب على التصرف، وإلا أصبح الأثر دليلاً على الفعل دون إثبات عناصره.
ولما كان الحكم المعارض فيه قد عوّل – بحسب ما هو ثابت من أسبابه – على موقف الأصيل من التصرف أو على إنكاره أو اعتراضه عليه في تدعيم صورة الاتهام، دون أن يبين كيف يستفاد من هذا الإنكار وحده وقوع فعل مادي من أفعال تغيير الحقيقة، ودون أن يواجه على النحو اللازم قيام سند الوكالة وقت التصرف ومدى امتداده إلى العمل محل الاتهام، فإنه يكون قد خلط بين المنازعة في التصرف وبين الجريمة محل الاتهام، وأقام نتيجة جنائية على واقعة لا تؤدي إليها بذاتها.
ومن ثم، فإن مجرد إنكار الأصيل أو اعتراضه اللاحق لا يعدو أن يكون موقفاً من التصرف وآثاره، ولا يمكن أن يتحول بمجرده إلى دليل يقيني على تزوير التوقيع أو انعدام صفة الوكيل وقت مباشرة التصرف، ما لم تؤيده أدلة مستقلة ومحددة تثبت أحد الأمرين على نحو قاطع. ومع قيام سند وكالة رسمي قائم وقت التوقيع، وثبوت امتداد نطاقه إلى عقود تعديل الشركات وفقاً لما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق، فإن بقاء الاتهام قائماً على مجرد الإنكار أو الاعتراض اللاحق لا يكفي لحمل قضاء بالإدانة.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لعدم صلاحية مجرد إنكار الأصيل أو اعتراضه اللاحق على التصرف لإثبات تزوير التوقيع أو انعدام صفة الوكيل، وانتفاء الدليل اليقيني على ارتكاب المتهم الأول فعلاً مادياً من أفعال تغيير الحقيقة، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الثامن والسبعون: انتفاء الأساس الذي أُقيم عليه القول بانعدام صفة المتهم الأول، متى ثبت أن التوقيع صدر منه بصفته وكيلاً وبموجب توكيل رسمي قائم وقت إبرام التصرف
يتمسك المتهم الأول بأن القول بانعدام صفته في مباشرة التصرف محل الاتهام قد جاء مجرداً من سنده الصحيح في الأوراق، إذ إن الثابت على نحو قاطع وجود توكيل رسمي قائم وقت إبرام التصرف، صدر من صاحبة الشأن إلى المتهم الأول، وخوله مباشرة الأعمال والتصرفات الداخلة في نطاق الوكالة، ومن بينها التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات، الأمر الذي تنتفي معه من الأساس الصورة التي أقيم عليها الاتهام باعتبار أن المتهم الأول قد باشر التوقيع بغير صفة أو انتحل شخصية صاحبة الشأن.
فالثابت من التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة أن المتهم الأول لم يقدم نفسه في المحرر محل الاتهام باعتباره الأصيل، ولم يخفِ صفته الحقيقية، وإنما باشر التوقيع بصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، مستنداً إلى سند وكالة رسمي سابق على التصرف وقائم وقت مباشرته، بما يجعل مصدر صفته التمثيلية ثابتاً بمحرر رسمي قائم بذاته، وليس مستنداً إلى مجرد قول أو ادعاء لاحق.
ومن ثم، فإن مجرد إثارة القول بأن المتهم الأول لم يكن صاحب الحق الأصيل في التصرف لا يؤدي قانوناً إلى انعدام صفته في تمثيل الأصيل، إذ إن الوكالة بطبيعتها تقوم على حلول النائب في مباشرة التصرف القانوني باسم الأصيل وفي حدود السلطة التي خولها له سند النيابة، بحيث تكون الصفة التي يباشر بها النائب التصرف هي صفته كوكيل، لا صفته الشخصية كأصيل.
والفارق في هذا المقام جوهري بين انعدام الصفة من أصلها وبين المنازعة في مدى حدود السلطة الممنوحة بموجب الوكالة؛ فالأولى تفترض عدم وجود أي سند للنيابة، بينما الثانية تفترض وجود سند وكالة بالفعل ثم تدور حول تفسير نطاقه ومدى امتداده إلى التصرف محل النزاع. ولا يجوز قانوناً الانتقال من مجرد المنازعة في حدود السلطة إلى القول بانعدام الصفة كليةً، ما دام أصل النيابة ثابتاً بمحرر رسمي قائم وقت مباشرة التصرف.
والثابت أن المتهم الأول قد وقع المحرر محل الاتهام معلناً صفته كوكيل، ولم ينسب إلى نفسه صفة الأصيل، كما لم ينسب إلى صاحبة الشأن حضوراً شخصياً أو توقيعاً مباشراً منها، وإنما أفصح عن مصدر سلطته التمثيلية وأثبتها بسند الوكالة، وهو ما يهدم بذاته الصورة التي تقوم على انتحال الصفة أو إخفائها.
وقد تأكد هذا المعنى بما انتهت إليه مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم لاحقاً على التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة الرسمية لا تنشئ للمتهم الأول صفة لم تكن قائمة، وإنما تكشف – في حدود دلالتها – عن أن الصفة التمثيلية التي استند إليها المتهم الأول كانت قائمة أصلاً بموجب سند الوكالة وقت مباشرة التصرف، وأن المنازعة في نطاقها لا يصح تحويلها إلى افتراض لانعدام الصفة من الأساس.
كما أن واقعة إلغاء التوكيل في تاريخ لاحق على التصرف لا تصلح بذاتها سنداً للقول بانعدام الصفة وقت التوقيع؛ إذ إن الإلغاء اللاحق لا يمحو بأثر رجعي وجود الوكالة في الفترة السابقة عليه، ولا يحول الوكيل – بأثر رجعي – إلى شخص كان عديم الصفة في اللحظة التي باشر فيها التصرف، ما لم يثبت أن الوكالة كانت قد انتهت أو زالت قبل مباشرة العمل محل الاتهام.
وعليه، فإن الاستناد إلى الإلغاء اللاحق لتأسيس القول بانعدام الصفة وقت إبرام التصرف ينطوي على خلط بين حالتين زمنيتين مختلفتين، وإسباغ أثر لاحق على واقعة سابقة، بما لا يستقيم مع حقيقة الثابت بالأوراق ولا مع التسلسل الزمني للوقائع.
ولا يغير من ذلك ما قد يثار بشأن عدم موافقة صاحبة الشأن لاحقاً على مضمون التصرف أو اعتراضها على آثاره، إذ إن هذا الأمر – على فرض ثبوته – لا ينفي بذاته وجود الصفة التمثيلية وقت مباشرة العمل، وإنما قد يثير، بحسب ظروف الواقعة، مسألة أخرى تتعلق بمدى استعمال الوكيل لسلطته وحدودها وآثار التصرف، وهي مسائل يجب تمييزها عن أصل قيام الصفة.
وفي المجال الجنائي تحديداً، فإن القول بانعدام صفة المتهم الأول لا يمكن أن يستخلص بمجرد النتيجة التي ترتبت على التصرف أو بمجرد عدم رضا الأصيل عنه، وإنما يتعين أن يستند إلى دليل محدد يثبت أن المتهم لم يكن يملك أي سند للنيابة وقت مباشرة الفعل، أو أن سند النيابة كان قد انتهى قبل التصرف، أو أن الفعل الذي باشره لا يمت بصلة إلى السلطة التمثيلية التي يستمدها من الوكالة. أما مع قيام التوكيل الرسمي وسريانه وقت التصرف وثبوت مباشرة المتهم التوقيع بصفته وكيلاً، فإن القول بانعدام الصفة يصبح فاقداً لركيزته الواقعية ما لم يقم دليل مستقل على خلاف ذلك.
وإذا كان الحكم المعارض فيه قد بنى إدانته على افتراض أن المتهم الأول كان أجنبياً عن التصرف وأنه لم يكن يملك سلطة تمثيل صاحبة الشأن، فقد كان يتعين عليه أن يواجه سند الوكالة ذاته، وأن يحدد على وجه الدقة النص الذي يرى أنه لا يمنح المتهم تلك السلطة، وأن يبين كيف انتهى إلى انتفاء الصفة رغم قيام سند رسمي قائم وقت التصرف، وأن يواجه كذلك ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بشأن نطاق الوكالة.
أما الاكتفاء بالقول إن المتهم الأول ليس هو صاحب الحق الأصيل في الحصة أو التصرف، ثم ترتيب نتيجة مفادها انعدام صفته في التوقيع، فإنه يقوم على خلط بين صفة الأصيل وصفة النائب؛ فالوكيل لا يباشر التصرف باعتباره مالكاً أو أصيلاً، وإنما يستمد حقه في مباشرته من سلطته التمثيلية، وتكون صفته التي يباشر بها العمل هي الوكالة ذاتها.
ومن ثم، فإن ثبوت التوقيع من المتهم الأول شخصياً لا ينال من صحة نسبة التصرف إلى صاحبة الشأن متى كان قد صدر منه بصفته وكيلاً وفي حدود سند النيابة، كما لا يحول التوقيع الشخصي للوكيل إلى توقيع مزور لمجرد أن الأصيل لم يوقع بنفسه، طالما أن التوقيع قد صدر على النحو المعلن في المحرر وباستناد إلى سند وكالة قائم.
والنتيجة التي يخلص إليها الدفاع أن أساس القول بانعدام صفة المتهم الأول قد انهار أمام الثابت بالمحررات الرسمية؛ فهناك سند وكالة رسمي سابق على التصرف، والوكالة كانت قائمة وقت مباشرة التوقيع، والمتهم أفصح عن صفته كوكيل، كما ثبت رسمياً أن نطاق الوكالة يمتد إلى عقود تعديل الشركات والتعديلات المتعلقة بحصص الشركاء، ولم يثبت أن الوكالة كانت قد أُلغيت قبل التصرف.
ومن ثم، لا يبقى للقول بانعدام الصفة محل إلا إذا أقيم دليل مستقل على أن المتهم الأول كان قد فقد سلطته قبل التوقيع أو أن التصرف محل الاتهام خرج خروجاً محققاً عن نطاق السلطة الممنوحة له، وهو ما يتعين إثباته بدليل يقيني مستقل، ولا يكفي فيه مجرد المنازعة اللاحقة أو التفسير الشخصي لنطاق الوكالة.
ولما كان الاتهام قد اتخذ من القول بانعدام صفة المتهم الأول أساساً لإضفاء الصفة الجنائية على توقيعه، وكان هذا الأساس قد انتفى بقيام سند وكالة رسمي قائم وقت التصرف، وثبوت مباشرة التوقيع بصفة الوكيل، وثبوت امتداد نطاق الوكالة – وفقاً للمذكرة الرسمية المشار إليها – إلى التصرف محل الاتهام، فإن البناء الذي أقيم عليه الاتهام يكون قد فقد أحد مرتكزاته الجوهرية، ولا يبقى معه مجال لاستخلاص جريمة التزوير بمجرد افتراض انعدام الصفة.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على انتفاء الأساس الذي أقيم عليه القول بانعدام صفته، وثبوت قيام صفته التمثيلية بموجب توكيل رسمي قائم وقت إبرام التصرف، وثبوت صدور التوقيع منه بصفته وكيلاً، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع نزولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع التاسع والسبعون: انتفاء وجه الاستدلال بالتزوير من مجرد مباشرة الوكيل للتوقيع نيابة عن الأصيل، متى كان التوقيع قد صدر فعلاً من الوكيل وكشفت المحررات عن صفته النيابية
يتمسك المتهم الأول بانتفاء وجه الاستدلال بالتزوير من مجرد مباشرته التوقيع نيابة عن الأصيل، ذلك أن مجرد قيام الوكيل بالتوقيع عن موكله لا يمثل – في ذاته وبمجرده – فعلاً من أفعال تغيير الحقيقة، متى كان التوقيع قد صدر بالفعل من الوكيل شخصياً، وكانت صفته النيابية معلنة وثابتة في المحرر، وكان يستند في مباشرته لهذا التصرف إلى سند وكالة قائم وقت التوقيع.
فالتزوير يفترض – بحسب طبيعته – تغييراً للحقيقة في محرر على نحو ينشئ مظهراً مخالفاً للحقيقة التي كان يتعين أن يثبتها المحرر، أما إذا كانت الحقيقة الثابتة بالمحرر هي أن شخصاً معيناً قد باشر التوقيع بصفته نائباً عن شخص آخر، وكانت هذه الصفة قد كُشف عنها صراحة، فإن مجرد صدور التوقيع من النائب لا يتحول بذاته إلى تزوير، ولا يصح استخلاص الركن المادي للجريمة من واقعة التوقيع نيابة عن الأصيل دون تحديد الحقيقة التي قيل إن المتهم قد غيّرها.
والثابت بالأوراق أن المتهم الأول لم يقدم نفسه على أنه صاحبة الشأن، ولم يوقع متخفياً وراء شخصيتها، ولم ينسب إلى نفسه توقيعاً باسمها على نحو يخفي حقيقة من باشر التوقيع، وإنما باشر التوقيع بصفته وكيلاً عنها، وكشف المحرر ذاته عن هذه الصفة، بما يجعل واقعة مباشرة التوقيع من جانب المتهم الأول أمراً متفقاً مع الحقيقة التي أثبتها المحرر، لا مخالفاً لها.
ومن ثم، فإن السؤال الجنائي الصحيح لا يكون: «هل وقع المتهم الأول بنفسه بدلاً من الأصيل؟»، وإنما يكون: «هل أثبت المحرر واقعة مغايرة للحقيقة فيما يتعلق بمن باشر التوقيع أو صفته أو سلطته، وهل ارتكب المتهم فعلاً مادياً من أفعال تغيير الحقيقة؟». فإذا كان المحرر قد أفصح عن أن التوقيع صدر من وكيل عن الأصيل، وكان المتهم هو بالفعل من باشر التوقيع بهذه الصفة، فإن مجرد كونه لم يكن الأصيل شخصياً هو الذي أمسك بالقلم لا يحقق بذاته تغييراً للحقيقة.
ولا يجوز في هذا المقام الخلط بين التوقيع نيابة عن الأصيل وبين انتحال شخصية الأصيل أو اصطناع توقيع منسوب إليه؛ فالأول هو أثر طبيعي لمباشرة الوكالة متى كان الوكيل مخولاً في ذلك، أما الثاني فهو صورة مختلفة من صور تغيير الحقيقة لا تثبت بمجرد القول بأن الوكيل هو الذي وقع. ومن ثم، فإذا كان الاتهام قد أراد إقامة التزوير على مجرد أن التوقيع لم يصدر مادياً من الأصيل، فإنه يكون قد خلط بين حقيقة الفعل المادي للتوقيع وبين مصدر السلطة التي باشر بها الوكيل هذا الفعل.
والثابت كذلك أن المتهم الأول كان يستند وقت التوقيع إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو سند سابق على التصرف محل الاتهام، وقد تضمن تخويله القيام نيابة عن الموكل في المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، بما يؤكد أن مباشرة المتهم الأول للتوقيع لم تكن واقعة مجردة من السند، وإنما كانت ممارسة لصفة تمثيلية ثابتة بمحرر رسمي.
وقد تعززت دلالة ذلك بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 من أن التوكيل العام المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة. وهذه النتيجة الرسمية لا تنشئ الوكالة ولا تستحدث سلطة لم تكن قائمة، وإنما تؤيد – بحسب ما انتهت إليه الجهة المختصة بعد فحص سند الوكالة – نطاق السلطة التي كان يستند إليها المتهم الأول وقت مباشرة التصرف.
وعلى ذلك، فإن مجرد ثبوت أن المتهم الأول هو الذي باشر التوقيع لا يصلح دليلاً على التزوير، بل قد يكون هو عين ما تقتضيه طبيعة الوكالة، متى كان التوقيع قد تم باسم الأصيل أو لحسابه وبالإفصاح عن صفة الوكيل. أما إذا كان الاتهام يرى أن المتهم الأول قد تجاوز حدود وكالته، فإن ذلك يقتضي أولاً تحديد النص أو القيد الذي يقال إنه كان يحظر عليه التصرف محل الاتهام، وبيان وجه التجاوز، ثم بيان كيف تحول هذا التجاوز – على فرض ثبوته – إلى تغيير للحقيقة في محرر بالطريقة التي يعاقب عليها القانون. ولا يكفي مجرد إثبات تجاوز مدني أو منازعة في حدود الوكالة لاستخلاص جريمة التزوير تلقائياً.
كما لا يجوز اتخاذ النتيجة التي ترتبت على التعديل، كزيادة حصة أحد الشركاء أو انخفاض حصة شريك آخر، دليلاً بذاته على تزوير التوقيع؛ لأن النتيجة الاقتصادية أو القانونية للتصرف شيء، وحقيقة من باشر التوقيع والصفة التي باشر بها التوقيع شيء آخر. فإذا كان المحرر قد أثبت أن المتهم الأول هو الموقع بصفته وكيلاً، وكان ذلك مطابقاً للواقع، فإن هذه الحقيقة المادية لا تصبح مزورة لمجرد أن الأصيل ينازع لاحقاً في مضمون التصرف أو في مدى سلطته.
ولا يغير من ذلك ما قد يثار بشأن إلغاء الوكالة، طالما أن الإلغاء – وفق الثابت بالأوراق – جاء لاحقاً على مباشرة التصرف محل الاتهام. فالإلغاء اللاحق لا يمحو حقيقة أن المتهم الأول كان يباشر التوقيع في ظل سند وكالة قائم وقت التصرف، ولا يحول بأثر رجعي دون بحث مدى سلطته في ذلك التاريخ، ولا يصلح وحده لإثبات أن توقيعه كان مزوراً أو أنه انتحل صفة الأصيل عند صدوره.
كما أن القول بعدم رضا الأصيل عن التصرف أو عدم موافقته اللاحقة عليه لا يساوي في ذاته القول بأن التوقيع قد زُوِّر، إذ ينبغي الفصل بين إرادة الأصيل في إبرام التصرف وبين حقيقة الشخص الذي باشر التعبير عن الإرادة نيابة عنه. فمتى كان الشخص الذي وقع هو الوكيل فعلاً، وكانت صفته معلنة، وكان سند الوكالة قائماً، فإن المنازعة في مدى استعمال الوكالة أو في الآثار المترتبة على التصرف لا تكفي بذاتها لإثبات تغيير الحقيقة في المحرر.
ومن ثم، فإن الدليل الذي يستخلص التزوير من مجرد كون المتهم الأول قد وقع بدلاً من الأصيل يكون قد أقام النتيجة الجنائية على واقعة لا تحمل هذه الدلالة، إذ إن مباشرة الوكيل للتوقيع هي واقعة متوقعة ومشروعة في أصلها عند قيام الوكالة، ولا تتحول إلى تزوير إلا إذا اقترنت بواقعة أخرى مستقلة تكشف عن تغيير الحقيقة، كاصطناع توقيع منسوب إلى الأصيل مع إخفاء حقيقة من وقعه، أو انتحال صفة على خلاف الواقع، أو إثبات واقعة مادية كاذبة على نحو تتوافر به أركان التزوير.
وإذا كانت المحررات ذاتها قد كشفت عن الصفة النيابية للمتهم الأول، فإن هذه الحقيقة تهدم أساس القول بانتحال شخصية الأصيل؛ إذ لا يستقيم منطقاً وقانوناً أن يكون المتهم قد أخفى حقيقة من باشر التوقيع بينما المحرر ذاته يفصح عنها. ولا يكفي بعد ذلك القول بأن الأصيل هو صاحب المصلحة أو صاحب الاسم الوارد في المحرر لإثبات أن الوكيل قد زور توقيعه، ما دام الثابت أن التوقيع صدر من الوكيل وأن صفته النيابية كانت معلنة.
وعليه، فإن قيام الوكيل بالتوقيع نيابة عن الأصيل لا يكون دليلاً على التزوير إلا إذا ثبت فوق مجرد التوقيع فعل مادي آخر يمثل تغييراً للحقيقة على النحو المؤثم قانوناً، وهو ما يتعين إثباته بدليل مستقل، ولا يجوز افتراضه لمجرد أن شخصاً غير الأصيل هو الذي باشر التوقيع.
ولما كان الثابت في الدعوى أن المتهم الأول هو الذي باشر التوقيع فعلاً، وأنه لم ينتحل شخصية الأصيل، وأن المحررات كشفت عن صفته النيابية، وأن سند الوكالة كان قائماً وقت مباشرة التصرف، فضلاً عن ثبوت امتداد نطاق الوكالة – وفق ما انتهت إليه مذكرة الإدارة العامة للتوثيق – إلى عقود تعديل الشركات والإجراءات المتعلقة بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن مجرد مباشرته التوقيع نيابة عن الأصيل لا يصلح دليلاً على وقوع التزوير، ولا يكفي وحده لإثبات الركن المادي للجريمة.
ومن ثم، ينتفي وجه الاستدلال بالتزوير من مجرد واقعة التوقيع النيابي، ويتعين البحث – إن كان ثمة اتهام بالتزوير – عن فعل مادي محدد ومستقل لتغيير الحقيقة، فإذا خلا الدليل منه أو لم يبلغ مرتبة اليقين، تعين طرح هذا الاستدلال وعدم التعويل عليه في الإدانة، والقضاء ببراءة المتهم الأول مما أسند إليه.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته تأسيساً على أن مباشرة الوكيل للتوقيع نيابة عن الأصيل، متى صدرت منه فعلاً وكشفت المحررات عن صفته النيابية واستند إلى وكالة قائمة، لا تشكل بذاتها تغييراً للحقيقة ولا تنهض دليلاً على التزوير، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الثمانون: فساد الاستدلال في إقامة الركن المادي لجريمة التزوير على مجرد القول بعدم توافر سلطة الوكيل، مع قيام سند رسمي للنيابة وثبوت شموله للتصرف محل الاتهام
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه الفساد في الاستدلال حين أقام الركن المادي لجريمة التزوير على مجرد القول بعدم توافر سلطة الوكيل في مباشرة التصرف محل الاتهام، دون أن يقيم الدليل المستقل واليقيني على وقوع فعل مادي من أفعال تغيير الحقيقة في المحررات محل الاتهام، ودون أن يواجه على نحو جدي وقاطع سند الوكالة الرسمي القائم بالأوراق، وما ثبت رسمياً من امتداد نطاقه إلى التصرف الذي باشره المتهم الأول.
ذلك أن مجرد افتراض انتفاء سلطة الوكيل – بفرض صحته جدلاً – لا يساوي بذاته ثبوت جريمة التزوير، ولا يغني عن إثبات الفعل المادي المكون لها؛ إذ يظل لزاماً تحديد الحقيقة التي كانت قائمة، والحقيقة التي قيل إنها غُيرت، وبيان الوسيلة التي وقع بها هذا التغيير، وتحديد الفعل الذي صدر من المتهم الأول وأدى إلى إحداثه، وإقامة الدليل على أن ما وقع يمثل تغييراً للحقيقة بالمعنى الجنائي، وليس مجرد تصرف صادر من وكيل بالمخالفة – على فرض قيام ذلك – لحدود سلطته المدنية.
والثابت بالأوراق أن المتهم الأول لم يباشر التوقيع محل الاتهام منتحلاً شخصية صاحبة الشأن أو مدعياً أنه الأصيل، وإنما وقع بصفته وكيلاً عنها، مستنداً إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو سند رسمي قائم سابقاً على التصرف، ثابت به مصدر السلطة التي باشر المتهم الأول التصرف استناداً إليها.
وقد تضمنت الوكالة – بحسب الثابت بمحررها – تخويل المتهم الأول القيام نيابة عن موكلته بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عن السلطات الأخرى الواردة بالسند، الأمر الذي يجعل البحث في نطاق سلطة الوكيل مسألة لها أصل ثابت في محرر رسمي سابق على الواقعة، وليست واقعة مفترضة أو سلطة ادعاها المتهم الأول بعد وقوع التصرف.
ولم يقف الأمر عند مجرد وجود سند الوكالة، وإنما جاءت المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، لتؤكد – بحسب ما انتهت إليه – أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
ومن ثم فإن الحكم، حين انتقل مباشرة من القول بعدم توافر سلطة الوكيل إلى القول بثبوت الركن المادي للتزوير، يكون قد أقام النتيجة الجنائية على مقدمة لم يثبتها على نحو يقيني، فضلاً عن قيام مستند رسمي يناقضها ويؤيد أن السلطة كانت قائمة وقت مباشرة التصرف وممتدة إلى نوع التصرف محل الاتهام.
والخطأ في هذا الاستدلال أن انعدام السلطة – حتى على فرض ثبوته – لا يمثل في ذاته فعلاً من أفعال تغيير الحقيقة في المحرر؛ فالمحرر قد يعبر عن واقعة حقيقية من حيث صدور التوقيع من الشخص الذي وقعه وبصفته المعلنة، وقد يثور بعد ذلك خلاف حول مدى سلطته في إبرام التصرف أو حدود النيابة، دون أن يتحول هذا الخلاف بذاته إلى جريمة تزوير. أما جريمة التزوير فتقتضي فوق ذلك إثبات تغيير للحقيقة في محرر بإحدى الوسائل التي يتحقق بها التجريم.
وبالتالي، كان يتعين على الحكم – قبل أن يرتب على القول بانعدام سلطة الوكيل أثراً جنائياً – أن يجيب عن سؤال جوهري لا يغني عنه مجرد القول بانعدام السلطة، وهو: ما هو الفعل المادي المحدد الذي غيّر به المتهم الأول الحقيقة في المحرر؟
فهل اصطنع توقيعاً لم يصدر منه؟ وهل قلد توقيع صاحبة الشأن؟ وهل انتحل شخصيتها؟ أم أثبت واقعة مادية يعلم أنها على خلاف الحقيقة؟ أم استعمل وسيلة أخرى من وسائل تغيير الحقيقة التي يقوم بها التزوير؟ أما مجرد القول إنه لم يكن يملك السلطة، فلا يجيب عن أي من هذه الأسئلة، ولا يكشف بذاته عن فعل التزوير.
والثابت أن المتهم الأول وقع بنفسه وبصفته وكيلاً، ولم يخف هذه الصفة ولم ينسب إلى نفسه صفة الأصيل، وإنما كشف عن مصدر تمثيله في التوكيل الرسمي. ومن ثم فإن الواقعة – في صورتها الثابتة بالمحررات – لا تتفق مع صورة انتحال شخصية الأصيل أو اصطناع توقيع منسوب إليه، وإنما تدور حول مدى امتداد السلطة التي استمدها المتهم الأول من سند الوكالة إلى التصرف محل الاتهام.
وهذه المسألة، حتى مع افتراض وجود خلاف حول تفسيرها، لا يجوز أن تُستعمل كبديل عن إثبات الركن المادي للتزوير؛ لأن النتيجة الجنائية لا تستمد من مجرد توصيف التصرف بأنه تجاوز للوكالة، بل من إثبات أن هذا التجاوز – إن ثبت – اتخذ صورة فعل مادي مؤثم من أفعال تغيير الحقيقة في المحرر.
ولا يغير من ذلك ما ترتب على تعديل عقد الشركة من زيادة حصة أحد الشركاء أو نقصان حصة شريك آخر؛ إذ إن الأثر القانوني أو الاقتصادي المترتب على التصرف لا يكشف بذاته عن الكيفية التي تم بها تحرير المحرر، ولا يثبت بذاته أن الحقيقة قد تغيرت فيه بطريق من طرق التزوير. فالنتيجة التي رتبها التصرف شيء، والفعل المادي الذي يكوّن التزوير شيء آخر، ولا يجوز إقامة الثاني بمجرد إثبات الأولى.
كما لا يجوز أن يتحول الخلاف حول مدى موافقة الموكل على التصرف إلى دليل على وقوع التزوير؛ إذ إن عدم رضا الأصيل عن التصرف، أو منازعته في آثاره، أو حتى ثبوت تجاوزه – بفرض ثبوته – لحدود الوكالة، لا يغني عن إثبات واقعة التغيير المادي للحقيقة في المحرر محل الاتهام.
والأخطر من ذلك أن اعتماد الحكم على مجرد انتفاء سلطة الوكيل يؤدي إلى خلط بين مصدر السلطة في مباشرة التصرف وبين حقيقة البيانات والتوقيعات المثبتة في المحرر؛ فالأولى تتعلق بالعلاقة التمثيلية وآثارها وحدودها، أما الثانية فتتعلق بالركن المادي لجريمة التزوير. ولا يجوز الانتقال من الأولى إلى الثانية بغير دليل مستقل.
وقد كان يتعين على الحكم، في مواجهة هذا الدفاع الجوهري، أن يحدد على وجه الدقة النص أو العبارة التي استخلص منها قيداً على الوكالة، وأن يبين مصدر هذا القيد، وأن يوضح سبب طرحه لمؤدى سند الوكالة الرسمي، ثم يحدد – بعد ذلك – الفعل المادي الذي اعتبره تغييراً للحقيقة. أما أن يقرر ابتداءً أن الوكيل لم تكن له سلطة، ثم يستخلص من ذلك وحده أن التوقيع مزور، فهو استدلال لا يستقيم منطقاً ولا يكفي لحمل قضاء بالإدانة.
ولا سيما أن مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل قد تناولت ذات المسألة تحديداً، وانتهت إلى أن سند الوكالة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وهو ما يجعل إغفال هذه الدلالة أو طرحها بغير تسبيب سائغ أمراً جوهرياً؛ لأنها لا تتصل بدفاع فرعي أو هامشي، وإنما تنال من المقدمة التي أقام عليها الحكم استدلاله بشأن انتفاء سلطة المتهم الأول.
ومن ثم، فإن الحكم وقد أقام الركن المادي لجريمة التزوير على مجرد القول بعدم توافر سلطة الوكيل، مع قيام سند رسمي للنيابة وثبوت شموله – وفقاً لما انتهت إليه الجهة الرسمية المختصة – للتصرف محل الاتهام، يكون قد استبدل إثبات الفعل المادي للتزوير بافتراضه، وأقام النتيجة على مقدمة متنازع عليها يناقضها الثابت بالمحررات الرسمية، بما يعيبه بالفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب.
وإذ كان الركن المادي لجريمة التزوير لا يفترض ولا يستخلص من مجرد المنازعة في حدود الوكالة، وإنما يتعين إثباته بدليل يقيني يكشف عن فعل تغيير الحقيقة ذاته، وكان هذا الفعل لم يثبت في حق المتهم الأول على النحو الذي تطمئن إليه إليه عقيدة المحكمة، فإن بقاء الشك في أصل الفعل المادي للجريمة يحول دون إقامة الإدانة عليه.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على فساد استدلال الحكم في إقامة الركن المادي لجريمة التزوير على مجرد القول بعدم توافر سلطة الوكيل، رغم قيام سند رسمي للنيابة وثبوت امتداد نطاقه إلى التصرف محل الاتهام، وعدم ثبوت فعل مادي مستقل لتغيير الحقيقة، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الواحد والثمانون: انتفاء الركن المادي لجريمة التزوير متى ثبتت حقيقة التوقيع من المتهم الأول بصفته وكيلاً، وثبتت سلطته في مباشرة التصرف بموجب سند نيابة رسمي قائم وساري وقت التوقيع
يتمسك المتهم الأول بانتفاء الركن المادي لجريمة التزوير المسندة إليه، تأسيساً على أن حقيقة التوقيع محل الاتهام ثابتة بالأوراق، وأنه صدر من المتهم الأول شخصياً، ولم ينسبه إلى نفسه باعتباره صاحبة الشأن، وإنما صدر منه صراحة وبصفته وكيلاً عنها، مستنداً إلى سند نيابة رسمي كان قائماً وسارياً وقت مباشرة التصرف، بما تنتفي معه – في أصلها – صورة الاصطناع أو التقليد أو انتحال الشخصية التي يمكن أن تقوم عليها جريمة التزوير.
فالثابت أن المتهم الأول لم يخفِ شخصيته أو صفته عند التوقيع، ولم يدّعِ أنه صاحبة الشأن، وإنما باشر العمل القانوني باسمها ولحسابها وفي حدود صفته التمثيلية، وكان مصدر هذه الصفة هو التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو سند رسمي سابق على الواقعة، ثابت الوجود وصادر ممن نسبت إليها الإرادة، ولم يثبت إلغاؤه إلا بعد مباشرة التوقيع محل الاتهام.
ومن ثم، فإن الواقعة في حقيقتها لا تتمثل في توقيع شخص على محرر منسوب إلى شخص آخر بغير سند، وإنما تتمثل في مباشرة وكيل لتوقيع قانوني باسم موكلته، استناداً إلى وكالة رسمية قائمة وقت التصرف. وهذا الفارق جوهري؛ لأن البحث في المسؤولية الجنائية عن التزوير لا ينصرف إلى مجرد وجود توقيع باسم الأصيل، وإنما إلى ما إذا كان التوقيع قد صدر بطريق مؤثم، وبغير صفة أو سند، وبما ينطوي على تغيير للحقيقة في محرر على النحو الذي يجرمه القانون.
وقد ثبت من سند الوكالة أن المتهم الأول كان مخولاً في القيام نيابة عن الموكل بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، وله الحق في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، بما يجعل مصدر سلطته التمثيلية ثابتاً في محرر رسمي قائم وقت مباشرة التصرف.
ولم يقف الأمر عند مجرد تفسير المتهم الأول لسند الوكالة، وإنما تأيد ذلك بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، من أن التوكيل العام المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه النتيجة الرسمية لا تنشئ بذاتها سلطة جديدة للمتهم الأول، وإنما تؤكد – في حدود قيمتها الإثباتية – أن السلطة التي استند إليها كانت قائمة في سند رسمي وقت مباشرة التصرف، وأن القول بانعدام سلطة المتهم الأول لا يجد سنده في مجرد وجود التعديل أو في الاعتراض اللاحق عليه، بل يتعين لإسناد التزوير إليه إثبات فعل مادي مستقل يدل على أنه غيّر الحقيقة في المحرر رغم قيام صفته التمثيلية.
ولا يكفي في هذا المقام أن يقال إن صاحبة الشأن لم تكن راضية عن النتيجة التي ترتبت على التصرف، أو أنها اعترضت عليه لاحقاً، أو أن آثار التعديل قد مست حصتها في الشركة؛ إذ إن عدم الرضا عن التصرف أو المنازعة في آثاره أو في مدى ملاءمة استعمال الوكالة لا يتحول بذاته إلى فعل تزوير، ما لم يثبت أن المتهم الأول قد ارتكب فعلاً مادياً من أفعال تغيير الحقيقة في المحرر.
ذلك أن التمييز واجب بين حقيقة التوقيع وبين المنازعة في نطاق السلطة أو آثار التصرف. فإذا كان التوقيع قد صدر فعلاً من المتهم الأول، وثبت أنه وقّع بصفته وكيلاً، وثبت أن سند الوكالة كان قائماً وقت التوقيع، فإن إسناد التزوير إليه يقتضي بيان الفعل المادي الآخر الذي جعله مرتكباً لتغيير الحقيقة: هل اصطنع توقيعاً منسوباً إلى غيره؟ وهل قلد توقيع صاحبة الشأن؟ وهل انتحل شخصيتها؟ أم أثبت في المحرر واقعة مادية على خلاف الحقيقة بطريق من طرق التزوير؟ أما مجرد القول بأن الوكيل لم يكن ينبغي له أن يباشر التصرف أو أن الأصيل لم يكن يريده، فلا يكفي بذاته للإجابة عن هذه الأسئلة الجنائية الجوهرية.
كما أن إلغاء الوكالة في تاريخ لاحق على التوقيع لا يغير من حقيقة أن سند النيابة كان قائماً وقت مباشرة التصرف. ولا يجوز اتخاذ واقعة الإلغاء اللاحقة وحدها دليلاً على انعدام السلطة في التاريخ السابق عليها، إذ لا يستقيم أن يتحول الوكيل بأثر رجعي إلى شخص منتحل للصفة لمجرد أن الوكالة انتهت بعد استعمالها في التصرف محل الاتهام.
وعلى ذلك، فإن مناط البحث ليس مجرد ما إذا كانت الوكالة قد انتهت في وقت لاحق، وإنما ما إذا كانت قائمة وقت التوقيع، وما إذا كان التصرف الذي باشره المتهم الأول يدخل في نطاق السلطة التي كانت ثابتة له آنذاك. وقد جاءت الأوراق الرسمية، ومذكرة الإدارة العامة للتوثيق المشار إليها، لتعضد قيام هذه السلطة وامتدادها إلى عقود تعديل الشركات والإجراءات المتعلقة بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
وإذا كان الحكم المعارض فيه قد انتهى إلى خلاف ذلك، فقد كان يتعين عليه أن يحدد تحديداً دقيقاً النص أو القيد الوارد في سند الوكالة الذي منع المتهم الأول من مباشرة التصرف، وأن يبين وجه تجاوز المتهم الأول لهذا القيد، ثم يبين كيف تحول هذا التجاوز – بفرض ثبوته – إلى فعل مادي لتغيير الحقيقة في محرر، إذ لا يكفي إثبات تجاوز مدني أو خلاف حول حدود الوكالة لإثبات جريمة التزوير ما لم يقترن ذلك بالفعل المادي المكون للجريمة.
فجريمة التزوير لا تُستخلص من النتيجة الاقتصادية أو القانونية للتصرف، ولا من مجرد القول بأن أحد أطراف العلاقة قد تضرر من آثاره، وإنما يتعين تحديد الحقيقة التي كانت قائمة، والحقيقة التي أثبتها المحرر على خلافها، وطريقة إحداث هذا التغيير، والفعل الذي ارتكبه المتهم في سبيل ذلك. فإذا عجز الاتهام عن تحديد هذا الفعل، وظلت الواقعة الثابتة هي أن المتهم الأول وقع بنفسه بصفته وكيلاً وبموجب وكالة رسمية قائمة، فإن الركن المادي للجريمة يظل غير ثابت في حقه.
ولا يغير من ذلك أن التصرف قد ترتب عليه تعديل في حصص الشركاء، إذ إن حدوث الأثر القانوني أو الاقتصادي للتصرف لا يمثل في ذاته تغييراً للحقيقة في المحرر، وإنما يتعين إثبات أن الطريق الذي أنشأ هذا الأثر قد شابه فعل تزوير محدد. أما إذا كان الأثر قد نشأ عن تصرف باشره وكيل مستنداً إلى وكالة قائمة، فإن المنازعة في مدى صحة التصرف أو نفاذه أو حدود سلطة الوكيل تظل مسألة متميزة عن إثبات الركن المادي لجريمة التزوير.
ومن ثم، فإن الثابت من الأوراق – متى وضع في موضعه القانوني الصحيح – يؤدي إلى نتيجة مؤداها أن التوقيع لم يكن مجهول المصدر، ولم يكن مصطنعاً، ولم يكن منتحلاً من المتهم الأول على أنه توقيع صاحبة الشأن، وإنما صدر منه شخصياً بصفته التمثيلية المعلنة، وبموجب سند نيابة رسمي قائم وقت التوقيع، ثبت رسمياً امتداد نطاقه إلى التصرف محل الاتهام.
وإذا كان هذا هو واقع الحال، فإن مجرد عدم قبول صاحبة الشأن لاحقاً لما ترتب على التصرف، أو إلغائها للوكالة بعد استعمالها، أو المنازعة في حدود السلطة، لا ينشئ بذاته الركن المادي للتزوير، ولا يعفي الاتهام من إثبات فعل تغيير الحقيقة إثباتاً مستقلاً ويقينياً.
وإذ لم يثبت في حق المتهم الأول فعل مادي محدد من أفعال تغيير الحقيقة، وثبت في المقابل أن التوقيع صدر منه حقيقة وبصفته وكيلاً وبموجب سند نيابة رسمي قائم وساري وقت مباشرته، فإن أحد أهم الأركان اللازمة لقيام جريمة التزوير يكون قد تخلف، ولا يجوز استكماله بالظن أو الاستنتاج أو بمجرد المنازعة في آثار التصرف.
ومن ثم، يكون الاتهام قد عجز عن إقامة الدليل اليقيني على أن المتهم الأول قد ارتكب فعلاً مادياً من أفعال التزوير، الأمر الذي تنتفي معه الجريمة في جانبه، ويتعين القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على انتفاء الركن المادي لجريمة التزوير، وعدم ثبوت تغيير الحقيقة في المحررات محل الاتهام، وثبوت صدور التوقيع في إطار وكالة رسمية قائمة وسارية وقت التوقيع، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم اعتبار هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الثاني والثمانون: عدم جواز ترتيب أثر جنائي على الإلغاء اللاحق للتوكيل، متى ثبت أن التصرف محل الاتهام قد تم أثناء سريان الوكالة وقبل إلغائها
يتمسك المتهم الأول بعدم جواز ترتيب أي أثر جنائي على واقعة إلغاء التوكيل التي تمت لاحقاً على التصرف محل الاتهام، متى كان الثابت بالأوراق أن المتهم الأول قد باشر التوقيع على عقد تعديل الشركة والتصرف محل الإسناد في تاريخ كان فيه سند الوكالة قائماً وساري المفعول، وأن إلغاء التوكيل لم يقع إلا بعد تمام التوقيع ومباشرة التصرف، بما مؤداه أن مصدر السلطة التمثيلية التي استند إليها المتهم الأول كان قائماً وقت مباشرته للعمل محل الاتهام، ولا يجوز اتخاذ واقعة لاحقة زمنياً لتجريد التصرف السابق من صفته التي كانت قائمة وقت إنشائه.
ذلك أن تحديد ما إذا كان المتهم الأول قد باشر التصرف بصفة وكيل من عدمه إنما يكون بالنظر إلى الحالة القانونية القائمة وقت مباشرة التصرف ذاته، إذ لا يستقيم منطقاً ولا قانوناً أن يُقال إن الشخص قد باشر عملاً دون وكالة في تاريخ كانت فيه الوكالة قائمة، ثم يُستند بعد ذلك إلى إلغائها في تاريخ لاحق للقول بأن الصفة لم تكن قائمة أصلاً.
والثابت من الأوراق أن التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة كان قائماً وقت مباشرة المتهم الأول للتوقيع محل الاتهام، وأن إلغاءه قد تم لاحقاً على هذا التوقيع. ومن ثم فإن الواقعة اللاحقة لا تنال بذاتها من قيام الصفة وقت إنشاء التصرف، ولا تحول التوقيع الصادر من وكيل أثناء سريان وكالته إلى توقيع صادر بغير صفة بأثر رجعي.
ويؤكد ذلك ما انتهت إليه مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بحسب الثابت بها، من أن التوكيل المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن التوكيل قد أُلغي بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة محل الاتهام. وهذه النتيجة الرسمية تعزز أن واقعة الإلغاء جاءت لاحقة زمنياً على الفعل محل الإسناد، وأنها لا تصلح بذاتها لإثبات أن المتهم الأول كان فاقداً للسلطة عند مباشرته التصرف.
ولا يجوز الخلط بين الأثر القانوني للإلغاء بالنسبة إلى الأعمال اللاحقة على وقوعه، وبين محاولة استخدام الإلغاء لإعادة توصيف عمل تم قبل وقوعه. فحتى مع التسليم بأن الإلغاء ينهي سلطة الوكيل بالنسبة إلى المستقبل وفقاً للقواعد المنظمة للوكالة، فإن ذلك لا يعني أن كل عمل سابق على الإلغاء يصبح فاقداً لأساسه القانوني لمجرد أن الموكل أنهى الوكالة في وقت لاحق.
وعلى وجه الخصوص، لا يجوز في المجال الجنائي أن تُستخلص من واقعة الإلغاء اللاحق قرينة قاطعة على ارتكاب تزوير سابق، لأن التجريم يتطلب إثبات الفعل المادي للجريمة وأركانها في تاريخ وقوعها، ولا يمكن استكمال عنصر مادي أو معنوي مفقود وقت الواقعة بواقعة لاحقة عليها.
فجريمة التزوير – بحسب الواقعة محل الاتهام – لا تقوم لمجرد أن الوكالة قد أُلغيت بعد ذلك، وإنما يلزم إثبات أن المتهم الأول، في تاريخ التوقيع، قد غيّر الحقيقة في محرر تغييراً مؤثماً، وأنه فعل ذلك بغير سلطة وبالطريقة التي تتحقق بها الجريمة. فإذا كان سند الوكالة قائماً وقت التوقيع، فإن الإلغاء اللاحق لا يثبت بذاته وقوع هذا التغيير، ولا يثبت أن المتهم كان يعلم وقت التصرف أنه يباشر عملاً بغير سند.
كما لا يجوز الخلط بين الإلغاء اللاحق للوكالة وبين العلم السابق لدى المتهم بانتهاء سلطته. فالإلغاء الذي لم يقع إلا بعد التصرف لا يمكن أن يكون – بمجرده – مصدراً لعلم سابق لدى المتهم بانتهاء الوكالة، ولا يجوز افتراض علمه في تاريخ سابق بواقعة لم تكن قد حدثت بعد.
ومن ثم، فإن الاستناد إلى الإلغاء اللاحق لإثبات القصد الجنائي في جريمة التزوير أو استعمال محرر مزور يكون استدلالاً غير منتج ما لم يقم دليل مستقل يثبت أن المتهم الأول كان، قبل الإلغاء وفي وقت مباشرة التصرف، يعلم بوجود سبب سابق ومستقل أدى إلى زوال سلطته أو انتهاء وكالته، وهو أمر يختلف تماماً عن مجرد ثبوت الإلغاء بعد التصرف.
كذلك لا يصح أن يُستخلص من الإلغاء اللاحق أن التصرف السابق كان مزوراً لمجرد أن الموكل لم يستمر في قبول الوكالة أو لم يرضَ لاحقاً عن آثار استعمالها؛ إذ إن عدم الرضا اللاحق أو إنهاء الوكالة لا يساوي في ذاته إثبات تغيير الحقيقة في المحرر، ولا ينشئ بأثر رجعي عنصراً من عناصر الجريمة.
والأمر في الدعوى الماثلة أكثر وضوحاً، إذ إن المتهم الأول لم يباشر التوقيع مدعياً أنه صاحبة الشأن، وإنما وقع بصفته وكيلاً عنها، وكان سند وكالته قائماً في ذلك الوقت، فضلاً عن أن الأوراق الرسمية التي تم فحصها لاحقاً انتهت إلى أن نطاق التوكيل يمتد إلى عقود تعديل الشركات وإلى الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء. ومن ثم فإن الإلغاء اللاحق لا يهدم الأساس الذي استند إليه المتهم الأول في مباشرة التصرف وقت وقوعه.
وإذا كانت المحكمة قد اتخذت من واقعة الإلغاء اللاحق سنداً للقول بانتفاء سلطة المتهم الأول أو إثبات تجاوزه للوكالة، فإن ذلك لا يستقيم إلا إذا بين الحكم على وجه واضح كيف يمكن لواقعة لاحقة أن تثبت انعدام سلطة كانت قائمة قبل حدوثها، أو أن يكشف عن دليل مستقل يثبت أن الوكالة كانت قد انتهت لسبب سابق على التصرف. أما مجرد الاستناد إلى تاريخ الإلغاء اللاحق، فلا يكفي لإثبات انتفاء الصفة وقت التوقيع.
كما أن ترتيب أثر جنائي رجعي على الإلغاء اللاحق يؤدي عملياً إلى قلب عبء الإثبات، بحيث يصبح على المتهم أن يثبت أن سلطته لم تكن قد انتهت، مع أن الأصل أن جهة الاتهام هي التي يتعين عليها إثبات أن التصرف قد تم بغير سند أو أن المتهم قد غيّر الحقيقة مع علمه بذلك. فإذا كان سند الوكالة قائماً وقت التصرف، فإن مجرد الإلغاء اللاحق لا ينقل هذا العبء ولا يقوم مقام الدليل على ارتكاب فعل التزوير.
ومن ثم، فإن أقصى ما يمكن أن تدل عليه واقعة الإلغاء اللاحق – في نطاقها الزمني الصحيح – هو انتهاء الوكالة بالنسبة إلى المستقبل وفقاً لأحكامها وآثارها القانونية، أما أن تتحول هذه الواقعة إلى دليل على عدم مشروعية تصرف سبقها، أو إلى قرينة حاسمة على وقوع تزوير سابق، أو إلى دليل على توافر القصد الجنائي وقت التوقيع، فذلك لا يكون إلا بناءً على دليل مستقل يثبت عناصر الجريمة ذاتها، وهو ما لا يغني عنه الإلغاء اللاحق.
ولما كان الثابت أن التصرف محل الاتهام قد تم أثناء سريان الوكالة وقبل إلغائها، وكان التوكيل قائماً وقت مباشرة المتهم الأول للتوقيع، وثبت رسمياً أن نطاقه يمتد إلى التصرف محل الاتهام، فإن واقعة الإلغاء اللاحق لا تصلح سنداً لإثبات الركن المادي لجريمة التزوير، ولا لإثبات القصد الجنائي، ولا لتحويل التصرف السابق إلى عمل صادر بغير صفة بأثر رجعي.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لعدم جواز ترتيب أثر جنائي رجعي على الإلغاء اللاحق للتوكيل، وثبوت أن التصرف محل الاتهام قد تم أثناء سريان الوكالة وقبل إلغائها، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الثالث والثمانون: انهيار الأساس الاستدلالي للإدانة متى ثبت أن الدليل القولي المخالف للتوكيل لا يصلح قانوناً لنفي السلطة الثابتة بالمحرر الرسمي
يتمسك المتهم الأول بأن الأساس الاستدلالي الذي أقام عليه الحكم المعارض فيه قضاءه بالإدانة قد انهار، متى كان ما عوّل عليه الحكم من أقوال قد اتخذ منها وسيلة لنفي سلطة ثابتة للمتهم الأول بموجب محرر رسمي، دون أن تكون تلك الأقوال قائمة على إدراك شخصي مباشر لواقعة مادية تنال من أصل الوكالة أو تثبت زوالها قبل مباشرة التصرف، وإنما انصبت – في حقيقتها – على تفسير نطاق التوكيل أو استنتاج حدود السلطة المخولة بمقتضاه، بما لا يصلح بذاته لإنشاء قيد غير وارد في المحرر الرسمي أو لإهدار سلطة ثابتة فيه.
ذلك أن التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يمثل المصدر المباشر للسلطة التي استند إليها المتهم الأول في مباشرة التصرف محل الاتهام، وهو محرر رسمي قائم بالأوراق، يتعين الوقوف على عباراته ومضمونه ونطاق السلطات التي تضمنها عند تحديد مدى صفة المتهم الأول في التوقيع. فإذا كان سند الوكالة قد تضمن تخويل المتهم الأول القيام نيابة عن الموكل بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، ومنحه الحق في التوقيع نيابة عنه على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فإن نفي هذه السلطة لا يكون بمجرد قول لاحق يخالف ظاهر المحرر ومضمونه، وإنما يتطلب دليلاً قانونياً مستقلاً ومحدداً يثبت واقعة مادية من شأنها إنهاء السلطة أو تقييدها أو ثبوت عدم سريانها وقت مباشرة التصرف.
والفارق جوهري بين الشهادة على واقعة مادية أدركها الشاهد بحواسه، وبين إبداء رأي أو تفسير لمضمون محرر رسمي. فإذا شهد شخص بأنه حضر واقعة إلغاء التوكيل قبل التصرف، أو حضر واقعة سحب السلطة أو إخطار الوكيل بانتهائها قبل التوقيع، فهذه واقعة مادية يجوز للمحكمة بحثها وتقديرها في إطار الأدلة المطروحة. أما أن يشهد شخص بأن التوكيل – بعد قراءته أو اطلاعه عليه – لا يسمح بتعديل حصص الشركاء، أو أن إرادة الموكل كانت لا تتجه إلى هذا النوع من التصرفات، دون أن يكون حاضراً واقعة إنشاء التوكيل أو واقعة الاتفاق على مضمونه أو واقعة تقييد سلطته، فذلك لا يعدو أن يكون تفسيراً أو استنتاجاً لا يغني عن دلالة المحرر ذاته.
والأصل أن المحكمة الجنائية تملك تقدير الأدلة المطروحة عليها، إلا أن هذه السلطة لا تعني أن تحول الرأي الشخصي إلى واقعة مادية، أو أن تستخلص من قول الشاهد ما لا تؤدي إليه معلوماته المباشرة، أو أن تجعل من مجرد الصفة الوظيفية للشاهد مصدراً لإنشاء قيد جديد على محرر رسمي لم يتضمنه. فالعبرة ليست بالوصف الذي تطلقه المحكمة على الدليل، وإنما بحقيقة مضمونه ومصدره ومدى صلته المباشرة بالواقعة المراد إثباتها.
وإذا كان الحكم قد أقام انتفاء سلطة المتهم الأول على أقوال أشخاص لم يحرروا التوكيل، ولم يشهدوا واقعة إصداره، ولم يحضروا الاتفاق على مضمونه، ولم يثبتوا واقعة سابقة على التوقيع أدت إلى تقييد سلطته أو إنهائها، فإن أقوالهم – في حدود هذا المعنى – لا تكون قد أثبتت واقعة مادية تنقض سند الوكالة، وإنما قدمت تفسيراً لاحقاً لمضمونه. ولا يجوز أن يتحول هذا التفسير إلى دليل حاسم على وقوع التزوير، لأن إثبات عدم السلطة ليس هو ذاته إثبات فعل تغيير الحقيقة في المحرر.
ويزداد ذلك وضوحاً إذا كان الدليل القولي قد خالف صراحةً ما انتهت إليه جهة التوثيق المختصة بشأن مضمون الوكالة. فقد ثبت بالأوراق أن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل، في الملف رقم 134 لسنة 2026، قد فحصت سند الوكالة وانتهت – بحسب المذكرة الرسمية – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن إلغاء التوكيل تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة لا يُستند إليها باعتبارها حكماً قضائياً ملزماً، وإنما باعتبارها دليلاً رسمياً جوهرياً يكشف عن أن المسألة التي أقيم عليها الاتهام – وهي نطاق سلطة الوكالة – ليست حقيقة محسومة في الاتجاه الذي أخذ به الحكم، بل إن جهة التوثيق المختصة قد انتهت بعد فحص سند الوكالة إلى نتيجة تؤيد امتداد السلطة إلى التصرف محل الاتهام. ومن ثم كان يتعين على الحكم، إذا أراد طرح هذه الدلالة والأخذ بأقوال تخالفها، أن يبين على نحو سائغ مصدر هذه الأقوال، وطبيعة علم أصحابها، وأساس تفسيرهم لنطاق الوكالة، ووجه تغليب هذا القول على سند الوكالة وعلى المذكرة الرسمية.
ولا يكفي في هذا المقام أن يقال إن المحكمة اطمأنت إلى أقوال الشهود، لأن الاطمئنان القضائي – وإن كان من إطلاقات محكمة الموضوع – لا يعفي الحكم من بيان مؤدى الدليل الجوهري الذي عوّل عليه، ولا من الكشف عن الأساس المنطقي الذي انتهى به إلى استخلاص انعدام سلطة المتهم الأول، ولا من مواجهة دفاع جوهري مؤداه أن السلطة ثابتة بمحرر رسمي وأن الجهة المختصة بالتوثيق قد انتهت إلى امتدادها إلى التصرف محل الاتهام.
فإذا كان الدليل القولي لا يثبت إلا أن صاحبة الشأن لم تكن ترغب في إجراء التعديل، أو أنها لم تكن تعلم بالتعديل، أو أنها اعترضت عليه لاحقاً، فإن هذه الوقائع – حتى على فرض صحتها – لا تساوي قانوناً إثبات أن المتهم الأول لم تكن له سلطة في التوقيع وقت مباشرته التصرف، ولا تثبت بذاتها أن التوقيع كان مزوراً، ولا تغني عن إثبات الفعل المادي لتغيير الحقيقة.
ذلك أن إرادة الأصيل في نطاق العلاقة الداخلية شيء، ومصدر السلطة التمثيلية الثابت في سند الوكالة شيء آخر، وقيام جريمة التزوير شيء ثالث مستقل لا يجوز استنتاجه من أحدها بمجرد التسليم بالآخر. فقد تثور منازعة في استعمال الوكالة أو في مدى موافقة التصرف لمصلحة الأصيل، دون أن يعني ذلك حتماً أن الوكيل قد ارتكب تزويراً في المحرر. ومن ثم لا يجوز الانتقال من مجرد عدم الرضا أو المنازعة في التصرف إلى القول بقيام التزوير ما لم يثبت الفعل المادي المكون للجريمة بأدلة مستقلة.
كما أن مجرد القول بأن التوكيل لا يشمل التصرف محل الاتهام لا يكفي في ذاته، ما لم يُبين أساس هذا القول من عبارات سند الوكالة ذاته أو من واقعة قانونية ثابتة أدت إلى تقييد سلطته قبل التوقيع. أما إذا كان القيد المراد إعماله غير وارد في سند الوكالة، وكان استخلاصه قائماً على تفسير لاحق أو رأي شخصي، فإن الحكم لا يكون قد أثبت انعدام السلطة وإنما افترضه، ثم بنى على هذا الافتراض النتيجة الجنائية المتمثلة في وقوع التزوير.
ومن أخطر ما يترتب على هذا النهج أن يصبح الدليل القولي هو المصدر المنشئ للقيد الذي يراد بعد ذلك الاستناد إليه لإثبات الجريمة؛ فيقال أولاً إن الوكالة لا تخول المتهم الأول إجراء التعديل استناداً إلى أقوال الشهود، ثم يستخلص من عدم التخويل المزعوم أن توقيعه قد تم بغير صفة، ثم يستخلص من ذلك وقوع التزوير. والحال أن المقدمة الأولى – وهي عدم التخويل – هي ذاتها محل النزاع ولم يثبتها الدليل على نحو مستقل، فيصبح الاستدلال دائرياً لا يكشف عن دليل مستقل على تغيير الحقيقة.
وإذا أضيف إلى ذلك أن المتهم الأول لم يخف صفته في التوقيع، وإنما وقع بصفته وكيلاً، وأن سند الوكالة كان قائماً وقت مباشرة التصرف، وأن إلغاء الوكالة لم يقع إلا بعد التوقيع، وأن الإدارة العامة للتوثيق قد انتهت رسمياً إلى امتداد الوكالة إلى عقود تعديل الشركات وإلى تقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن القول المخالف لذلك لا يستطيع – بمجرده – أن ينقل الواقعة من نطاق استعمال وكالة قائمة إلى نطاق التزوير الجنائي، ما لم يستند إلى واقعة مادية مستقلة تقطع بزوال السلطة أو عدم وجودها وقت التصرف.
ومن ثم، فإن مناط الطعن ليس مجرد مخالفة أقوال الشهود لمصلحة المتهم الأول، وإنما أن الحكم قد استخدم هذه الأقوال لإثبات مسألة قانونية وواقعية جوهرية لا تثبت بمجرد التفسير الشخصي لمحرر رسمي، ثم بنى عليها نتيجة جنائية أخطر منها، دون أن يكشف عن واقعة مادية مستقلة تثبت أن المتهم الأول كان فاقداً للسلطة وقت التوقيع أو أنه غيّر الحقيقة في المحرر بطريق من طرق التزوير.
ولما كان الركن المادي لجريمة التزوير لا يقوم بمجرد عدم الاتفاق على تفسير نطاق الوكالة، وإنما يتطلب إثبات فعل محدد لتغيير الحقيقة، وكان الحكم قد جعل من الدليل القولي المخالف للتوكيل أساساً لنفي سلطة المتهم الأول، دون أن يستظهر مصدر هذا القول ومدى اتصاله المباشر بالواقعة، ودون أن يواجه الدلالة المستمدة من المحرر الرسمي ومذكرة الإدارة العامة للتوثيق، فإن الأساس الاستدلالي للإدانة يكون قد فقد دعائمه، ويغدو ما انتهى إليه الحكم غير قائم على دليل يقيني صالح لحمله.
ومن ثم، فإن بقاء سند الوكالة قائماً وقت التصرف، وثبوت صدور التوقيع من المتهم الأول بصفته وكيلاً، وثبوت امتداد الوكالة – وفقاً للمذكرة الرسمية المشار إليها – إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، مع عدم قيام دليل مستقل على زوال السلطة أو تغيير الحقيقة، كل ذلك يقطع بأن الدليل القولي المخالف للتوكيل لا يصلح وحده لنفي السلطة الثابتة بالمحرر الرسمي، ولا يصلح بالتالي لأن يكون الأساس الذي تُبنى عليه إدانة المتهم الأول بجريمة التزوير.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لانهيار الأساس الاستدلالي الذي أقيمت عليه الإدانة، وعدم صلاحية الدليل القولي المخالف للتوكيل – في حدود مضمونه ومصدره – لنفي السلطة الثابتة بالمحرر الرسمي أو لإثبات الركن المادي لجريمة التزوير، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الرابع والثمانون: جوهرية التوكيل الرسمي والمستند الرسمي الصادر عن الإدارة العامة للتوثيق في تكوين عقيدة المحكمة، وإهدارهما دون مواجهة قانونية سائغة يعيب الحكم بالقصور والإخلال بحق الدفاع
يتمسك المتهم الأول بأن التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، والمستند الرسمي الصادر عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، يمثلان من الأدلة الجوهرية في الدعوى، لاتصالهما المباشر بأصل الواقعة محل الاتهام وبالمسألة التي يدور حولها جوهر الإسناد الجنائي، وهي مدى ثبوت سلطة المتهم الأول في مباشرة التوقيع على عقد تعديل الشركة محل الاتهام، وما إذا كان توقيعه قد صدر في نطاق سلطة تمثيلية قائمة وقت مباشرة التصرف، أم أنه صدر بغير سند من الوكالة.
ذلك أن التوكيل الرسمي ليس مستنداً عرضياً أو دليلاً ثانوياً يمكن تجاوزه دون أثر، وإنما هو مصدر السلطة التي استند إليها المتهم الأول في مباشرة التصرف محل الاتهام، وهو محرر رسمي سابق على الواقعة، ثابت التاريخ والمصدر، يتعين الوقوف على مضمونه ونطاق السلطات الواردة فيه عند بحث ما إذا كان التوقيع قد صدر في إطار وكالة قائمة أم خارجها.
والثابت من سند الوكالة أن صاحبة الشأن قد خولت المتهم الأول القيام نيابة عنها في المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، ومنحته الحق في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، بما يجعل التوكيل ذاته هو الوثيقة الأصلية التي يتعين الرجوع إليها لتحديد نطاق السلطة التمثيلية التي باشر المتهم الأول التصرف استناداً إليها.
ولا يقف الأمر عند حدود دلالة سند الوكالة ذاته، إذ جاءت مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، لتقرر – بحسب الثابت بها – أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة لا يتمسك بها المتهم الأول باعتبارها حكماً قضائياً ملزماً للمحكمة، ولا باعتبارها منشئة لسلطة لم تكن موجودة من قبل، وإنما يتمسك بها بوصفها مستنداً رسمياً جوهرياً صادراً عن الجهة المختصة بأعمال التوثيق، ومتعلقاً بذات سند الوكالة وذات التصرف محل الاتهام، ومن ثم فإن دلالتها في تحديد نطاق الوكالة لا يجوز تجاهلها أو إغفالها دون بحث وتمحيص.
وقد كان هذا الدليل – لو صح ما يتمسك به الدفاع من دلالته – من شأنه أن يغير وجه الرأي في الدعوى؛ ذلك أن ثبوت امتداد الوكالة إلى التصرف محل الاتهام يهدم الأساس الذي يقوم عليه القول بأن المتهم الأول قد وقع بغير صفة أو تجاوز سلطة التمثيل على نحو يكوّن بذاته صورة التزوير، ويستوجب بالتالي بحث الواقعة من زاوية مختلفة تماماً عن مجرد افتراض انعدام السلطة.
ومن ثم، فإن إغفال الحكم المعارض فيه بحث التوكيل الرسمي ومؤداه الحقيقي، أو عدم مواجهته بما ورد به من سلطات صريحة، أو إغفال المستند الرسمي الصادر عن الإدارة العامة للتوثيق وما انتهى إليه من نتيجة متعلقة مباشرة بحدود تلك السلطة، لا يعد مجرد إغفال لدليل من أدلة الدعوى، وإنما يمثل إهداراً لدليل جوهري من شأنه – لو صح – أن يتغير به وجه الرأي فيها.
ولا يكفي في مواجهة هذا الدفاع الجوهري أن يورد الحكم عبارات عامة عن عدم صحة دفاع المتهم أو أن يعتنق أقوالاً أخرى تخالف مؤدى التوكيل، بل يتعين – متى كان الحكم قد أقام قضاءه على انتفاء سلطة المتهم الأول – أن يكشف عن الأساس الذي استند إليه في تقييد نطاق الوكالة، وأن يبين وجه دلالة نصوص التوكيل التي انتهى منها إلى عدم امتداد السلطة إلى التصرف محل الاتهام، وأن يواجه صراحة ما ورد بالمستند الرسمي الصادر عن الإدارة العامة للتوثيق، وسبب عدم الأخذ بما انتهى إليه.
ذلك أن الدفاع الجوهري الذي من شأنه – في صورة صحته – أن يغير وجه الرأي في الدعوى لا يجوز أن يطرح بعبارات مجملة أو بردود لا تواجه عناصره، وإنما يجب أن يكون الرد عليه رداً سائغاً يكشف عن أن المحكمة قد فطنت إلى حقيقته وأحاطت بأسانيده ووازنت أثره في الدعوى.
وإذا كان الحكم قد اعتبر أن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة التوقيع، فإن هذا الاستنتاج لا يستقيم بمجرد إهدار دلالة سند الوكالة، وإنما كان يتعين عليه أن يبين على وجه محدد النص أو القيد الذي استخلص منه انحسار السلطة، وأن يوضح لماذا لا يمتد التفويض الوارد في التوكيل إلى تعديل عقد الشركة أو تعديل حصص الشركاء، رغم أن المستند الرسمي الصادر عن الإدارة العامة للتوثيق قد انتهى إلى خلاف ذلك.
ولا سيما أن تحديد نطاق الوكالة لا يجوز أن يقوم على الانطباع أو الافتراض أو مجرد الأقوال اللاحقة على التصرف، وإنما الأصل أن يبدأ من سند الوكالة ذاته، باعتباره المحرر الذي أنشأ العلاقة التمثيلية وحدد سلطات النائب، ثم تُفحص الوقائع اللاحقة في ضوء ذلك السند، لا أن يُستخلص أولاً انتفاء السلطة من أقوال لاحقة ثم يُبحث التوكيل على ضوء النتيجة المفترضة.
كما أن إغفال المستند الرسمي الصادر عن الإدارة العامة للتوثيق يزداد خطورة من الناحية الدفاعية، لأنه لم يكن مستنداً بعيد الصلة بالواقعة، وإنما تناول تحديداً سند الوكالة محل الاتهام، والتصرف محل النزاع، ومدى امتداد السلطة إلى التوقيع على تعديل الشركة وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وهي ذات المسألة التي يتوقف عليها جانب جوهري من التصوير الجنائي للواقعة.
ومن ثم، فإن طرح هذا المستند دون مناقشة مضمونه أو بيان سبب عدم التعويل عليه لا يحقق المواجهة القضائية الواجبة لدفاع المتهم الأول، ولا يكشف عن أن المحكمة قد أحاطت بعناصر دفاعه إحاطة كافية، خاصة إذا كان الحكم قد انتهى إلى نتيجة مناقضة لما انتهت إليه الجهة الإدارية المختصة بعد فحص ذات سند الوكالة.
ولا يغير من ذلك أن للمحكمة سلطة تقدير الأدلة، إذ إن سلطة التقدير لا تعني إغفال الأدلة الجوهرية، ولا تعني أن للمحكمة أن تتجاهل مستنداً يمكن أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى دون أن تواجه دلالته مواجهة سائغة. فالفرق قائم بين أن تزن المحكمة الدليل ثم تطرحه بأسباب سائغة، وبين أن تهمله أو تعرض عنه دون أن تبين سبباً مقبولاً لطرحه.
كما أن الأخذ بأقوال بعض الشهود – أياً كانت صفاتهم – لا يغني عن بحث التوكيل ذاته، ولا عن مواجهة دلالته، ولا سيما إذا كان هؤلاء الشهود لم يباشروا تحرير التوكيل أو توثيقه ولم يكونوا حاضرين عند إنشائه، وكانت أقوالهم – في حدود ما يتصل بتحديد نطاق الوكالة – قائمة على تفسير لاحق لمضمونه أو على معلومات مستمدة من ملفات أو إجراءات لم يباشروها بأنفسهم.
فإذا كان الحكم قد رجح تلك الأقوال على مؤدى سند الوكالة والمستند الرسمي الصادر عن الإدارة العامة للتوثيق، كان لزاماً عليه أن يكشف عن أسباب هذا الترجيح، وأن يبين لماذا اطمأن إلى التفسير الذي أخذ به رغم قيام محرر رسمي ثابت بالأوراق يحمل دلالة مغايرة، وإلا أصبح ترجيحه مجرد مفاضلة غير معللة بين دليلين جوهريين.
والأثر القانوني لذلك أن الحكم يكون قد حجب عن نفسه بحث دفاع جوهري يمكن – لو صح – أن يؤدي إلى انتفاء الركن المادي لجريمة التزوير أو على الأقل إلى قيام شك جدي في ثبوت فعل تغيير الحقيقة، إذ إن ثبوت صدور التوقيع في إطار وكالة قائمة، وثبوت امتداد نطاقها إلى التصرف محل الاتهام، يقتضي إعادة تقييم الأساس الذي أقيم عليه إسناد التزوير إلى المتهم الأول.
ولا يجوز في هذا المقام أن يُستبدل بإثبات الفعل المادي للتزوير مجرد إثبات أن التعديل ترتب عليه أثر مالي أو قانوني بالنسبة إلى حصص الشركاء، لأن النتيجة التي ترتبت على التصرف ليست بذاتها دليلاً على تغيير الحقيقة، كما أن المنازعة في مدى موافقة الأصيل على التصرف أو في مدى استعمال الوكيل للسلطة الممنوحة له لا تغني عن إثبات الفعل المادي المكون لجريمة التزوير.
ومن ثم، فإن إغفال الحكم المعارض فيه لهذين المستندين أو طرحهما دون مواجهة قانونية سائغة قد أدى إلى خلل جوهري في بناء عقيدته؛ إذ عوّل على نتيجة مفادها انتفاء سلطة المتهم الأول دون أن يستنفد بحث المصدر الأصلي لهذه السلطة، ودون أن يواجه المستند الرسمي الذي انتهى إلى امتدادها إلى التصرف محل الاتهام.
وإذ كان هذا الدفاع متصلاً اتصالاً مباشراً بأصل الاتهام، وكان من شأن الأخذ به أن يغير وجه الرأي في الدعوى، فإن إغفاله أو الرد عليه بما لا يواجه عناصره الجوهرية يعيب الحكم بالقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، ويفقده الأساس السليم الذي يمكن معه الاطمئنان إلى أن المحكمة قد أحاطت بكافة عناصر الدعوى وأدلتها الجوهرية.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على جوهرية التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017، والمستند الرسمي الصادر عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، وثبوت اتصالهما المباشر بمدى سلطة المتهم الأول في التوقيع، وعلى ما شاب الحكم المعارض فيه من قصور في التسبيب وإخلال بحق الدفاع وفساد في الاستدلال، لإهدارهما أو عدم مواجهتهما بما يكفي من أسباب قانونية سائغة، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الخامس والثمانون: وجوب إعادة تقدير الدعوى في ضوء المحررات الرسمية باعتبارها المحدد القانوني لنطاق النيابة، واستبعاد ما خالفها من استدلالات قولية في حدود المسألة التي حسمها المحرر الرسمي
يتمسك المتهم الأول بوجوب إعادة تقدير الواقعة محل الاتهام في ضوء المحررات الرسمية الثابتة بالأوراق، وفي مقدمتها سند الوكالة الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، باعتباره المصدر الأصلي الذي تستمد منه سلطة النيابة ونطاقها، وباعتباره المحرر الذي يتعين الرجوع إليه ابتداءً للوقوف على حدود السلطة التي خولتها صاحبة الشأن للمتهم الأول وقت مباشرة التصرف محل الاتهام، دون إحلال أقوال لاحقة أو استنتاجات شخصية محل ما ثبت رسمياً في سند النيابة.
ذلك أن مناط البحث في هذه الدعوى ليس مجرد إثبات أن المتهم الأول قام بالتوقيع، وهي واقعة لم ينازع فيها، وإنما تحديد الصفة التي باشر بها هذا التوقيع، ومصدر السلطة التي استند إليها، وما إذا كان التصرف الذي وقعه يدخل في نطاق النيابة التي خولها له الأصيل. وهذه مسائل لا يصح فصلها عن سند الوكالة ذاته، ولا يجوز أن يُستدل على حدودها ابتداءً من أقوال من لم يكن مصدر سلطته أو ممن لم يباشر إنشاء الوكالة أو توثيقها، ثم يُهدر بها النص الثابت بالمحرر الرسمي.
والثابت من سند الوكالة أن صاحبة الشأن قد خولت المتهم الأول القيام نيابة عنها بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، ومنحته الحق في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عما تضمنه سند الوكالة من سلطات متصلة بالتعامل أمام الجهات المختصة وإجراءات التسجيل والتوثيق والنشر.
ومن ثم فإن تحديد مدى امتداد سلطة المتهم الأول إلى عقد تعديل الشركة محل الاتهام يجب أن يبدأ من منطوق سند الوكالة ونطاق العبارات التي تضمنها، لا من أقوال لاحقة يراد بها إنشاء قيد لم يرد فيه، أو تضييق سلطة لم يثبت أن الأصيل قد قيدها عند إصدار الوكالة.
وقد تعززت دلالة سند الوكالة بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص الوكالة والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة الرسمية لا يُتمسك بها باعتبارها منشئة للسلطة أو حاكمة بذاتها في المسؤولية الجنائية، وإنما باعتبارها دليلاً رسمياً جوهرياً مؤيداً لما يستفاد من سند الوكالة ذاته بشأن نطاق النيابة، ومؤكداً أن المسألة التي أقيم عليها الاتهام – وهي مدى امتداد سلطة المتهم الأول إلى التصرف محل الاتهام – لا يجوز اختزالها في أقوال متعارضة أو استنتاجات شخصية دون مواجهة مضمون المحررات الرسمية ذات الصلة.
ومن ثم، فإن ما يخالف الثابت بالمحرر الرسمي لا يجوز أن يُتخذ – في حدود المسألة التي حسمها المحرر – أساساً مجرداً لإثبات عكس مضمونه، متى كان القول المخالف لا يستند إلى واقعة مستقلة أدركها قائله بنفسه، وإنما يقوم على تفسير شخصي أو استنتاج لاحق لنطاق الوكالة أو على تصور لمضمونها لا يسانده نصها.
ولا يعني ذلك مصادرة سلطة المحكمة الجنائية في تقدير الأدلة أو القول بعدم جواز الاستدلال بالشهادة في مسائل التزوير على إطلاقه، وإنما المقصود أن لكل دليل نطاقه في الإثبات، وأن الدليل القولي لا ينبغي أن يُحمَّل ما لا يحتمل، بحيث يتحول إلى وسيلة لإنشاء قيد غير ثابت في سند الوكالة، أو لإعادة صياغة مضمون محرر رسمي على نحو يخالف عباراته، دون أن يبين الحكم أساس ذلك التفسير ومصدره وسبب ترجيحه.
فإذا كان الشاهد قد أدرك واقعة مادية بذاتها إدراكاً مباشراً، جاز للمحكمة أن تزن شهادته في حدود هذه الواقعة. أما إذا كان ما أدلى به لا يعدو أن يكون رأياً في تفسير سند الوكالة، أو استنتاجاً لحدود السلطة، أو نقلاً لما قرره آخرون، أو تصوراً لما كانت تريده صاحبة الشأن، فلا يجوز مساواة هذا القول بالمحرر الذي يستمد منه أصل السلطة، ولا اتخاذه وحده دليلاً على انعدامها أو تجاوزها، ما لم يكن الحكم قد استظهر مصدر هذا الاستنتاج وأقام له سنداً سائغاً.
وتزداد أهمية ذلك في الدعوى الماثلة، لأن الاتهام بالتزوير قد بُني – في جوهره – على تصوير مؤداه أن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة مباشرة التصرف محل الاتهام، فإذا كان هذا التصوير يناقض ما يستفاد من سند الوكالة الرسمي، ويخالف ما انتهت إليه الجهة المختصة بالتوثيق بعد فحص الوكالة، فإن إعادة تقدير الدعوى تصبح أمراً لازماً قبل استخلاص أي نتيجة جنائية.
ذلك أن المحكمة لا يجوز لها أن تبدأ من افتراض أن المتهم الأول لم تكن له سلطة، ثم تستخدم هذا الافتراض لتفسير الوكالة على نحو ضيق، ثم تجعل من ذلك التفسير دليلاً على وقوع التزوير. وإنما يتعين أن تسير عملية الاستدلال في الاتجاه العكسي: تحديد مضمون سند الوكالة، ثم تحديد الفعل الذي باشره المتهم الأول، ثم بيان ما إذا كان هذا الفعل يدخل في نطاق السلطة المخولة له، ثم – وفقط إذا ثبت خروجه عنها – بحث ما إذا كان هذا الخروج قد انطوى على فعل مادي مستقل من أفعال تغيير الحقيقة المجرّم قانوناً.
أما القفز مباشرة من نتيجة التصرف – كتعديل حصص الشركاء – إلى القول بوقوع التزوير، أو من اعتراض صاحبة الشأن على التصرف إلى القول بانعدام سلطة الوكيل، دون إثبات أن حقيقة مادية في المحرر قد تم تغييرها، فإنه يمثل خلطاً بين نطاق الوكالة من ناحية، وبين الركن المادي لجريمة التزوير من ناحية أخرى.
كما أن إلغاء الوكالة في تاريخ لاحق على مباشرة التصرف لا يصلح بذاته لإعادة تحديد نطاق السلطة في تاريخ سابق، ولا يجوز أن يُستدل به على أن المتهم الأول لم تكن له صفة تمثيلية وقت التوقيع، ما دام الثابت أن الإلغاء وقع بعد مباشرة التصرف. ومن ثم فإن تحديد نطاق النيابة يجب أن يتم بالنسبة إلى الحالة القانونية القائمة وقت مباشرة العمل محل الاتهام، لا استناداً إلى واقعة لاحقة عليه.
وإذا كانت المحكمة قد عولت على أقوال بعض الموظفين أو الشهود للقول بأن الوكالة لا تشمل التصرف محل الاتهام، فإن عليها أن تبين تحديداً مصدر علم كل منهم بهذه النتيجة، وما إذا كان قوله قائماً على واقعة أدركها بنفسه أم على مجرد تفسير للمحرر، وأن تواجه في الوقت ذاته ما هو ثابت بنص الوكالة وما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بشأن نطاقها. أما مجرد ترجيح القول على المحرر الرسمي بعبارات عامة، دون بيان سبب قانوني أو واقعي سائغ، فلا يكفي لحمل قضاء جنائي بالإدانة.
فالمسألة الجوهرية في هذا المقام ليست أي الأدلة أكثر عدداً، وإنما أيها يتعلق مباشرة بمصدر السلطة ونطاقها، وما إذا كان الدليل الذي عُوّل عليه الحكم يؤدي فعلاً إلى النتيجة التي انتهى إليها. والمحرر الرسمي المنشئ أو المثبت للوكالة هو نقطة الانطلاق الطبيعية في تحديد نطاق النيابة، ولا يجوز أن يستبدل به تفسير شفهي لاحق إلا إذا قام دليل معتبر على واقعة مستقلة تفسر مضمون المحرر أو تثبت ما لا يتعارض معه، مع بيان وجه ذلك تفصيلاً.
وعلى ذلك، فإن إعادة تقدير الدعوى في ضوء المحررات الرسمية تكشف أن المتهم الأول لم يباشر التوقيع مجرداً من الصفة، وإنما باشره مستنداً إلى وكالة رسمية قائمة، وأن نطاق هذه الوكالة قد ثبت رسمياً امتداده إلى عقود تعديل الشركات والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وأن ما يخالف ذلك من أقوال لا يصلح – في حدود ما يتناول تفسير نطاق الوكالة ذاته – لأن يهدر دلالة المحرر الرسمي بمجرد إطلاقه أو اتخاذه مسلّمة دون استظهار مصدر العلم وأساسه.
ومتى سقط الاستدلال القولي الذي أقيم عليه القول بانعدام سلطة المتهم الأول أو تجاوزه لنطاق الوكالة، ولم يبق في الأوراق دليل مستقل يقيني يثبت فعلاً مادياً من أفعال تغيير الحقيقة، فإن الركن المادي لجريمة التزوير يكون غير ثابت في حقه، ولا يبقى سوى منازعة في مدى استعمال الوكالة أو آثار التصرف، وهي – مهما بلغت أهميتها المدنية – لا تتحول بذاتها إلى دليل على ارتكاب جريمة التزوير.
ومن ثم، فإن المتهم الأول يتمسك بإعادة تقدير الدعوى برمتها على ضوء المحررات الرسمية الثابتة بالأوراق، وإعمال دلالتها في تحديد نطاق النيابة، واستبعاد أثر الاستدلالات القولية المخالفة لها في الحدود التي تتجاوز فيها وظيفتها الإثباتية المشروعة، وعدم اتخاذها أساساً لإضافة قيد غير وارد بسند الوكالة أو إثبات انعدام سلطة لم يقم عليها دليل يقيني، وصولاً إلى النتيجة الصحيحة قانوناً، وهي انتفاء الركن المادي للتزوير وعدم ثبوت فعل تغيير الحقيقة في حق المتهم الأول.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على عدم ثبوت فعل مادي من أفعال التزوير، وثبوت قيام سلطته التمثيلية بموجب محرر رسمي قائم وقت التصرف، وثبوت امتداد نطاق الوكالة إلى التصرف محل الاتهام، مع استبعاد ما لا يصلح من الاستدلالات القولية لإهدار دلالة المحررات الرسمية أو إنشاء قيود غير واردة بها، والتمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة دون عدول أو تنازل عن أي منها.
الدفع السادس والثمانون: براءة المتهم الأول تأسيسًا على انتفاء الركن المادي للجريمة، وعلى الأقل قيام الشك الجدي في توافره، متى ثبتت وكالته وسريانها وقت التصرف وثبوت شمولها له بالمحررات الرسمية
يتمسك المتهم الأول ببراءته مما أسند إليه تأسيساً على انتفاء الركن المادي لجريمة التزوير في حقه، وعلى الأقل قيام الشك الجدي في توافر هذا الركن على نحو يستحيل معه قانوناً وواقعاً إقامة قضاء بالإدانة على سبيل الجزم واليقين، وذلك بعد أن ثبت بالأوراق قيام سند وكالة رسمي سابق على التصرف، وثبوت سريان تلك الوكالة وقت مباشرة التوقيع محل الاتهام، وثبوت امتداد نطاقها إلى التصرف محل الاتهام بموجب المحررات الرسمية القائمة بالأوراق.
فالثابت من سند الوكالة الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة أن المتهم الأول لم يباشر التصرف محل الاتهام مجرداً من أية صفة أو سلطة، وإنما باشره استناداً إلى سند نيابة رسمي صادر من صاحبة الشأن، خوله القيام نيابة عنها بالمسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات، بما يجعل مصدر السلطة التي استند إليها المتهم الأول في مباشرته للتوقيع ثابتاً بمحرر رسمي سابق على الواقعة محل الاتهام.
ولم يقف الأمر عند مجرد قيام الوكالة، وإنما ثبت كذلك أن المتهم الأول باشر التوقيع بصفته وكيلاً، ولم ينتحل شخصية صاحبة الشأن أو يخفي صفته التمثيلية، الأمر الذي يثير من أساسه التساؤل الجوهري حول موضع فعل تغيير الحقيقة الذي تنسبه إليه جهة الاتهام، وما إذا كان هناك بالفعل فعل مادي مستقل ارتكبه المتهم الأول يصلح أن تتوافر به الصورة القانونية لجريمة التزوير.
والأمر أكثر وضوحاً في ضوء ما ثبت بالمحررات الرسمية من أن نطاق الوكالة لم يكن مقصوراً على مجرد أعمال تأسيس الشركات، وإنما امتد – بحسب ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء الوكالة قد تم لاحقاً على التوقيع بموجبها.
وهذه العناصر مجتمعة لا تنشئ فقط دفاعاً شكلياً للمتهم الأول، وإنما تمس صميم الركن المادي للجريمة؛ إذ إن قيام الوكالة وسريانها وقت التصرف وثبوت شمولها له يقطع الطريق على افتراض أن مجرد مباشرة المتهم الأول للتوقيع كانت فعلاً مادياً غير مشروع، ويجعل من اللازم على جهة الاتهام أن تثبت – فوق مجرد المنازعة في نطاق التصرف أو آثاره – فعلاً مادياً محدداً من أفعال تغيير الحقيقة ارتكبه المتهم الأول رغم قيام سند النيابة.
فليس كل توقيع يترتب عليه أثر قانوني أو اقتصادي غير مرغوب فيه تزويراً، وليس كل تجاوز مدعى به في استعمال الوكالة يتحول تلقائياً إلى تغيير للحقيقة في محرر. وإنما مناط التجريم أن يثبت أن المتهم قد أقدم على فعل مادي مؤثم أدى إلى تغيير حقيقة ثابتة في المحرر تغييراً جوهرياً، وأن يكون هذا الفعل منسوباً إليه على وجه يقيني، وأن تتوافر باقي عناصر الجريمة على النحو الذي يتطلبه القانون.
والثابت في الدعوى الماثلة أن التوقيع صدر من المتهم الأول شخصياً، وفي إطار صفة تمثيلية معلنة، وبموجب سند وكالة رسمي كان قائماً وقت التصرف، ولم يثبت بالأوراق على نحو يقيني أن المتهم الأول قد اصطنع توقيعاً منسوباً إلى صاحبة الشأن، أو قلد توقيعها، أو انتحل شخصيتها، أو أجرى تغييراً مادياً آخر في المحرر على خلاف الحقيقة.
وحتى إذا افترض جدلاً وجود خلاف حول مدى موافقة صاحبة الشأن على التعديل أو حول الآثار التي ترتبت عليه، فإن هذا الخلاف لا يكفي بذاته لإثبات الركن المادي لجريمة التزوير؛ إذ يظل من اللازم تحديد الحقيقة التي كانت قائمة، والفعل الذي غيّرها، وطريقة التغيير، ونسبته إلى المتهم الأول، وهي أمور لا تنهض فيها مجرد المنازعة في التصرف أو آثاره مقام الدليل الجنائي اليقيني.
كما أن الإلغاء اللاحق للوكالة لا يصلح بذاته دليلاً على عدم قيام السلطة وقت التوقيع، ولا يحول بأثر رجعي دون صحة الاستناد إلى الوكالة في الزمن الذي كانت فيه قائمة، ولا يجوز أن يستخلص منه وحده أن المتهم الأول كان يعلم وقت التصرف بأنه يباشر عملاً مجرداً من السلطة، ما دام الثابت أن الإلغاء جاء لاحقاً على مباشرة التصرف محل الاتهام.
ويتعزز هذا الدفاع بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في مذكرتها الرسمية بالملف رقم 134 لسنة 2026، من أن التوكيل العام المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء. وهذه المذكرة، وإن كانت لا تحل محل القضاء في الفصل في المسؤولية الجنائية، إلا أنها تمثل دليلاً رسمياً جوهرياً مؤيداً لمدى اتساع سلطة الوكالة، ولا يجوز تجاهل دلالتها عند تقدير ما إذا كان ثمة فعل مادي لتغيير الحقيقة من عدمه.
ومن ثم، فإذا كانت المستندات الرسمية ذاتها تفتح مجالاً جدياً ومباشراً للقول بأن المتهم الأول كان يملك سلطة التوقيع وقت مباشرة التصرف، وأن هذه السلطة كانت تشمل نوع التصرف محل الاتهام، فإن القول بانعدام السلطة لا يعود حقيقة ثابتة لا تحتمل الشك، وإنما يصبح – في أحسن الأحوال بالنسبة للاتهام – محل منازعة جدية يحيط بها الشك.
وهنا يتجلى الأثر الجنائي الحاسم لهذا الدفاع؛ إذ لا يكفي في مجال الإدانة أن يكون ثمة احتمال لأن يكون المتهم قد تجاوز حدود وكالته، ولا يكفي أن تكون هناك قراءة أخرى لمضمون سند الوكالة، ولا أن تكون صاحبة الشأن قد نازعت لاحقاً في آثار التصرف، وإنما يتعين أن يثبت الاتهام على نحو يقيني أن المتهم الأول قد ارتكب بالفعل المادي المكون للتزوير، وأن هذا الفعل لا يستند إلى سلطة قائمة وقت ارتكابه.
فإذا بقيت الأوراق محتملة في شأن نطاق الوكالة، أو ثبت منها ما يؤيد امتدادها إلى التصرف، أو تعارضت الأقوال مع المحررات الرسمية في تحديد هذه المسألة، فإن هذا التعارض لا يجوز أن يُحسم لمصلحة الإدانة بالافتراض أو الترجيح الظني، بل يظل الشك قائماً في أحد العناصر الجوهرية التي أقيم عليها الاتهام.
ولا يجوز تحميل المتهم الأول عبء إثبات أنه لم يرتكب التزوير، إذ إن الأصل هو براءته، وعبء إقامة الدليل على توافر أركان الجريمة يقع على عاتق الاتهام. فإذا كان سند الوكالة الرسمي قائماً وسارياً وقت التصرف، وثبتت دلالته على امتداد السلطة إلى التعديل محل الاتهام، ثم عجز الاتهام عن تحديد فعل مادي مستقل لتغيير الحقيقة، فإن الركن المادي لا يكون قد ثبت ثبوتاً يقينياً، بل يثور بشأنه شك جدي يمس أصل الإسناد الجنائي.
ومن ثم، فإن المتهم الأول يتمسك – أصلياً – بانتفاء الركن المادي للجريمة لعدم ثبوت فعل تغيير الحقيقة في حقه، وبصفة احتياطية – وعلى فرض عدم التسليم بهذا الانتفاء – بقيام الشك الجدي في توافر هذا الركن، تأسيساً على ثبوت الوكالة وسريانها وقت التصرف وثبوت شمولها للتصرف محل الاتهام بالمحررات الرسمية، وهو شك يتعين تفسيره لمصلحة المتهم ولا يصلح معه سنداً للإدانة.
وإذ لم تقدم الأوراق دليلاً يقينياً يحدد فعلاً مادياً ارتكبه المتهم الأول لتغيير الحقيقة، وظل سند الوكالة الرسمي قائماً، وثبت رسمياً سريان الوكالة وقت التصرف وامتدادها – بحسب ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق – إلى التوقيع على تعديل الشركة وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن إسناد جريمة التزوير إليه يكون قد قام على الاحتمال لا على اليقين، وعلى الاستنتاج لا على الدليل القاطع.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على انتفاء الركن المادي لجريمة التزوير وعدم ثبوت فعل تغيير الحقيقة في المحررات محل الاتهام، وعلى الأقل لقيام الشك الجدي في توافر هذا الركن، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع أو ما سبقه أو ما يليه من أوجه الدفاع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع السابع والثمانون: انتفاء القصد الجنائي لجريمة التزوير والاستعمال، لثبوت حسن نية المتهم الأول وقيام اعتقاده المشروع بسلطة الوكيل استناداً إلى مظاهر قانونية ومادية سابقة على التصرف محل الاتهام
يتمسك المتهم الأول بانتفاء القصد الجنائي في حقه، بشقيه المتعلقين بجريمة التزوير وجريمة استعمال المحرر محل الاتهام، ذلك أن الثابت من ظروف الواقعة وملابساتها السابقة والمعاصرة للتصرف أن المتهم الأول لم يكن يعلم أنه يباشر فعلاً من شأنه تغيير الحقيقة على نحو مؤثم، ولم تتجه إرادته إلى اصطناع حقيقة غير صحيحة أو إظهارها على خلاف الواقع، وإنما باشر التصرف محل الاتهام في ظل اعتقاد جدي ومشروع بقيام صفته التمثيلية وسلامة سلطته في التوقيع، مستنداً في ذلك إلى سند وكالة رسمي قائم، وإلى مظاهر قانونية ومادية موضوعية كانت قائمة قبل مباشرة التصرف.
فالقصد الجنائي في جريمة التزوير لا يُفترض لمجرد صدور التوقيع أو مجرد ترتيب التصرف لآثار قانونية أو مالية، وإنما يتعين أن يثبت في حق المتهم علمه بتغيير الحقيقة وإرادته تحقيق هذا التغيير على النحو المؤثم قانوناً، وأن يكون استعمال المحرر – في جريمة الاستعمال – قائماً على علم حقيقي بأن المحرر مزور واتجاه الإرادة إلى الاحتجاج به باعتباره صحيحاً رغم العلم بتزويره. أما إذا ثبت أن المتهم كان يعتقد، استناداً إلى أسباب موضوعية سابقة على التصرف، أنه يباشر عملاً مشروعاً في حدود سلطة ثابتة له، فإن هذا الاعتقاد يكون عنصراً جوهرياً في تقدير مدى توافر القصد الجنائي.
والثابت أن المتهم الأول لم يستمد اعتقاده بسلطته من مجرد قول مرسل أو من تفسير لاحق للواقعة، وإنما كان بين يديه قبل مباشرة التصرف سند رسمي هو التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، صادر من صاحبة الشأن، ومتضمناً تخويله القيام نيابة عنها في المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عن السلطات الأخرى الواردة في سند الوكالة.
وهذا السند الرسمي يمثل مظهراً قانونياً سابقاً على الواقعة، من شأنه – في ذاته وبصرف النظر عن النزاع اللاحق حول تفسير نطاقه – أن يفسر تفسيراً موضوعياً ومشروعاً اعتقاد المتهم الأول بقيام صفته التمثيلية وقت مباشرة التصرف، ولا سيما وأنه لم يكن يعلم في ذلك الوقت بما قد يثور لاحقاً من منازعة حول مدى امتداد سلطة الوكالة إلى التعديل محل الاتهام.
كما أن المتهم الأول لم يباشر التصرف في الخفاء أو متنكراً في شخصية صاحبة الشأن، وإنما وقع معلناً صفته كوكيل عنها، بما يكشف عن أن سلوكه الخارجي لم يكن سلوك من يريد إخفاء حقيقة مركزه القانوني أو إيهام الغير بأنه صاحب الصفة الأصلي، وإنما سلوك شخص يعتقد أنه يستعمل سلطة تمثيلية ثابتة له بموجب محرر رسمي.
وتتأكد دلالة ذلك من أن التصرف قد جرى في إطار إجراءات رسمية وأمام الجهات المختصة، وعلى أساس تقديم سند الوكالة وإثبات الصفة التمثيلية، بما يمثل مظهراً مادياً سابقاً ومعاصراً للتصرف يعزز الاعتقاد المشروع بقيام السلطة، ويجعل من غير السائغ استخلاص العلم بالتزوير من مجرد استعمال المحرر في الإجراءات الرسمية ذاتها.
ولا يقف الأمر عند هذه المظاهر السابقة على التصرف، بل إن الأوراق قد كشفت لاحقاً عن أن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، انتهت في الملف رقم 134 لسنة 2026 إلى أن التوكيل العام المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وإن كانت هذه المذكرة الرسمية قد صدرت لاحقاً على الواقعة، ولا تنشئ بذاتها سلطة بأثر رجعي، إلا أن قيمتها في مقام بحث القصد الجنائي تتمثل في أنها تؤيد بصورة موضوعية أن فهم المتهم الأول لنطاق وكالته لم يكن فهماً شاذاً أو متهافتاً أو مجرد ذريعة مصطنعة بعد وقوع الواقعة، وإنما كان له أساس قانوني وواقعي يمكن حمله على محمل الجد، إلى الحد الذي انتهت معه الجهة الإدارية المختصة بالتوثيق – بعد فحص سند الوكالة – إلى ذات المعنى الجوهري المتعلق بامتدادها إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
وهذه الدلالة تكتسب أهمية خاصة في مجال القصد الجنائي؛ لأن مناط البحث ليس فقط فيما إذا كان التصرف محل الاتهام قد أثار نزاعاً لاحقاً حول نطاق الوكالة، وإنما فيما إذا كان المتهم الأول وقت مباشرته للتصرف يعلم أنه يغير الحقيقة أو يتصرف بغير سلطة، ومع ذلك اتجهت إرادته إلى إحداث هذا التغيير واستعمال المحرر على هذا الأساس. فإذا كانت أمامه وكالة رسمية قائمة، وكان يوقع بصفته وكيلاً، وكانت الوكالة تتضمن نصاً على التوقيع على عقود تعديل الشركات، ثم انتهت جهة التوثيق المختصة لاحقاً إلى أن هذا النص يمتد إلى الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن استخلاص العلم الجنائي من مجرد وقوع المنازعة بعد ذلك يكون استخلاصاً لا يستقيم مع ظروف الواقعة السابقة على التصرف.
ولا يجوز الخلط بين العلم بوقوع التصرف والعلم بتزويره؛ فالمتهم الأول قد يكون عالماً تماماً بأنه يوقع على تعديل عقد الشركة، وقد يكون عالماً بالآثار القانونية التي تترتب على ذلك، دون أن يعني هذا العلم أنه كان يعلم أن المحرر مزور أو أن سلطته غير قائمة أو أن توقيعه يمثل تغييراً للحقيقة. والعبرة في القصد الجنائي لجريمة التزوير هي بعلمه بالعناصر التي تجعل فعله تزويراً، لا بمجرد علمه بالفعل المادي الذي قام به.
وكذلك لا يكفي لقيام جريمة استعمال المحرر المزور مجرد ثبوت أن المتهم قدم المحرر أو احتج به أمام جهة مختصة، إذ يلزم فوق ذلك ثبوت علمه بتزوير المحرر وقت استعماله واتجاه إرادته إلى استعماله مع هذا العلم. فإذا كان المتهم الأول قد قدم سند الوكالة ذاته باعتباره مصدر سلطته، وأفصح عن صفته التمثيلية، وباشر الإجراءات في الإطار الرسمي المقرر، فإن هذه الملابسات تتعارض – من حيث الأصل – مع افتراض أنه كان يعلم أن سلطته غير قائمة أو أن توقيعه ينشئ محرراً مزوراً، ما لم يقدم الاتهام دليلاً مستقلاً على هذا العلم.
ولا يجوز أن يستخلص العلم الجنائي من النتيجة اللاحقة للتصرف؛ فلا يصح القول إن المتهم كان يعلم بعدم سلطته لمجرد أن صاحبة الشأن اعترضت على التصرف فيما بعد، أو لأن الوكالة أُلغيت في تاريخ لاحق، أو لأن آثار تعديل حصص الشركاء لم توافق رغبتها اللاحقة. فهذه وقائع لاحقة على مباشرة التصرف، ولا تصلح بذاتها لإثبات الحالة الذهنية للمتهم في اللحظة التي باشر فيها التوقيع، ما لم تقترن بدليل آخر يكشف عن علم سابق ومستقل بعدم السلطة أو بتغيير الحقيقة.
والأمر ذاته ينطبق على واقعة إلغاء التوكيل؛ إذ إن الإلغاء اللاحق لا يكشف بذاته عن علم المتهم الأول وقت التوقيع بأن سلطته كانت قد زالت، ولا يحول بأثر رجعي الاعتقاد القائم وقت التصرف إلى علم جنائي بالتزوير. بل إن ثبوت أن الإلغاء وقع بعد التوقيع يؤكد أن سند السلطة كان قائماً وقت مباشرة التصرف، وهو ظرف موضوعي يتعين أخذه في الاعتبار عند تقدير الحالة الذهنية للمتهم في ذلك الوقت.
كما أن قيام المتهم الأول بالتوقيع بصفته وكيلاً، وعدم إخفائه هذه الصفة، وتقديم سند الوكالة ضمن الإجراءات الرسمية، كل ذلك يمثل سلوكاً خارجياً متسقاً مع اعتقاده بصحة مركزه القانوني، وليس مع اتجاه إرادته إلى ارتكاب فعل تزوير أو استعمال محرر مع العلم بتزويره. ولا يصح إغفال هذه المظاهر الموضوعية ثم استخلاص القصد الجنائي من مجرد النتيجة التي ترتبت على التصرف.
وإذا كانت المحكمة قد ركنت في استخلاص القصد الجنائي إلى أقوال لاحقة أو إلى تفسير لاحق لنطاق الوكالة، فقد كان لزاماً عليها أن تبين كيف تكشف هذه الأقوال أو التفسيرات عن علم المتهم الأول وقت التصرف بعدم سلطته، وأن تحدد الدليل الذي يثبت أنه كان يعلم أن ما يباشره يمثل تغييراً للحقيقة، لا أن تنتقل مباشرة من وجود منازعة حول نطاق الوكالة إلى افتراض توافر القصد الجنائي.
ذلك أن القصد الجنائي أمر باطني لا يُرى بطبيعته، وإنما يستخلص من ظروف وملابسات موضوعية تكشف عنه، فإذا كانت هذه الظروف – كما هي الحال في الدعوى الماثلة – تتمثل في وجود وكالة رسمية قائمة، ونصها على التوقيع على عقود تعديل الشركات، ومباشرة المتهم للتوقيع بصفته وكيلاً، واتباع الإجراءات الرسمية، وعدم ثبوت إلغاء الوكالة إلا بعد التصرف، ثم صدور مذكرة رسمية لاحقة تؤيد امتداد نطاق الوكالة إلى التصرف محل الاتهام، فإن هذه العناصر بمجملها لا تكشف عن علم جنائي بالتزوير، وإنما تسند تفسيراً مغايراً مؤداه أن المتهم الأول كان يعتقد اعتقاداً جدياً بقيام سلطته وصحة مباشرته للتصرف.
ومن ثم، فإن حسن نية المتهم الأول في هذا المقام ليس مجرد دفع نفسي مجرد، وإنما هو نتيجة مستخلصة من مظاهر قانونية ومادية موضوعية سبقت التصرف وأحاطت به، ويؤيدها سند رسمي قائم وقت التوقيع، كما تعززها لاحقاً النتيجة التي انتهت إليها الإدارة العامة للتوثيق بشأن نطاق الوكالة. ولا يجوز إهدار هذه العناصر جميعاً والقول بتوافر القصد الجنائي بمجرد الاستناد إلى خلاف لاحق حول مدى استعمال الوكالة أو إلى النتيجة التي ترتبت على التعديل.
وحتى على فرض وجود خطأ في تفسير مدى امتداد الوكالة – وهو ما لا يسلم به المتهم الأول – فإن مجرد الخطأ في تقدير حدود سلطة تمثيلية ثابتة بمحرر رسمي لا يتحول بذاته إلى قصد جنائي بالتزوير ما لم يثبت أن المتهم كان يعلم بعدم سلطته ومع ذلك تعمد تغيير الحقيقة واستعمال المحرر على هذا الأساس. وهو أمر لا يثبت بمجرد افتراضه، ولا يجوز استخلاصه من وقائع لاحقة على التصرف أو من مجرد المنازعة في آثاره.
ومن ثم، فإذا لم يثبت في حق المتهم الأول العلم بتغيير الحقيقة، ولم يثبت اتجاه إرادته إلى اصطناع حقيقة غير صحيحة أو تغييرها، كما لم يثبت علمه بتزوير المحرر وقت استعماله أو اتجاه إرادته إلى استعماله مع هذا العلم، فإن القصد الجنائي بشقيه يكون منتفياً، وتنهار بذلك إحدى الدعائم الجوهرية اللازمة لقيام جريمتي التزوير والاستعمال.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على انتفاء القصد الجنائي لجريمة التزوير والاستعمال، وثبوت قيام اعتقاده المشروع بسلطته التمثيلية استناداً إلى وكالة رسمية قائمة ومظاهر قانونية ومادية سابقة على التصرف، مع عدم ثبوت علمه بأي تغيير للحقيقة أو علمه بتزوير المحرر وقت استعماله، فضلاً عن التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الثامن والثمانون: الخطأ في تطبيق القانون والفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب، لإغفال الحكم بحث أثر الوكالة الظاهرة والوضع الظاهر في انتفاء العلم بتغيير الحقيقة وانتفاء نية التدليس
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد أخطأ في تطبيق القانون، وشابه الفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب، إذ أغفل بحث الدلالة القانونية والموضوعية المستفادة من قيام الوكالة الظاهرة والوضع الظاهر المحيط بالتصرف محل الاتهام، وما لذلك من أثر جوهري في تقدير القصد الجنائي، وبصفة خاصة مدى توافر العلم بتغيير الحقيقة ونية التدليس واستعمال المحرر على أنه مزور، رغم أن هذه العناصر تمثل صميم الركن المعنوي في جريمة التزوير، ولا تقوم المسؤولية الجنائية بشأنها بمجرد ثبوت صدور التوقيع أو تحقق الأثر القانوني للتصرف.
ذلك أن المتهم الأول لم يباشر التصرف محل الاتهام في خفاء، ولم يقدم نفسه إلى الغير باعتباره صاحبة الشأن، ولم ينسب إلى نفسه شخصيتها، وإنما ظهر في جميع مراحل التصرف بصفته وكيلاً عنها، واستند إلى توكيل رسمي قائم وقت مباشرة التوقيع، بما أوجد وضعاً ظاهراً ومستمراً يفيد – من الناحية الموضوعية – قيام صفته التمثيلية، ويجعل مباشرته للتصرف متسقة في ظاهرها مع السلطة التي يثبتها سند الوكالة.
والثابت من الأوراق أن التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة كان قائماً وقت مباشرة التصرف، وأنه تضمن تخويل المتهم الأول القيام نيابة عن صاحبة الشأن في المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عن السلطات الأخرى الواردة بسند الوكالة، كما ثبت لاحقاً – وفقاً لما انتهت إليه مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 – أن نطاق هذا التوكيل يمتد إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
ومن ثم، فإن قيام هذا السند الرسمي، وبقاء الوكالة قائمة وقت مباشرة التصرف، وإعلان المتهم الأول عن صفته كوكيل، وتعامل الجهات المختصة مع التصرف في إطاره الرسمي، تمثل جميعها ظروفاً موضوعية متساندة كان يتعين على الحكم أن يبحث أثرها في تحديد حقيقة اعتقاد المتهم الأول وقت التوقيع، لا أن يستخلص القصد الجنائي بمجرد وقوع التصرف والنتيجة التي ترتبت عليه.
ذلك أن العلم الذي يتطلبه القصد الجنائي في جريمة التزوير ليس مجرد العلم بوجود التصرف أو العلم بالنتيجة التي سوف تترتب عليه، وإنما ينصرف إلى العلم بأن الحقيقة قد جرى تغييرها على نحو مؤثم، واتجاه الإرادة إلى استعمال المحرر مع العلم بحقيقة تزويره. فإذا كان المتهم الأول قد باشر التوقيع استناداً إلى سند وكالة رسمي قائم، وفي حدود سلطة ظاهرة ومستندة إلى محرر رسمي، فإن هذه الظروف لا تثبت وحدها انتفاء القصد الجنائي بصورة قاطعة، لكنها على أقل تقدير تمثل قرائن جدية يتعين على المحكمة بحثها وتمحيص أثرها في مدى توافر العلم الجنائي اللازم للإدانة.
ولا يجوز في هذا السياق الخلط بين العلم بالتصرف والعلم بتغيير الحقيقة؛ فقد يكون المتهم عالماً تماماً بأنه يوقع على تعديل عقد الشركة، عالماً بمضمونه وآثاره، ومع ذلك لا يكون عالماً بأنه يرتكب تزويراً، إذا كان يعتقد – استناداً إلى سند رسمي قائم وإلى ظروف ظاهرة تؤيد اعتقاده – أنه يباشر التصرف في حدود السلطة التي خولها له الأصيل. فالعلم بالفعل الإداري أو القانوني محل التصرف لا يساوي بالضرورة العلم بعدم مشروعيته الجنائية، كما أن العلم بنتيجة التصرف لا يساوي العلم بأن المحرر قد جرى تغيير الحقيقة فيه.
ومن هنا تبرز أهمية الوضع الظاهر الذي أحاط بالواقعة؛ إذ إن المتهم الأول لم يكن أمام وضع يكشف له بجلاء أنه يتصرف بغير صفة، وإنما كان يحمل سند وكالة رسمياً قائماً، ويوقع بصفته المعلنة، ويباشر التصرف من خلال الإجراءات الرسمية، ولم يثبت بالأوراق – بحسب ما تمسك به الدفاع – أنه تلقى قبل التوقيع إخطاراً بإلغاء الوكالة أو زوال سلطته، أو أنه كان يعلم بأي مانع يحول دون مباشرته التصرف محل الاتهام.
بل إن الثابت أن إلغاء الوكالة قد تم لاحقاً على التوقيع محل الاتهام، وهو ما يمثل عنصراً زمنياً جوهرياً في تقدير الحالة الذهنية للمتهم الأول وقت مباشرة الفعل؛ إذ لا يجوز استخلاص علم سابق من واقعة لاحقة، ولا يجوز أن يتحول الإلغاء اللاحق إلى دليل رجعي على أن المتهم كان يعلم وقت التوقيع بانعدام سلطته أو بزوالها.
كما أن ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق في مذكرتها الرسمية من أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وإن كان لا يحل محل القضاء في الفصل في المسؤولية الجنائية، فإنه يمثل قرينة رسمية جوهرية تؤكد أن اعتقاد المتهم الأول بامتداد سلطته إلى التصرف محل الاتهام لم يكن اعتقاداً وهمياً أو مجرد ذريعة مصطنعة أُثيرت بعد وقوع النزاع، وإنما يجد له أساساً موضوعياً في سند وكالة رسمي وفي تفسير فني رسمي لاحق لنطاق ذلك السند.
وكان لزاماً على الحكم – والحال كذلك – أن يبحث هذه الظروف مجتمعة عند استظهار القصد الجنائي، وأن يبين لماذا لا تؤثر في اعتقاد المتهم الأول بقيام صفته وسلطته، وكيف استخلص من الأوراق أن المتهم كان يعلم، رغم وجود سند الوكالة وقيام الوضع الظاهر، أنه يغير الحقيقة في المحرر تغييراً غير مشروع، وأن إرادته قد اتجهت إلى استعمال هذا المحرر مع علمه بتزويره.
أما أن ينتقل الحكم مباشرة من ثبوت التوقيع والتعديل إلى ثبوت القصد الجنائي، دون أن يستظهر الحالة الذهنية للمتهم الأول وقت مباشرة التصرف، ودون أن يواجه الظروف الموضوعية التي كانت تحيط به، فإنه يكون قد أقام القصد الجنائي على مجرد افتراض، وأحل العلم المفترض محل العلم الذي يتعين إثباته بالأدلة والقرائن المستمدة من ظروف الواقعة.
ولا ينال من ذلك أن الوكالة الظاهرة أو الوضع الظاهر لا يشكلان – بمجردهما – سبباً قانونياً مستقلاً لإباحة فعل التزوير؛ إذ إن دفاع المتهم الأول لا يقوم على هذا القول، وإنما يقوم على أن وجودهما في ظروف الدعوى يمثل دليلاً وقرينة موضوعية ذات صلة مباشرة بتقدير حالته الذهنية، وبالأخص مدى علمه بانعدام سلطته أو بتغيير الحقيقة، ومدى اتجاه إرادته إلى التدليس واستعمال محرر يعلم أنه مزور.
فالمسألة المطروحة أمام المحكمة ليست ما إذا كان مجرد ظهور الوكالة يكفي وحده لإسقاط المسؤولية الجنائية، وإنما ما إذا كان من الجائز – في ظل قيام وكالة رسمية قائمة وقت التوقيع، وإفصاح المتهم عن صفته كوكيل، وثبوت امتداد نطاقها إلى التصرف محل الاتهام بحسب ما انتهت إليه الجهة المختصة، ثم إلغاء الوكالة لاحقاً – أن يستخلص القصد الجنائي دون بحث جدي لهذه الملابسات. والإجابة القانونية تقتضي أن تكون هذه الظروف محل تمحيص، لأنها تتصل مباشرة بعنصر العلم والإرادة اللذين تقوم عليهما المسؤولية الجنائية.
كما أن الحكم إذا كان قد استخلص نية التدليس من مجرد استفادة طرف آخر من تعديل حصته أو من تحقق أثر مالي أو قانوني نتيجة التصرف، فإنه يكون قد خلط بين الباعث أو النتيجة وبين القصد الجنائي الخاص في جريمة التزوير؛ إذ لا يكفي أن يكون المتهم عالماً بأن التصرف سيترتب عليه أثر قانوني أو مالي، وإنما يجب أن يثبت أنه قصد تغيير الحقيقة على نحو مؤثم وأنه اتجه إلى استعمال المحرر مع علمه بحقيقة تزويره.
وكان يتعين على الحكم كذلك أن يفرق بين فرضين متباينين تماماً: أولهما أن يكون المتهم قد علم قبل التوقيع بأنه لا يملك سلطة التصرف، ومع ذلك تعمد إظهار نفسه في غير حقيقتها بقصد تغيير الحقيقة والتدليس؛ وثانيهما أن يكون قد باشر التصرف استناداً إلى وكالة رسمية قائمة، وفي ظل وضع ظاهر يؤيد قيام سلطته، معتقداً أن مباشرته للتوقيع تقع في نطاق الوكالة. فالفارق بين الفرضين هو ذاته الفارق بين العلم الجنائي اللازم لقيام القصد وبين مجرد الخطأ في تقدير حدود السلطة أو المنازعة اللاحقة في نطاقها.
فإذا كان الحكم قد أدان المتهم الأول دون أن يستظهر أي دليل مستقل يثبت علمه بانعدام سلطته وقت التوقيع، أو علمه بأن ما يثبته بالمحرر يخالف الحقيقة، أو اتجاه إرادته إلى استعمال محرر يعلم أنه مزور، فإن قضاءه يكون قد أقام الركن المعنوي على الاستنتاج المجرد، دون أن يستخلصه من وقائع موضوعية مؤدية إليه.
ولا يغير من ذلك ما قد يثار من أن النزاع قد انتهى لاحقاً إلى اعتراض صاحبة الشأن على التصرف أو إلى إلغاء الوكالة، إذ إن القصد الجنائي يجب أن يتوافر وقت ارتكاب الفعل، ولا يجوز استخلاصه بأثر رجعي من أحداث لاحقة لم تكن قائمة وقت مباشرة التصرف. فالواقعة اللاحقة قد تكون ذات قيمة في تقدير السياق العام، لكنها لا تصلح بذاتها لإثبات أن المتهم كان يعلم وقت التوقيع بحقيقة مزعومة لم يثبت علمه بها آنذاك.
ومن ثم، فإن إغفال الحكم بحث أثر الوكالة الظاهرة والوضع الظاهر في تقدير علم المتهم الأول وإرادته، وعدم مواجهته للدلالة المستمدة من قيام التوكيل الرسمي وقت التوقيع، وعدم بحثه أثر ثبوت امتداد الوكالة إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وعدم رده على دلالة الإلغاء اللاحق للوكالة، كل ذلك يمثل قصوراً في استظهار أحد أهم عناصر المسؤولية الجنائية، ويفسد الاستدلال الذي انتهى به الحكم إلى توافر القصد الجنائي.
ولما كان الشك في توافر العلم الجنائي أو اتجاه الإرادة إلى التدليس لا يجوز أن يستكمل بالافتراض، وكان الثابت أن للمتهم الأول سنداً رسمياً قائماً وقت مباشرة التصرف، وأنه أفصح عن صفته كوكيل، وأن نطاق الوكالة قد ثبت رسمياً امتداده إلى التصرف محل الاتهام، فإن هذه الملابسات – على أقل تقدير – تثير شكاً جدياً في توافر العلم بتغيير الحقيقة ونية التدليس، وهو شك يتصل مباشرة بأحد الأركان اللازمة للمسؤولية الجنائية، ولا يجوز تجاوزه دون تسبيب خاص وسائغ.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على الخطأ في تطبيق القانون والفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب، لإغفال الحكم بحث أثر الوكالة الظاهرة والوضع الظاهر والظروف الموضوعية المحيطة بالتصرف في انتفاء العلم بتغيير الحقيقة وانتفاء نية التدليس، وعدم استظهار القصد الجنائي استظهاراً يقينياً، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع التاسع والثمانون: قيام مظهر الوكالة الظاهرة استناداً إلى مسلك الأصيل السابق على التصرف محل الاتهام، وما ترتب عليه من خلق مظهر خارجي جدي ومشروع حمل المتهم الأول والغير حسن النية على الاعتقاد بتمام سلطة الوكيل في مباشرة التصرف، وذلك في ضوء سبق قيام الأصيل بتعديل الشركة أكثر من مرة عن طريق المتهم الأول على النحو الثابت بتحقيقات النيابة العامة
يتمسك المتهم الأول بقيام مظهر جدي ومستقر للوكالة الظاهرة، تأسيساً على مسلك الأصيل السابق على التصرف محل الاتهام، وما صدر عنها من أفعال وتصرفات سابقة أسهمت بصورة مباشرة في إنشاء مظهر خارجي للسلطة التمثيلية، من شأنه أن يحمل المتهم الأول – كما يحمل الغير حسن النية – على الاعتقاد المشروع بأن سلطته في مباشرة الأعمال المتعلقة بالشركة لم تكن مقصورة على نطاق ضيق أو عارض، وإنما تمتد إلى مباشرة إجراءات تعديل الشركة والتوقيع على المستندات اللازمة لذلك، ولا سيما وقد سبق للأصيل أن أجرت تعديلات على الشركة أكثر من مرة عن طريق المتهم الأول، وهو ما ثبت بتحقيقات النيابة العامة ذاتها.
وهذه الواقعة لا تمثل مجرد واقعة عرضية أو قولاً مستحدثاً من جانب الدفاع، وإنما هي واقعة موضوعية سابقة على التصرف محل الاتهام، ثابتة بأوراق الدعوى وتحقيقات النيابة العامة، ومؤداها أن المتهم الأول لم يظهر فجأة أمام الجهات المختصة بوصفه وكيلاً عن الأصيل ثم يباشر تصرفاً منفرداً غير مسبوق، وإنما كان ثمة مسلك سابق ومستقر جرى فيه التعامل مع المتهم الأول باعتباره ممثلاً عن الأصيل في شأن الشركة وإجراءات تعديلها، وهو ما من شأنه – بحسب ظروف الواقعة وملابساتها – أن ينشئ مظهراً خارجياً جدياً للسلطة التمثيلية.
ذلك أن مظهر الوكالة لا يتولد فقط من العبارة المجردة الواردة في سند الوكالة، وإنما قد يتعزز كذلك بسلوك الأصيل اللاحق أو السابق للتصرف، وبكيفية تقديم الوكيل إلى الغير، وبما إذا كان الأصيل قد سمح له في معاملات سابقة بمباشرة ذات النوع من التصرفات، ثم أبقى هذا المظهر قائماً دون أن يتخذ ما يلزم من إجراءات ظاهرة لرفعه أو تصحيحه، بما يجعل من الطبيعي – في ظل هذه الملابسات – أن يستند الوكيل والغير حسن النية إلى ذلك المظهر عند التعامل.
والثابت من تحقيقات النيابة العامة – بحسب ما هو وارد بالأوراق – أن الأصيل سبق لها إجراء تعديلات على الشركة أكثر من مرة عن طريق المتهم الأول، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في الدعوى الماثلة؛ إذ إن الواقعة السابقة من ذات طبيعة التصرف محل الاتهام أو متصلة به اتصالاً وثيقاً، ومن ثم فإنها لا تصلح فقط لإثبات أن المتهم الأول سبق أن باشر أعمالاً تتعلق بالشركة، وإنما تكشف كذلك عن السياق العملي الذي نشأت في ظله قناعة المتهم الأول بامتداد سلطته إلى مباشرة إجراءات تعديل الشركة.
ولا يستقيم – والحال كذلك – أن يُنظر إلى التصرف محل الاتهام معزولاً عن هذا السياق السابق، وكأن المتهم الأول قد أقدم لأول مرة على مباشرة تعديل الشركة دون أي مظهر سابق للسلطة أو أي تعامل سابق مع الأصيل في ذات المجال. فالسلوك السابق للأصيل يمثل عنصراً موضوعياً في تقدير حقيقة الاعتقاد الذي قام لدى المتهم الأول وقت مباشرة التصرف، ويؤثر بصورة مباشرة في مدى إمكان نسبة العلم إليه بأنه يتصرف بغير سلطة أو أنه يتعمد تغيير الحقيقة في محرر.
ومن ثم، فإن سبق قيام الأصيل بإجراء تعديلات على الشركة عن طريق المتهم الأول، مع استمرار التعامل معه في هذا الإطار، من شأنه أن ينشئ مظهراً خارجياً للوكالة لا يمكن تجاهله عند تقدير القصد الجنائي. فإذا كان المتهم الأول قد باشر التصرف محل الاتهام في ظل هذا المظهر السابق، وبالاستناد إلى وكالة رسمية قائمة، وبصفته التمثيلية المعلنة، فمن غير السائغ استخلاص علمه اليقيني بانعدام سلطته أو تعمده تغيير الحقيقة بمجرد المنازعة اللاحقة في مدى امتداد الوكالة.
ولا يغير من ذلك أن الوكالة الظاهرة في أصلها من المسائل التي تدور في نطاق حماية الغير حسن النية في المعاملات المدنية، إذ إن المتهم الأول يتمسك بها في المجال الجنائي من زاوية مختلفة، مؤداها أن السلوك السابق للأصيل والوقائع العملية الثابتة بالأوراق قد خلقت أمامه مظهراً جدياً للسلطة، وهو عنصر موضوعي جوهري في تقدير مدى توافر العلم والقصد الجنائي، ولا سيما القصد الخاص اللازم لجريمة التزوير.
فليس المقصود من التمسك بمظهر الوكالة الظاهرة أن يحل هذا المظهر محل سند الوكالة الرسمي أو أن يجعل المحكمة ملزمة حتماً باعتبار التصرف صحيحاً من الناحية المدنية، وإنما المقصود أن المحكمة لا يجوز لها – عند بحث المسؤولية الجنائية – أن تتجاهل الوقائع السابقة التي صنعت لدى المتهم الأول اعتقاداً جدياً في قيام سلطته، ثم تستخلص من مجرد النتيجة اللاحقة للتصرف أنه كان يعلم وقت مباشرته له أنه يتصرف بغير سلطة أو أنه كان يقصد تغيير الحقيقة.
والأصل أن القصد الجنائي لا يفترض، وإنما يستخلص من ظروف الواقعة وملابساتها استخلاصاً سائغاً. فإذا كانت الأوراق تكشف عن سند وكالة رسمي قائم، وعن سلوك سابق للأصيل تمثل في إجراء تعديلات على الشركة أكثر من مرة عن طريق المتهم الأول، وعن تعامل سابق معه في نطاق أعمال الشركة، فإن هذه الوقائع بمجملها تشكل بيئة واقعية وقانونية تتعارض مع استخلاص العلم اليقيني بانعدام السلطة أو القصد إلى التزوير، ما لم يقدم الاتهام دليلاً مستقلاً يثبت أن المتهم الأول كان يعلم تحديداً أن التصرف محل الاتهام خارج نطاق سلطته وأنه تعمد رغم ذلك تغيير الحقيقة.
ويتعاظم أثر هذا الدفاع إذا كان الأصيل قد سبق له أن مكن المتهم الأول فعلياً من الظهور أمام الجهات المختصة ومباشرة إجراءات تتعلق بالشركة، ولم يكن قد اتخذ قبل الواقعة محل الاتهام سلوكاً ظاهراً ومعلوماً للمتهم الأول أو للغير من شأنه أن يقطع هذا المظهر أو ينفي استمرار السلطة. ففي هذه الحالة لا يكون الاعتقاد بقيام السلطة وليد افتراض مجرد، وإنما وليد سلسلة من الوقائع والتصرفات السابقة التي أسهم الأصيل نفسه في تكوينها وترسيخها.
ومن ناحية أخرى، فإن سبق إجراء تعديلات على الشركة عن طريق المتهم الأول يمثل واقعة يتعين على المحكمة أن تضعها في ميزان تقدير الدليل، لأنها تتصل مباشرة بالسؤال عن كيفية نشوء الاعتقاد لدى المتهم الأول بحدود سلطته. فإذا كان قد سبق له أن باشر تعديلات للشركة بموافقة الأصيل أو في ظل علمها ومتابعتها، فإن ذلك يشكل قرينة واقعية على أن التعامل بين الأصيل والمتهم الأول كان يجري على أساس تمثيله لها في شؤون الشركة، ولا يجوز عزل هذه الحقيقة عن الواقعة اللاحقة عند استخلاص القصد الجنائي.
وإذا كانت هذه الوقائع ثابتة بتحقيقات النيابة العامة، فإنها تصبح من عناصر الدعوى المطروحة على بساط البحث، وكان يتعين على الحكم المعارض فيه – إذا عوّل على انتفاء سلطة المتهم الأول أو استخلص علمه بانعدامها – أن يواجه هذه الواقعة الجوهرية، وأن يبين أثر سبق التعديلات التي تمت عن طريق المتهم الأول على تكوين اعتقاده بحدود سلطته، وأسباب عدم دلالة هذا المسلك السابق على حسن اعتقاده بقيام السلطة.
أما إغفال الحكم لهذه الواقعة الجوهرية، مع كونها مؤثرة في تقدير القصد الجنائي ومصدر اعتقاد المتهم الأول، ثم استخلاص العلم والقصد من مجرد وقوع التعديل محل الاتهام، فإنه يؤدي إلى اجتزاء صورة الواقعة وقطعها عن سياقها السابق، ويجعل الاستدلال على القصد الجنائي غير مكتمل العناصر.
ولا سيما أن الواقعة محل الاتهام لا تتمثل في توقيع المتهم الأول خفية أو انتحالاً لشخصية الأصيل، وإنما في توقيع صدر منه بصفته وكيلاً، في ظل سند وكالة رسمي قائم، وفي سياق سابق ثبت فيه قيامه بتعديل الشركة أكثر من مرة عن طريق الأصيل، بما يجعل نسبة العلم اليقيني بانعدام السلطة أو القصد إلى تغيير الحقيقة أمراً يحتاج إلى دليل مستقل لا يكفي لإقامته مجرد الاعتراض اللاحق على التصرف أو المنازعة في مداه.
ومن ثم، فإن مسلك الأصيل السابق، وسبق إجراء تعديلات على الشركة عن طريق المتهم الأول، وسند الوكالة الرسمي القائم، والإفصاح عن الصفة التمثيلية وقت التوقيع، جميعها وقائع متساندة يتعين أن تدخل مجتمعة في تقدير الركن المعنوي للجريمة. وهي – على أقل تقدير – تثير شكاً جدياً في مدى توافر العلم والقصد الجنائيين، ولا سيما إذا لم يقدم الاتهام دليلاً يقينياً مستقلاً يثبت أن المتهم الأول كان يعلم أن التصرف الذي باشره خارج حدود سلطته وأنه تعمد رغم ذلك تغيير الحقيقة.
ولا يجوز في المواد الجنائية أن يستبدل باليقين اللازم للإدانة مجرد افتراض مؤداه أن الوكيل كان يعلم حتماً حدود سلطته لمجرد أن الأصيل نازع لاحقاً في التصرف؛ إذ إن العلم حالة نفسية تستخلص من الوقائع والقرائن، ومن بينها على وجه الخصوص السلوك السابق للأصيل ذاته، وما إذا كان قد سبق له أن سمح للمتهم بمباشرة تصرفات مماثلة أو متصلة بها.
وبذلك يغدو مظهر الوكالة الذي نشأ من مسلك الأصيل السابق عنصراً جوهرياً في تقدير حقيقة موقف المتهم الأول وقت مباشرة التصرف، ولا سيما أنه لم يستند إلى هذا المظهر وحده، وإنما اجتمع معه سند وكالة رسمي قائم وثابت بالأوراق، وهو ما يجعل القول بتوافر القصد الجنائي في حقه دون مواجهة هذه الوقائع جميعاً استخلاصاً غير مكتمل ولا يستند إلى الصورة الكاملة للواقعة.
ومن ثم، فإن سبق قيام الأصيل بتعديل الشركة أكثر من مرة عن طريق المتهم الأول، على النحو الثابت بتحقيقات النيابة العامة، وما أنشأه ذلك من مظهر خارجي جدي ومستقر للسلطة التمثيلية، يعضد قيام الاعتقاد بحسن النية لدى المتهم الأول، وينفي – أو على الأقل يثير شكاً جدياً في – علمه بانعدام السلطة أو تجاوزه لها، بما ينعكس مباشرة على القصد الجنائي الخاص اللازم لجريمة التزوير.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على قيام مظهر الوكالة الظاهرة المستمد من مسلك الأصيل السابق، وثبوت سبق مباشرة المتهم الأول لإجراءات تعديل الشركة أكثر من مرة عن طريق الأصيل، بما يؤكد قيام اعتقاد جدي بحسن النية في استمرار سلطته التمثيلية، وانتفاء الدليل اليقيني على علمه بانعدام تلك السلطة أو قصده إلى تغيير الحقيقة، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع التسعون: ثبوت حسن نية المتهم الأول وقت التعامل، وانتفاء العلم بأي قيد أو تحفظ داخلي على سلطة الوكيل، بما ينتفي معه القصد الجنائي اللازم لجريمتي التزوير والاستعمال
يتمسك المتهم الأول بانتفاء القصد الجنائي في حقه، تأسيساً على ثبوت حسن نيته وقت مباشرة التصرف والتوقيع محل الاتهام، وانتفاء أي دليل يقيني على علمه بوجود قيد أو تحفظ داخلي يحد من سلطته التمثيلية أو يمنعه من مباشرة التصرف الذي باشره، فضلاً عن ثبوت استناده إلى سند وكالة رسمي قائم ونافذ وقت التوقيع، بما تنتفي معه صورة العلم الجنائي اللازمة لقيام جريمة التزوير أو جريمة استعمال المحرر المزور.
فالثابت بالأوراق أن المتهم الأول لم يباشر التصرف خفية أو متستراً وراء صفة غير حقيقية، وإنما باشره علانية وبصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، مستنداً إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، والذي كان قائماً وقت مباشرة التصرف، ولم يكن قد صدر بشأنه إلغاء أو سحب في ذلك التاريخ. ومن ثم فإن سلوكه الخارجي لم يكن سلوك شخص يعلم أنه يتصرف بغير صفة أو يتعمد إخفاء حقيقة مركزه القانوني، وإنما سلوك من يباشر اختصاصاً تمثيلياً استند في وجوده ومصدره إلى محرر رسمي.
والأصل أن القصد الجنائي في جريمة التزوير لا يفترض بمجرد حصول التوقيع أو صدور المحرر، وإنما يتعين أن يثبت علم المتهم بأن الحقيقة قد جرى تغييرها، وأن تتجه إرادته إلى إحداث هذا التغيير على النحو المؤثم قانوناً. كما أن استعمال المحرر لا يتحقق قصده الجنائي بمجرد تقديم المحرر أو الاحتجاج به، وإنما يلزم أن يكون المستعمل عالماً بحقيقة تزويره وقت استعماله وأن تتجه إرادته إلى استعماله على هذا الأساس.
وهذا العلم غير ثابت في حق المتهم الأول، بل إن ظروف الواقعة الموضوعية تنطق بعكسه؛ فقد كان بين يديه سند وكالة رسمي صادر من صاحبة الشأن، وكانت الوكالة قائمة وقت مباشرته التصرف، وكان المتهم الأول يعلن صفته كوكيل عند التوقيع، ولم يثبت أنه أخفى وجود الوكالة أو حاول اصطناع مصدر للسلطة من غير سند، بل إن تصرفه اتجه إلى استعمال سند رسمي قائم أمام الجهات المختصة لإتمام الإجراء محل الاتهام.
ويتعاظم انتفاء القصد الجنائي إذا وضع في الاعتبار أن مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 قد انتهت، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
ولا يعني ذلك أن المذكرة الإدارية تحسم بذاتها المسؤولية الجنائية، وإنما دلالتها الجوهرية هنا أنها تؤيد وجود أساس موضوعي معقول كان قائماً أمام المتهم الأول وقت مباشرة التصرف يبرر اعتقاده في حدود سلطته التمثيلية، وهو ما يتعارض مع افتراض علمه بأنه يباشر فعلاً غير مشروع أو أنه يغير الحقيقة مع علمه بعدم مشروعية ما يفعل.
كما أن ما قد يثار من وجود تعليمات أو تحفظات أو اتفاقات داخلية بين الأصيل والوكيل بشأن كيفية استعمال الوكالة لا يكفي بذاته لإقامة القصد الجنائي، ما لم يثبت على وجه يقيني أن المتهم الأول كان عالماً بهذه القيود وقت مباشرة التصرف، وأنه كان يعلم في ذات الوقت أن تجاوزه لها من شأنه أن يجعله مرتكباً لتغيير الحقيقة في محرر، ثم اتجهت إرادته رغم ذلك إلى استعمال المحرر على هذا الأساس.
فلا يجوز افتراض علم الوكيل بقيد لم يثبت أنه أُخطر به، ولا افتراض إدراكه لتحفظ داخلي لم يثبت أنه كان معلوماً له، ولا تحويل مجرد القول اللاحق بوجود تعليمات أو رغبات داخلية إلى دليل سابق على توافر العلم الجنائي. والعبرة في مقام المسؤولية الجنائية بما كان ثابتاً في علم المتهم وقت ارتكاب الفعل، لا بما ظهر بعد ذلك من خلاف أو اعتراض أو منازعة حول آثار التصرف.
ومن ثم، فإن مجرد إثبات أن صاحبة الشأن لم تكن ترغب في النتيجة التي ترتبت على تعديل عقد الشركة، أو أنها اعترضت على التصرف بعد وقوعه، لا يؤدي بذاته إلى إثبات أن المتهم الأول كان يعلم قبل التوقيع بوجود تحفظ أو قيد داخلي على سلطته. كما أن الإلغاء اللاحق للتوكيل لا يصلح بذاته لإثبات علم سابق بانعدام السلطة، ولا ينشئ بأثر رجعي علماً لم يكن قائماً وقت مباشرة التصرف.
بل إن الثابت من تسلسل الواقعة أن سند الوكالة ظل قائماً إلى حين مباشرة التصرف، وأن المتهم الأول استخدمه في الإجراء محل الاتهام بصورة معلنة، ثم وقع بصفته التمثيلية، وهو ما يشكل – في ذاته – قرينة موضوعية على اعتقاده في مشروعية ما يباشره، ولا سيما في ظل عدم ثبوت واقعة سابقة على التوقيع تفيد أنه أُخطر بقيد معين أو نُهي صراحة عن مباشرة هذا النوع من التصرفات.
والأصل في القواعد الجنائية أن العلم لا يُفترض، وإنما يستخلص من وقائع ثابتة تؤدي إليه استخلاصاً سائغاً. فإذا كان الاتهام قد أقام القصد الجنائي على مجرد افتراض أن المتهم الأول كان يعلم أن الوكالة لا تمتد إلى تعديل حصص الشركاء، بينما الثابت في الأوراق وجود سند رسمي يتضمن سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات، وقد انتهت الإدارة العامة للتوثيق لاحقاً إلى امتداد الوكالة إلى تقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن هذا الافتراض لا يكون كافياً بذاته لإثبات العلم الجنائي.
ويتعين كذلك التمييز بين العلم بالتصرف والعلم بعدم مشروعيته والعلم بتغيير الحقيقة؛ فكون المتهم الأول يعلم أنه يوقع على تعديل عقد الشركة لا يعني أنه كان يعلم أنه يغير الحقيقة، وكونه يعلم بمضمون التعديل لا يعني أنه كان يعلم أنه يباشره خارج نطاق سلطته، وكونه يعلم بالنتيجة الاقتصادية أو القانونية للتعديل لا يعني أنه كان يعلم أن المحرر مزور. وهذه المراحل الذهنية المتمايزة لا يجوز دمجها في عبارة واحدة ثم استخلاص القصد الجنائي منها بغير دليل مستقل.
وبذات القدر، فإن تقديم المحرر إلى جهة رسمية واستعماله في إجراءات الشركة لا يكفي وحده لإثبات قصد استعمال محرر مزور؛ إذ يلزم أن يثبت أن المتهم الأول كان يعلم وقت الاستعمال أن المحرر مزور، وأن إرادته اتجهت إلى الاحتجاج به رغم هذا العلم. أما وقد كان يستند إلى وكالة رسمية قائمة، ويعلن صفته كوكيل، ويقدم المستندات إلى الجهة المختصة في إطار إجراءات رسمية معلنة، فإن هذه الملابسات تتعارض مع القول بأنه كان يعلم أن المحرر الذي يستعمله مزور وأنه يتعمد الاحتجاج به باعتباره كذلك.
ولا يغير من ذلك ما قد يكون قد ترتب على التصرف من زيادة حصة شريك أو انخفاض حصة شريك آخر، لأن الأثر الاقتصادي أو القانوني للتصرف لا يكشف بذاته عن الحالة الذهنية للمتهم وقت التوقيع، ولا يحول التصرف المشروع في ظاهره – المستند إلى وكالة رسمية قائمة – إلى دليل على توافر العلم الجنائي.
وإذا كان الحكم المعارض فيه قد استخلص علم المتهم الأول من مجرد علمه بالتعديل أو من مشاركته في إجراءاته، دون أن يستظهر واقعة محددة تثبت أنه كان يعلم بوجود قيد داخلي على الوكالة أو أنه أُخطر بعدم جواز إجراء التعديل، ثم انتقل من هذا العلم المفترض إلى القول بتوافر القصد الجنائي، فإنه يكون قد أقام النتيجة على مجرد افتراض لا يسنده دليل مستقل، وخلط بين العلم بالواقعة والعلم بعدم مشروعيتها والعلم بتغيير الحقيقة، بما يعيبه بالفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب.
ومن ناحية أخرى، فإن انتفاء العلم لا يهدم فقط القصد الجنائي لجريمة التزوير، وإنما يمتد كذلك إلى جريمة استعمال المحرر المزور، إذ لا يكفي لقيام الأخيرة مجرد ثبوت تقديم المحرر أو الانتفاع به، وإنما يتعين ثبوت علم المستعمل بتزوير المحرر وقت استعماله. فإذا كان أصل اعتقاد المتهم الأول في صحة سلطته مستنداً إلى وكالة رسمية قائمة، ولم يثبت علمه بأي قيد داخلي يخالف ظاهرها أو يحد من نطاقها، ولم يثبت أنه كان يعلم أن المحرر الذي قدمه قد انطوى على تغيير للحقيقة، انتفى الأساس الذهني اللازم لمساءلته عن الاستعمال.
ومن ثم، فإن جماع الظروف الموضوعية المحيطة بالواقعة – قيام التوكيل الرسمي وقت التصرف، وعدم ثبوت إلغائه إلا لاحقاً، إعلان المتهم الأول عن صفته كوكيل، استناده إلى سند رسمي، ثبوت امتداد الوكالة إلى عقود تعديل الشركات وفقاً لما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق، وعدم ثبوت علمه بأي قيد أو تحفظ داخلي سابق على التوقيع – تتساند جميعها في اتجاه واحد، مؤداه عدم ثبوت العلم الجنائي اللازم لجريمتي التزوير والاستعمال.
ولا يجوز في مقام التجريم إحلال الافتراض محل الدليل، أو استخلاص القصد الجنائي من مجرد حصول التصرف أو من مجرد الاعتراض اللاحق عليه، إذ إن المسؤولية الجنائية شخصية، والقصد الجنائي حالة ذهنية لا تثبت إلا من خلال وقائع خارجية ثابتة تؤدي إليها بطريق سائغ ومطمئن.
وإذ لم يثبت في حق المتهم الأول أنه كان يعلم وقت التوقيع بوجود قيد أو تحفظ داخلي على سلطته، ولم يثبت أنه كان يعلم أن مباشرته للتصرف تمثل تغييراً للحقيقة أو أن المحرر الذي يستعمله مزور، وكانت الأوراق تحمل في المقابل سنداً رسمياً قائماً يؤيد اعتقاده في مشروعية مباشرته للتصرف، فإن القصد الجنائي يظل غير ثابت، ويظل الشك قائماً في أحد العناصر الجوهرية للمسؤولية الجنائية.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لانتفاء القصد الجنائي اللازم لجريمة التزوير، وانتفاء العلم بتزوير المحررات وقت استعمالها، وثبوت حسن نيته واستناده إلى وكالة رسمية قائمة وقت مباشرة التصرف، وعدم ثبوت علمه بأي قيد أو تحفظ داخلي على سلطة الوكيل، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع بأي وجه من الوجوه عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الواحد والتسعون: دلالة التعاملات السابقة بذات التوكيل في إثبات قيام المظهر الخارجي للوكالة، باعتبارها وقائع سابقة على التصرف محل الاتهام ومتصلة بذات الشركة وذات سند النيابة وذات طبيعة التعديلات
يتمسك المتهم الأول بدلالة التعاملات والتصرفات السابقة التي تمت بذات التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، باعتبارها وقائع سابقة على التصرف محل الاتهام، ومرتبطة بذات الشركة وذات سند النيابة وذات العلاقة التمثيلية، ومتصلة – من حيث طبيعتها – بالأعمال والتعديلات التي باشرها المتهم الأول استناداً إلى الوكالة ذاتها، بما يكشف عن قيام مظهر خارجي جدي ومستقر لنطاق النيابة، ويؤكد أن مباشرة المتهم الأول لأعمال الشركة والتوقيع عنها لم تكن واقعة مفاجئة أو مستحدثة نشأت لأول مرة بمناسبة التصرف محل الاتهام.
ذلك أن التعاملات السابقة لا يستند المتهم الأول إليها باعتبارها منشئة بذاتها لسلطة لم يتضمنها سند الوكالة، وإنما يتمسك بها باعتبارها وقائع مادية مستقلة سابقة على الواقعة محل الاتهام، تكشف عن الكيفية التي جرى بها التعامل فعلياً مع الوكالة، وعن الصورة التي ظهرت بها سلطة المتهم الأول أمام الشركة والجهات ذات الصلة، وعن مدى استقرار هذا المظهر قبل التصرف محل الاتهام.
وتزداد دلالة هذه الوقائع متى ثبت أنها تمت بذات التوكيل، وعن ذات الأصيل، ولحساب ذات الشركة، وبواسطة ذات الوكيل، وفي إطار ذات العلاقة التمثيلية، وبذات الطبيعة العامة من حيث مباشرة إجراءات تأسيس الشركة أو تعديل عقدها أو التعامل بشأن حصص الشركاء أو الإجراءات المرتبطة بها؛ إذ لا تكون عندئذ مجرد معاملات بعيدة أو منفصلة يمكن عزلها عن الواقعة محل الاتهام، وإنما تصبح سياقاً سابقاً متصلاً يكشف عن الكيفية التي ظهرت بها سلطة الوكيل في التعامل الفعلي.
فالمظهر الخارجي للوكالة لا يتكون بالضرورة من عبارة مجردة في سند الوكالة وحدها، وإنما قد تكشف الوقائع السابقة عن كيفية ظهور هذه السلطة وتعامل الأصيل والوكيل والجهات المتعاملة معها على أساسها. ومتى كانت هذه التعاملات قد تمت قبل التصرف محل الاتهام وبذات سند النيابة، ولم تكن محل اعتراض أو رفض في حينها، فإنها تشكل – في مجال الاستدلال على حالة المتهم الأول الذهنية ومصدر اعتقاده بحدود سلطته – قرينة واقعية لها وزنها، ولا يجوز إغفالها عند تقدير ما إذا كان المتهم قد باشر التصرف وهو يعتقد قيام سلطته التمثيلية أم كان يعلم أنه يعمل بغير سند.
ولا يغير من ذلك أن كل تصرف سابق يجب أن يخضع في ذاته لنطاقه وظروفه، إذ إن المتهم الأول لا يقول إن التعاملات السابقة تحسم وحدها صحة التصرف محل الاتهام، وإنما يتمسك بدلالتها في إثبات عنصرين متلازمين: أولهما، قيام مظهر خارجي سابق ومستقر للوكالة؛ وثانيهما، أن هذا المظهر كان من شأنه أن يعزز اعتقاد المتهم الأول بقيام صفته وسلطته عند مباشرته التصرف محل الاتهام.
وهذه الدلالة تكتسب أهميتها بصفة خاصة في الدعوى الماثلة، لأن الاتهام يقوم – في جانب أساسي منه – على افتراض أن المتهم الأول قد باشر التصرف محل الاتهام دون أن تكون له سلطة مستمدة من الوكالة، بينما تكشف التعاملات السابقة عن أن سند النيابة ذاته قد استُعمل من قبل في التعامل على نحو ظاهر ومتصل بذات الشركة، بما يضعف بصورة جوهرية الاستنتاج القائل بأن المتهم الأول كان يعلم أنه يتصرف خارج نطاق سلطته أو أنه تعمد إظهار نفسه في مركز لا يملكه.
كما أن تكرار التعامل بموجب ذات الوكالة قبل الواقعة محل الاتهام يكشف عن أن استعمالها لم يكن وليد اللحظة أو وسيلة مصطنعة ابتُكرت لتبرير التصرف محل الاتهام، وإنما كان سنداً قائماً في علاقة تمثيلية سابقة ومستقرة. وهذه الحقيقة – بفرض ثبوتها بالمستندات – ذات دلالة مباشرة على انتفاء القصد الجنائي، لأن من شأنها أن تفسر موضوعياً لماذا باشر المتهم الأول التصرف اللاحق باعتقاده أن سلطته مستمرة وقائمة.
ولا سيما أن المتهم الأول لم يقدم نفسه في التصرف محل الاتهام باعتباره الأصيل، وإنما ظل متمسكاً بصفته كوكيل، وهي الصفة التي استند في إظهارها إلى ذات سند الوكالة. فإذا أضيف إلى ذلك أن التعاملات السابقة قد تمت بذات السند، وعلى نحو ظاهر للجهات التي تعاملت مع الشركة، فإن ذلك ينهض كقرينة واقعية على استقرار المظهر الخارجي للنيابة، ويجعل القول بأن المتهم الأول كان يعلم مسبقاً بانعدام سلطته أو بتجاوزه لها قولاً يحتاج إلى دليل مستقل لا يستفاد بمجرد حدوث المنازعة اللاحقة.
والأهم أن هذه الوقائع السابقة تتصل مباشرة بالمسألة التي دار حولها الاتهام، وهي مدى امتداد الوكالة إلى أعمال الشركة وتعديلاتها، وليست مجرد تعاملات شخصية أو تصرفات مختلفة في موضوعها وطبيعتها. فإذا كانت التعاملات السابقة قد شملت ذات الشركة وذات العلاقة التمثيلية وأعمالاً من طبيعة مماثلة، فإنها تصبح ذات قيمة استدلالية في تحديد السياق الواقعي الذي سبق التصرف محل الاتهام، وفي بيان ما إذا كان المتهم الأول قد تصرف في بيئة تعامل كان فيها استعمال الوكالة بهذه الصورة أمراً سابقاً ومستقراً وظاهراً.
ومن ثم، فإن إغفال الحكم لهذه التعاملات السابقة – متى كانت ثابتة بالمستندات المطروحة في الدعوى ومؤثرة في تقدير نطاق الوكالة وحالة المتهم الأول الذهنية – يحجب عن المحكمة عنصراً جوهرياً من عناصر تقدير الدليل، ولا سيما إذا كان الحكم قد استخلص من الواقعة محل الاتهام وحدها أن المتهم الأول كان يعلم بانعدام سلطته أو أنه تعمد استعمال سند لا يبيح له التصرف.
وكان يتعين على الحكم، إذا أراد طرح دلالة هذه التعاملات السابقة، أن يواجهها بما يفند دلالتها، وأن يبين لماذا لا تصلح – رغم اتصالها بذات التوكيل وذات الشركة وذات العلاقة التمثيلية – للاستدلال على قيام المظهر الخارجي للوكالة أو على اعتقاد المتهم الأول بقيام سلطته، لا أن يطرحها جانباً دون مناقشة جوهرية، إذ إن الدفاع بها ليس دفاعاً هامشياً، وإنما يتصل مباشرة بمصدر اعتقاد المتهم الأول بسلطته وبانتفاء العلم بالتزوير.
كما أن قيام هذا المظهر الخارجي لا يُطرح هنا باعتباره بديلاً عن سند الوكالة أو مصدراً مستقلاً لسلطة قانونية جديدة، وإنما باعتباره ظرفاً واقعياً سابقاً يجب أن يدخل في ميزان تقدير الأدلة، وبصفة خاصة في تقدير القصد الجنائي ومدى توافر العلم بانعدام السلطة أو بتغيير الحقيقة. فحتى على فرض وجود خلاف حول التفسير المدني الدقيق لبعض عبارات الوكالة، تظل كيفية استعمال الوكالة والتعامل بها سابقاً من الوقائع التي لا يجوز إغفالها عند البحث فيما إذا كان المتهم الأول قد باشر التصرف عن علم بأنه يغير الحقيقة أم عن اعتقاد جدي بقيام صفته التمثيلية.
وإذا كانت الأوراق قد أثبتت كذلك أن الوكالة لم تكن قد أُلغيت وقت التعامل محل الاتهام، وأن الإلغاء قد وقع لاحقاً، فإن التعاملات السابقة بذات السند تزداد دلالة؛ إذ تكشف عن أن الوكالة كانت قائمة ومستعملة بالفعل قبل التصرف محل الاتهام، وأن المتهم الأول لم يكن بصدد استعمال سند منتهٍ أو ملغى وقت مباشرته، الأمر الذي يعزز الطابع المشروع الظاهر لمباشرته ويضعف الاستنتاج القائل بتعمده التصرف بغير سند.
ومن ثم، فإن مجموع هذه الوقائع – وجود التوكيل الرسمي، واستعماله في تعاملات سابقة، واتصال تلك التعاملات بذات الشركة وذات الأصيل وذات الوكيل، وتماثل طبيعتها مع التصرف محل الاتهام، واستمرار الوكالة وقت مباشرة التصرف محل الاتهام، ثم ثبوت ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق من امتداد نطاق الوكالة إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء – يشكل سياقاً واقعياً متكاملاً لا يجوز تجزئته عند تقدير الدليل والقصد الجنائي.
ولا يجوز، في المقابل، عزل الواقعة محل الاتهام عن هذا السياق السابق، ثم استخلاص العلم بالتجاوز أو القصد الجنائي من مجرد النتيجة التي ترتبت على التصرف، لأن ذلك يؤدي إلى قراءة الواقعة بأثر رجعي، وإلى افتراض العلم الجنائي من مجرد نشوء المنازعة بعد التصرف، مع أن معيار المسؤولية الجنائية هو حالة المتهم وقت مباشرته الفعل والظروف المحيطة به في ذلك الوقت.
وعليه، فإن التعاملات السابقة بذات التوكيل لا تثبت وحدها صحة كل تصرف لاحق، ولا تنشئ سلطة غير موجودة في سند الوكالة، لكنها – متى ثبتت مستندياً – تمثل دليلاً واقعياً مهماً على قيام المظهر الخارجي للنيابة، وعلى استقرار التعامل على أساسها، وعلى جدية اعتقاد المتهم الأول بقيام صفته وسلطته، ومن ثم فهي ذات دلالة جوهرية في نفي العلم بانعدام السلطة ونفي القصد الجنائي اللازم لجريمة التزوير.
وإذ أغفل الحكم المعارض فيه – متى كان الدفاع قد تمسك بهذه التعاملات وثبتت بالأوراق – بحثها وتمحيص دلالتها، أو عزلها عن باقي عناصر الدعوى، أو استخلص من الواقعة اللاحقة وحدها انتفاء سلطة المتهم الأول وعلمه بذلك، فإنه يكون قد اجتزأ صورة الواقعة وأقام استدلاله على جزء منها دون باقي عناصرها الجوهرية، بما يعيبه بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال.
وبناءً عليه، يتمسك المتهم الأول بدلالة التعاملات السابقة بذات التوكيل في إثبات قيام المظهر الخارجي للوكالة، وفي تأكيد أن استعمال سند النيابة كان سابقاً ومستقراً ومتصلاً بذات الشركة وذات العلاقة التمثيلية، بما يدعم انتفاء العلم بانعدام السلطة وانتفاء القصد الجنائي، ويعزز ما ثبت بالمحررات الرسمية من قيام الوكالة وقت التصرف وامتداد نطاقها إلى التصرف محل الاتهام، الأمر الذي يتعين معه القضاء ببراءة المتهم الأول مما أسند إليه، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم النزول أو التنازل عن أي منها.
الدفع الثاني والتسعون: دلالة عقود التعديل السابقة التي باشرها المتهم الأول بذات التوكيل على استقرار التعامل على أساس تمتعه بسلطة مباشرة تعديلات الشركة، وما تشكله من قرينة مادية على حسن نيته في التصرف محل الاتهام
يتمسك المتهم الأول بدلالة عقود التعديل السابقة التي سبق له مباشرتها بذات التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، باعتبارها من القرائن المادية والموضوعية التي تكشف عن الكيفية التي فُهم بها نطاق الوكالة ومورست بها سلطاتها في التعاملات السابقة، وتؤكد أن مباشرة المتهم الأول لإجراءات تعديل الشركة لم تكن واقعة طارئة أو استعمالاً مستحدثاً للوكالة بقصد تجاوز حدودها، وإنما جاءت امتداداً لنمط سابق ومستقر من التعامل تم في إطار ذات السند وبصفته ذاتها كوكيل عن صاحبة الشأن.
فالثابت أن المتهم الأول لم يستند في التصرف محل الاتهام إلى وكالة أنشئت خصيصاً لإجراء التعديل محل النزاع، ولم يظهر فجأة في التعامل باعتباره وكيلاً دون سند سابق، وإنما كان يحمل توكيلاً رسمياً قائماً، سبق استعماله في مباشرة تعديلات سابقة للشركة، وهو ما يشكل ظرفاً موضوعياً بالغ الدلالة عند بحث حالته الذهنية وقت التصرف، ولا سيما عند التحقق من مدى توافر العلم لديه بأنه يتجاوز حدود سلطته أو أنه بصدد تغيير الحقيقة في محرر على خلاف الواقع.
ذلك أن تعدد التصرفات السابقة التي تمت بذات سند الوكالة، متى كانت قد جرت في إطار رسمي وأمام الجهات المختصة وبذات الصفة التمثيلية، يكشف عن وجود فهم عملي مستقر لدى أطراف التعامل والجهات التي باشرت الإجراءات مؤداه أن المتهم الأول كان يتعامل باعتباره صاحب صفة تمثيلية تخوله مباشرة شؤون الشركة وإجراء تعديلاتها في الحدود التي يستمدها من سند الوكالة. وهذه الحقيقة لا تنشئ بذاتها سلطة قانونية جديدة للوكيل، وإنما تكشف عن السياق الواقعي الذي أحاط بممارسة الوكالة، وعن الأساس الموضوعي الذي يمكن أن يستند إليه في إثبات حسن اعتقاده بقيام سلطته.
ومن ثم، فإن التصرف محل الاتهام لا يجوز عزله عن هذا السياق السابق، والنظر إليه باعتباره واقعة منفردة مجردة من ملابساتها، إذ إن تقدير القصد الجنائي لا ينفصل عن الظروف الموضوعية التي أحاطت بالفعل، ولا سيما عندما يكون الاتهام قائماً على القول بأن المتهم الأول كان يعلم بانعدام سلطته أو تجاوز حدودها، ثم تعمد رغم ذلك استعمال محرر على نحو ينطوي على تغيير للحقيقة.
فإذا كان المتهم الأول قد سبق له أن باشر تعديلات أخرى للشركة بذات التوكيل، ولم يكن قد واجه – وقتها – بما يفيد انعدام سلطته في مباشرة هذه الأعمال، واستمرت المعاملات في مسارها الرسمي، فإن هذا السياق يمثل قرينة مادية على أنه كان يتعامل مع الوكالة باعتقاد جدي وقائم على أسباب موضوعية بأنها تخوله مباشرة تلك الأعمال، وليس باعتقاد مصطنع أوجده بعد نشوء النزاع الجنائي لتبرير تصرف وقع بغير سند.
وتزداد قوة هذه الدلالة إذا كانت عقود التعديل السابقة قد اتخذت ذات المسار الرسمي، ووقعت بذات الصفة، وقدمت إلى الجهات المختصة، وتم التعامل معها على هذا الأساس دون أن يثار في حينه أن المتهم الأول ينتحل صفة صاحبة الشأن أو يوقع بغير سلطة. إذ إن هذه الملابسات لا تثبت وحدها صحة كل تصرف سابق ولا تحسم بذاتها النزاع حول نطاق الوكالة، لكنها تظل من الوقائع الموضوعية التي يتعين على المحكمة أن تضعها في ميزان تقديرها عند بحث القصد الجنائي وحقيقة اعتقاد المتهم الأول بسلطته.
ولا سيما أن الدفاع لا يتمسك بهذه العقود السابقة باعتبارها مصدراً مستقلاً لسلطة المتهم الأول، وإنما يتمسك بها باعتبارها دليلاً على السلوك السابق المستقر في استعمال الوكالة، وعلى أن المتهم الأول لم يبتدع تفسيراً لنطاق سلطته بمناسبة الواقعة محل الاتهام، بل مارس الوكالة وفق فهم سبق أن انعكس في تعاملات وتعديلات سابقة.
وهذه الدلالة تصبح أكثر وضوحاً عند وضعها إلى جانب التوكيل الرسمي ذاته، الذي تضمن منح المتهم الأول الحق في القيام نيابة عن الموكل بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات والتوقيع نيابة عنه على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 من أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
ومن ثم فإن العقود السابقة لا تقف منفردة في مواجهة الاتهام، وإنما تأتي في سياق متكامل من القرائن الموضوعية: سند وكالة رسمي قائم، استعمال سابق للوكالة في تعديلات للشركة، مباشرة الإجراءات بذات الصفة التمثيلية، وعدم ثبوت إلغاء الوكالة إلا بعد التصرف محل الاتهام، ثم صدور مذكرة رسمية لاحقة تؤيد امتداد نطاق الوكالة إلى عقود تعديل الشركات وإلى الإجراءات المتعلقة بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
وإذا كان الاتهام قد أقام جانباً من تصوره على أن المتهم الأول كان يعلم أن الوكالة لا تخوله إجراء التعديل محل الاتهام، فإن هذا العلم لا يجوز افتراضه بمجرد وقوع التعديل أو مجرد اعتراض صاحبة الشأن عليه لاحقاً، وإنما يتعين استخلاصه من ظروف ووقائع جدية تؤدي إليه. أما وقد كان المتهم الأول قد تعامل بذات الوكالة في تعديلات سابقة، وفي ظل مسار رسمي، فإن هذه الملابسات تمثل – على العكس – ظرفاً موضوعياً يتعارض مع افتراض العلم اليقيني بانعدام السلطة.
كما أن سبق استعمال الوكالة في ذات المجال العملي من شأنه أن يفسر تفسيراً منطقياً ومشروعاً سبب إقدام المتهم الأول على مباشرة التصرف محل الاتهام؛ إذ لا يكون تصرفه آنذاك وليد إرادة إجرامية خفية، وإنما وليد اعتقاد له أساس واقعي ومحرري بأنه يباشر عملاً يدخل في نطاق سلطته التمثيلية.
ولا يغير من ذلك أن الموافقة اللاحقة من الأصيل قد تكون محل نزاع، أو أن آثار التعديل قد ترتب عليها تغيير في حصص الشركاء، إذ إن عدم الرضا اللاحق أو المنازعة في نتيجة التصرف لا يكشف بذاته عما كان يدور في ذهن المتهم الأول وقت مباشرة التصرف، ولا يحول الاعتقاد السابق بقيام السلطة إلى قصد جنائي بأثر رجعي.
ومن ناحية أخرى، فإن عقود التعديل السابقة تكتسب أهمية خاصة في نفي فكرة أن المتهم الأول كان يعلم أن مباشرته لتعديل الشركة تمثل فعلاً استثنائياً خارجاً عن نطاق الوكالة، إذ إن تكرار السلوك في إطار ذات السند وبذات الصفة يمثل قرينة على استقرار فهمه لنطاق سلطته، ويجعل تفسير الواقعة باعتبارها فعلاً مقصوداً لتغيير الحقيقة تفسيراً يحتاج إلى دليل إيجابي مستقل، لا إلى مجرد افتراض مستخلص من النتيجة التي ترتبت على التصرف.
ومن ثم، فإذا كانت المحكمة قد أخذت بصورة الاتهام القائمة على انتفاء سلطة المتهم الأول، كان لزاماً عليها أن تواجه هذه العقود السابقة وأن تستظهر دلالتها، وأن تبين ما إذا كانت قد تمت بذات التوكيل وبذات الصفة، وما إذا كانت تكشف عن نمط سابق في استعمال الوكالة، ثم تزن أثر ذلك كله في تقدير علم المتهم الأول بحقيقة حدود سلطته وقصده الجنائي. أما إغفال هذه المستندات والوقائع الجوهرية وعدم التعرض لدلالتها، رغم اتصالها المباشر بعنصري العلم والقصد، فيحول دون استكمال الصورة الواقعية للواقعة محل الاتهام.
ولا يعني ذلك أن مجرد مباشرة تصرفات سابقة بذات التوكيل تمنح الوكيل حصانة من المسؤولية الجنائية أو تثبت حتماً صحة التصرف اللاحق، وإنما مؤدى الدفاع أن هذه التصرفات السابقة تمثل قرينة واقعية على حسن الاعتقاد بالسلطة، وأنها من العناصر التي لا يجوز تجاهلها عند استظهار القصد الجنائي، ولا سيما إذا انضمت إلى محرر وكالة رسمي وإلى مستند رسمي لاحق يؤيد امتداد نطاقها إلى تعديل الشركات.
ومتى كانت القرائن الموضوعية المتقدمة تؤدي إلى قيام اعتقاد معقول لدى المتهم الأول بأنه يباشر التصرف في حدود وكالته، وكان الاتهام لم يقدم دليلاً يقينياً مستقلاً يثبت علمه بأن سلطته قد انحسرت أو أنه يتعمد تغيير الحقيقة رغم علمه بذلك، فإن استخلاص القصد الجنائي من مجرد حصول التعديل يكون استخلاصاً غير سائغ، إذ لا يكفي وقوع الفعل مادياً لإثبات العلم الجنائي المصاحب له.
والأهم أن هذه العقود السابقة تتصل اتصالاً مباشراً بالتمييز بين الخطأ في تقدير مدى السلطة – على فرض وجوده – وبين القصد الجنائي الخاص لجريمة التزوير؛ فحتى على الفرض الجدلي بأن المحكمة قد ترى أن المتهم الأول قد أخطأ في تقدير مدى امتداد الوكالة، فإن مجرد الخطأ في التفسير أو الاعتقاد بوجود سلطة لا يساوي بذاته العلم بتغيير الحقيقة، ولا يثبت وحده اتجاه إرادته إلى استعمال محرر يعلم أنه مزور.
وعليه، فإن عقود التعديل السابقة التي باشرها المتهم الأول بذات التوكيل، مقرونة بسند الوكالة ذاته وبالمذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق، تشكل منظومة من القرائن المادية التي تؤكد أن مباشرة المتهم الأول للتصرف محل الاتهام جاءت في إطار اعتقاد قائم على أسباب موضوعية بامتلاكه سلطة التمثيل والتوقيع، الأمر الذي يثير – على أقل تقدير – شكاً جدياً في توافر القصد الجنائي، ويحول دون استخلاصه بطريق الافتراض أو الاستنتاج المجرد.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على أن عقود التعديل السابقة التي باشرها بذات التوكيل تكشف عن استقرار التعامل على أساس تمتعه بسلطة مباشرة تعديلات الشركة، وتشكل قرينة مادية على حسن اعتقاده بقيام سلطته وقت التصرف محل الاتهام، بما ينال من القول بتوافر العلم الجنائي والقصد اللازمين لجريمة التزوير، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الثالث والتسعون: عدم جواز تجزئة المظهر القانوني للوكالة، والنظر إلى التصرف محل الاتهام بمعزل عن التعاملات السابقة التي أنشأت واستمرت في تكريس المركز الظاهر للمتهم الأول بوصفه وكيلاً مفوضاً في مباشرة تعديلات الشركة
يتمسك المتهم الأول بعدم جواز النظر إلى التصرف محل الاتهام باعتباره واقعة منفصلة ومبتورة عن سياق التعاملات السابقة التي أحاطت بالوكالة وبالعلاقة بين أطراف الشركة، ذلك أن المركز القانوني والواقعي الذي ظهر به المتهم الأول عند مباشرة التصرف لم ينشأ لحظة توقيعه على المحرر محل الاتهام، وإنما كان قائماً ومستقراً قبل ذلك بمدة، وتأكد من خلال سلسلة من التعاملات والإجراءات السابقة التي جرى فيها التعامل معه بوصفه وكيلاً عن صاحبة الشأن، وبما يتصل بإدارة شؤون الشركة وإجراءات تأسيسها وتعديلها والتعامل مع الجهات المختصة.
فليس من صحيح النظر القانوني أن تُنتزع واقعة التوقيع محل الاتهام من سياقها السابق، ثم يُقال إن المتهم الأول ظهر فجأة في تلك الواقعة بغير سند أو بغير صفة، بينما الثابت أن سند الوكالة الرسمي كان قائماً، وأن التعاملات السابقة قد جرت في إطار هذه الصفة، وأن المركز الذي ظهر به المتهم الأول أمام الشركة والجهات ذات الصلة لم يكن وليد اللحظة التي وقع فيها المحرر محل الاتهام، وإنما كان نتيجة مباشرة لمسار سابق من التعاملات والممارسات التي كرست ظهوره بوصفه نائباً عن صاحبة الشأن.
والمقصود بالمركز الظاهر في هذا المقام ليس إنشاء وكالة جديدة من مجرد المظهر الخارجي، ولا استبدال السند الرسمي بمظاهر التعامل، وإنما المقصود أن الوقائع السابقة تكشف عن الكيفية التي ظهرت بها سلطة المتهم الأول في الواقع العملي، وتلقي ضوءاً لازماً على مدى معقولية اعتقاده بقيام صفته التمثيلية عند مباشرة التصرف محل الاتهام، وعلى حقيقة ما إذا كان قد تصرف باعتقاد أنه يباشر عملاً بصفته وكيلاً مفوضاً أم أنه تعمد انتحال صفة لا سند لها.
ومن ثم، فإن التعاملات السابقة لا تُطرح باعتبارها مصدراً مستقلاً للسلطة يحل محل التوكيل الرسمي، وإنما باعتبارها قرائن متساندة تكشف عن استقرار الصفة التمثيلية في التعامل، وعن أن ظهور المتهم الأول بهذه الصفة لم يكن طارئاً أو مصطنعاً أو مستحدثاً بقصد ارتكاب فعل جنائي، وإنما جاء امتداداً لمسار سابق من التعاملات التي تمت في ظل سند الوكالة ذاته.
وهذا المعنى يكتسب أهمية خاصة في الدعوى الماثلة، لأن الاتهام لا يقوم – في جوهره – على مجرد ثبوت صدور التوقيع من المتهم الأول، وإنما على تصوير هذا التوقيع باعتباره قد صدر بغير سلطة أو في غير حدود الصفة التي أعلنها. فإذا كانت الأوراق تكشف عن تعاملات سابقة ظهر فيها المتهم الأول ومورس فيها دوره بوصفه وكيلاً، فإن اقتطاع التصرف محل الاتهام من هذه الوقائع السابقة يؤدي إلى تشويه الصورة الكاملة للواقعة وإلى استخلاص نتيجة لا تعبر عن السياق الذي وقع فيه التصرف.
كما أن هذه التعاملات السابقة تكتسب دلالتها من اتصالها بسند الوكالة الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، ذلك السند الذي كان قائماً وقت مباشرة التصرف محل الاتهام، والذي تضمن تخويل المتهم الأول القيام نيابة عن صاحبة الشأن بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، بما يجعل التعاملات السابقة – متى ثبت اتصالها بذات الوكالة وذات العلاقة القانونية – ذات دلالة في تفسير كيفية ممارسة السلطة التي تضمنها سند الوكالة وفي بيان السياق الذي صدر فيه التصرف محل الاتهام.
ولا يجوز، والحال كذلك، أن يُستدل على سوء القصد أو انعدام السلطة من واقعة التعديل وحدها، مع إغفال أن المتهم الأول كان قد باشر قبلها تعاملات في ذات الإطار وبذات الصفة، إذ إن استخلاص العلم بانعدام السلطة أو القصد الجنائي يتطلب النظر إلى مجمل الظروف المحيطة بالفعل، وليس إلى واقعة واحدة مجردة من سياقها. فإذا كانت الظروف السابقة تؤكد أن المتهم الأول كان يتعامل باعتباره وكيلاً مفوضاً، فإنها تصبح ذات صلة مباشرة بتقدير ما إذا كان قد قصد تغيير الحقيقة أو كان يعتقد، على نحو جدي ومبرر، أنه يباشر التصرف في حدود سلطته التمثيلية.
ويتعين كذلك التمييز بين أمرين لا يجوز الخلط بينهما: أولهما، مصدر السلطة القانونية، وهو سند الوكالة وما تضمنه من نطاق للتفويض؛ وثانيهما، المظهر الواقعي لهذه السلطة وكيفية ممارستها واستقرارها في التعامل. فالتعاملات السابقة لا تنشئ بذاتها حكماً قانونياً جديداً في مواجهة الأصيل إذا لم تكن لها مستندات أو وقائع قانونية منتجة لذلك، لكنها في المجال الجنائي تظل من القرائن التي يتعين بحثها عند تحديد حقيقة الواقعة، ومدى علم المتهم، ومدى توافر القصد الجنائي، وما إذا كان سلوكه قد صدر في إطار اعتقاد جدي بقيام صفته التمثيلية.
ولا يستقيم كذلك أن يُقال إن كل تصرف سابق لا صلة له بالواقعة محل الاتهام لمجرد أنه سابق زمنياً، إذ إن مناط الدلالة هو مدى اتصاله بذات الوكالة وذات الشركة وذات الصفة التمثيلية وطبيعة الأعمال التي كان المتهم الأول يباشرها بموجبها. فإذا كانت التعاملات السابقة قد تضمنت مباشرة إجراءات أو توقيعات أو تعديلات أو معاملات متصلة بالشركة في إطار الوكالة ذاتها، فإنها تشكل جزءاً من السياق الواقعي الذي يتعين على المحكمة أن تنظر إليه عند تقدير التصرف اللاحق.
وقد تأكد هذا المعنى كذلك بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة. وهذه النتيجة الرسمية لا تنشئ بذاتها أثراً قضائياً ملزماً في الدعوى الجنائية، وإنما تؤكد أهمية قراءة سند الوكالة والتصرف محل الاتهام في سياقهما الصحيح، وعدم تجزئة مظاهر السلطة التمثيلية أو اقتطاع الواقعة محل الاتهام من الإطار الذي أحاط بها.
ومن ثم، فإذا كان المتهم الأول قد ظهر في التعاملات السابقة بصفته وكيلاً، واستند في ممارسته لهذه الصفة إلى توكيل رسمي قائم، ولم يخف صفته أو ينتحل شخصية صاحبة الشأن، فإن هذا السياق السابق يضعف بصورة جوهرية أي استنتاج بأن ظهوره بهذه الصفة في التصرف محل الاتهام كان انتحالاً مصطنعاً أو وسيلة لتغيير الحقيقة. بل إن تسلسل التعاملات – متى ثبت بالأوراق – يكون أقرب إلى تأكيد أن التصرف محل الاتهام جاء امتداداً لمركز تمثيلي قائم ومستقر في التعامل، لا واقعة منفردة نشأت من تلقاء نفسها بقصد اصطناع مركز قانوني غير موجود.
ولا يجوز في هذا السياق تحميل واقعة لاحقة على وقائع سابقة أو إعادة تفسير التعاملات السابقة في ضوء النزاع الذي نشأ بعد التصرف محل الاتهام، لأن العبرة في تقدير القصد الجنائي تكون بالظروف القائمة وقت مباشرة الفعل، لا بما استجد بعد ذلك من خلاف أو اعتراض أو إلغاء للوكالة. فإذا كان المتهم الأول وقت التوقيع يملك سند وكالة قائماً، وكان يتعامل بالفعل بهذه الصفة في سياق سابق، فإن ظهور النزاع لاحقاً لا يصلح بذاته لإعادة بناء نيته وقت التوقيع على نحو يفترض توافر العلم بانعدام السلطة أو قصد تغيير الحقيقة.
كما أن تجزئة المظهر القانوني للوكالة تؤدي إلى نتيجة غير سائغة، إذ يُصار بمقتضاها إلى اعتبار المتهم الأول وكيلاً في التعاملات السابقة، ثم يُفترض فجأة أنه فقد هذه الصفة عند التصرف محل الاتهام دون بيان الواقعة أو الإجراء الذي أدى إلى زوالها قبل التوقيع، ودون بيان الدليل الذي يثبت علمه بذلك، مع أن الثابت أن إلغاء التوكيل – وفقاً لما هو ثابت بالمستندات الرسمية – جاء لاحقاً على التوقيع محل الاتهام.
فإذا كان الاتهام قد استند إلى أن المتهم الأول لم تكن له سلطة في مباشرة التعديل، فإن هذه النتيجة لا يجوز استخلاصها بمجرد عزل التصرف محل الاتهام عن باقي التعاملات، بل يتعين فحص سند الوكالة ذاته، والتعاملات السابقة المتصلة به، وطبيعة الصفة التي ظهر بها المتهم الأول، وما إذا كان ثمة إجراء سابق على التصرف أنهى أو قيد سلطته، وما إذا كان المتهم قد علم بذلك، ثم بعد ذلك تحديد ما إذا كان قد وقع فعلاً تغيير للحقيقة في المحرر.
وإذا لم يثبت ذلك، فإن الواقعة تظل في نطاق تصرف باشره شخص بصفته وكيلاً وبموجب سند وكالة قائم، وقد أحاطت به تعاملات سابقة كرست هذه الصفة في الواقع العملي، الأمر الذي لا يستقيم معه استخلاص الركن المادي للتزوير أو القصد الجنائي من مجرد النتيجة التي ترتبت على التصرف أو من الاعتراض اللاحق عليه.
ومن ثم، فإن النظر إلى التصرف محل الاتهام بمعزل عن التعاملات السابقة التي أظهرت المتهم الأول ومارسته الأطراف والجهات ذات الصلة بوصفه وكيلاً مفوضاً، من شأنه أن يؤدي إلى تجزئة غير سائغة لعناصر الواقعة، وأن يحجب عن المحكمة قرائن جوهرية تتصل بحقيقة صفة المتهم ومصدر اعتقاده بقيام سلطته، فضلاً عن أثرها في تقدير القصد الجنائي.
وعليه، يتمسك المتهم الأول بأن الصورة الصحيحة للواقعة لا تُستخلص من المحرر محل الاتهام وحده، وإنما من مجموع المستندات والتعاملات السابقة واللاحقة ذات الصلة، وفي مقدمتها سند الوكالة الرسمي وما تم من تعاملات في إطارها، وما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق من امتداد نطاقها إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء. ومتى وُضعت هذه العناصر جميعاً في ميزان واحد، انتفى الأساس الذي يمكن أن يُستخلص منه أن المتهم الأول ظهر في التصرف محل الاتهام بغير صفة أو بقصد تغيير الحقيقة.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لعدم ثبوت ارتكابه فعلاً مادياً من أفعال التزوير، ولا سيما في ظل قيام سند وكالة رسمي قائم وقت التصرف، وثبوت امتداد نطاقه إلى التصرف محل الاتهام، وقيام تعاملات سابقة ذات صلة كرست المركز التمثيلي الذي ظهر به المتهم الأول، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الرابع والتسعون: ثبوت مساهمة الأصيل في إنشاء أو تكريس المظهر الخارجي للوكالة، بما ينتفي معه إسناد الغش أو التدليس إلى المتهم الأول، ويؤكد مشروعية اعتقاده بقيام سلطته التمثيلية وانتفاء القصد الجنائي
يتمسك المتهم الأول بأن الثابت من الأوراق أن المظهر الخارجي للوكالة التي باشر استناداً إليها التصرف محل الاتهام لم يكن وليد فعل منفرد منه، ولم ينشأ عن اصطناع أو تدليس من جانبه، وإنما استند إلى سند وكالة رسمي صادر من صاحبة الشأن ذاتها، ومحرر على النحو الذي يثبت معه قيام علاقة النيابة ومصدر السلطة التمثيلية، الأمر الذي يجعل اعتقاد المتهم الأول بقيام صفته وسلطته في مباشرة التصرف قائماً على سبب موضوعي ظاهر، لا على مجرد ادعاء شخصي أو تصور وهمي للصفة.
ذلك أن المتهم الأول لم ينشئ لنفسه صفة الوكيل ابتداءً، ولم يقدم إلى الجهة التي باشَر أمامها التصرف مستنداً مصطنعاً أو محرراً مجهول المصدر، وإنما استند إلى توكيل رسمي قائم وصادر من الأصيل، وكانت صفته التمثيلية معلنة في المحرر محل الاتهام، بما يجعل المظهر الخارجي للنيابة مستنداً إلى واقعة قانونية ومادية ظاهرة ومعلومة، وليس إلى حيلة أو وسيلة احتيالية قصد بها المتهم الأول إيهام الغير بقيام سلطة غير موجودة.
والثابت أن التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة قد صدر من صاحبة الشأن، وتضمن تفويض المتهم الأول في القيام نيابة عنها بالمسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عن السلطات الأخرى الواردة بسند الوكالة. ومن ثم فإن أصل المظهر الخارجي للوكالة لم يكن من صنع المتهم الأول، وإنما كان قائماً بمحرر رسمي صادر عن الأصيل نفسه.
ويضاف إلى ذلك أن المتهم الأول لم يتعامل مستنداً إلى هذا المظهر في الخفاء أو بطريق إخفاء صفته الحقيقية، وإنما باشر التوقيع معلناً صفته كوكيل عن صاحبة الشأن، وعلى نحو يسمح للجهة التي قدم إليها التصرف أن تتحقق من مصدر سلطته ومستندها، الأمر الذي ينتفي معه – من حيث الأصل – أي سلوك مادي من جانبه يرمي إلى إيهام الغير بقيام صفة غير حقيقية أو إخفاء حقيقة علاقته بالأصيل.
ولا يقف الأمر عند مجرد وجود سند الوكالة، وإنما تعزز هذا المظهر بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه الواقعة الرسمية لا تنشئ بذاتها حجية قضائية نهائية في شأن المسؤولية الجنائية، إلا أنها تمثل قرينة موضوعية بالغة الدلالة على أن اعتقاد المتهم الأول بقيام سلطته لم يكن اعتقاداً مجرداً أو مفتعلاً، وإنما كان له أساس في محرر رسمي، فضلاً عن تأييده لاحقاً بما انتهت إليه الجهة المختصة بالتوثيق عند فحص نطاق الوكالة.
ومن ثم، فإذا كان الأصيل هو الذي أصدر سند الوكالة، وأقام بموجبه المظهر الخارجي للنيابة، وكانت الوكالة قائمة وقت مباشرة التصرف، وكان المتهم الأول قد تعامل في حدود هذا المظهر وبصفته المعلنة كوكيل، فلا يستقيم – بغير دليل مستقل على علمه بعدم قيام السلطة أو على تعمده تغيير الحقيقة – أن ينسب إليه الغش أو التدليس لمجرد أن الأصيل عاد لاحقاً إلى المنازعة في التصرف أو في آثاره أو في مدى ما كان يقصده من منح الوكالة.
ذلك أن قيام المظهر الخارجي للوكالة لا يعني أن كل تصرف يصدر من الوكيل يصبح صحيحاً بالضرورة في مواجهة الأصيل، ولا يحسم بذاته كل نزاع مدني حول حدود الوكالة، وإنما تتمثل دلالته في الدعوى الجنائية في بيان الأساس الموضوعي الذي استند إليه المتهم في اعتقاده بقيام صفته وسلطته، وما إذا كان هذا الاعتقاد قد قام على سبب ظاهر ومشروع أم كان نتيجة تدليس أو اصطناع من جانبه.
وهنا تحديداً تتجلى أهمية هذا الدفاع؛ إذ إن مناط القصد الجنائي في جريمة التزوير لا يتحقق بمجرد ثبوت أن المتهم باشر تصرفاً ترتب عليه أثر قانوني، وإنما يتطلب ثبوت علمه بتغيير الحقيقة واتجاه إرادته إلى استعمال المحرر مع علمه بحقيقة تزويره. فإذا كان المتهم الأول قد باشر التوقيع استناداً إلى وكالة رسمية صادرة من صاحبة الشأن، وكانت الوكالة قائمة وقت التصرف، وكان قد أعلن صفته كوكيل، ثم ثبت رسمياً أن نطاق الوكالة يمتد – بحسب مذكرة الإدارة العامة للتوثيق – إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن هذه الوقائع تمثل جميعها عناصر موضوعية يتعين أن تدخل في تقدير مدى توافر العلم الجنائي والقصد الخاص.
ولا يجوز في هذا السياق أن يُستخلص العلم بالتزوير من مجرد وقوع خلاف لاحق بين الأصيل والوكيل حول آثار التصرف، لأن الخلاف اللاحق لا يكشف بذاته عن الحالة الذهنية للمتهم وقت مباشرته الفعل. كما لا يجوز أن يُتخذ إلغاء الوكالة اللاحق دليلاً تلقائياً على أن المتهم كان يعلم قبل الإلغاء بزوال سلطته، ما دام الثابت أن الإلغاء قد وقع بعد مباشرة التصرف محل الاتهام.
كما أن القول بأن الأصيل لم يكن يقصد – في وقت لاحق – إحداث الأثر الذي ترتب على استعمال الوكالة لا يكفي بذاته لإثبات أن المتهم الأول كان يعلم، وقت التوقيع، بأن سلطته لا تمتد إلى التصرف محل الاتهام. فالعبرة في مقام إثبات القصد الجنائي بما كان يعلمه المتهم وما كان يعتقده وقت مباشرته الفعل، لا بما استجد من منازعات أو اعتراضات بعد إتمامه.
ويؤكد ذلك أن المتهم الأول لم يواجه الجهة المختصة باعتباره أصيلاً، ولم ينسب إلى نفسه شخصياً صفة صاحبة الشأن، وإنما أظهر صفته التمثيلية صراحة، وقدم سند الوكالة الذي استند إليه في مباشرة التصرف. وهذا السلوك الظاهر يتعارض – في أصل تصويره – مع فكرة التدليس المتعمد لإخفاء انعدام الصفة، ويؤكد أن المتهم كان يتعامل على أساس قيام النيابة ومشروعية استعمالها.
فإذا كانت صاحبة الشأن قد أنشأت بنفسها سند الوكالة، وإذا كان السند قائماً وقت التصرف، وإذا كان المتهم قد تعامل على أساسه معلناً صفته، وإذا كان نطاقه قد فُسر رسمياً لاحقاً على أنه يشمل التصرف محل الاتهام، فإن نسبة الغش أو التدليس إلى المتهم الأول تحتاج إلى دليل مستقل يثبت علمه بأن هذا المظهر لا يعكس الحقيقة، وأنه رغم ذلك تعمد استعماله لتغيير الحقيقة في المحرر. أما مجرد قيام الأصيل لاحقاً بالمنازعة في التصرف أو إلغاء الوكالة فلا يكفي لإقامة هذا الدليل.
ولا يغير من ذلك ما قد يقال من أن المظهر الخارجي للوكالة لا ينشئ في ذاته سلطة حقيقية إذا كانت حدودها القانونية لا تشمل التصرف، إذ إن المتهم الأول لا يتمسك بالمظهر الخارجي باعتباره بديلاً عن سند الوكالة، وإنما يتمسك به كعنصر موضوعي كاشف عن حالته الذهنية وقت التصرف، ومؤيد لانتفاء العلم الجنائي، ولا سيما أن مصدر هذا المظهر كان محرراً رسمياً صادراً عن الأصيل نفسه.
ومن ثم فإن قيام الأصيل بإنشاء سند الوكالة، واستمرار هذا السند قائماً وقت مباشرة التصرف، وعدم ثبوت إلغاء سابق عليه، وإعلان المتهم الأول صفته التمثيلية، وثبوت امتداد الوكالة إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء بحسب ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق، كلها وقائع متساندة تكشف عن أن المتهم الأول لم يتحرك في مواجهة مظهر مصطنع من جانبه، وإنما تعامل مع مظهر تمثيلي أنشأه الأصيل ابتداءً وثبته في محرر رسمي.
ومن ثم، فإن تحميل المتهم الأول – في ظل هذه الظروف – مسؤولية الغش أو التدليس لمجرد أن الأصيل نازع لاحقاً في التصرف أو في مدى سلطته، من شأنه أن يقلب مركز الإثبات، ويجعل النتيجة اللاحقة للتصرف دليلاً على علم سابق لم يثبت، وهو ما لا يستقيم مع الأصل في المسؤولية الجنائية ولا مع وجوب إثبات القصد الجنائي بدليل جازم مستمد من ظروف سابقة أو معاصرة للفعل.
والأدق قانوناً أن أثر هذا المظهر لا يقف عند حدود حسن النية بمعناه المدني، وإنما يمتد في الدعوى الجنائية إلى نفي أحد أهم العناصر التي يتطلبها القصد الجنائي، وهو العلم بأن ما يباشره المتهم يمثل تغييراً للحقيقة على خلاف الواقع. فإذا كان اعتقاده بقيام سلطته مستنداً إلى وكالة رسمية قائمة، ولم يثبت أنه كان يعلم بانعدام سلطته أو بتجاوزها، تعذر استخلاص العلم الجنائي من مجرد النتيجة التي ترتبت على التصرف.
ولما كان الأصل أن الشك في توافر القصد الجنائي يفسر لمصلحة المتهم، وكان الثابت أن للمتهم الأول أساساً موضوعياً ومحرراً رسمياً يستند إليه في اعتقاده بقيام صفته التمثيلية، فإن القول بتوافر الغش أو التدليس أو العلم بانعدام السلطة لا يجوز أن يقوم على مجرد الافتراض أو على المنازعة اللاحقة في آثار التصرف، وإنما يلزم أن يقوم على دليل مستقل ومحدد يثبت علم المتهم الأول بحقيقة مخالفة ما يظهر من سند الوكالة وقت مباشرته التصرف.
وبناءً عليه، يتمسك المتهم الأول بأن ثبوت مساهمة الأصيل في إنشاء وتكريس المظهر الخارجي للوكالة، وقيام هذا المظهر في محرر رسمي، واستمرار الوكالة قائمة وقت مباشرة التصرف، وتعامل المتهم الأول استناداً إليها وبصفته المعلنة كوكيل، فضلاً عن ثبوت الدلالة الرسمية على امتداد نطاقها إلى التصرف محل الاتهام، جميعها تنفي عنه نسبة الغش أو التدليس، وتدعم انتفاء علمه بعدم مشروعية التوقيع أو بتجاوز سلطته، بما ينهار معه الأساس الذي يمكن أن يستند إليه القول بتوافر القصد الجنائي لجريمة التزوير.
ومن ثم، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لعدم ثبوت ارتكابه فعلاً مادياً من أفعال تغيير الحقيقة، وانتفاء الدليل اليقيني على علمه بانعدام سلطته أو تجاوزها، وعدم توافر القصد الجنائي، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع بأي حال من الأحوال عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الخامس والتسعون: انتفاء القصد الجنائي الخاص في جريمة التزوير، لعدم ثبوت علم المتهم الأول بأن ما يباشره يخالف الحقيقة القانونية أو يجاوز حدود السلطة التي كان يعتقد – في ضوء سند الوكالة وظروف التعامل – أنها قائمة له
يتمسك المتهم الأول بانتفاء القصد الجنائي الخاص اللازم لقيام جريمة التزوير، ذلك أن الأوراق قد خلت من دليل يقيني يثبت علمه، وقت مباشرة التصرف محل الاتهام، بأنه يباشر فعلاً يخالف الحقيقة القانونية أو أنه يتجاوز حدود السلطة التي كان يعتقد، استناداً إلى سند الوكالة الرسمي والظروف الموضوعية المحيطة بالتصرف، أنها ثابتة له، وإنما الثابت على العكس أنه باشر التوقيع استناداً إلى توكيل رسمي قائم وقت مباشرة التصرف، وأفصح عن صفته كوكيل، ولم يقدم نفسه باعتباره الأصيل، بما تنتفي معه الدلالة اللازمة على علمه بأنه يرتكب فعلاً من أفعال تغيير الحقيقة.
ذلك أن القصد الجنائي في جريمة التزوير لا يقوم بمجرد العلم بوجود التصرف أو العلم بالنتيجة التي يرتبها، وإنما يلزم أن ينصرف العلم إلى حقيقة الفعل المؤثم ذاته، بأن يعلم الجاني أنه يغير الحقيقة في محرر تغييراً من شأنه ترتيب الأثر الجنائي، وأن تتجه إرادته إلى استعمال المحرر فيما غيرت الحقيقة من أجله. ومن ثم فإن مجرد مباشرة التوقيع أو المشاركة في إتمام الإجراء لا تكفي بذاتها لإثبات العلم بالتزوير، ما لم يقم الدليل على أن المتهم كان يعلم أن ما يثبته أو يوقع عليه مخالف للحقيقة وأن إرادته قد اتجهت إلى إحداث هذا التغيير والاستفادة منه.
والثابت في الدعوى أن المتهم الأول لم يتعامل مع سند سلطة مجهول المصدر أو مستحدث خصيصاً للواقعة، وإنما كان يستند إلى توكيل رسمي عام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، صادر من صاحبة الشأن، وكان قائماً وقت مباشرة التصرف، وقد تضمن من السلطات ما يتعلق بإنشاء وتأسيس الشركات والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عن السلطات الأخرى الواردة به.
وهذا الظرف الموضوعي لا يمكن إغفاله عند بحث الحالة الذهنية للمتهم الأول؛ إذ إن وجود سند وكالة رسمي قائم وسابق على التصرف، مع ثبوت صفته التمثيلية في المحرر، يمثل أساساً مادياً جدياً للاعتقاد بمشروعية مباشرة التصرف، ولا سيما إذا كان نطاق الوكالة محل تفسير أو منازعة لاحقة، ولم يكن هناك وقت التوقيع ما يكشف للمتهم على نحو يقيني أن سلطته قد زالت أو أن التصرف الذي يباشره خارج عن نطاق ما خوله له سند الوكالة.
وقد تعزز هذا الاعتقاد بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل العام المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة لا يُستند إليها باعتبارها حكماً قضائياً فاصلاً في المسؤولية الجنائية، وإنما باعتبارها قرينة موضوعية لاحقة تكشف أن المسألة التي يدور حولها الاتهام – وهي مدى امتداد سلطة الوكالة إلى التصرف محل الاتهام – ليست من المسائل التي كان من المحتم على المتهم أن يعلم أنها خارجة عن سلطته، بل هي مسألة تحتمل البحث والتفسير، وقد انتهت الجهة الإدارية المختصة بالتوثيق، بعد فحص سند الوكالة، إلى نتيجة تؤيد امتداد السلطة إلى هذا النوع من التصرفات.
ومن ثم، فإن القول بتوافر القصد الجنائي يفترض أولاً إثبات أن المتهم الأول كان يعلم، وقت مباشرة التوقيع، أن سلطته لا تمتد إلى التصرف محل الاتهام، وأنه مع ذلك تعمد استعمال صفته التمثيلية لإحداث تغيير في الحقيقة. وهذا العلم لا يجوز افتراضه من مجرد وقوع المنازعة بعد التصرف، ولا من مجرد اعتراض الأصيل عليه لاحقاً، ولا من مجرد إلغاء الوكالة بعد إتمام التصرف، إذ إن هذه الوقائع اللاحقة لا تثبت بذاتها ما كان يدور في ذهن المتهم وقت مباشرة الفعل.
ولا سيما أن إلغاء الوكالة قد تم – بحسب الثابت بالأوراق – بعد التوقيع بموجبها، الأمر الذي يجعل الاستناد إلى واقعة الإلغاء لإثبات علم المتهم السابق بانعدام سلطته استدلالاً غير سائغ، ما لم يقم دليل مستقل يثبت أن المتهم كان قد علم بالإلغاء قبل مباشرة التصرف أو علم بانتفاء سلطته لسبب آخر سابق عليه. أما اتخاذ واقعة لاحقة أساساً لإثبات حالة نفسية سابقة دون بيان رابطة الاستدلال بينهما، فلا يكفي لإثبات القصد الجنائي على وجه اليقين.
كما أن المنازعة حول حدود الوكالة لا تساوي في ذاتها العلم بالتزوير؛ فقد يختلف أصحاب الشأن أو الجهات القانونية في تفسير نطاق السلطة الواردة في سند الوكالة، دون أن يعني ذلك أن أحد أطراف هذا الخلاف كان يعلم أنه يرتكب جريمة تزوير. فهناك فارق جوهري بين الخطأ في تقدير حدود السلطة، وبين العلم بأن الحقيقة قد تم تغييرها عمداً في محرر مع اتجاه الإرادة إلى استعمال المحرر بهذه الصورة.
والأوراق – في صورتها التي عُرضت بها – لا تكشف عن واقعة سابقة على التصرف من شأنها أن تنبه المتهم الأول إلى انعدام سلطته، كما لا تثبت أنه تلقى إخطاراً بإلغاء الوكالة قبل التوقيع، أو أنه كان يعلم بقيد محدد يمنعه من مباشرة تعديل حصص الشركاء، أو أنه أخفى صفته كوكيل، أو اتخذ وسيلة احتيالية لإيهام الجهة المختصة بوجود سلطة لا يملكها. بل الثابت أنه ظهر في المحرر بصفته وكيلاً، واستند إلى سند وكالة رسمي، وباشر الإجراء من خلال القنوات الرسمية.
وهذه الملابسات الموضوعية تتعارض مع الصورة الذهنية التي يتطلبها القصد الجنائي الخاص؛ إذ لا يستقيم استخلاص علم المتهم بأنه يزور محرراً من مجرد أنه استعمل وكالة رسمية كان يعتقد بقيام سلطتها، في حين أن الجهة الرسمية المختصة بالتوثيق انتهت لاحقاً إلى أن مضمون الوكالة ذاته يشمل التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
ولا يجوز كذلك الخلط بين العلم بالتصرف والعلم بعدم مشروعيته الجنائية؛ فقد يكون المتهم عالماً تماماً بأنه يوقع على عقد تعديل الشركة، وعالماً بالأثر الذي سيترتب على هذا التعديل، ومع ذلك لا يعني هذا العلم أنه كان يعلم أن توقيعه يمثل تغييراً للحقيقة أو أنه يتعمد استعمال محرر مزور. فالعنصر الحاسم في القصد الجنائي ليس مجرد العلم بوجود التصرف أو بنتيجته، وإنما العلم بالطابع غير الحقيقي للمحرر واتجاه الإرادة إلى استعماله على هذا النحو.
كما لا يجوز استخلاص القصد الجنائي من النتيجة الاقتصادية أو القانونية للتعديل وحدها؛ فزيادة حصة شريك أو انخفاض حصة شريك آخر قد تكون نتيجة مقصودة للتعديل ذاته، لكنها لا تثبت أن المتهم كان يعلم أن الوسيلة التي تم بها التعديل مزورة أو غير مشروعة جنائياً. وإلا أصبح مجرد تحقق النتيجة قرينة على القصد إلى ارتكاب الجريمة، وهو ما لا يستقيم مع ضرورة إثبات القصد الجنائي من ظروف موضوعية تؤدي إليه.
وإذا كان الاتهام قد استند إلى أن المتهم الأول لم تكن له سلطة في إجراء التعديل، فإن إثبات القصد الجنائي كان يقتضي بيان الدليل الذي يكشف عن علمه بهذه الحقيقة تحديداً، لا مجرد إثبات وجود خلاف حول تفسير سند الوكالة. وكان يتعين بيان متى علم المتهم بانتهاء أو عدم امتداد سلطته، وكيف علم بذلك، وما الدليل على أنه رغم هذا العلم أقدم على التوقيع قاصداً تغيير الحقيقة واستعمال المحرر فيما غيرت الحقيقة من أجله.
أما إذا لم يثبت هذا العلم، وظلت الأوراق محتملة لتفسير مفاده أن المتهم الأول كان يعتقد بقيام سلطته استناداً إلى سند وكالة رسمي قائم، فإن هذا الاحتمال لا يمكن تجاوزه بافتراض سوء النية، ولا يصلح بذاته أساساً لإثبات القصد الجنائي الخاص.
ويؤكد ذلك أن المتهم الأول لم يتصرف في الخفاء، ولم ينسب لنفسه صفة الأصيل، وإنما أعلن عن صفته كوكيل، وهو سلوك يتعارض – في دلالته الظاهرة – مع قصد إخفاء الحقيقة أو اصطناع مركز قانوني وهمي. كما أن تقديم سند الوكالة إلى الجهة المختصة واتخاذ إجراءات التعديل في الإطار الرسمي يمثلان من الظروف التي كان يتعين على الحكم بحثها عند استظهار القصد الجنائي، لأنها تتصل مباشرة بما إذا كان المتهم يعلم أنه يستعمل محرراً مزوراً أو يغير الحقيقة، أم كان يباشر إجراءً يعتقد في مشروعيته استناداً إلى سند رسمي قائم.
ومن ثم، فإن استخلاص القصد الجنائي لا يجوز أن يقوم على النتيجة وحدها، ولا على مجرد المنازعة اللاحقة في نطاق الوكالة، ولا على الإلغاء اللاحق لها، ولا على مجرد تحقق أثر قانوني أو اقتصادي للتصرف، وإنما يجب أن يستند إلى أدلة موضوعية تكشف على وجه اليقين عن علم المتهم الأول بعدم صحة ما يثبته المحرر، واتجاه إرادته إلى تغيير الحقيقة واستعمال المحرر على هذا الأساس.
فإذا عجز الاتهام عن إثبات هذا العلم، وظلت ظروف الواقعة قائمة على سند وكالة رسمي قائم وقت التوقيع، وصفة تمثيلية معلنة، ومحرر رسمي سابق على التصرف، فضلاً عن نتيجة رسمية لاحقة صادرة عن الإدارة العامة للتوثيق تؤيد امتداد الوكالة إلى التصرف محل الاتهام، فإن القصد الجنائي يظل غير ثابت ثبوتاً يقينياً، ويظل احتمال اعتقاد المتهم الأول بقيام سلطته قائماً على أساس موضوعي لا يجوز تجاهله في مقام التجريم.
ومن ثم، فإن ما ثبت بالأوراق لا يكشف عن قصد جنائي خاص قاطع، وإنما يكشف – على العكس – عن مباشرة المتهم الأول للتصرف استناداً إلى سند وكالة رسمي كان قائماً وقت التوقيع، وفي ظل اعتقاد له أساس موضوعي بقيام سلطته التمثيلية، دون دليل يقيني على علمه بأن ما يباشره يخالف الحقيقة القانونية أو يتجاوز السلطة التي كان يعتقد قيامها له.
ولما كان القصد الجنائي لا يُفترض، وكان الشك في قيامه يتعين تفسيره لمصلحة المتهم، وكان الدليل القائم بالأوراق لا يجاوز دائرة الاحتمال في إثبات علم المتهم الأول بعدم مشروعية سلطته أو علمه بتغيير الحقيقة، فإن أحد الأركان المعنوية اللازمة لقيام جريمة التزوير يكون غير ثابت في حقه، بما يتعين معه القضاء ببراءته.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على انتفاء القصد الجنائي الخاص وعدم ثبوت علمه بأنه يغير الحقيقة أو يجاوز سلطة الوكالة القائمة وقت مباشرة التصرف، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفاع بأي حال من الأحوال عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع السادس والتسعون: انتفاء نية استعمال محرر مزور، لثبوت أن استعمال المحرر تم استناداً إلى اعتقاد جدي ومبرر بصحة التوكيل وسلامة سلطة الوكيل وعدم وجود ما يحول دون نفاذ التصرف
يتمسك المتهم الأول بانتفاء نية استعمال محرر مزور في حقه، ذلك أن الأوراق لا تحمل دليلاً يقينياً على أنه، وقت تقديم المحررات محل الاتهام واستعمالها، كان يعلم أنها مزورة أو أن مضمونها قد انطوى على تغيير للحقيقة، وإنما الثابت من ظروف الواقعة وملابساتها الموضوعية أنه باشر استعمال سند الوكالة والتوقيع محل الاتهام استناداً إلى اعتقاد جدي له أساس واقعي وقانوني في صحة التوكيل، وفي قيام صفته التمثيلية، وفي سلامة السلطة التي يستمدها منه، وعدم وجود ما يحول دون مباشرته للتصرف وقت إجرائه.
ذلك أن نية استعمال المحرر المزور لا تستخلص من مجرد تقديم المحرر أو استعماله في إجراء رسمي، وإنما يلزم أن يثبت أن المستعمل كان يعلم وقت الاستعمال بعدم صحة المحرر، وأن إرادته قد اتجهت رغم هذا العلم إلى الاحتجاج به وتحقيق أثره. أما إذا كان استعمال المحرر قد تم بناءً على اعتقاد جدي ومبرر بصحته وسلامة مصدر السلطة المستمدة منه، انتفى مناط هذه النية، ولو ترتب على التصرف بعد ذلك نزاع أو اعتراض أو خلاف حول آثاره.
والثابت في الدعوى أن المتهم الأول لم يستحدث سنداً للسلطة من تلقاء نفسه، ولم يعتمد على محرر مجهول المصدر، وإنما كان يستند إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو محرر رسمي سابق على الواقعة، صادر من صاحبة الشأن، وكان قائماً وقت مباشرة التصرف محل الاتهام. وقد تضمن هذا التوكيل تخويل المتهم الأول القيام نيابة عن الموكل في المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، بما يوفر أساساً موضوعياً جدياً لاعتقاد المتهم بقيام سلطته في مباشرة التصرف.
ولم يكن هذا الاعتقاد مجرد تصور شخصي مجرد، وإنما تعزز لاحقاً بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه النتيجة الرسمية لا يُراد بها القول بأنها تحسم وحدها المسؤولية الجنائية، وإنما دلالتها أنها تكشف عن وجود أساس موضوعي وجدي للاعتقاد بصحة السلطة التي باشر المتهم الأول التصرف استناداً إليها، وأن المسألة لم تكن من قبيل استعمال محرر يعلم المتهم بعدم صحته، وإنما كانت تدور حول نطاق سلطة ثابتة بمحرر رسمي قائم.
ومن ثم، فإن مجرد القول بأن التصرف محل الاتهام قد ترتب عليه تعديل في حصص الشركاء لا يكفي لإثبات أن المتهم الأول كان يعلم أنه يستعمل محرراً مزوراً؛ لأن العلم بالنتيجة القانونية أو الاقتصادية للتصرف يختلف عن العلم بتزوير المحرر أو عدم مشروعية استعماله. ولا يجوز استخلاص نية الاستعمال الجنائية من مجرد تحقق الأثر الذي كان المتهم يسعى إلى إحداثه بالتوقيع، ما لم يثبت في حقه العلم بأن الوسيلة التي استعملها غير صحيحة وأنها تحمل تغييراً للحقيقة.
كما أن الثابت أن المتهم الأول قد باشر الإجراءات في إطار رسمي، وأفصح عن صفته كوكيل، ولم يتخف وراء صفة الأصيل، ولم يقدم التوكيل باعتباره محرراً سرياً أو مستحدثاً، وإنما قدمه في سياق الإجراءات الرسمية التي تم اتخاذها أمام الجهات المختصة. وهذه الملابسات لا تثبت وحدها انتفاء الجريمة، لكنها تمثل قرائن موضوعية جدية كان يتعين بحثها عند استظهار ما إذا كان المتهم يعلم بعدم صحة المحرر وقت استعماله أم كان يعتقد في صحته وسلامة أثره.
ولا يغير من ذلك ما تم من إلغاء للتوكيل، إذ إن الثابت أن الإلغاء جاء لاحقاً على التوقيع والتصرف محل الاتهام، فلا يصلح بذاته لإثبات أن المتهم كان يعلم بانعدام سلطته وقت الاستعمال، ولا يكشف عن علم سابق بعدم صحة المحرر أو عن اتجاه إرادته إلى استعمال محرر يعلم أنه مزور. فالواقعة اللاحقة لا تنشئ بأثر رجعي علماً لم يثبت وجوده وقت الاستعمال.
كما لا يجوز مساواة اعتراض الموكل اللاحق أو منازعته في التصرف بالعلم بتزوير المحرر؛ فقد يثور خلاف جدي حول مدى السلطة التي تخولها الوكالة أو حول حدود استعمالها، دون أن يعني ذلك أن الوكيل كان يعلم وقت التصرف بأن سند وكالته غير صحيح أو أن استعماله يشكل استعمالاً لمحرر مزور.
والفارق في هذا المقام جوهري بين العلم بأن التصرف قد يترتب عليه أثر معين وبين العلم بأن المحرر الذي يستند إليه التصرف مزور أو أن الحقيقة الثابتة فيه قد جرى تغييرها. فالأول لا يثبت الثاني، ولا يجوز إحلاله محله بمجرد الاستنتاج.
وإذا كان الاتهام قد استند إلى أن المتهم الأول لم تكن له سلطة في إجراء التعديل، فإن إثبات نية استعمال محرر مزور كان يقتضي إثبات علمه بهذه الحقيقة تحديداً وقت تقديم المحرر واستعماله، وبيان مصدر هذا العلم، وكيف وصل إليه، وما الدليل على أنه رغم ذلك أقدم على استعمال المحرر بقصد الاحتجاج به وتحقيق أثره. أما مجرد ثبوت وجود خلاف لاحق حول مدى سلطة الوكيل فلا يكفي لإثبات العلم الجنائي السابق.
ولا سيما أن الإدارة العامة للتوثيق قد انتهت، بعد فحص سند الوكالة، إلى أن التوكيل يمتد إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء؛ وهو ما يعزز – من الناحية الموضوعية – أن اعتقاد المتهم الأول بصحة سلطته لم يكن اعتقاداً وهمياً أو مفتقراً إلى أي أساس، وإنما كان له سند رسمي قائم وقت التصرف.
ومن ثم، فإن استعمال المتهم الأول للمحرر في الإجراءات الرسمية لا يمكن أن يُقرأ منفصلاً عن هذا السياق؛ إذ لا يكفي القول إنه «استعمل المحرر» لإثبات الجريمة، وإنما يتعين إثبات أنه استعمله وهو عالم بأنه مزور، وأن إرادته اتجهت إلى الاحتجاج به بهذه الصفة. فإذا انتفى العلم، انتفت معه نية الاستعمال الجنائية التي يتطلبها التجريم.
وحتى على فرض وجود منازعة حول مدى نفاذ التصرف أو مدى صحة أثره في مواجهة الموكل، فإن ذلك لا يؤدي بذاته إلى توافر نية استعمال محرر مزور، لأن النزاع حول نفاذ التصرف أو آثاره شيء، والعلم الجنائي بتزوير المحرر واستعماله مع هذا العلم شيء آخر. ولا يجوز الانتقال من الأول إلى الثاني بغير دليل مستقل ومحدد.
كما أن الحكم، إذا كان قد استخلص نية الاستعمال من مجرد تقديم التوكيل أو عقد التعديل إلى الجهة المختصة، يكون قد أقام النتيجة على مجرد الفعل المادي للاستعمال، دون أن يستظهر العنصر المعنوي الذي يحوله إلى استعمال جنائي لمحرر مزور، إذ إن تقديم المحرر إلى جهة رسمية قد يكون – في ذاته – متفقاً تماماً مع اعتقاد مقدمه بصحته وسلامة أثره.
والثابت أن المتهم الأول كان لديه من الأسباب الموضوعية ما يبرر اعتقاده بصحة سند الوكالة وسلامة سلطته: وجود توكيل رسمي قائم وسابق على التصرف، عدم ثبوت إلغائه قبل مباشرة التصرف، إعلانه صفته كوكيل، مباشرة الإجراءات من خلال القنوات الرسمية، فضلاً عن النتيجة التي انتهت إليها الإدارة العامة للتوثيق لاحقاً بشأن امتداد نطاق الوكالة إلى التصرف محل الاتهام. ومجموع هذه الظروف لا يثبت وحده البراءة، لكنه يهدم القول بأن العلم بالتزوير كان أمراً ثابتاً لا يحتمل الشك.
فإذا كان العلم بعدم صحة المحرر أو بتغيير الحقيقة غير ثابت، وكان في الأوراق ما يبرر اعتقاد المتهم الأول بسلامة سند الوكالة وسلطته في مباشرة التصرف، فإن نية استعمال محرر مزور لا تكون قد ثبتت في حقه بالدليل اليقيني اللازم للإدانة، ولا يجوز افتراضها لمجرد استعمال المحرر في تحقيق أثر قانوني أو اقتصادي.
ومن ثم، فإن الواقعة – في صورتها الثابتة بالأوراق – لا تكشف عن متهم يعلم أنه يستعمل محرراً مزوراً ثم يتجه قصده إلى الاحتجاج به، وإنما تكشف عن شخص باشر إجراءً رسمياً مستنداً إلى وكالة رسمية قائمة، ومعتقداً بصورة جدية ومبررة أن سلطته في مباشرة التصرف قائمة ولم يطرأ عليها ما يمنع نفاذها وقت الاستعمال.
ولما كان القصد الجنائي لا يفترض، وكان العلم بتزوير المحرر شرطاً لازماً لإسناد نية استعماله إلى المتهم، وكانت الأوراق قد خلت من دليل يقيني على قيام هذا العلم في حق المتهم الأول، بل قامت فيها ظروف موضوعية جدية تناقضه، فإن نية استعمال محرر مزور تكون غير متوافرة، ويضحى الاتهام في هذا الشق قائماً على الافتراض لا على الدليل.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لانتفاء نية استعمال محرر مزور وعدم ثبوت علمه بعدم صحة المحرر أو بتغيير الحقيقة وقت استعماله، وثبوت قيام اعتقاد جدي ومبرر لديه بصحة التوكيل وسلامة سلطته التمثيلية وعدم وجود ما يحول دون نفاذ التصرف وقت مباشرته، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع السابع والتسعون: عدم جواز استخلاص القصد الجنائي من مجرد حصول المتهم الأول على منفعة أو ترتيب أثر قانوني أو اقتصادي للتصرف، ما لم يقم دليل مستقل على علمه بعدم مشروعية السلطة أو اتجاه إرادته إلى تغيير الحقيقة
يتمسك المتهم الأول بانتفاء القصد الجنائي في حقه، وبأن الحكم المعارض فيه لا يجوز له أن يستخلص توافر هذا القصد من مجرد ما قد يكون قد ترتب على التصرف محل الاتهام من منفعة للمتهم الأول أو لغيره، أو من مجرد ترتيب أثر قانوني أو اقتصادي تمثل في تعديل حصص الشركاء أو تغيير المراكز القانونية والمالية المترتبة على عقد الشركة، ذلك أن تحقق المنفعة أو الأثر القانوني لا يكشف بذاته عن العلم بتغيير الحقيقة، ولا يثبت بطريق اللزوم أن إرادة المتهم قد اتجهت إلى ارتكاب فعل التزوير أو استعمال محرر يعلم أنه مزور.
ذلك أن القصد الجنائي في جريمة التزوير لا يُفترض لمجرد وقوع التصرف أو تحقق نتيجته، وإنما يتعين استخلاصه من ظروف ووقائع موضوعية تكشف عن علم المتهم بحقيقة ما يفعله، وعن اتجاه إرادته إلى تغيير الحقيقة في المحرر على النحو المؤثم قانوناً، ثم استعمال المحرر مع العلم بحقيقة تزويره متى كان الاتهام متضمناً واقعة الاستعمال.
ومن ثم، فإن مجرد القول بأن المتهم الأول قد ترتبت له أو لغيره منفعة من تعديل عقد الشركة لا يثبت، في ذاته، أنه كان يعلم أن مباشرته للتوقيع قد تمت بغير سلطة، ولا أنه كان يعلم أن المحرر يتضمن حقيقة مصطنعة أو مغايرة للواقع، ولا أنه قصد إحداث تغيير للحقيقة بقصد ترتيب تلك المنفعة. فالمنفعة – أياً كان نوعها – قد تكون أثراً مترتباً على تصرف يعتقد صاحبه مشروعيته، ولا تتحول إلى دليل على القصد الجنائي إلا إذا اقترنت بقرائن مستقلة تؤدي منطقياً إلى العلم بعدم المشروعية واتجاه الإرادة إلى ارتكاب الفعل المؤثم.
والأمر في الدعوى الماثلة أكثر وضوحاً، إذ لم يباشر المتهم الأول التوقيع متخفياً أو منتحلاً صفة صاحبة الشأن، وإنما وقع معلناً صفته كوكيل عنها، مستنداً إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، الذي كان قائماً وقت مباشرة التصرف، وثابتاً به منحه سلطة القيام نيابة عنها في المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات والتوقيع على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري.
ومن ثم، فإن الواقعة المادية ذاتها تكشف عن مسلك يتعارض – في ظاهره – مع افتراض علم المتهم الأول بأنه يباشر فعلاً غير مشروع في غياب أي سلطة؛ إذ لو كان القصد هو انتحال شخصية صاحبة الشأن أو إخفاء مصدر التوقيع، لما كان ثمة مقتضى لإثبات صفته كوكيل والإفصاح عن سند الوكالة عند مباشرة الإجراء. وهذه القرينة لا تقطع وحدها بانتفاء القصد الجنائي، لكنها تظل من الوقائع الموضوعية التي يتعين على المحكمة أن تزنها عند بحث مدى ثبوت العلم والإرادة.
كما أن ثبوت وجود الوكالة وقت مباشرة التصرف يختلف جذرياً عن حالة الشخص الذي يعلم يقيناً بانعدام صفته ثم يقدم نفسه باعتباره صاحب سلطة لا يملكها. ففي الحالة الأخيرة يمكن أن تستخلص المحكمة العلم من ظروف الواقعة، أما في الحالة الماثلة فإن المتهم الأول كان يستند إلى سند رسمي قائم، وكان يعلم – بحسب الظاهر المستند إلى محرر رسمي – أنه يباشر التصرف في إطار علاقة نيابة معلنة.
ولا يغير من ذلك ما قد يكون قد ترتب على التصرف من زيادة حصة أحد الشركاء أو انخفاض حصة شريك آخر، إذ إن هذه النتيجة لا تثبت بذاتها أن المتهم الأول كان يعلم أن هذا الأثر غير مشروع أو أن الوكالة لا تمتد إليه، ولا تثبت أن إرادته قد اتجهت إلى تغيير الحقيقة في المحرر. فالنتيجة الاقتصادية للتصرف شيء، والعلم الجنائي بعدم مشروعيته شيء آخر، ولا يجوز الانتقال من الأولى إلى الثانية بغير دليل مستقل.
كما لا يجوز افتراض القصد الجنائي من مجرد القول بأن المتهم الأول كان مستفيداً بصورة مباشرة أو غير مباشرة من التصرف، لأن الباعث أو المصلحة المحتملة لا يساويان القصد الجنائي، وقد تتوافر المصلحة مع انتفاء العلم بالجريمة، كما قد ينتفي القصد الجنائي رغم تحقق منفعة مادية أو قانونية متى ثبت أن المتهم كان يعتقد، استناداً إلى ظروف موضوعية جدية، أنه يباشر عملاً مشروعاً.
وفي هذا السياق، تكتسب المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 أهمية خاصة، إذ انتهت – بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه النتيجة الرسمية لا تعني بذاتها حسم المسؤولية الجنائية، ولا تجعل المتهم الأول معصوماً من المساءلة إذا ثبت دليل آخر مستقل على علمه بالتزوير، إلا أنها تمثل ظرفاً موضوعياً جوهرياً عند بحث حالته الذهنية وقت مباشرة التصرف، إذ تؤيد أن اعتقاد المتهم الأول بقيام سلطته التمثيلية لم يكن اعتقاداً مجرداً أو وهمياً، وإنما كان له أصل مادي في سند وكالة رسمي قائم، فضلاً عن وجود تقييم رسمي لاحق انتهى إلى اتساع نطاق ذلك السند ليشمل التصرف محل الاتهام.
ولا يكفي في مواجهة ذلك أن يقال إن التصرف قد حقق منفعة أو أحدث أثراً اقتصادياً أو قانونياً، لأن هذه النتيجة لا تجيب عن السؤال الجوهري المتعلق بالقصد الجنائي: ماذا كان يعلم المتهم الأول تحديداً وقت التوقيع؟ وهل كان يعلم أنه يغير حقيقة يعلم أنها غير صحيحة؟ وهل كان يعلم أن سلطته لا تمتد إلى التصرف الذي يباشره؟ وهل اتجهت إرادته رغم هذا العلم إلى إنشاء المحرر أو استعماله على أنه صحيح؟
فإذا خلت الأوراق من دليل مستقل يجيب عن هذه الأسئلة إجابة يقينية، فلا يجوز إحلال مجرد النتيجة الاقتصادية أو المصلحة المفترضة محل الدليل على العلم والإرادة، ولا يجوز بناء القصد الجنائي على سلسلة من الافتراضات تبدأ من حصول المنفعة وتنتهي بافتراض العلم بالتزوير، دون بيان الحلقة التي تصل بين كل مقدمة والنتيجة التي استخلصها الحكم.
ويزداد الأمر وضوحاً إذا كان الاتهام قد ربط القصد الجنائي بمجرد كون المتهم الأول قد شارك أو ارتبط بالمصلحة التي ترتبت على تعديل عقد الشركة، ذلك أن الاشتراك في النتيجة أو الاستفادة منها لا يساوي بذاته العلم بوسيلة تحقيقها، ولا يثبت أن المتهم كان يعلم أن المحرر قد شابه تغيير للحقيقة. فالعلم بالتصرف يختلف عن العلم بعدم مشروعيته، والعلم بالنتيجة يختلف عن العلم بتزوير الوسيلة التي أفضت إليها.
ومن ثم، كان يتعين على الحكم – إذا أراد استخلاص القصد الجنائي من ظروف الدعوى – أن يحدد الوقائع الإيجابية المستقلة التي تكشف عن علم المتهم الأول بعدم امتداد سلطته إلى التصرف، أو علمه بأن المحرر يتضمن حقيقة مغايرة للواقع، ثم يبين كيف استخلص من تلك الوقائع اتجاه إرادته إلى تغيير الحقيقة أو استعمال المحرر مع العلم بتزويره. أما الاكتفاء بالاستناد إلى تحقق المنفعة أو الأثر القانوني والاقتصادي للتصرف، فإنه لا يكفي لإقامة هذا الركن على وجه يقيني.
ولا ينال من ذلك أن القصد الجنائي قد يُستخلص في الجرائم العمدية من ظروف الدعوى وملابساتها، إذ إن هذا الاستخلاص مشروط بأن يكون مستنداً إلى وقائع ثابتة في الأوراق، وأن تكون هذه الوقائع مؤدية عقلاً ومنطقاً إلى النتيجة التي انتهى إليها الحكم، لا أن يكون القصد مفترضاً من مجرد وقوع الفعل أو تحقق نتيجته. فإذا كانت المقدمات لا تكشف إلا عن وجود تصرف وترتب أثر عليه، فإنها لا تكفي وحدها لاستخلاص العلم الجنائي بتغيير الحقيقة.
كما أن الإلغاء اللاحق للتوكيل لا يصلح – بذاته – دليلاً على قيام القصد الجنائي وقت التوقيع، طالما ثبت أن الإلغاء قد تم بعد مباشرة التصرف محل الاتهام. فالواقعة اللاحقة لا تنشئ بأثر رجعي علماً سابقاً، ولا تكشف بذاتها عما كان يدور في ذهن المتهم وقت مباشرته العمل، ما لم تقترن بوقائع أخرى مستقلة تثبت أن المتهم كان يعلم قبل التوقيع بزوال سلطته أو بعدم امتدادها إلى التصرف محل الاتهام.
والقول بغير ذلك يؤدي إلى قلب عبء الإثبات، إذ يصبح على المتهم أن يثبت أنه لم يكن يعلم بعدم مشروعية تصرفه لمجرد أنه استفاد من نتيجته، بينما الأصل أن جهة الاتهام هي المكلفة بإثبات عناصر الجريمة والقصد الجنائي فيها، وأن مجرد الاحتمال أو الشبهة أو الاستنتاج غير المساند بدليل مستقل لا يكفي لحمل حكم بالإدانة.
وإذ كان الثابت أن المتهم الأول قد باشر التوقيع في ظل وكالة رسمية قائمة، وبصفته وكيلاً معلنة، وأن نطاق الوكالة قد ثبت رسمياً – بحسب ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق – امتداده إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن هذه الملابسات تمثل أساساً موضوعياً جدياً لانتفاء العلم بعدم مشروعية السلطة، أو على الأقل لقيام شك جوهري في هذا العلم، ولا يجوز أن تهدر هذه الدلالة بمجرد الاستناد إلى المنفعة أو الأثر الاقتصادي المترتب على التصرف.
ومن ثم، فإن خلو الأوراق من دليل مستقل يقيم الصلة بين المنفعة التي ترتبت على التصرف وبين علم المتهم الأول بعدم مشروعية سلطته، أو بين تلك المنفعة وبين اتجاه إرادته إلى تغيير الحقيقة، يقطع بعدم كفاية هذا الاستدلال لإثبات القصد الجنائي، ويجعل ما انتهى إليه الحكم في هذا الخصوص قائماً على افتراض لا على دليل.
وبناءً عليه، يتمسك المتهم الأول بانتفاء القصد الجنائي، وعدم جواز استخلاصه من مجرد حصول منفعة أو ترتيب أثر قانوني أو اقتصادي للتصرف، مع خلو الأوراق من دليل مستقل يقيني على علمه بعدم مشروعية سلطته أو علمه بتغيير الحقيقة واتجاه إرادته إلى ارتكاب هذا الفعل، الأمر الذي يتعين معه القضاء ببراءته مما أسند إليه، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الثامن والتسعون: عدم كفاية مجرد اعتراض الأصيل اللاحق على التصرف أو إنكاره الرضا عن مضمونه لإثبات علم المتهم الأول وقت التصرف بعدم مشروعية سلطة الوكيل أو ثبوت قصده الجنائي
يتمسك المتهم الأول بانتفاء القصد الجنائي في حقه، وبأن مجرد اعتراض الأصيل لاحقاً على التصرف محل الاتهام، أو إعلانه عدم رضائه عن مضمونه أو آثاره، لا يصلح بذاته دليلاً على أن المتهم الأول كان يعلم وقت مباشرة التصرف بعدم مشروعية سلطته التمثيلية، ولا يجوز اتخاذ هذا الموقف اللاحق أساساً لاستخلاص علم سابق أو قصد جنائي سابق، ما لم يقم في الأوراق دليل مستقل ومعاصر للواقعة يثبت أن المتهم الأول كان يعلم وقت التوقيع أن سلطته غير قائمة أو أنها لا تمتد إلى التصرف الذي باشره.
ذلك أن مناط القصد الجنائي في جريمة التزوير لا يتحقق بمجرد ثبوت حصول التصرف أو قيام منازعة لاحقة بشأنه، وإنما يتعين أن يثبت في حق المتهم علمه بحقيقة الأمر التي يخالفها المحرر، واتجاه إرادته إلى تغيير الحقيقة على النحو المؤثم قانوناً، فضلاً عن توافر القصد الخاص اللازم لجريمة التزوير. ومن ثم فإن تحديد مدى توافر هذا القصد يجب أن يتم بالنظر إلى حالة المتهم والعناصر التي كانت قائمة في ذهنه وبيئته الواقعية والقانونية وقت مباشرة الفعل، لا استناداً إلى موقف لاحق نشأ بعد تمام التصرف.
والثابت في الدعوى أن المتهم الأول لم يباشر التوقيع مستنداً إلى وكالة منتهية أو ملغاة قبل التصرف، وإنما كان سند الوكالة قائماً وقت مباشرة التوقيع، وقد أعلن صفته التمثيلية وباشر التصرف على أساسها. كما ثبت لاحقاً، بموجب المذكرة الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه الظروف الموضوعية لا تثبت فقط قيام سند الوكالة وقت التصرف، وإنما تكشف كذلك عن أساس واقعي جدي كان من شأنه أن يجعل مباشرة المتهم الأول للتوقيع منسجمة مع اعتقاده بقيام صفته التمثيلية ومشروعية مباشرته للتصرف، وهو ما يتعارض مع محاولة استخلاص العلم الجنائي بمجرد وقوع اعتراض لاحق من الأصيل.
فليس منطقياً ولا سائغاً أن يتحول عدم رضا الأصيل عن نتيجة التصرف – بعد إتمامه – إلى دليل حتمي على أن الوكيل كان يعلم قبل التصرف أو وقت إبرامه أن سلطته غير قائمة، إذ إن الواقعة اللاحقة لا تثبت بذاتها الحالة الذهنية السابقة، ولا تكشف بالضرورة عما كان يعلمه المتهم الأول لحظة مباشرته العمل. وقد يكون الخلاف قد نشأ أصلاً بعد التصرف بسبب آثاره أو نتائجه أو بسبب تغير موقف الأصيل منه، وهو أمر يختلف تماماً عن ثبوت علم الوكيل مقدماً بانعدام سلطته أو عدم مشروعيتها.
كما أن إنكار الأصيل لاحقاً رضاه عن مضمون التصرف لا يساوي قانوناً إثبات أن الوكيل كان يعلم بعدم مشروعية سلطته، إذ إن إرادة الأصيل وموقفه اللاحق من التصرف شيء، وعلم الوكيل وقت مباشرة التصرف بحدود سلطته شيء آخر. ولا يجوز الخلط بين المسألتين لإقامة القصد الجنائي على مجرد الاستنتاج.
وإذا كان الاتهام قد استند إلى أن المتهم الأول كان يعلم أن صاحبة الشأن لا توافق على التعديل محل الاتهام، فإن مجرد العلم باعتراض الأصيل – على فرض ثبوته – لا يكفي وحده لإثبات علم المتهم الأول بأن استعمال الوكالة في التصرف كان يشكل تزويراً، ما لم يثبت كذلك أن المتهم كان يعلم تحديداً أن سلطته القانونية لا تشمل هذا التصرف وأنه مع ذلك قصد تغيير الحقيقة في المحرر.
فثمة فارق جوهري بين العلم بموقف الأصيل وبين العلم بعدم مشروعية السلطة التمثيلية، وبينهما كذلك فارق آخر بين العلم بوجود منازعة حول التصرف وبين العلم بأن المحرر الذي سيقدم أو وقع بالفعل محرر مزور. ولا يجوز جمع هذه المفاهيم المختلفة في واقعة واحدة ثم استخلاص القصد الجنائي منها دون دليل مستقل على كل عنصر من عناصره.
ويزداد ذلك وضوحاً في الحالة الماثلة، إذ إن المتهم الأول لم يتصرف متخفياً أو منتحلاً شخصية الأصيل، وإنما وقع باسمه هو وبصفته وكيلاً عنها، وهي صفة ثابتة في المحرر ومستندة إلى توكيل رسمي قائم وقت مباشرة التصرف. ومن ثم فإن سلوكه المادي ذاته يتعارض مع تصويره باعتباره قد أخفى حقيقة صفته أو قصد إيهام الجهة التي قدم إليها المحرر بأنه صاحب الحق الأصيل.
كما أن تقديم سند الوكالة إلى الجهة المختصة والتعامل بموجبه في إطار الإجراءات الرسمية يشكلان – بحسب دلالتهما الموضوعية – من الظروف التي يتعين على المحكمة أن تضعها في ميزان تقدير القصد الجنائي، لا سيما إذا لم يثبت أن المتهم الأول قد تلقى قبل التوقيع إنذاراً أو إخطاراً أو توجيهاً واضحاً من الأصيل أو من جهة مختصة يفيد زوال سلطته أو انحسارها عن التصرف محل الاتهام.
ولا يغير من ذلك ثبوت إلغاء الوكالة في تاريخ لاحق، إذ إن الإلغاء اللاحق لا يكشف بذاته عن الحالة الذهنية للمتهم وقت التوقيع، ولا يجوز اتخاذه دليلاً رجعياً على العلم بانعدام السلطة في تاريخ سابق عليه، ما لم يقم دليل آخر يثبت أن المتهم كان قد علم بالإلغاء أو بزوال سلطته قبل مباشرته التصرف. والعبرة في مجال القصد الجنائي بما كان يعلمه المتهم بالفعل وقت ارتكاب السلوك محل الاتهام، وليس بما استجد بعد ذلك.
كما لا يجوز أن يستخلص القصد الجنائي من مجرد النتيجة التي ترتبت على التصرف؛ فإذا كان التعديل قد أدى إلى زيادة حصة أحد الشركاء أو انخفاض حصة شريك آخر، فإن هذه النتيجة لا تثبت بذاتها أن المتهم الأول كان يعلم وقت التوقيع بأن سلطته غير قائمة، ولا أنها تثبت اتجاه إرادته إلى تغيير الحقيقة. فالنتيجة الاقتصادية أو القانونية للتصرف شيء، والعلم الجنائي بعناصر الجريمة شيء آخر، ولا يجوز إحلال أحدهما محل الآخر.
والأصل أن القصد الجنائي أمر باطني لا يُفترض افتراضاً، وإنما يستخلص من وقائع وظروف خارجية ثابتة بالأوراق، على أن يكون استخلاصه سائغاً ومؤدياً عقلاً إلى النتيجة التي انتهت إليها المحكمة. فإذا كانت جميع الظروف السابقة والمعاصرة للتوقيع تشير إلى وجود سند وكالة رسمي قائم، وإلى مباشرة المتهم الأول للتوقيع بصفته المعلنة كوكيل، وإلى ثبوت دلالة رسمية على امتداد نطاق الوكالة إلى تعديل الشركات وحصص الشركاء، فإن مجرد اعتراض الأصيل بعد ذلك لا يكفي وحده لقلب هذه الظروف إلى دليل على علم سابق بانعدام السلطة أو على توافر قصد جنائي خاص.
ومن ثم، فإن استخلاص القصد الجنائي من مجرد موقف الأصيل اللاحق ينطوي على استدلال بأثر رجعي؛ إذ يتم الانتقال من واقعة لاحقة – وهي الاعتراض أو إنكار الرضا – إلى افتراض حالة ذهنية سابقة – وهي العلم بعدم مشروعية السلطة – دون بيان الحلقة المنطقية التي تربط بين الواقعتين، ودون تحديد الدليل المستقل الذي يثبت أن المتهم الأول كان يعلم فعلاً وقت التوقيع بأن سلطته لا تمتد إلى التصرف محل الاتهام.
ولا يكفي في هذا الصدد القول بأن الأصيل لم يكن راضياً عن التصرف، إذ إن عدم الرضا اللاحق لا يثبت بالضرورة أن المتهم كان يعلم به قبل التصرف، ولا يثبت أن هذا الموقف كان قائماً ومعلوماً له وقت التوقيع، ولا يثبت كذلك أن المتهم كان يعلم أن الوكالة الرسمية لا تخوله مباشرة ذلك التصرف، ولا أن إرادته اتجهت إلى تغيير الحقيقة في محرر مع علمه بذلك.
وإذا كان ثمة خلاف حول مدى تفسير الوكالة أو نطاق السلطات التي منحتها، فإن وجود هذا الخلاف ذاته – ولا سيما مع قيام محرر رسمي سابق على التصرف وتفسير رسمي لاحق صادر عن الإدارة العامة للتوثيق مؤداه أن الوكالة تشمل التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء – يجعل استخلاص العلم الجنائي أمراً لا يجوز افتراضه أو استنتاجه من مجرد اعتراض الأصيل، بل يوجب البحث في الأدلة المعاصرة للتصرف التي تثبت علم المتهم تحديداً بانعدام سلطته.
وعليه، فإن أقصى ما يمكن أن يدل عليه اعتراض الأصيل اللاحق – بفرض ثبوته – هو وجود منازعة حول التصرف أو آثاره أو مدى موافقته لإرادته، أما أن يتحول هذا الاعتراض إلى دليل قاطع على علم المتهم الأول وقت التوقيع بعدم مشروعية سلطته وعلى توافر القصد الجنائي لديه، فذلك استنتاج لا تؤدي إليه الواقعة بذاتها، ولا يكفي لحمل الإدانة الجنائية.
وبذلك يكون الحكم المعارض فيه، إذا كان قد استخلص علم المتهم الأول بعدم مشروعية سلطته أو قصده الجنائي من مجرد اعتراض الأصيل اللاحق أو إنكاره الرضا عن مضمون التصرف، قد أقام النتيجة على غير سند يقيني، وخلط بين موقف الأصيل من التصرف وبين الحالة الذهنية للمتهم وقت مباشرته، وأقام دليلاً لاحقاً على قصد سابق دون استظهار واقعة معاصرة تثبت هذا القصد، بما يعيبه بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال.
ومن ثم، ومع قيام سند وكالة رسمي كان قائماً وقت التصرف، وثبوت مباشرة المتهم الأول للتوقيع بصفته وكيلاً، وثبوت ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بشأن امتداد نطاق الوكالة إلى التصرف محل الاتهام، وعدم قيام دليل مستقل ومعاصر للواقعة يثبت علم المتهم الأول بانعدام سلطته أو عدم مشروعيتها، فإن القصد الجنائي لا يكون ثابتاً في حقه ثبوتاً يقينياً، ولا يجوز استخلاصه من مجرد اعتراض الأصيل اللاحق.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لعدم ثبوت علمه وقت مباشرة التصرف بعدم مشروعية سلطته التمثيلية، وانتفاء الدليل اليقيني على توافر القصد الجنائي، وعدم كفاية اعتراض الأصيل اللاحق أو إنكاره الرضا عن مضمون التصرف لإثبات هذا العلم أو استخلاص القصد الجنائي بأثر رجعي، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع التاسع والتسعون: التمييز بين صحة الوكالة من الناحية المدنية وبين العلم الجنائي بانعدام السلطة، وعدم جواز افتراض القصد الجنائي لمجرد نشوء نزاع لاحق حول مدى تنفيذ تعليمات الأصيل
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد خلط بين مسألتين متغايرتين في طبيعة كل منهما وأثرها القانوني؛ أولهما مدى صحة الوكالة ونطاق السلطات المدنية التي خولها الأصيل لوكيله، وثانيتهما توافر العلم الجنائي لدى المتهم الأول بانعدام سلطته أو تجاوزه لها، وما إذا كان قد اتجهت إرادته إلى تغيير الحقيقة في محرر مع علمه بعدم مشروعية ما يباشره. والفارق بين المسألتين جوهري، إذ لا يلزم من قيام منازعة مدنية لاحقة حول تنفيذ تعليمات الأصيل أو مدى موافقة التصرف لإرادته أن يكون الوكيل قد علم وقت مباشرته التصرف بانعدام سلطته، فضلاً عن أن يستخلص من ذلك وحده قصده الجنائي في ارتكاب التزوير.
فالثابت بالأوراق أن المتهم الأول لم يباشر التصرف محل الاتهام مجرداً من أي سند، وإنما استند إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وكان هذا التوكيل قائماً وقت مباشرة التصرف، وقد تضمن تخويله القيام نيابة عن الأصيل في المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات والتوقيع نيابة عنه على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عما تضمنه سند الوكالة من سلطات أخرى.
ومن ثم فإن الحالة الذهنية للمتهم الأول وقت مباشرة التصرف لا يجوز استظهارها بمعزل عن هذا السند الرسمي الذي كان قائماً بين يديه، ولا بمعزل عن صفته التي أعلنها في المحرر باعتباره وكيلاً عن صاحبة الشأن، ولا بمعزل عن كون الإلغاء قد تم – بحسب الثابت بالأوراق – في تاريخ لاحق على التوقيع والتصرف محل الاتهام.
والأهم أن نطاق الوكالة ذاته لم يكن مجرد مسألة متروكة لتقدير المتهم الأول، وإنما ثار بشأنه فحص رسمي انتهت فيه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل، في الملف رقم 134 لسنة 2026، إلى أن التوكيل المذكور يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه الحقيقة لا تعني بذاتها أن المذكرة الإدارية تحسم المسؤولية الجنائية أو تحل محل المحكمة في تقدير القصد الجنائي، وإنما تعني – في مقام استظهار الحالة الذهنية للمتهم الأول – أن القول بأنه كان يعلم يقيناً بانعدام سلطته وقت التوقيع لا يمكن افتراضه أو استخلاصه بمجرد أن الأصيل نازع لاحقاً في مدى استعمال الوكالة أو في مدى توافق التصرف مع تعليماته.
ذلك أن العلم الجنائي بانعدام السلطة أمر مستقل عن مجرد وجود خلاف مدني بشأن حدود تنفيذ الوكالة. فقد يكون الوكيل قد باشر التصرف معتقداً – استناداً إلى محرر رسمي قائم وإلى ظاهر سلطته التمثيلية – أنه يعمل داخل حدود ما خوله له الأصيل، ثم ينشأ بعد ذلك نزاع حول تفسير نطاق الوكالة أو حول مدى التزامه بتعليمات داخلية أو خاصة لم يتضمنها سند الوكالة ذاته. ولا يستحيل هذا الخلاف اللاحق، بمجرده، إلى دليل على أن الوكيل كان يعلم منذ البداية بانعدام سلطته أو أنه تعمد تغيير الحقيقة.
والفارق هنا بالغ الأهمية؛ لأن معرفة الوكيل بأن الأصيل لا يرغب في نتيجة معينة، على فرض ثبوتها، ليست هي بذاتها معرفة بأن الوكيل لا يملك سلطة قانونية في مباشرة التصرف، كما أن مخالفة تعليمات داخلية – على فرض ثبوتها – لا تعني حتماً أن الوكيل قد انتحل صفة الأصيل أو اصطنع توقيعه أو غيّر الحقيقة في محرر. وهذه كلها مسائل يجب فصلها عن بعضها عند استظهار القصد الجنائي.
فإذا كان المتهم الأول قد وقع بصفته وكيلاً، وأفصح عن هذه الصفة، واستند إلى وكالة رسمية قائمة، ولم يخفِ مصدر سلطته، ثم قامت بعد ذلك منازعة حول مدى تنفيذ تعليمات الأصيل أو مدى توافق التصرف مع رغبته، فإن أقصى ما يمكن أن تثيره هذه الواقعة – بحسب ظروفها وأدلتها – هو منازعة حول نطاق التصرف وآثاره ومدى الالتزام بالتعليمات، ولا يجوز الانتقال منها مباشرة إلى القول بتوافر العلم الجنائي بانعدام السلطة أو نية تزوير المحرر دون دليل مستقل يثبت هذه الحالة الذهنية.
ولا يجوز في هذا المقام الخلط بين «عدم موافقة الأصيل على التصرف» وبين «علم الوكيل بانعدام سلطته». فالأولى واقعة قد تتعلق بإرادة الأصيل أو بتفسير العلاقة الداخلية بين الطرفين، أما الثانية فهي عنصر من عناصر القصد الجنائي يتعين استخلاصه من أدلة وقرائن جدية تكشف عن علم المتهم وقت ارتكاب الفعل بأنه يباشر تصرفاً لا يملك سلطة مباشرته، وعن اتجاه إرادته إلى تغيير الحقيقة على هذا الأساس.
كما لا يجوز استخلاص القصد الجنائي بأثر رجعي من المنازعة التي نشأت بعد تمام التصرف؛ إذ العبرة في استظهار القصد الجنائي بالظروف والوقائع التي كانت قائمة ومعروفة للمتهم وقت مباشرة الفعل، لا بما استجد بعد ذلك من اعتراضات أو خصومات أو إجراءات أو إلغاء للوكالة. فالإلغاء اللاحق للتوكيل لا يثبت بذاته أن المتهم كان يعلم بانعدام سلطته قبل الإلغاء، كما أن الاعتراض اللاحق من الأصيل على آثار التصرف لا يكشف وحده عن الحالة الذهنية التي كان عليها المتهم وقت التوقيع.
وإذا كان الحكم قد استخلص القصد الجنائي من مجرد ثبوت أن صاحبة الشأن لم تكن ترغب في إتمام التعديل أو أنها اعترضت لاحقاً على ما ترتب عليه، فإنه يكون قد أقام استنتاجاً غير لازم من مقدماته؛ إذ إن عدم الرضا اللاحق لا يساوي العلم السابق بانعدام السلطة، ولا يساوي كذلك العلم بأن المحرر مزور، ولا يثبت بذاته اتجاه إرادة المتهم إلى استعمال محرر يعلم أنه غير صحيح.
والأمر ذاته ينطبق على ما قد يثار بشأن تعليمات الأصيل؛ إذ يجب التمييز بين التعليمات الداخلية التي قد تنظم علاقة الوكيل بموكله وبين السلطة الظاهرة أو المكتوبة التي يستند إليها الوكيل في مواجهة الغير. ولا يكفي مجرد القول بوجود تعليمات لم ينفذها الوكيل لإثبات أنه كان يعلم جنائياً بانعدام سلطته، ما لم يثبت على وجه يقيني مضمون تلك التعليمات، وتاريخ علم المتهم بها، ومدى تعارضها مع السلطة الثابتة في سند الوكالة، وكيف تحولت مخالفتها إلى فعل مادي من أفعال تغيير الحقيقة في المحرر.
والثابت في الدعوى أن سند الوكالة الرسمي كان قائماً، وأن المتهم الأول باشر التوقيع معلناً صفته كوكيل، وأن التصرف تم في إطار إجراءات رسمية، وأن المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق قد انتهت إلى أن نطاق الوكالة يمتد إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء. وهذه الوقائع جميعها تشكل ظروفاً موضوعية يتعين وضعها في الاعتبار عند بحث الحالة الذهنية للمتهم، ولا يجوز تجاوزها واستبدالها بمجرد استنتاج مؤداه أن قيام النزاع اللاحق يكشف بذاته عن القصد الجنائي.
ومن ناحية أخرى، فإن صحة الوكالة من الناحية المدنية لا تعني تلقائياً انتفاء المسؤولية الجنائية، كما أن المنازعة في مدى استعمالها لا تعني تلقائياً ثبوت المسؤولية الجنائية. وإنما مناط الأمر هو إثبات الفعل الجنائي ذاته، وإثبات علم المتهم بحقيقته واتجاه إرادته إلى ارتكابه. ولذلك فإن مجرد القول بصحة الوكالة أو بطلان بعض آثار التصرف لا يغني عن إثبات القصد الجنائي، كما أن مجرد المنازعة في مدى تنفيذ تعليمات الأصيل لا يغني عن إثبات العلم الجنائي بانعدام السلطة.
وإذا كان الاتهام قد عجز عن إقامة دليل مستقل على أن المتهم الأول كان يعلم، في لحظة التوقيع، أن سلطته قد زالت أو أنها لم تمتد إلى التصرف محل الاتهام، فإن استخلاص القصد الجنائي من مجرد النزاع اللاحق يكون استخلاصاً قائماً على الاحتمال لا على اليقين، ولا يصلح وحده لحمل حكم بالإدانة.
بل إن وجود سند رسمي للوكالة، وعدم ثبوت إلغائه قبل التصرف، وإعلان المتهم الأول عن صفته التمثيلية، ثم صدور رأي رسمي من الإدارة العامة للتوثيق يؤكد امتداد الوكالة إلى تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، كلها ظروف موضوعية تتعارض – على الأقل – مع افتراض العلم اليقيني بانعدام السلطة، وتوجب على المحكمة أن تبحث بصورة مستقلة كيف ثبت لديها أن المتهم الأول كان يعلم خلاف ما يظهر من هذه المستندات والظروف.
وكان يتعين على الحكم المعارض فيه، إذا أراد استخلاص القصد الجنائي رغم هذه الوقائع، أن يبين الدليل الذي استخلص منه على وجه القطع أن المتهم الأول كان يعلم وقت التوقيع أن سلطته لا تمتد إلى التصرف محل الاتهام، وأن يحدد مصدر هذا العلم وتاريخ تحققه، وأن يبين كيف انتقل من مجرد العلم بوجود خلاف أو تعليمات إلى إثبات العلم بانعدام السلطة، ثم إلى إثبات اتجاه الإرادة إلى تغيير الحقيقة واستعمال المحرر باعتباره صحيحاً رغم العلم بتزويره.
أما الاكتفاء بواقعة نشوء نزاع لاحق حول تنفيذ تعليمات الأصيل أو الاعتراض على آثار التصرف، ثم اتخاذها بذاتها دليلاً على توافر القصد الجنائي وقت التوقيع، فإنه يكون قد أقام الحالة الذهنية السابقة على واقعة لاحقة عليها، واستخلص العلم من نتيجة لم تكن قائمة وقت مباشرة الفعل، بما يعيب الاستدلال ويجعل النتيجة التي انتهى إليها الحكم غير لازمة من مقدماتها.
ومن ثم، فإن قيام الوكالة الرسمية وقت التصرف، وثبوت امتداد نطاقها إلى التصرف محل الاتهام بحسب المذكرة الرسمية المشار إليها، وعدم ثبوت علم المتهم الأول وقت التوقيع بانعدام سلطته، كل ذلك يهدم الأساس الذي يمكن أن يقوم عليه افتراض القصد الجنائي، ولا سيما مع عدم وجود دليل مستقل يقيني على اتجاه إرادته إلى تغيير الحقيقة مع علمه بعدم مشروعية ما يفعله.
وإذ كان القصد الجنائي لا يُفترض، ولا يُستخلص من مجرد وقوع نزاع مدني لاحق، ولا من مجرد اختلاف الأصيل والوكيل حول مدى تنفيذ التعليمات، وإنما يجب أن يقوم عليه دليل مستخلص من ظروف سابقة أو معاصرة للفعل تكشف عنه كشفاً يقينياً، فإن الأوراق – على النحو المتقدم – لا تنهض لإثبات هذا القصد في حق المتهم الأول.
ومن ثم، يتمسك المتهم الأول بانتفاء القصد الجنائي في حقه، وبأن النزاع اللاحق حول مدى تنفيذ تعليمات الأصيل لا يصلح بذاته دليلاً على علمه بانعدام سلطته وقت التوقيع، ولا على اتجاه إرادته إلى تغيير الحقيقة أو استعمال محرر يعلم بتزويره، الأمر الذي تنتفي معه أركان الجريمة المسندة إليه، ويتعين معه القضاء ببراءته، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار هذا الدفع أو أي دفاع موضوعي آخر عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة: عدم جواز تحميل المتهم الأول نتائج علاقة داخلية بين الأصيل والوكيل لم تكن معلومة له ولم تكن ظاهرة في التعامل، متى كان قد تعامل استناداً إلى سند وكالة قائم ومظهر قانوني سابق ومستقر
يتمسك المتهم الأول بعدم جواز تحميله، في المجال الجنائي، أية نتائج أو قيود أو تفاهمات داخلية تكون قد نشأت – بفرض وجودها – في العلاقة بين الأصيل والوكيل، متى كانت هذه القيود غير معلومة له، وغير ثابتة في سند الوكالة، ولم تكن ظاهرة له في التعامل وقت مباشرة التصرف، وكان قد باشر عمله استناداً إلى وكالة رسمية قائمة ومظهر قانوني سابق ومستقر يجي له مباشرة التصرف محل الاتهام.
ذلك أن تحديد المسؤولية الجنائية لا يقوم على افتراض علم المتهم بأمور خفية أو قيود داخلية لم تكن معلومة له، وإنما يتعين أن يستند إسناد الفعل الجنائي إلى دليل يثبت على وجه يقيني أن المتهم كان يعلم بالحقيقة المخالفة التي ينسب إليه تغييرها، وأنه تعمد رغم هذا العلم مباشرة الفعل المؤثم. أما مجرد وجود خلاف لاحق بين الأصيل والوكيل حول كيفية استعمال الوكالة أو مدى موافقة الأصيل على تصرف معين، فلا يكفي بذاته لإثبات علم المتهم الأول بهذا الخلاف أو تحويل التصرف الذي باشره استناداً إلى سند رسمي قائم إلى فعل تزوير.
والثابت بالأوراق أن المتهم الأول لم يستمد صفته التمثيلية من قول عارض أو من اتفاق شفهي أو من علاقة غير معلنة، وإنما استند إلى توكيل رسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، كان قائماً وقت مباشرة التصرف، وتضمن – بحسب عباراته – تخويله القيام نيابة عن الموكل في المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنه على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، بما أقام أمام المتهم الأول مركزاً قانونياً ظاهراً ومستقراً يستند إلى محرر رسمي سابق على الواقعة محل الاتهام.
ولم يثبت بالأوراق أن المتهم الأول كان قد أُبلغ، قبل مباشرة التوقيع، بقيد داخلي يحظر عليه إعمال أية سلطة واردة في التوكيل فيما يتعلق بتعديل حصص الشركاء، أو أن الأصيل قد أخطره بأن استعمال الوكالة مقصور على إجراء معين دون غيره، أو أن ثمة تعليمات سابقة أو اتفاقاً داخلياً يناقض ما هو ثابت في سند الوكالة. ومن ثم لا يجوز افتراض علم المتهم الأول بقيود لم تكن واردة في المحرر الذي استند إليه ولم يثبت وصولها إلى علمه بطريق يقيني.
ويزداد الأمر وضوحاً في ضوء ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة. وهذه النتيجة الرسمية تؤكد – على الأقل من ناحية الدلالة المستندية – أن نطاق السلطة لم يكن أمراً خفياً على نحو يمكن معه افتراض علم المتهم الأول بعكسه، بل كان سند الوكالة ذاته يحمل مظهراً قانونياً يبرر اعتقاده بقيام سلطته في مباشرة التصرف.
ولا يجوز في المجال الجنائي أن يُستبدل بهذا المظهر القانوني المستقر افتراضٌ مؤداه أن المتهم كان يعلم بقيود أو تعليمات داخلية لم تثبت بالأوراق على نحو يقيني، ثم يُبنى على هذا الافتراض القول بتوافر القصد الجنائي أو العلم بتغيير الحقيقة. فالقصد الجنائي لا يفترض، ولا يستخلص من مجرد وقوع التصرف أو ترتب أثره، وإنما يتعين أن يستند إلى وقائع موضوعية تكشف عن علم المتهم بحقيقة الأمر وإرادته ارتكاب الفعل المؤثم.
ومن ثم، فإن ما قد يكون قد دار بين الأصيل والوكيل من تعليمات أو تفاهمات أو تحفظات داخلية – على فرض ثبوت وجودها – لا يصلح بذاته أساساً للمسؤولية الجنائية للمتهم الأول ما لم يثبت أنه كان عالماً بها وقت مباشرة التصرف، وأنها كانت من شأنها تغيير اعتقاده المشروع المستند إلى سند الوكالة، وأنه رغم علمه بها تعمد مخالفتها بقصد تحقيق النتيجة الجنائية التي يعاقب عليها القانون.
كما أن إلغاء الوكالة في تاريخ لاحق على التوقيع لا يصلح دليلاً على علم المتهم الأول، وقت مباشرة التصرف، بوجود قيد داخلي سابق أو على زوال سلطته في ذلك الوقت؛ إذ إن واقعة الإلغاء اللاحقة لا تنشئ بأثر رجعي علماً لم يكن قائماً وقت التصرف، ولا تحول بذاتها الوكالة القائمة عندئذ إلى سند منعدم الأثر.
ولا يجوز كذلك أن تُحمّل العلاقة الداخلية بين الأصيل والوكيل آثاراً جنائية تتجاوز أطرافها إلى من تعامل في مواجهة مظهر قانوني قائم، إلا إذا قام دليل مستقل على أن هذا الشخص كان يعلم بالحقيقة المخالفة للمظهر الظاهر، وأنه تعمد رغم ذلك استعماله لتحقيق غرض غير مشروع. أما إذا كان المظهر القانوني قائماً، وكانت القيود الداخلية – بفرض وجودها – غير معلومة وغير ظاهرة، فإن نسبة العلم بها إلى المتهم تظل مجرد افتراض لا ينهض به دليل جنائي.
والأهم أن هذا الدفع لا يقوم على القول بأن كل تصرف يتم استناداً إلى وكالة رسمية يكون بمنأى عن المساءلة الجنائية، وإنما يقوم على قاعدة أدق مؤداها أن المسؤولية الجنائية شخصية، وأن العلم بالقيود الداخلية لا يفترض، وأن وجود سند وكالة رسمي قائم ومحدد النطاق يمثل واقعة موضوعية يتعين وضعها في الاعتبار عند بحث ما إذا كان المتهم قد قصد تغيير الحقيقة وعلم بأنه يباشر فعلاً غير مشروع.
فإذا كان الاتهام قد استند إلى أن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة إحداث التعديل محل الاتهام بسبب إرادة داخلية للأصيل أو تعليمات لم ترد في سند الوكالة، فإن ذلك لا يكفي لإثبات جريمة التزوير ما لم يثبت أولاً أن هذه الإرادة أو تلك التعليمات كانت معلومة للمتهم الأول، وأنه تعمد مخالفتها، وأن مخالفته لها انصبت على تغيير حقيقة مادية في المحرر بإحدى الطرق المؤثمة قانوناً.
أما إذا كان المتهم قد تعامل استناداً إلى وكالة رسمية قائمة، ولم يثبت علمه بأي قيد داخلي مخالف، وكان المظهر القانوني الظاهر أمامه وأمام جهة التعامل يفيد امتداد سلطته إلى التصرف محل الاتهام، فإن أقصى ما قد يثار – بحسب الأحوال – يكون متعلقاً بالعلاقة الداخلية أو بمدى آثار التصرف أو المسؤولية المدنية الناشئة عنه، ولا يجوز القفز من ذلك مباشرة إلى النتيجة الجنائية دون إثبات مستقل لعناصر جريمة التزوير.
ويؤكد ذلك أن التوكيل محل الدعوى لم يكن مستنداً مستحدثاً بعد الواقعة، وإنما كان محرراً رسمياً سابقاً على التصرف بسنوات، قائماً وقت مباشرة التوقيع، وقد تم التعامل به في إطار الإجراءات الرسمية، ولم يثبت إلغاؤه إلا بعد إتمام التصرف محل الاتهام. وهو ما يجعل تمسك المتهم الأول به وقت مباشرة عمله متفقاً مع مظهر قانوني قائم، ولا يسمح بمجرد القيود أو المنازعات الداخلية اللاحقة بإسناد العلم الجنائي إليه بأثر رجعي.
ومن ثم، فإن تحميل المتهم الأول نتائج علاقة داخلية لم تكن معلومة له، أو الاستناد إلى إرادة داخلية للأصيل لم تكن ثابتة في سند الوكالة ولم يثبت علم المتهم بها، يمثل انتقالاً غير سائغ من نطاق العلاقة المدنية الداخلية إلى نطاق المسؤولية الجنائية، ويؤدي إلى افتراض عنصر العلم بدلاً من إثباته، وهو ما لا يصلح أساساً لإدانة جنائية.
ولما كان الحكم المعارض فيه قد عوّل – بحسب ما يستفاد من أسبابه – على ما يثار بشأن إرادة الأصيل أو مدى موافقته على التصرف أو على قيود لم تكن ظاهرة في سند الوكالة، دون أن يستظهر دليلاً يقينياً على علم المتهم الأول بهذه القيود وقت مباشرة التوقيع، ودون أن يبين كيف تحولت هذه العلاقة الداخلية إلى دليل على ارتكابه فعلاً مادياً من أفعال التزوير، فإن استدلاله يكون قد جاوز حدود الدليل المطروح بالأوراق وأقام النتيجة على افتراض غير ثابت.
وإذ كان الأصل أن الشك في توافر العلم الجنائي يفسر لمصلحة المتهم، وأن القصد الجنائي لا يُستنتج من مجرد مخالفة إرادة داخلية غير معلومة أو من مجرد ترتيب التصرف أثراً لم يرض عنه الأصيل لاحقاً، فإن قيام المتهم الأول على سند وكالة رسمي قائم ومظهر قانوني سابق ومستقر، مع عدم ثبوت علمه بأي قيد داخلي مخالف، يهدم الأساس الذي يمكن أن يستند إليه القول بتعمده تغيير الحقيقة أو علمه بعدم مشروعية ما يباشره.
ومن ثم، يكون ما أسند إلى المتهم الأول في هذا الخصوص قد قام على افتراض علمه بأمر داخلي لم يثبت وصوله إليه، لا على دليل يقيني مستمد من الأوراق، بما تنتفي معه الدلالة الجنائية لهذا العنصر، ويظل فعل المتهم الأول – في صورته الثابتة بالأوراق – محاطاً بسند وكالة رسمي قائم وقت مباشرته، ومظهراً قانونياً ظاهراً لم يثبت أنه كان يعلم بعدم مطابقته لإرادة داخلية خفية.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لعدم ثبوت علمه بأي قيد داخلي أو تعليمات غير ظاهرة في سند الوكالة، ولثبوت مباشرته التصرف استناداً إلى وكالة رسمية قائمة ومظهر قانوني سابق ومستقر، بما تنتفي معه الدلالة على توافر العلم الجنائي أو القصد اللازم لجريمة التزوير، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم اعتبار هذا الدفع تنازلاً أو عدولاً عن أي منها.
الدفع المائة وواحد: انتفاء العلم بوجود أي تجاوز داخلي لحدود الوكالة، باعتبار أن حسن النية لا يهدمه مجرد ثبوت خلاف داخلي بين الموكل والوكيل لا دليل على علم المتهم الأول به وقت التصرف
يتمسك المتهم الأول بانتفاء علمه بأي قيد داخلي أو اتفاق خاص أو إرادة مستترة من جانب الموكل من شأنها أن تحد من نطاق السلطة الظاهرة والثابتة له بموجب التوكيل الرسمي محل الاتهام، ذلك أن الثابت بالأوراق أن المتهم الأول قد باشر التصرف محل الاتهام استناداً إلى سند وكالة رسمي قائم وقت مباشرته، وكان نطاق هذه الوكالة – بحسب ظاهر محررها ذاته – يتضمن سلطات التوقيع نيابة عن الموكل على عقود تأسيس وتعديل الشركات، فضلاً عما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل من أن ذات التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء.
ومن ثم، فإن القول – على فرض صحته – بوجود خلاف داخلي بين الموكل والوكيل حول حدود استعمال الوكالة أو حول رغبة الموكل في إجراء التصرف محل الاتهام، لا يكفي بذاته لإثبات أن المتهم الأول كان عالماً بهذا القيد الداخلي وقت مباشرته التصرف، ولا يجوز تحويل مجرد وجود خلاف لاحق إلى دليل على علم سابق، إذ إن العلم واقعة نفسية لا تُفترض افتراضاً، وإنما يتعين استخلاصها من ظروف موضوعية وأدلة جدية تكشف عن توافرها وقت ارتكاب الفعل محل الإسناد.
والأصل أن من يستند إلى توكيل رسمي قائم وقت التصرف، ويباشر العمل في الحدود التي يفهمها من ظاهر سند وكالته، لا يفترض علمه بقيود أو تعليمات داخلية لم تثبت بالأوراق ثبوتاً يقينياً، ولم يثبت كذلك أنها أُبلغت إليه أو وصلت إلى علمه قبل مباشرته التصرف. ولا يجوز أن يُستبدل بهذا الدليل المفترض مجرد ما تكشف عنه المنازعة اللاحقة بين الموكل والوكيل، لأن النزاع اللاحق لا يثبت بذاته الحالة الذهنية للمتهم الأول في تاريخ سابق عليه.
ويزداد الأمر وضوحاً في الدعوى الماثلة، إذ إن المتهم الأول لم يباشر التصرف في الخفاء أو بعيداً عن مظلة سند قانوني، وإنما وقع بصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، وعلى أساس توكيل رسمي قائم، وتم تقديم هذا السند في إطار الإجراءات الرسمية المتعلقة بتعديل عقد الشركة. كما أن مذكرة الإدارة العامة للتوثيق في الملف رقم 134 لسنة 2026 قد انتهت – بعد فحص سند الوكالة – إلى أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، وهو ما يعزز موضوعياً أن فهم المتهم الأول لنطاق سلطته لم يكن تصوراً وهمياً أو ادعاءً مصطنعاً بعد نشوء النزاع، وإنما كان له أساس ظاهر في محرر رسمي نفسه.
ولا يغير من ذلك ما قد يثار من أن الموكل كانت له إرادة داخلية مختلفة أو أنه لم يكن يرغب في إتمام التعديل بالصورة التي تم بها، إذ إن الإرادة الداخلية للموكل، متى لم يثبت أن المتهم الأول كان عالماً بها أو أُخطر بها قبل التصرف، لا تصلح وحدها دليلاً على علمه بتجاوز حدود الوكالة، ولا سيما عندما يكون سند الوكالة الرسمي قائماً على نحو يسمح – بحسب ظاهره وما انتهت إليه الجهة المختصة بالتوثيق – بمباشرة التصرف ذاته.
والفارق في هذا المقام جوهري بين وجود قيد داخلي وبين علم الوكيل بهذا القيد. فحتى على فرض وجود تعليمات أو تفاهمات أو رغبات خاصة لم تُثبت في سند الوكالة، فإن مجرد وجودها لا يكفي لإثبات القصد الجنائي في حق المتهم الأول ما لم يقم الدليل على أنه كان يعلم بها وقت مباشرته التصرف، وأنه تعمد رغم هذا العلم استعمال سلطته على خلاف ما يعلم أنه الحقيقة.
أما أن يستخلص العلم من مجرد وقوع خلاف بعد التصرف، أو من اعتراض الموكل على نتائجه، أو من إلغاء الوكالة لاحقاً، فذلك استدلال غير سائغ؛ لأن الوقائع اللاحقة لا تكشف بالضرورة عن الحالة الذهنية السابقة، ولا سيما إذا كان التصرف وقت مباشرته مستنداً إلى وكالة قائمة ولم يثبت أن المتهم الأول كان قد تلقى قبلها إخطاراً صحيحاً بقيد داخلي يحظر عليه ما قام به.
كما أن إلغاء التوكيل بعد مباشرة التصرف لا ينهض دليلاً على علم المتهم الأول – وقت التصرف – بأي رغبة سابقة أو قيد داخلي، بل إن توقيت الإلغاء ذاته يؤكد أن سند الوكالة كان قائماً عند مباشرة التصرف محل الاتهام، ولا يجوز الاستناد إلى الواقعة اللاحقة لإثبات حالة ذهنية سابقة دون دليل مستقل على اتصال المتهم الأول بها وعلمه بها في حينه.
ولا يكفي كذلك القول بأن النتيجة التي ترتبت على التصرف كانت تمس مصلحة الموكل أو أدت إلى تغيير حصته في الشركة، إذ إن معرفة المتهم الأول بنتيجة التصرف شيء، وعلمه بأن التصرف محظور عليه بموجب قيد داخلي آخر شيء مختلف تماماً، كما أن العلم بالتصرف ذاته لا يساوي العلم بكونه تزويراً أو عملاً غير مشروع جنائياً. ولا يجوز الخلط بين هذه المستويات المختلفة من العلم عند استظهار القصد الجنائي.
فالقصد الجنائي في جريمة التزوير لا يستخلص من مجرد قيام خلاف بين أطراف العلاقة، وإنما يتطلب ثبوت علم المتهم بحقيقة ما يباشره واتجاه إرادته إلى تغيير الحقيقة على النحو المؤثم واستعمال المحرر مع علمه بحقيقته. فإذا كان المتهم الأول يعتقد، استناداً إلى سند رسمي قائم، أنه يباشر التصرف في حدود سلطته، ولم يثبت أن أحداً قد أبلغه قبل التصرف بوجود قيد داخلي يحظر عليه ذلك، فإن هذا الاعتقاد يشكل ظرفاً موضوعياً جوهرياً يتعين على المحكمة بحثه عند استظهار القصد الجنائي، ولا يجوز القفز عليه بافتراض العلم من مجرد النتيجة اللاحقة.
ومن ثم، فإن عبء إثبات علم المتهم الأول بأي تجاوز داخلي مزعوم لا يقع عليه، ولا يكفي أن يقال إن ثمة اتفاقاً أو تعليمات أو إرادة داخلية للموكل كانت تحول دون مباشرة التصرف، بل يلزم أن يثبت الاتهام أن هذه القيود كانت قائمة، وأنها كانت معلومة للمتهم الأول، وأنه كان يعلم وقت مباشرته التصرف أنه يتجاوزها، وأن هذا العلم اتصل بالفعل محل الاتهام اتصالاً سابقاً أو معاصراً له، لا أن يكون مستخلصاً من وقائع نشأت بعد تمام التصرف.
وإذ خلت الأوراق – بحسب ما هو ثابت بها – من دليل يقيني على أن المتهم الأول كان قد أُخطر قبل التوقيع بأي قيد داخلي يحظر عليه تعديل عقد الشركة أو تقليل أو زيادة حصص الشركاء، ولم يثبت علمه بأي اتفاق خاص يخالف ظاهر سند الوكالة، فإن القول بتوافر العلم لا يعدو أن يكون افتراضاً لا يرقى إلى مرتبة الدليل الجنائي المعتبر.
بل إن الثابت من الأوراق الرسمية يسير في الاتجاه المعاكس؛ إذ كان أمام المتهم الأول توكيل رسمي قائم، وكانت صفته كوكيل معلنة في التصرف، ولم يكن سند الوكالة – بحسب ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق – يحظر عليه مباشرة التصرف محل الاتهام، الأمر الذي يجعل اعتقاده بمشروعية مباشرته للتصرف اعتقاداً له أساس موضوعي ظاهر، ولا يجوز هدمه بمجرد خلاف داخلي لاحق لم يثبت علمه به وقت التصرف.
ومن ثم، فإن حسن النية هنا لا يُطرح باعتباره مجرد قول مرسل أو افتراضاً مجرداً، وإنما يستمد سنده من ظروف موضوعية ثابتة: قيام سند وكالة رسمي وقت التصرف، وظهور صفة المتهم الأول كوكيل، ومباشرته الإجراء من خلال القنوات الرسمية، وعدم ثبوت إبلاغه بأي قيد داخلي يخالف ظاهر الوكالة، ثم صدور مذكرة رسمية لاحقة تؤيد امتداد نطاق الوكالة إلى التوقيع على تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
ومتى كان الدليل على العلم بقيود الوكالة الداخلية غير قائم، فإن مجرد ثبوت نزاع لاحق بين الموكل والوكيل لا يصلح لاستكمال هذا النقص، ولا يجوز أن يتحول الخلاف المدني أو التمثيلي إلى قرينة حاسمة على القصد الجنائي. إذ لا يكفي لإدانة المتهم أن يثبت أن الموكل ينازع في التصرف، وإنما يجب أن يثبت فوق ذلك أن المتهم كان يعلم وقت التصرف بعدم مشروعيته أو بتجاوزه لقيد معلوم لديه، وأنه اتجه رغم ذلك إلى تغيير الحقيقة واستعمال المحرر على هذا الأساس.
وإذ لم يثبت هذا العلم بدليل يقيني، وظل قائماً في الأوراق سند رسمي ظاهر للوكالة يبرر اعتقاد المتهم الأول في حدود سلطته، فإن أحد العناصر الجوهرية اللازمة لاستخلاص القصد الجنائي يكون قد انتفى، ويظل الشك قائماً في حقيقة ما كان يعلمه المتهم الأول وقت مباشرة التصرف، ولا يجوز أن يُفسر هذا الشك على غير مصلحته.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لانتفاء الدليل على علمه بأي تجاوز داخلي مزعوم لحدود الوكالة وقت مباشرة التصرف، وعدم جواز استخلاص هذا العلم من مجرد خلاف لاحق بين الموكل والوكيل أو من إلغاء الوكالة بعد التصرف، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة واثنان: الخطأ في استخلاص سوء النية من مجرد مباشرة المتهم الأول للتعامل محل الاتهام، رغم قيام مظهر سابق ومستقر للوكالة تدعمه مستندات وتعاملات رسمية سابقة
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد أخطأ في استخلاص سوء النية في حقه، حين أقام هذا الاستخلاص – صراحةً أو ضمناً – على مجرد مباشرته للتعامل محل الاتهام واستعماله لسند الوكالة في إتمام التصرف، دون أن يستظهر واقعة إيجابية محددة سابقة أو معاصرة على التصرف تكشف عن علمه بعدم قيام سلطته أو عن يقينه بأن ما يباشره من عمل يمثل تغييراً للحقيقة في المحرر محل الاتهام.
ذلك أن مجرد مباشرة المتهم الأول للتعامل بصفته وكيلاً لا تصلح بذاتها قرينة على سوء النية، وإنما يتعين النظر إلى الظروف التي أحاطت بهذه المباشرة، وما إذا كان ثمة وقائع مادية سابقة أو معاصرة تكشف عن علم المتهم الأول بأن سلطته قد زالت أو أن التصرف الذي يباشره يجاوز نطاق الوكالة أو أن المحرر الذي يستعمله غير صحيح. أما أن يستخلص سوء النية من ذات الفعل الذي اتخذه الاتهام أساساً للجريمة، دون إقامة الدليل على العلم السابق بعدم مشروعية التصرف، فإنه يكون قد أقام النتيجة على مجرد افتراض لا على دليل.
والثابت بالأوراق أن المتهم الأول لم يظهر ابتداءً أمام الجهات الرسمية بصفة مصطنعة أو مستحدثة، وإنما كان يستند إلى توكيل رسمي سابق على التصرف، قائم وقت مباشرته، ومحرر على النحو الرسمي المقرر، ومثبت به نطاق من السلطات المتعلقة بالتعامل في شؤون الشركات والتوقيع على عقود تأسيسها وتعديلها. ومن ثم فإن وجود سند الوكالة لم يكن واقعة لاحقة اختلقها المتهم الأول لتبرير تصرفه، وإنما كان مظهراً سابقاً ومستقراً لسلطته التمثيلية، قائماً قبل الواقعة محل الاتهام.
ويتعزز ذلك بما تكشف عنه الأوراق من تعاملات وإجراءات رسمية سابقة تمت في إطار هذه الصفة التمثيلية، بما يؤكد أن ظهور المتهم الأول أمام الجهات ذات الصلة باعتباره وكيلاً لم يكن مظهراً عارضاً نشأ بمناسبة الواقعة محل الاتهام، وإنما كان مظهراً قائماً ومستقراً ومدعوماً بمستندات رسمية وإجراءات وتعاملات سابقة، الأمر الذي يجعل استخلاص سوء النية من مجرد استعماله لهذا المظهر استخلاصاً غير سائغ، ما لم يثبت أن المتهم الأول كان قد علم قبل الواقعة أو عند مباشرتها بزوال سلطته أو عدم امتدادها إلى التصرف محل الاتهام.
ولا يغير من ذلك أن ثمة منازعة قد أثيرت لاحقاً حول مدى سلطة الوكيل أو حول آثار التصرف الذي تم بموجب الوكالة، إذ إن المنازعة اللاحقة لا تثبت بذاتها أن المتهم الأول كان سيئ النية وقت مباشرة التصرف، ولا يجوز أن تتحول الواقعة اللاحقة إلى دليل رجعي على حالة نفسية مفترضة وقت ارتكاب الفعل، ما لم تقم صلة موضوعية واضحة بين الواقعة اللاحقة وبين علم المتهم السابق أو المعاصر بها.
بل إن الثابت أن إلغاء التوكيل ذاته قد تم لاحقاً على التوقيع محل الاتهام، بما ينفي – من حيث التسلسل الزمني المجرد – إمكان الاستناد إلى الإلغاء اللاحق وحده لإثبات أن المتهم الأول كان يعلم وقت التوقيع بزوال سلطته، إذ لا يستقيم استخلاص العلم بأمر لم يكن قد وقع بعد من مجرد حدوثه في تاريخ لاحق، ما لم يثبت دليل مستقل أن المتهم كان قد علم به قبل مباشرة التصرف.
كما أن ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، يمثل – في حدود دلالته – عنصراً رسمياً مؤيداً لقيام مظهر جدي للسلطة التمثيلية، وليس مجرد دفاع شخصي ابتدعه المتهم الأول بعد نشوء الاتهام. ومتى كان نطاق الوكالة ذاته قد كان محلاً لفحص رسمي انتهى إلى هذه النتيجة، فإن ذلك يعزز – من الناحية الاستدلالية – صعوبة القول بأن مجرد استعمال المتهم الأول للوكالة يكشف بذاته عن سوء نية أو علم يقيني بتجاوز حدودها.
ومن ثم، فإن الحكم إذا كان قد استخلص سوء نية المتهم الأول من مجرد قيامه بالتعامل بصفته وكيلاً، فقد خلط بين ثبوت مباشرة التصرف وبين ثبوت العلم بعدم مشروعية مباشرته؛ فالأول واقعة مادية لا خلاف عليها، أما الثاني فهو عنصر نفسي لا يستفاد تلقائياً من مجرد وقوع الفعل، وإنما يجب استخلاصه من ظروف وقرائن موضوعية تكشف عن علم المتهم بالحقيقة التي يقال إنه خالفها.
وهذا التمييز جوهري في جريمة التزوير بوجه خاص، إذ لا يكفي لإثبات القصد الجنائي أن يكون المتهم قد وقع أو استعمل محرراً أو باشر إجراءً ترتب عليه أثر قانوني، وإنما يلزم أن يثبت علمه بتغيير الحقيقة واتجاه إرادته إلى استعمال المحرر على النحو المؤثم. فإذا كان المتهم قد باشر التصرف مستنداً إلى وكالة رسمية قائمة، وفي إطار مظهر تمثيلي سابق على الواقعة، ولم يثبت أنه كان يعلم بانعدام سلطته أو بزوالها أو بعدم امتدادها إلى التصرف محل الاتهام، فإن مجرد مباشرته للتعامل لا يكشف بذاته عن القصد الجنائي.
ولا يجوز في هذا المقام أن يُستبدل بالدليل على سوء النية مجرد القول بأن المتهم كان يتعين عليه أن يعلم أو كان ينبغي له أن يتحقق أكثر، لأن معيار المسؤولية الجنائية لا يقوم على افتراض العلم أو مجرد التقصير في التحري متى كان الاتهام يتطلب ثبوت العلم بحقيقة التغيير أو عدم مشروعية الفعل، وإنما يتعين أن يستند استخلاص العلم إلى وقائع محددة تكشف عنه كشفاً سائغاً.
كما لا يجوز أن تُستخلص سوء النية من مجرد كون التصرف قد أفضى إلى نتيجة لم توافق رغبة أحد أطراف العلاقة، لأن النتيجة التي ترتبت على التصرف لا تكشف بذاتها عن الحالة النفسية لمن باشره. فقد يباشر الشخص تصرفاً يعتقد مشروعيته ثم تثور بعد ذلك منازعة حول آثاره أو مدى ملاءمته أو حدود السلطة التي استند إليها، ولا تتحول هذه المنازعة اللاحقة إلى دليل تلقائي على أن المباشر كان يعلم منذ البداية بعدم مشروعية ما يفعله.
والأوراق – بحسب الثابت فيها – تقدم صورة مغايرة تماماً للصورة التي حاول الاتهام استخلاص سوء النية منها؛ إذ يوجد سند وكالة رسمي سابق على الواقعة، وكانت الوكالة قائمة وقت التوقيع، وكان المتهم الأول يباشر التصرف في إطار صفته المعلنة كوكيل، كما أن نطاق هذه الوكالة قد ثبت رسمياً – وفقاً لمذكرة الإدارة العامة للتوثيق المشار إليها – امتداده إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
وتزداد قوة هذا الدفاع إذا أضيف إلى ذلك أن التعاملات والإجراءات الرسمية السابقة قد جرت في ظل هذا المظهر التمثيلي، بما يجعل الاعتقاد بقيام الصفة التمثيلية وقت مباشرة التصرف اعتقاداً له أصل موضوعي في الأوراق، وليس مجرد قول لاحق أُنشئ بعد نشوء الخصومة الجنائية. ومن ثم كان يتعين على الحكم، إذا أراد استخلاص سوء النية رغم ذلك، أن يحدد الواقعة التي تكشف تحديداً عن علم المتهم الأول بعدم امتداد سلطته أو عن علمه بأن التوقيع الذي يباشره يتضمن تغييراً للحقيقة، وأن يبين كيف تؤدي تلك الواقعة إلى النتيجة التي انتهى إليها.
أما الاكتفاء بمجرد القول إن المتهم الأول هو الذي باشر التعامل أو وقع على المستندات، ثم اتخاذ هذه المباشرة ذاتها دليلاً على سوء نيته، فإنه يمثل مصادرة على المطلوب؛ لأن مباشرة التصرف هي محل البحث، وليست دليلاً بذاتها على العلم بعدم مشروعيته.
كما أن تعدد المستندات الرسمية والإجراءات السابقة التي ظهر فيها المتهم الأول بصفته التمثيلية لا يجوز إغفاله عند بحث القصد الجنائي، لأنها تشكل سياقاً موضوعياً سابقاً على الواقعة، يمكن أن يستدل منه – في الاتجاه المقابل – على أن مباشرة المتهم للتعامل لم تكن مصحوبة بعلم خفي بعدم مشروعية صفته، وإنما تمت في إطار مظهر تمثيلي قائم ومستقر ومدعوم بالمستندات الرسمية.
ومن ثم، فإن استخلاص سوء النية من مجرد مباشرة المتهم الأول للتعامل، مع إغفال سند الوكالة السابق، وإغفال قيام الصفة التمثيلية وقت التصرف، وإغفال التعاملات والإجراءات الرسمية السابقة، وإغفال ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بشأن نطاق الوكالة، ودون تحديد واقعة إيجابية مستقلة تكشف عن علم المتهم بعدم مشروعية سلطته، يكون استخلاصاً غير مستمد من أصل ثابت بالأوراق، ولا يؤدي منطقياً إلى النتيجة التي انتهى إليها الحكم.
ولما كان الشك في توافر القصد الجنائي لا يجوز أن يُستكمل بالافتراض، وكان الأصل أن القصد الجنائي عنصر يجب أن يثبت من ظروف الدعوى وأدلتها لا أن يُفترض من مجرد مباشرة الفعل، وكان الثابت بالأوراق قيام مظهر سابق ومستقر للوكالة مدعوم بسند رسمي وتعاملات وإجراءات رسمية سابقة، فإن نسبة سوء النية إلى المتهم الأول لا تستقيم بمجرد مباشرته للتعامل محل الاتهام.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لفساد استخلاص سوء النية وعدم قيام الدليل اليقيني على توافر العلم والقصد الجنائي، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع أو التمسك به عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة وثلاثة : وجوب بحث المحكمة لشروط الوكالة الظاهرة قبل استخلاص القصد الجنائي، وعدم جواز بناء الإدانة على افتراض العلم بانعدام السلطة دون فحص المظاهر السابقة التي أحاطت بالتعامل
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد أخطأ في استخلاص القصد الجنائي، إذ انتهى – صراحةً أو ضمناً – إلى افتراض علمه بانعدام سلطته في مباشرة التصرف محل الاتهام، دون أن يستظهر المظاهر الخارجية والوقائع السابقة والمعاصرة للتعامل التي أحاطت بمباشرته له، ودون أن يبحث ما إذا كانت هذه المظاهر من شأنها أن تولد لدى المتهم اعتقاداً جدياً ومشروعاً بقيام صفته التمثيلية وسلامة سلطته في التوقيع، الأمر الذي يعيب استخلاص القصد الجنائي بالقصور والفساد في الاستدلال.
ذلك أن البحث في القصد الجنائي لجريمة التزوير لا ينفصل عن الظروف الواقعية التي أحاطت بمباشرة الفعل محل الاتهام، ولا يجوز استخلاص العلم بتغيير الحقيقة أو العلم بانعدام السلطة من مجرد النتيجة التي ترتبت على التصرف، وإنما يتعين أن يستند هذا الاستخلاص إلى وقائع موضوعية سابقة أو معاصرة تكشف عن الحالة الذهنية للمتهم وقت مباشرة التصرف.
والثابت بالأوراق أن المتهم الأول لم يباشر التصرف محل الاتهام مستنداً إلى تفويض شفهي أو ادعاء مجرد، وإنما كان يحمل توكيلاً رسمياً صادراً من صاحبة الشأن، هو التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وكان هذا التوكيل قائماً وقت مباشرة التصرف، وقد تضمن من السلطات ما يتصل بإنشاء وتأسيس الشركات والتوقيع نيابة عن الموكل على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عن السلطات الأخرى الواردة به.
ومن ثم فإن مجرد وجود هذا السند الرسمي، وبقاؤه قائماً وقت مباشرة التصرف، يمثل مظهراً خارجياً موضوعياً سابقاً على الواقعة ومتصلاً بها اتصالاً مباشراً، لا يجوز للمحكمة أن تتجاهله عند بحث ما إذا كان المتهم الأول يعلم – وقت التوقيع – أن سلطته قد انعدمت أو تجاوزت الحدود التي تخوله مباشرة التصرف محل الاتهام.
ويزداد هذا الأمر وضوحاً بالنظر إلى أن المتهم الأول لم يخفِ صفته، ولم يوقع منتحلاً شخصية صاحبة الشأن، وإنما وقع بصفته وكيلاً عنها، وأفصح عن مصدر صفته التمثيلية، وهو سلوك مادي ظاهر يتعارض في الأصل مع تصوير الواقعة باعتبارها استعمالاً خفياً لمحرر يعلم المتهم أنه مزور أو صادراً بغير سلطة، ويقتضي من المحكمة أن تبحث أثر هذا السلوك في استظهار قصده الجنائي بدلاً من افتراض العلم بمجرد حصول التصرف.
كما أن المظاهر السابقة للتعامل لا تقتصر على وجود التوكيل ذاته، وإنما تمتد إلى الإجراءات الرسمية التي أحاطت بالتصرف، وإلى تقديم سند الوكالة إلى الجهة المختصة، وإلى إتمام الإجراءات في إطار رسمي، فضلاً عما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه الملابسات مجتمعة لا يجوز عزلها عن بحث القصد الجنائي؛ لأنها تتعلق مباشرة بالسؤال عن الاعتقاد الذي كان قائماً لدى المتهم الأول وقت مباشرة التصرف، وهل كان يعلم فعلاً بانعدام سلطته أم كان يباشر العمل معتقداً – استناداً إلى سند رسمي قائم وإلى المظاهر الرسمية المحيطة بالتعامل – أنه يباشره في حدود سلطته التمثيلية.
والوكالة الظاهرة، في هذا السياق، لا يتمسك بها المتهم الأول باعتبارها وحدها حكماً قضائياً سابقاً يحسم المسؤولية الجنائية أو باعتبارها سبباً آلياً لإباحة الفعل، وإنما يتمسك بها باعتبارها أحد المظاهر الواقعية والقانونية التي يتعين بحثها عند استظهار حالته الذهنية وقت مباشرة التصرف، ولا سيما أن القصد الجنائي لا يستخلص من فراغ، وإنما من الظروف والملابسات التي تكشف عن علم المتهم وإرادته وقت ارتكاب الفعل.
فإذا كانت هناك مظاهر خارجية سابقة على التعامل من شأنها – بحسب طبيعتها – أن تدعم الاعتقاد بقيام سلطة الوكيل، وكان من بينها سند رسمي قائم، وإفصاح المتهم عن صفته التمثيلية، وسلوك الإجراءات الرسمية أمام الجهات المختصة، وعدم ثبوت إلغاء الوكالة قبل التصرف، ثم جاءت جهة التوثيق المختصة لاحقاً لتقرر – بعد فحص سند الوكالة – أن نطاقه يمتد إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن استخلاص علم المتهم بانعدام سلطته يحتاج إلى دليل إيجابي مستقل يكشف عن هذا العلم، ولا يجوز أن يستند إلى مجرد افتراض مؤداه أن المتهم كان يجب عليه أن يعلم أو أن النتيجة التي ترتبت على التصرف تكشف بذاتها عن علمه.
ولا يغير من ذلك أن المنازعة قد نشأت لاحقاً حول مدى موافقة صاحبة الشأن على التصرف أو حول حدود الوكالة؛ إذ إن ظهور المنازعة بعد وقوع التصرف لا يكشف بذاته عن الحالة الذهنية للمتهم وقت مباشرته له، ولا يجوز اتخاذ الاعتراض اللاحق أو إلغاء الوكالة اللاحق دليلاً رجعياً على أن المتهم كان يعلم وقت التوقيع بانعدام سلطته.
كما لا يجوز الخلط بين مسألتين مستقلتين: الأولى هي مدى صحة التصرف أو نفاذه أو ترتيب آثاره المدنية بين الأصيل والغير، والثانية هي مدى توافر العلم الجنائي لدى المتهم الأول بانعدام سلطته أو بتغيير الحقيقة. فقد يثور نزاع مدني حول آثار التصرف أو مدى تجاوز الوكيل حدود مصلحة الموكل، دون أن يلزم من ذلك حتماً توافر العلم الجنائي أو القصد الجنائي الخاص اللازم لجريمة التزوير.
وإذا كانت المحكمة قد استندت إلى القول بأن المتهم الأول قد تجاوز حدود الوكالة، فقد كان يتعين عليها – قبل أن تستخلص من ذلك توافر القصد الجنائي – أن تحدد على وجه الدقة مصدر هذا العلم، وأن تبين لماذا كان المتهم يعلم، وقت مباشرة التصرف تحديداً، أن سلطته لا تمتد إليه، رغم وجود التوكيل الرسمي القائم وإفصاحه عن صفته كوكيل، ورغم اتخاذ الإجراءات الرسمية، ورغم ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق لاحقاً من امتداد نطاق الوكالة إلى هذا النوع من التصرفات.
أما الانتقال مباشرة من القول بوجود منازعة في حدود الوكالة إلى القول بتوافر العلم الجنائي، فإنه يمثل قفزاً في الاستدلال؛ لأن ثبوت وجود خلاف حول تفسير سند الوكالة لا يساوي ثبوت علم المتهم بأن سلطته منعدمة، ولا يكفي وحده لإثبات أنه قصد تغيير الحقيقة أو استعمال محرر يعلم أنه مزور.
ولا سيما أن معيار القصد الجنائي هو الحالة النفسية القائمة وقت ارتكاب الفعل، فلا يجوز استخلاصها من واقعة لاحقة لا تكشف بذاتها عما كان يعلمه المتهم وقت التصرف. فإذا كان التوكيل قائماً عند التوقيع، ولم يكن قد أُلغي في ذلك الوقت، وكان المتهم قد باشر التوقيع بصفته المعلنة كوكيل، فإن القول بأنه كان يعلم بانعدام سلطته يحتاج إلى دليل آخر يكشف عن هذا العلم تحديداً، ولا يغني عنه مجرد وقوع خلاف لاحق بشأن نطاق الوكالة.
كما أن ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق من صلاحية الوكالة للتوقيع على عقود تعديل الشركات وما يتصل بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وإن لم يكن حكماً قضائياً فاصلاً في المسؤولية الجنائية، فإنه يمثل قرينة رسمية وواقعية ذات دلالة بالغة في تقدير ما إذا كان اعتقاد المتهم الأول بقيام سلطته التمثيلية اعتقاداً له أساس موضوعي أم مجرد ادعاء لاحق، ولا سيما أن هذا التقييم صدر بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام ذاته.
ومن ثم، كان يتعين على المحكمة أن تبحث جميع هذه المظاهر السابقة والمعاصرة للتعامل في مجموعها، وأن تستخلص منها – إن أرادت القول بتوافر القصد الجنائي – كيف ثبت لديها أن المتهم الأول كان يعلم، على الرغم منها جميعاً، أن سلطته لا تمتد إلى التصرف محل الاتهام، وأنه رغم هذا العلم اتجهت إرادته إلى تغيير الحقيقة أو استعمال محرر يعلم أنه مزور.
أما إذا اكتفت المحكمة بإثبات أن التصرف محل المنازعة قد تم، وأن صاحبة الشأن اعترضت عليه لاحقاً، ثم استخلصت من ذلك وحده علم المتهم بانعدام سلطته، فإنها تكون قد أقامت القصد الجنائي على النتيجة اللاحقة للتصرف، لا على الحالة الذهنية التي كانت قائمة وقت ارتكابه، وهو ما لا يكفي لحمل الإدانة.
ولا يجوز كذلك تحميل المتهم الأول عبء إثبات حسن نيته أو إثبات أنه لم يكن يعلم بانعدام سلطته، إذ الأصل أن توافر القصد الجنائي عنصر من عناصر الاتهام يجب أن يستخلص من أدلة الدعوى استخلاصاً سائغاً، وأن يكون الدليل عليه قائماً بذاته ومؤدياً إليه، لا أن يستبدل بالدليل افتراض العلم ثم يطالب المتهم بنفيه.
وبذلك يتضح أن تجاهل المحكمة لشروط ومظاهر الوكالة الظاهرة، وعدم بحثها للسند الرسمي الذي كان قائماً وقت التصرف، وعدم تقديرها لإفصاح المتهم عن صفته كوكيل والإجراءات الرسمية التي تمت في إطارها المعاملة، وعدم مواجهتها للدلالة المستمدة من مذكرة الإدارة العامة للتوثيق، كل ذلك قد حجب عنها عناصر جوهرية لازمة لاستظهار القصد الجنائي، وأدى بها إلى استخلاص العلم بانعدام السلطة استخلاصاً لا يستقيم مع الثابت بالأوراق.
ومن ثم، فإن القصد الجنائي لا يكون قد ثبت في حق المتهم الأول بالدليل اليقيني اللازم للإدانة، إذ لا يكفي لإثباته مجرد القول بتجاوز حدود الوكالة أو وقوع خلاف لاحق بشأن التصرف، ما لم يثبت أن المتهم كان يعلم وقت مباشرته له بانعدام سلطته واتجهت إرادته – رغم هذا العلم – إلى تغيير الحقيقة أو استعمال المحرر محل الاتهام مع علمه بعدم مشروعيته.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لعدم ثبوت القصد الجنائي ثبوتاً يقينياً، والقصور في استظهاره، والفساد في استخلاصه من وقائع لا تؤدي إليه، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وبصفة خاصة ما تمسك به من قيام سند الوكالة وقت التصرف وثبوت امتداد نطاقه رسمياً إلى التصرف محل الاتهام، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة وأربعة: وجوب بحث أثر الوضع الظاهر في تكوين الاعتقاد المشروع لدى المتهم الأول، باعتبار أن المظهر الخارجي المنسوب إلى الأصيل قد يكون من شأنه إعذار الغير حسن النية في اعتقاده بقيام الوكالة وسعة نطاقها
يتمسك المتهم الأول بوجوب بحث أثر الوضع الظاهر الذي أحاط بالواقعة محل الاتهام، وما إذا كانت المظاهر الخارجية الصادرة عن الأصيل أو القائمة في التعامل، مجتمعةً مع سند الوكالة الرسمي القائم وقت مباشرة التصرف، قد أنشأت لدى المتهم الأول اعتقاداً مشروعاً ومعقولاً بقيام صفته التمثيلية وبامتداد سلطته إلى التصرف الذي باشره، ذلك أن تقدير المسؤولية الجنائية لا يجوز أن ينفصل عن الظروف الواقعية التي كانت قائمة وقت مباشرة الفعل، ولا أن يُعاد تقييم الحالة الذهنية للمتهم بأثر رجعي استناداً إلى ما نشأ بعد التصرف من منازعات أو اعتراضات.
ذلك أن الوضع الظاهر، متى قامت عناصره الموضوعية، قد يكون من شأنه أن يحمل الشخص حسن النية على الاعتقاد بقيام الوكالة أو استمرارها أو اتساع نطاقها، ولا سيما إذا كان هذا المظهر قد صدر أو نشأ من جانب الأصيل ذاته، أو كان من شأن الظروف المحيطة بالتعامل أن تجعل الاعتقاد بالسلطة التمثيلية اعتقاداً مشروعاً لا ينطوي على تحايل أو اصطناع أو انتحال.
ولا يتمسك المتهم الأول بالوضع الظاهر باعتباره مصدراً مستقلاً لإنشاء وكالة لم تكن موجودة، ولا باعتباره وسيلة لإضفاء صحة مدنية حتمية على التصرف، وإنما يتمسك به باعتباره ظرفاً موضوعياً واجب البحث عند تحديد حقيقة اعتقاده وقت مباشرة التصرف، ومدى إمكان نسبة العلم إليه بأنه يعمل بغير سلطة أو أنه يتعمد تغيير الحقيقة رغم علمه بعدم مشروعية ما يباشره.
والثابت بالأوراق أن هذا الاعتقاد لم يكن قائماً على مظهر مجرد أو على قول شفهي عابر، وإنما استند إلى سند رسمي محدد هو التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، الذي صدر قبل التصرف محل الاتهام، وكان قائماً وقت مباشرة التوقيع، وتضمن تخويل المتهم الأول القيام نيابة عن صاحبة الشأن بالمسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، إلى جانب السلطات الأخرى الواردة بسند الوكالة.
ومن ثم فإن وجود هذا السند الرسمي ذاته يمثل مظهراً خارجياً بالغ الدلالة على قيام الصفة التمثيلية، ولا سيما أن المتهم الأول لم يخف صفته ولم يقدم نفسه باعتباره الأصيل، وإنما باشر التوقيع معلناً عن كونه وكيلاً عنها، وهو ما يتعارض في أساسه مع تصوير الواقعة باعتبارها انتحالاً خفياً لشخصية الأصيل أو اصطناعاً لمصدر سلطة غير موجود.
ويتعين كذلك بحث ما إذا كانت تصرفات الأصيل اللاحقة أو السابقة أو طريقة التعامل بين الأطراف والجهات ذات الصلة قد عززت لدى المتهم الأول هذا الاعتقاد، إذ إن الوضع الظاهر لا يُقاس بعنصر منفرد منعزل، وإنما بمجمل المظاهر والوقائع التي كانت قائمة أمام الشخص وقت مباشرته التصرف، والتي تحدد ما إذا كان اعتقاده بالسلطة التمثيلية اعتقاداً مشروعاً أم كان مجرد وسيلة للتحايل على الحقيقة.
ولا يجوز في هذا السياق أن يُستدل على سوء اعتقاد المتهم الأول من مجرد المنازعة اللاحقة في التصرف؛ لأن المنازعة اللاحقة لا تكشف بذاتها عن الحالة الذهنية التي كانت قائمة لديه لحظة التوقيع، كما لا يجوز أن يتحول إلغاء الوكالة اللاحق إلى دليل بأثر رجعي على علم المتهم الأول، وقت مباشرة التصرف، بزوال سلطته أو عدم امتدادها إلى ذلك التصرف.
بل إن الثابت – بحسب الأوراق والمذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 – أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة، وأن الإدارة انتهت بعد فحص سند الوكالة إلى أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء. وهذه الواقعة الرسمية لا تنشئ سلطة جديدة للمتهم الأول، وإنما تؤكد أن تفسير نطاق السلطة وقت التصرف لم يكن أمراً مستحيلاً أو ظاهراً بطلانه، بل كان له سند رسمي قائم يؤيد الاعتقاد بقيامها وامتدادها إلى التصرف محل الاتهام.
ومن ثم فإن البحث في الوضع الظاهر يكتسب أهمية خاصة عند تقدير القصد الجنائي؛ ذلك أن العلم بعدم وجود السلطة أو العلم بتجاوز حدودها لا يجوز افتراضه لمجرد أن الأصيل نازع لاحقاً في آثار التصرف، وإنما يتعين استخلاصه من ظروف سابقة أو معاصرة للفعل تكشف عن أن المتهم كان يعلم حقيقة حدود سلطته، وأنه تعمد رغم ذلك مباشرة التصرف على خلافها.
فإذا كان المتهم الأول قد وجد بين يديه توكيلاً رسمياً قائماً وغير ملغى وقت التوقيع، وكان سند الوكالة يتضمن سلطة التوقيع على عقود تعديل الشركات، وكان قد أعلن صفته كوكيل، وكانت الإجراءات قد تمت في إطار رسمي، ثم جاءت الجهة الفنية المختصة بالتوثيق لاحقاً لتقرر – بعد فحص سند الوكالة – أن نطاقه يمتد إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن هذه الوقائع مجتمعة تشكل عناصر موضوعية لا يجوز إغفالها عند استظهار حقيقة اعتقاد المتهم الأول.
ولا يغير من ذلك القول بأن مدى الوكالة قد يكون محل تفسير أو منازعة مدنية، إذ إن وجود خلاف حول التفسير لا يساوي بذاته ثبوت العلم الجنائي بالتجاوز، كما أن الاختلاف في تقدير مدى السلطة لا يتحول تلقائياً إلى دليل على توافر نية تغيير الحقيقة. وإنما يجب أن يثبت على نحو مستقل أن المتهم الأول كان يعلم وقت التوقيع أن سلطته لا تمتد إلى التصرف محل الاتهام، وأنه مع ذلك تعمد استعمال مظهر السلطة لإحداث تغيير للحقيقة في المحرر.
كما أن الوضع الظاهر، في نطاق هذا الدفاع، يتكامل مع حسن النية ولا يحل محله؛ فإذا كان المتهم الأول قد تصرف استناداً إلى سند رسمي قائم، وأفصح عن صفته التمثيلية، ولم ينسب إلى نفسه صفة الأصيل، ولم يخف مصدر سلطته، فإن هذه الملابسات تكون ذات دلالة مباشرة على حقيقة اعتقاده، وتفرض على المحكمة أن تبحث ما إذا كان من المعقول – في ضوء جميع الظروف القائمة وقت التصرف – نسبة العلم الجنائي إليه.
ومن ثم كان يتعين على الحكم المعارض فيه، إذا أراد استخلاص القصد الجنائي في حق المتهم الأول، أن يستظهر على نحو واضح ما هي الوقائع التي كانت قائمة قبل أو أثناء مباشرة التصرف والتي تنبه المتهم إلى أن سلطته قد زالت أو أنها لا تشمل التصرف محل الاتهام، وأن يبين مصدر علمه بذلك، وأساس استخلاصه، وألا يكتفي بالاستناد إلى موقف الأصيل اللاحق أو إلى نتيجة النزاع بعد تمام التصرف.
فإذا خلا الحكم من هذا الاستظهار، وأقام علم المتهم الأول بعدم سلطته على مجرد النتيجة التي انتهى إليها التصرف أو على اعتراض الأصيل اللاحق، فإنه يكون قد افترض القصد الجنائي بدلاً من استخلاصه من عناصر الدعوى، وأغفل بحث ظرف موضوعي جوهري من شأنه أن يؤثر مباشرة في تقدير مدى توافر العلم والإرادة اللازمين للمسؤولية الجنائية.
ولا سيما أن الفارق جوهري بين شخص يتعمد انتحال صفة لا يملكها أو يستعمل مظهراً مصطنعاً لإيهام الغير بقيام وكالة غير موجودة، وبين وكيل يحمل توكيلاً رسمياً قائماً، ويظهر بصفته الحقيقية، ويباشر التصرف في إطار تلك الصفة، ثم يثور بعد ذلك نزاع حول مدى اتساع السلطة التي خولها له سند الوكالة. فالصورة الثانية لا يجوز نقلها إلى نطاق التجريم بمجرد المنازعة في حدود السلطة، وإنما يلزم إثبات العنصر الجنائي المستقل الذي يحول استعمال الوكالة إلى فعل تزوير.
والأخطر من ذلك أن تجاهل الوضع الظاهر في هذه الحالة يؤدي إلى قراءة الواقعة من نهايتها إلى بدايتها؛ إذ يصبح الاعتراض اللاحق على التصرف دليلاً على عدم مشروعية الاعتقاد السابق، ويصبح إلغاء الوكالة اللاحق دليلاً على عدم قيام السلطة وقت التوقيع، مع أن العبرة في تحديد القصد الجنائي تكون بالظروف التي كانت قائمة وقت مباشرة الفعل ذاته.
ومن ثم فإن الوضع الظاهر، مقترناً بسند الوكالة الرسمي وبإعلان المتهم الأول عن صفته كوكيل وبالإجراءات الرسمية التي تمت في ظلها الواقعة، يمثل ظرفاً جوهرياً كان يتعين على الحكم أن يبحثه ويحدد أثره في تكوين اعتقاد المتهم الأول، وأن يوازن بينه وبين الأدلة التي استند إليها في استخلاص العلم الجنائي.
وإذا كان هذا الوضع الظاهر قد بلغ من القوة حداً يجعل الغير حسن النية معذوراً في اعتقاده بقيام الوكالة وسعة نطاقها، فمن باب أولى أن تبحث المحكمة أثره في تقدير الحالة الذهنية للمتهم الأول ذاته، لا باعتباره منشئاً للوكالة، وإنما باعتباره قرينة واقعية على مشروعية اعتقاده بقيام السلطة التي كان يستند إليها، وعلى انتفاء العلم اليقيني بأنه يتصرف بغير سند.
ولما كان الحكم المعارض فيه قد أغفل هذا البحث الجوهري، ولم يستظهر المظاهر الخارجية التي أحاطت بالتصرف، ولم يبين أثر سند الوكالة القائم وقت التوقيع في تكوين اعتقاد المتهم الأول، ولم يحدد ما إذا كانت ثمة وقائع سابقة أو معاصرة تكشف عن علمه بعدم امتداد سلطته، فإن استخلاصه للقصد الجنائي يكون قد قام على استنتاج غير مستظهر العناصر، وقاصر عن حمل النتيجة التي انتهى إليها.
ومن ثم، فإن قيام سند وكالة رسمي قائم وقت التصرف، وإعلان المتهم الأول عن صفته كوكيل، ووجود مظهر خارجي مؤيد لهذه الصفة، وثبوت ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق من امتداد الوكالة إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، كلها ظروف كان يتعين بحث أثرها في تكوين اعتقاد المتهم الأول، وفي مدى إمكان نسبة العلم الجنائي إليه.
وبناءً عليه، يتمسك المتهم الأول بوجوب القضاء ببراءته، لعدم ثبوت علمه بعدم قيام السلطة أو بتجاوز حدودها على نحو يقيني، ولا سيما مع قيام سند الوكالة الرسمي والمظهر الخارجي المؤيد للصفة التمثيلية وقت مباشرة التصرف، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة والخمسة: فساد الاستدلال لاستخلاص القصد الجنائي من النتيجة اللاحقة للتصرف، دون بحث الحالة الذهنية للمتهم الأول وقت إبرام التصرف والظروف والمظاهر السابقة والمعاصرة التي أحاطت به
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه الفساد في الاستدلال حين استخلص توافر القصد الجنائي في حقه من مجرد النتيجة التي ترتبت على التصرف محل الاتهام، دون أن يستظهر على نحو مستقل الحالة الذهنية التي كان عليها المتهم الأول وقت مباشرة التوقيع وإبرام التصرف، ودون أن يبحث الظروف والمظاهر السابقة والمعاصرة التي أحاطت بمباشرته لهذا التصرف، وما إذا كانت تلك الظروف تكشف عن علمه بأنه يرتكب فعلاً من أفعال تغيير الحقيقة، أو عن اعتقاده المشروع – المستند إلى مظاهر وأسباب جدية – بأنه يباشر تصرفاً يدخل في نطاق سلطته التمثيلية.
ذلك أن القصد الجنائي في جريمة التزوير لا يُفترض لمجرد ثبوت التصرف أو من مجرد ترتيب التصرف لأثر قانوني أو مالي لاحق، وإنما يتعين استخلاصه من وقائع الدعوى وظروفها استخلاصاً سائغاً يكشف عن علم المتهم بحقيقة الفعل الذي يباشره، واتجاه إرادته إلى تغيير الحقيقة على النحو المؤثم قانوناً، ثم استعمال المحرر مع علمه بحقيقته المزورة. ومن ثم، فإن النتيجة اللاحقة للتصرف لا تصلح بذاتها دليلاً كافياً على الحالة النفسية التي كان عليها المتهم وقت مباشرة الفعل.
والثابت في الأوراق أن المتهم الأول لم يقدم نفسه وقت التوقيع باعتباره صاحبة الشأن، ولم يخفِ صفته أو يحاول إيهام الغير بأنه هو الأصيل، وإنما باشر التوقيع بصفته وكيلاً عنها، مستنداً إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو سند سابق على التصرف وقائم وقت مباشرته، ويتضمن من السلطات ما يتصل بإنشاء وتأسيس الشركات والتوقيع نيابة عن الموكل على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الجهات المختصة.
وهذه الواقعة لا تمثل مجرد دفاع لاحق أبداه المتهم الأول بعد وقوع الاتهام، وإنما تمثل مظهراً خارجياً سابقاً ومعاصراً للفعل، يكشف عن الأساس الذي باشر عليه التصرف وعن الصورة الذهنية التي كان يتعامل بها معه وقت وقوعه. فإذا كان المتهم الأول قد أظهر صفته كوكيل واستند إلى توكيل رسمي قائم ولم يكن التوكيل قد أُلغي عند مباشرة التصرف، فإن استخلاص علمه – في ذات اللحظة – بأنه يوقع بغير سلطة أو أنه يغير الحقيقة عمداً، يحتاج إلى دليل مستقل يواجه هذه المظاهر ولا يتجاهلها.
ويزداد الأمر دلالة أن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل انتهت – في الملف رقم 134 لسنة 2026، وبعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – إلى أن التوكيل العام المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
ولا يُقال إن هذه المذكرة تحسم بذاتها المسؤولية الجنائية أو تلزم المحكمة بنتيجتها، وإنما دلالتها في مقام بحث القصد الجنائي تتمثل في أنها تؤيد – من مصدر رسمي مختص – أن الاعتقاد بقيام سلطة المتهم الأول لم يكن اعتقاداً وهمياً مجرداً من السند، وإنما كان له أصل موضوعي في محرر وكالة رسمي قائم، وهو ما يتعين أن يدخل في تقدير الحالة الذهنية للمتهم وقت مباشرة التصرف.
ومن ثم، فإن استخلاص القصد الجنائي من النتيجة اللاحقة للتصرف، كزيادة حصة شريك أو انخفاض حصة شريك آخر، يمثل انتقالاً غير سائغ من الأثر الموضوعي للتصرف إلى الحالة النفسية للمتهم وقت إبرامه؛ إذ إن تحقق النتيجة لا يكشف بذاته عما كان يدور في ذهن المتهم عند مباشرة الفعل، ولا يثبت أنه كان يعلم حينذاك أن ما يباشره يمثل تغييراً للحقيقة، ولا أنه قصد استعمال محرر يعلم أنه مزور.
ولا يجوز أن تُقرأ الواقعة بأثر رجعي؛ بمعنى أن ما نشأ لاحقاً عن التصرف من اعتراض أو نزاع أو إلغاء للوكالة أو منازعة في آثاره لا يجوز أن يتحول تلقائياً إلى دليل على أن المتهم الأول كان وقت التوقيع عالماً بعدم مشروعية ما يباشره أو عالماً بأنه يرتكب فعلاً من أفعال التزوير. فالعبرة في استظهار القصد الجنائي تكون بالحالة التي كان عليها المتهم عند ارتكاب الفعل، وبالظروف والمظاهر التي كانت قائمة آنذاك، لا بما استجد بعد ذلك وأحاط بالتصرف من منازعات أو نتائج.
كما أن إلغاء التوكيل في تاريخ لاحق على التوقيع لا يصلح – بذاته – لإثبات أن المتهم الأول كان يعلم وقت التوقيع بانعدام سلطته، بل إن وقوع الإلغاء بعد مباشرة التصرف يمثل، في ذاته، واقعة زمنية يتعين وضعها في موضعها الصحيح عند تقدير القصد؛ إذ لا يجوز تحويل واقعة لاحقة إلى دليل قطعي على علم سابق ما لم توجد قرائن مستقلة تربط بينهما وتؤدي منطقياً إلى هذه النتيجة.
وكان يتعين على الحكم، إذا أراد استخلاص القصد الجنائي من ظروف الواقعة، أن يبحث على وجه الخصوص: حالة الوكالة وقت التصرف، ومضمونها، وما إذا كان المتهم الأول قد أفصح عن صفته كوكيل، وطريقة تقديم سند الوكالة إلى الجهات المختصة، وما إذا كان قد اتخذ إجراءات التصرف علانية وباسمه وصفته التمثيلية، وما إذا كان ثمة واقعة سابقة على التوقيع أو معاصرة له تكشف عن علمه بانعدام سلطته، وما إذا كان قد تلقى تنبيهاً أو اعتراضاً سابقاً على مباشرته للتصرف، وما إذا كان قد اتخذ وسيلة لإخفاء صفته أو اصطناع مستند أو تضليل الجهة التي قدم إليها المحرر.
أما أن يُستخلص القصد الجنائي من مجرد كون التصرف قد ترتب عليه تعديل في حصص الشركاء أو نشأت عنه لاحقاً منازعة أو اعتراض، دون استظهار هذه الظروف، فإنه يكون قد استخلص الحالة النفسية من النتيجة المادية اللاحقة، وهي نتيجة لا تستلزم بالضرورة توافر القصد الجنائي، ولا تكفي وحدها لإثبات العلم بتغيير الحقيقة.
والأخطر من ذلك أن هذا النهج يؤدي إلى افتراض القصد من مجرد وقوع الفعل محل المنازعة، في حين أن محل الإثبات الجنائي هو العكس: إثبات أن المتهم كان يعلم حقيقة ما يفعله وأن إرادته اتجهت إلى تغيير الحقيقة واستعمال المحرر على هذا الأساس. ولا يجوز بناء هذا العنصر المعنوي على مجرد افتراض مستمد من النتيجة التي ترتبت على التصرف، وإلا تحول القصد الجنائي من عنصر يتعين إثباته إلى نتيجة مفترضة من مجرد وقوع المنازعة.
ولا ينال من ذلك ما قد يقال من أن المتهم الأول كان على علم بمضمون التعديل الذي وقع عليه؛ إذ ثمة فارق جوهري بين العلم بمضمون التصرف وبين العلم بأن التوقيع يمثل تغييراً للحقيقة في محرر. فقد يعلم الشخص مضمون التصرف وآثاره القانونية والاقتصادية، ومع ذلك يباشره معتقداً – استناداً إلى سند وكالة قائم ومعلن – أنه يملك السلطة القانونية لإجرائه. ومن ثم لا يكفي إثبات علم المتهم بالتعديل ذاته لإثبات علمه بأنه يرتكب جريمة تزوير.
كما أن مجرد استعمال المحرر أمام الجهة المختصة لا يكفي بذاته لإثبات القصد الجنائي الخاص إذا كان استعماله قد تم باعتقاد أنه محرر صحيح صادر في إطار وكالة قائمة. إذ إن العنصر الحاسم هو العلم بحقيقة التزوير، فإذا لم يثبت أن المتهم كان يعلم وقت التوقيع أو الاستعمال أن المحرر يتضمن تغييراً للحقيقة، فلا يجوز استخلاص هذا العلم بمجرد تقديمه في الإجراءات الرسمية.
وإذا كانت المحكمة قد استخلصت القصد الجنائي من النتيجة التي ترتبت على تعديل عقد الشركة، دون أن تبحث المظاهر السابقة والمعاصرة للتصرف، فإنها تكون قد أغفلت عناصر موضوعية جوهرية في تقدير الحالة الذهنية للمتهم الأول، وفي مقدمتها وجود سند وكالة رسمي، واستمرار سريانه وقت التوقيع، وإفصاح المتهم عن صفته كوكيل، وثبوت الدلالة الرسمية اللاحقة على امتداد نطاق الوكالة إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
وهذه الظروف ليست أموراً هامشية يمكن تجاوزها، وإنما هي وقائع موضوعية ذات صلة مباشرة بالسؤال عن الحالة الذهنية للمتهم الأول، لأنها تقدم تفسيراً معقولاً ومؤيداً بالمستندات لسلوكه وقت مباشرة التصرف، وتمنع استخلاص العلم الجنائي من النتيجة اللاحقة وحدها.
ومن ثم، فإذا كان الاتهام يريد إثبات أن المتهم الأول كان يعلم وقت التوقيع أن سلطته لا تمتد إلى التصرف محل الاتهام، فقد كان لزاماً عليه أن يقدم الدليل على هذا العلم تحديداً، وأن يبين الواقعة أو القرينة السابقة أو المعاصرة التي تكشف عنه، لا أن يستخلصه بأثر رجعي من اعتراض لاحق أو إلغاء لاحق للوكالة أو من النتيجة التي ترتبت على التعديل.
فالقصد الجنائي لا يُستخرج من النتيجة وحدها، وإنما من سياق الفعل وملابساته السابقة والمعاصرة واللاحقة بالقدر الذي تكشف به عن الحالة النفسية وقت ارتكابه. وإذا كانت الوقائع السابقة والمعاصرة تشير إلى وجود سند رسمي للوكالة وإلى مباشرة المتهم الأول للتصرف علناً وبصفته وكيلاً، ثم جاءت جهة التوثيق المختصة لاحقاً لتؤيد امتداد نطاق الوكالة إلى هذا النوع من التصرفات، فإن استخلاص العلم الجنائي يحتاج إلى دليل أقوى وأكثر تحديداً مما أورده الحكم، ولا يكفي فيه مجرد تحقق نتيجة لم يرض عنها أحد أطراف العلاقة.
ولما كان الحكم المعارض فيه قد انتقل من النتيجة اللاحقة للتصرف إلى افتراض القصد الجنائي، دون أن يستظهر الحالة الذهنية للمتهم الأول وقت مباشرة الفعل، ودون أن يوازن بين هذه النتيجة وبين الظروف والمظاهر السابقة والمعاصرة التي تكشف عن الأساس الذي استند إليه المتهم في اعتقاده بقيام سلطته، فإنه يكون قد أقام استخلاصه للقصد على استدلال غير منتج، وحجب نفسه عن بحث عنصر جوهري من عناصر الجريمة بحثاً مستقلاً.
وإذ لم يثبت على وجه يقيني أن المتهم الأول كان يعلم وقت مباشرة التصرف أنه يغير الحقيقة، أو أنه كان يعلم بانعدام سلطته رغم قيام سند الوكالة واستمراره وقت التوقيع، أو أن إرادته اتجهت إلى استعمال محرر يعلم أنه مزور، فإن القصد الجنائي يظل غير ثابت في حقه، ولا يجوز استكمال هذا النقص بمجرد الاستنتاج من النتائج اللاحقة للتصرف.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لفساد استدلال الحكم في استخلاص القصد الجنائي، وعدم استظهاره الحالة الذهنية للمتهم الأول وقت مباشرة التصرف، وعدم بحثه الظروف والمظاهر السابقة والمعاصرة التي أحاطت به، واستخلاصه العلم والقصد من نتيجة لاحقة لا تنهض بذاتها دليلاً على توافرهما، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة وستة: فساد الاستدلال لاجتزاء الواقعة محل الاتهام عن سياق التعاملات السابقة، وإغفال الدلالة المشتركة لعقود التعديل التي سبق للمتهم الأول مباشرتها بذات التوكيل
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه الفساد في الاستدلال، إذ عالج الواقعة محل الاتهام باعتبارها واقعة منفردة ومبتورة عن سياق التعاملات السابقة التي أحاطت بالعلاقة بين أطراف الشركة، وأغفل الدلالة المشتركة والمترابطة لعقود التعديل التي سبق للمتهم الأول مباشرتها بذات التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، رغم أن تلك التعاملات السابقة تمثل عنصراً جوهرياً في فهم حقيقة المركز القانوني للمتهم الأول، وكيفية مباشرته لسلطته التمثيلية، والكيفية التي جرى بها التعامل مع سند الوكالة عملياً قبل الواقعة محل الاتهام.
ذلك أن الواقعة محل الاتهام لا يجوز عزلها عن تاريخ التعاملات السابقة بين أطراف العلاقة، ولا عن التصرفات التي سبقتها والتي باشرها المتهم الأول بذات صفته التمثيلية وبالاستناد إلى ذات سند الوكالة، إذ إن هذه الوقائع السابقة تكشف عن السياق الحقيقي الذي نشأت فيه الواقعة محل الاتهام، وتلقي ضوءاً كاشفاً على مدى استقرار التعامل على اعتبار المتهم الأول صاحب سلطة في مباشرة أعمال الشركة والتوقيع على محررات تعديلها، وعلى الأقل تكشف عن أساس جدي ومشروع للاعتقاد بقيام تلك السلطة وقت مباشرة التصرف محل الاتهام.
فإذا كانت هناك عقود تعديل سابقة قد باشر المتهم الأول توقيعها بذات التوكيل، وتم التعامل معها وقبولها واتخاذ الإجراءات الرسمية بشأنها دون أن يثار في حينه أن المتهم الأول لا يملك سلطة التوقيع أو أن وكالته لا تمتد إلى عقود تعديل الشركات، فإن هذه الوقائع لا يجوز للمحكمة أن تتعامل معها باعتبارها أحداثاً هامشية لا صلة لها بالواقعة محل الاتهام، وإنما يتعين بحث دلالتها في تكوين الصورة الكاملة للواقعة، ولا سيما إذا كانت تلك العقود قد تمت بذات السند وبذات الصفة وبذات الإطار العام للتعامل.
ولا يعني ذلك أن مجرد سبق مباشرة عقود أخرى بذات الوكالة يحسم بذاته صحة التصرف محل الاتهام أو يمنع قانوناً من مناقشة مدى انطباق الوكالة على كل تصرف على حدة، وإنما مؤدى الدفاع أن المحكمة لا يجوز لها – عند تقدير القصد الجنائي أو مدى اعتقاد المتهم الأول بقيام سلطته – أن تمحو من الصورة الواقعية سلسلة التعاملات السابقة التي تكشف عن كيفية ممارسة الوكالة فعلياً وعن الأساس الموضوعي الذي كان يستند إليه المتهم الأول في اعتقاده بامتداد سلطته إلى التصرف محل الاتهام.
ذلك أن القصد الجنائي في جريمة التزوير لا يُفترض، ولا يستخلص من مجرد حصول التصرف أو ترتب أثره، وإنما يتعين أن تقوم عليه أدلة تكشف عن علم المتهم بحقيقة التغيير الذي يُنسب إليه وإرادته ارتكابه على النحو المؤثم قانوناً. فإذا كان المتهم الأول قد سبق له أن باشر تعديلات أخرى بذات التوكيل، وعلى ذات الأساس التمثيلي، ولم تكن هناك واقعة سابقة تنبهه إلى أن تلك الوكالة لا تمتد إلى هذا النوع من التصرفات، فإن هذه الملابسات تعد من عناصر التقدير الموضوعي لحقيقة قصده وعلمه وقت مباشرة التصرف محل الاتهام.
والأهم من ذلك أن التعاملات السابقة قد تكون كاشفة عن الفهم العملي المشترك لنطاق الوكالة؛ فإذا كانت صاحبة الشأن قد سبق أن أصدرت التوكيل ذاته، وقُبل استعماله في معاملات سابقة، وباشر المتهم الأول بموجبه إجراءات تعديل الشركات، وتمت هذه التصرفات في الإطار الرسمي المعتاد، فإن ذلك يمثل سياقاً واقعياً لا يجوز إسقاطه من ميزان الاستدلال عند تحديد ما إذا كان المتهم الأول قد تصرف معتقداً – عن أسباب موضوعية – أنه يعمل في حدود السلطة التي خولها له سند الوكالة.
ومن ثم، فإن اجتزاء الواقعة محل الاتهام عن سابقاتها يؤدي إلى تغيير صورتها الحقيقية؛ إذ تظهر الواقعة، عند عزلها، وكأن المتهم الأول قد ظهر فجأة دون سند، وبادر إلى إجراء استثنائي خارج نطاق أي تعامل سابق، بينما تكشف الوقائع السابقة – بحسب الثابت بالأوراق – عن نمط تعامل مستمر سبق فيه للمتهم الأول أن باشر أعمالاً متعلقة بالشركة مستنداً إلى ذات الوكالة، بما يجعل الواقعة محل الاتهام حلقة في سياق تعامل متصل، وليس فعلاً منفرداً نشأ في فراغ.
وكان يتعين على الحكم، متى كان قد عُرض عليه هذا الدفاع وتمسك به المتهم الأول، أن يبحث هذه التعاملات السابقة وأن يستظهر طبيعتها وتواريخها وسندها، وأن يبين أثرها في تقدير حقيقة العلاقة ونطاق الوكالة والقصد الجنائي، ثم يخلص – بأسباب سائغة – إلى مدى دلالتها على الواقعة محل الاتهام. أما إغفالها كليةً، مع كونها من العناصر التي يمكن أن تغير وجه الرأي في الدعوى، فيحجب عن المحكمة صورة الواقعة في سياقها الكامل ويجعل استخلاصها مبتوراً عن عناصر مؤثرة فيه.
ولا سيما أن التوكيل الرسمي محل الاتهام ليس مستنداً أنشئ خصيصاً للواقعة محل المحاكمة، وإنما هو سند سابق عليها استمر قائماً وقت مباشرة التصرف، وقد سبق استعماله في معاملات أخرى، وهو ما يجعل تفسير نطاقه لا ينفصل عن كيفية استعماله في التعاملات السابقة، وعن الوقائع الموضوعية التي أحاطت بهذا الاستعمال.
ويتعاظم أثر ذلك إذا كانت عقود التعديل السابقة قد تضمنت أعمالاً من ذات الطبيعة القانونية أو المتقاربة معها، أو كانت قد تناولت تغييراً في بيانات الشركة أو أوضاع الشركاء أو حصصهم، إذ تصبح المقارنة بين تلك التصرفات والتصرف محل الاتهام ذات دلالة خاصة في الكشف عن حقيقة الاعتقاد الذي كان قائماً لدى المتهم الأول بشأن نطاق وكالته، وعن مدى وجود نمط سابق من التعامل يؤكد أن مباشرته للتوقيع لم تكن فعلاً عارضاً أو خفياً أو قائماً على انتحال صفة.
كما أن الدلالة لا تقف عند حدود المتهم الأول وحده، وإنما تمتد إلى البيئة الواقعية التي تمت فيها التصرفات؛ فإذا كانت الجهات المختصة قد سبق أن تعاملت مع عقود التعديل التي وقعها المتهم الأول بذات التوكيل، واتخذت بشأنها إجراءاتها الرسمية، فإن ذلك – دون أن يعني بذاته إسباغ حجية قضائية على تلك الإجراءات – يمثل واقعة موضوعية كان يتعين على المحكمة أن تضعها في ميزانها عند تقدير مدى معقولية القول بأن المتهم الأول كان يعلم، وقت الواقعة محل الاتهام، أنه يتصرف خارج حدود سلطته أو أنه يغير الحقيقة تغييراً مؤثماً.
ومن ناحية أخرى، فإن إغفال التعاملات السابقة يترتب عليه فصل الدليل عن السياق الذي يعطيه معناه؛ فالتوكيل لا يقرأ في فراغ، والتصرفات التي تمت بموجبه لا تُفهم بمعزل عن بعضها البعض متى اتحد سندها وصفة مباشرها وطبيعة التعامل. وإذا كانت الوقائع السابقة قد كشفت عن استعمال فعلي للوكالة في مجال تعديل الشركات، فإن ذلك لا يحسم وحده النزاع حول التصرف الأخير، لكنه يمثل عنصراً استدلالياً جوهرياً في تحديد حقيقة اعتقاد المتهم الأول بسلطته وفي تقييم ما إذا كان ثمة قصد جنائي خاص بالتزوير من عدمه.
ولا يجوز في هذا السياق أن يُستخلص القصد الجنائي من النتيجة التي انتهى إليها التعديل وحدها، ثم تُستبعد الوقائع السابقة التي تكشف عن الظروف التي أحاطت بالفعل وعن الأساس الذي استند إليه المتهم الأول في مباشرته. فالقصد حالة ذهنية تستخلص من الظروف والملابسات الموضوعية المحيطة بالفعل، ولا يجوز اقتطاع بعض عناصر الواقعة وطرح البعض الآخر ثم بناء الإدانة على الصورة المبتورة.
وإذا كان الحكم قد انتهى إلى أن المتهم الأول لم تكن له سلطة في مباشرة التصرف محل الاتهام، فقد كان لزاماً عليه أن يواجه الدلالة الناشئة عن العقود السابقة التي باشرها بذات التوكيل، وأن يبين لماذا لم ير فيها أي أثر على اعتقاد المتهم الأول بحدود سلطته، وأن يحدد – على وجه سائغ – ما الذي يميز التصرف محل الاتهام عن التصرفات السابقة من حيث مصدر السلطة أو طبيعة الإجراء أو حدود الوكالة، لا أن يتجاهل تلك الوقائع وكأنها لم تكن.
ولا سيما أن مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 قد انتهت، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء. وهذه النتيجة الرسمية تزيد من أهمية التعاملات السابقة بذات التوكيل؛ لأنها تجعل تلك التعاملات جزءاً من سياق موضوعي متسق مع الفهم الذي انتهت إليه الجهة الإدارية المختصة بشأن نطاق الوكالة.
ومن ثم، فإن تجاهل هذا السياق، وإقامة الإدانة على الواقعة محل الاتهام مجردة من سوابق التعامل التي سبقتها، يؤدي إلى قلب ميزان الاستدلال؛ إذ يُستخلص العلم بالتجاوز من الواقعة ذاتها، ثم تُستخدم النتيجة المفترضة لإثبات القصد الجنائي، في حين أن الوقائع السابقة قد تكون – بحسب دلالتها – قرينة موضوعية على عكس ذلك، أو على الأقل منشئة لشك جدي في مدى توافر العلم والقصد.
والدفاع لا يتمسك بأن التعاملات السابقة تمنح المتهم الأول حصانة من المساءلة عن أي تصرف لاحق، وإنما يتمسك بأن المحكمة، وهي بصدد تكوين عقيدتها الجنائية، ملزمة بالنظر إلى الواقعة في مجموع عناصرها وملابساتها، لا أن تنتقي منها ما يؤيد الاتهام وتطرح ما قد ينال منه، خصوصاً متى كان العنصر المطروح متعلقاً بمصدر سلطة المتهم وبمدى علمه بحدودها وبحقيقة قصده وقت مباشرة التصرف.
فإذا كانت العقود السابقة قد تمت بذات التوكيل، وبذات الصفة التمثيلية، وفي إطار التعامل الرسمي، وكان المتهم الأول قد باشرها على هذا الأساس، فإن هذه الحقيقة لا يجوز إهدارها عند بحث ما إذا كان قد تعمد في الواقعة محل الاتهام تغيير الحقيقة أو كان يعتقد – استناداً إلى سند رسمي وإلى ممارسة سابقة للوكالة – أنه يباشر عملاً يدخل في نطاق سلطته.
ومن ثم يكون الحكم، إذ اجتزأ الواقعة محل الاتهام من سياقها السابق، وأغفل الدلالة المشتركة لعقود التعديل التي سبق للمتهم الأول مباشرتها بذات التوكيل، قد أقام استدلاله على صورة ناقصة للواقعة، وحجب عن نفسه عنصراً جوهرياً كان من شأنه – لو مُحص على وجهه الصحيح – أن يؤثر في تقدير نطاق الوكالة، وفي تحديد حقيقة اعتقاد المتهم الأول بسلطته، وفي استظهار القصد الجنائي، وفي مدى قيام فعل التغيير المادي للحقيقة من الأساس.
وبناءً عليه، فإن هذا الاجتزاء يعيب الحكم بالفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب، ويهدر مبدأ النظر إلى الأدلة في مجموعها وفي سياقها الصحيح، بما يتعين معه عدم التعويل على النتيجة التي انتهى إليها الحكم في شأن انتفاء سلطة المتهم الأول أو توافر القصد الجنائي، والقضاء ببراءته مما أسند إليه، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة وسبعة: القصور في التسبيب لإغفال المستندات الدالة على إجراء تعديلات سابقة بذات التوكيل، وعدم بيان سبب طرحها أو عدم الاعتداد بدلالتها في إثبات حسن النية وقيام المظهر الظاهر للوكالة
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، إذ أغفل المستندات الجوهرية المقدمة بالأوراق والدالة على سبق مباشرة تعديلات وإجراءات متعلقة بالشركة بذات التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، دون أن يستظهر مؤداها أو يبين وجه دلالتها، ودون أن يكشف عن سبب طرحها أو عدم التعويل عليها، رغم اتصالها المباشر بالظروف التي أحاطت بالواقعة محل الاتهام، وبخاصة فيما يتعلق بحقيقة اعتقاد المتهم الأول بقيام سلطته التمثيلية، ومدى توافر العلم لديه بتجاوز مزعوم لنطاق الوكالة، وما إذا كان سلوكه قد صدر في إطار اعتقاد مشروع بقيام الصفة والسلطة أم عن علم بتغيير الحقيقة.
ذلك أن المستندات الدالة على سبق استعمال ذات الوكالة في مباشرة تعديلات سابقة لا تمثل وقائع منفصلة عديمة الصلة بالدعوى، وإنما تكشف عن سياق تعامل سابق نشأ في ظل ذات سند الوكالة، وباشر فيه المتهم الأول أعمالاً متصلة بالشركة بذات صفته التمثيلية، بما يجعلها من العناصر الواقعية التي كان يتعين على المحكمة أن تعرض لها وتقدر دلالتها في تكوين عقيدتها بشأن حقيقة القصد الجنائي والظروف التي أحاطت بالتصرف محل الاتهام.
ولا يتمسك المتهم الأول بأن مجرد سبق استعمال الوكالة في معاملات سابقة يحسم بذاته النزاع حول صحة التصرف محل الاتهام أو يمنع قانوناً من بحث حدود الوكالة في كل تصرف على حدة، وإنما يتمسك بأن هذه الوقائع – ثابتة بمستندات قائمة بالأوراق – تحمل دلالة موضوعية على كيفية التعامل مع سند الوكالة قبل الواقعة محل الاتهام، وعلى الأساس الذي كان يستند إليه المتهم الأول في اعتقاده بقيام سلطته، ومن ثم فإنها تدخل بصورة مباشرة في تقدير مدى توافر العلم والقصد الجنائي.
ذلك أن القصد الجنائي في جريمة التزوير لا يفترض، ولا يستخلص بمجرد وقوع التصرف أو ترتب أثر قانوني عليه، وإنما يتعين استخلاصه من ظروف وملابسات موضوعية تكشف عن علم المتهم بحقيقة ما ينسب إليه وإرادته ارتكابه. فإذا كانت الأوراق تكشف عن أن المتهم الأول سبق له مباشرة تعديلات أخرى بذات التوكيل، وأن تلك التعاملات تمت في الإطار الرسمي المعتاد، فإن هذه الملابسات تصبح ذات دلالة في تقدير ما إذا كان المتهم الأول قد باشر التصرف محل الاتهام معتقداً بقيام سلطته أم كان يعلم أنها قد انحسرت أو لم تشمل التصرف الذي باشره.
ومن ثم، فإن إغفال هذه المستندات لا يكون مجرد إغفال لدليل فرعي، وإنما إغفال لعنصر دفاع جوهري من شأنه – لو صح وتم بحثه – أن يؤثر في تقدير الركن المعنوي للجريمة، وفي تحديد ما إذا كان لدى المتهم الأول العلم اللازم لتوافر القصد الجنائي من عدمه.
ويتعاظم أثر هذا الدفاع بالنظر إلى طبيعة سند الوكالة ذاته، إذ إن المتهم الأول لم يستند إلى تفويض مجهول المصدر أو إلى إذن شفهي غير قابل للتحقق، وإنما استند إلى توكيل رسمي قائم ومحدد، سبق استعماله في تعاملات وتعديلات سابقة، بما يوفر – في مجموع هذه الظروف – أساساً موضوعياً لاعتقاده بأن صفته التمثيلية وسلطته في مباشرة أعمال الشركة ما زالت قائمة في الحدود التي باشر فيها التصرف محل الاتهام.
ومن هنا تظهر أهمية ما اصطلح على تسميته بالمظهر الظاهر للوكالة، لا باعتباره بديلاً عن إثبات السلطة الأصلية أو قاعدة تلقائية تنشئ الوكالة من عدم، وإنما باعتباره عنصراً واقعياً في تقدير الحالة الذهنية للمتهم الأول ومدى معقولية اعتقاده بقيام صفته التمثيلية، متى كانت الوقائع الخارجية المحيطة بالتعامل قد أوجدت مظهراً موضوعياً يعزز هذا الاعتقاد.
فإذا كان المتهم الأول قد تعامل في السابق بذات التوكيل، وبذات الصفة، وباشر تعديلات سابقة في إطار تعامل رسمي، ولم يسبق أن واجه بما يفيد انحسار سلطته أو عدم امتداد الوكالة إلى هذا النوع من الأعمال، فإن هذه الوقائع تشكل – في مجموعها – ظرفاً موضوعياً لا يجوز تجاهله عند بحث ما إذا كان قد قصد تغيير الحقيقة أو كان يعتقد، على نحو جدي، أنه يباشر عملاً يدخل في نطاق سلطته.
وكان يتعين على الحكم، متى كانت هذه المستندات مطروحة عليه ومتمسكاً بدلالتها، أن يعرض لها عرضاً يكشف عن فحواها، وأن يبين موقفه منها، وأن يورد الأسباب التي دعته إلى عدم الاعتداد بدلالتها، خاصة إذا كان قد انتهى إلى نتيجة مناقضة لها، كأن يقرر أن المتهم الأول كان يعلم بعدم امتداد وكالته إلى التصرف محل الاتهام أو أنه تعمد مباشرة التصرف رغم علمه بانعدام سلطته.
أما أن يتجاهل الحكم هذه المستندات كليةً، ثم ينتهي إلى توافر القصد الجنائي أو إلى علم المتهم الأول بانعدام سلطته، فإنه يكون قد أقام النتيجة على صورة ناقصة للواقعة، ولم يكشف عن مصدر استخلاصه لعنصر العلم، ولا عن الأسباب التي حملته على استبعاد ظروف موضوعية يمكن أن تدل على عكس ما انتهى إليه.
ولا سيما أن المستندات السابقة لا تقف دلالتها عند علاقة المتهم الأول بالموكل، وإنما قد تكشف كذلك عن تعامل الجهات الرسمية مع استعمال التوكيل ذاته في معاملات سابقة، وهو ما يمثل عنصراً موضوعياً كان يتعين على الحكم أن يضعه في ميزان تقدير حسن النية ومصدر الاعتقاد بالسلطة، دون أن يعني ذلك أن الإجراءات الإدارية السابقة تحسم وحدها المسؤولية الجنائية أو تثبت صحة كل تصرف لاحق.
فإذا كانت الجهات المختصة قد سبق لها التعامل مع تعديلات أو إجراءات باشرها المتهم الأول بذات التوكيل، فإن ذلك – متى ثبت بالمستندات – يمثل واقعة خارجية مستقلة عن مجرد قول المتهم، ويمكن أن يكون لها أثر في تقدير مدى معقولية اعتقاده بقيام سلطته، وفي نفي افتراض العلم لديه بأن مباشرته للتصرف محل الاتهام كانت خروجاً عن نطاق الوكالة.
كما أن هذه المستندات تكتسب أهمية إضافية إذا كانت طبيعة التعديلات السابقة مماثلة أو متقاربة مع طبيعة التصرف محل الاتهام، إذ يصبح من المتعين على المحكمة أن تحدد الفارق الذي تراه بين تلك التصرفات وبين التصرف محل الاتهام، وأن تبين لماذا لا تمتد دلالتها إلى الواقعة الأخيرة، بدلاً من تجاهلها كليةً.
ولا يجوز للمحكمة، في مجال استخلاص القصد الجنائي، أن تأخذ من الواقعة نتيجتها النهائية فقط ثم تستخلص منها العلم والقصد، بينما تطرح الظروف السابقة التي تفسر سلوك المتهم وتكشف عن الأساس الذي قام عليه اعتقاده. فالقصد الجنائي حالة ذهنية لا تُرى بذاتها، وإنما تستخلص من القرائن والظروف المحيطة بالفعل، ومن ثم فإن كل واقعة موضوعية من شأنها أن تلقي ضوءاً على حقيقة علم المتهم وإرادته تصبح واجبة البحث متى كان الدفاع قد تمسك بها وكان من شأنها أن تغير وجه الرأي في الدعوى.
وإذا كان الحكم قد عوّل على أقوال أو استنتاجات مؤداها أن المتهم الأول لم تكن له سلطة في إجراء التعديل محل الاتهام، فقد كان يتعين عليه – فوق ذلك – أن يبين كيف يستقيم مع هذا الاستخلاص أن المتهم الأول سبق له استعمال ذات التوكيل في تعديلات سابقة، وأن يحدد ما إذا كانت هذه الوقائع ثابتة بالمستندات، وما إذا كانت قد تمت بعلم صاحبة الشأن أو في إطار الإجراءات الرسمية، وما أثر ذلك كله في تقدير علم المتهم الأول وحدود اعتقاده بسلطته.
فإغفال هذه المسائل يجعل أسباب الحكم غير كاشفة عن حقيقة الأساس الذي أقيم عليه القضاء، ولا تمكن من الوقوف على ما إذا كانت المحكمة قد واجهت الدفاع الجوهري وأدلتها، أم أنها تجاوزتها دون بحث، وهو ما يعيب الحكم بالقصور في التسبيب.
ويزداد الأمر وضوحاً في ضوء ما انتهت إليه مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، وأن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة. فهذه النتيجة الرسمية لا تنشئ بذاتها حقاً جديداً للمتهم الأول، لكنها تؤكد أن مسألة نطاق الوكالة كانت – على الأقل – مسألة لها سند رسمي موضوعي، ولم تكن مجرد اعتقاد شخصي مجرد من الأساس.
ومن ثم، فإن اجتماع سند الوكالة الرسمي، والتعاملات السابقة التي تمت بذات السند، والإجراءات الرسمية التي اتخذت بشأن تلك التعاملات، وما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق لاحقاً بشأن نطاق الوكالة، يمثل منظومة من الظروف الموضوعية التي كان يتعين على المحكمة أن تضعها في ميزانها عند تقدير القصد الجنائي وحقيقة اعتقاد المتهم الأول بسلطته.
ولا يغير من ذلك أن المحكمة تملك سلطة تقدير أدلة الدعوى، إذ إن هذه السلطة لا تعني إغفال دليل جوهري تمسك به الدفاع وكان من شأنه – لو صح – أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى. كما أن حرية المحكمة في وزن الأدلة لا تعفيها من بيان موقفها من المستندات الجوهرية ولا من الرد على الدفاع المؤثر الذي يقوم عليها، خصوصاً إذا كان هذا الدفاع متعلقاً بأحد أركان الجريمة ذاتها أو بالقصد الجنائي اللازم لقيامها.
ولما كانت المستندات الدالة على التعديلات السابقة بذات التوكيل قد طرحت على المحكمة، وكانت ذات صلة مباشرة بتفسير سلوك المتهم الأول وبالظروف الموضوعية التي أحاطت بالتصرف محل الاتهام، فإن إغفالها وعدم بيان سبب طرحها أو عدم الاعتداد بدلالتها، مع القضاء بتوافر العلم والقصد الجنائي، يكشف عن قصور جوهري في التسبيب، إذ لم تفصح المحكمة عن الأساس الذي أقامت عليه يقينها في شأن الحالة الذهنية للمتهم الأول.
ومن ثم، فإن الحكم المعارض فيه يكون قد حجب عن نفسه عنصراً دفاعياً جوهرياً من شأنه – لو فطن إليه ومحصه على وجهه الصحيح – أن يؤثر في تقدير مدى توافر القصد الجنائي، وفي تقدير حسن نية المتهم الأول، وفي مدى معقولية اعتقاده بقيام صفته التمثيلية، فضلاً عن دلالته على وجود مظهر واقعي للوكالة استند إليه المتهم في مباشرته للتصرف.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على قصور الحكم في التسبيب لإغفاله المستندات الجوهرية الدالة على سبق إجراء تعديلات بذات التوكيل، وعدم بيان سبب طرحها أو عدم الاعتداد بدلالتها في تقدير حسن النية وقيام المظهر الظاهر للوكالة، وما ترتب على ذلك من فساد في الاستدلال بشأن علم المتهم الأول بحدود سلطته وتوافر القصد الجنائي، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة وثمانية: الإخلال بحق الدفاع لإغفال تحقيق دفاع جوهري مؤداه أن التعاملات السابقة بذات التوكيل قد خلقت مركزاً ظاهراً ومستقراً حمل المتهم الأول على الاعتقاد المشروع باستمرار سلطات الوكيل
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد أخل بحقه في الدفاع، إذ أغفل تحقيق دفاع جوهري تمسك به، مؤداه أن التعاملات السابقة التي باشرها المتهم الأول بذات التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وما صاحبها من تعاملات وإجراءات رسمية، قد أوجدت – في مجموعها – مركزاً ظاهراً ومستقراً بشأن استمرار صفته التمثيلية ونطاق السلطات المستمدة من الوكالة، بما حمله على الاعتقاد، لأسباب موضوعية قائمة في الأوراق، بأنه لا يزال يباشر التصرفات محل الاتهام في إطار سلطة تمثيلية قائمة، وهو دفاع جوهري يتصل اتصالاً مباشراً بالقصد الجنائي وبمدى توافر العلم اللازم لإسناد جريمة التزوير إليه.
فالدفاع لم يكن مجرد قول عارض أو منازعة شكلية في دليل من أدلة الاتهام، وإنما تعلق بظرف واقعي وقانوني جوهري من شأنه أن يغير وجه الرأي في الدعوى، ذلك أن تحديد ما إذا كان المتهم الأول قد قصد تغيير الحقيقة مع علمه بعدم امتلاكه سلطة التوقيع لا يمكن أن يتم بمعزل عن الظروف الموضوعية التي أحاطت بسلوكه قبل الواقعة محل الاتهام، وفي مقدمتها سبق استعمال ذات التوكيل في تعاملات وتعديلات سابقة، وبقاء التعامل على أساسه، وعدم ثبوت ما يفيد انحسار سلطته أو علمه بزوالها قبل مباشرته التصرف محل الاتهام.
والمتهم الأول لا يتمسك بأن مجرد التعاملات السابقة تنشئ، بذاتها وبصورة آلية، وكالة جديدة أو تجيز قانوناً كل تصرف لاحق أياً كانت طبيعته، وإنما يتمسك بأن هذه التعاملات تمثل واقعة موضوعية كان يتعين على المحكمة تحقيقها والوقوف على حقيقتها، لما لها من دلالة مباشرة على الحالة الذهنية للمتهم الأول وقت ارتكاب الفعل المدعى به، وعلى مدى معقولية اعتقاده باستمرار سلطته التمثيلية.
ذلك أن القصد الجنائي في جريمة التزوير لا يُفترض افتراضاً، وإنما يستخلص من الوقائع والظروف المحيطة بالفعل. فإذا كان المتهم الأول قد وجد أمامه توكيلاً رسمياً قائماً، وسبق أن باشر بموجبه تعديلات ومعاملات متصلة بالشركة، وتم التعامل مع تلك التصرفات في إطار رسمي، ولم يثبت بالأوراق أنه أُخطر قبل الواقعة محل الاتهام بانتهاء سلطته أو تضييق نطاقها، فإن هذه الملابسات تمثل أساساً موضوعياً مهماً في بحث ما إذا كان قد تصرف وهو يعلم أنه تجاوز حدود سلطته أم كان يعتقد، على نحو جدي ومشروع، أن سلطته ما زالت قائمة.
وكان لزاماً على المحكمة، متى تمسك الدفاع بهذا المعنى، أن تحقق عناصره الواقعية، وأن تستظهر طبيعة التعاملات السابقة، وتواريخها، وما إذا كانت قد تمت بذات التوكيل، وصفة المتهم الأول فيها، وطبيعة الأعمال التي باشرها بموجبه، وما إذا كانت تلك الأعمال قد اتصلت بعقود تعديل الشركة أو بإجراءات تتعلق بحصص الشركاء، وكيف تعاملت الجهات المختصة معها، وما إذا كان قد سبق أن اعترض أحد على مباشرة المتهم الأول لهذه الأعمال أو أخطره بانتهاء أو تضييق سلطته.
فهذه العناصر مجتمعة هي التي تكشف عن حقيقة المركز الظاهر الذي يستند إليه الدفاع، وهي التي تمكن المحكمة من تقدير ما إذا كان اعتقاد المتهم الأول باستمرار سلطته مجرد قول لاحق أُنشئ للدفاع، أم أنه كان اعتقاداً له أسباب موضوعية سابقة ومستقلة عن الاتهام، تؤيده سلسلة من التعاملات السابقة ذات الصلة المباشرة بالوكالة.
وإذا ثبت أن المتهم الأول قد سبق له مباشرة تعديلات أو معاملات بذات التوكيل، وأن هذه الأعمال تمت في الإطار الرسمي المعتاد، فإن ذلك لا يعني بالضرورة حسم النزاع المدني حول مدى السلطة في كل تصرف، لكنه يصبح واقعة جوهرية في تقدير الجانب الجنائي من الواقعة، إذ يكشف عن البيئة الواقعية التي تصرف فيها المتهم الأول وعن الأساس الذي استند إليه في اعتقاده بقيام سلطته، ويحول دون افتراض علمه بانعدامها لمجرد أن جهة الاتهام انتهت لاحقاً إلى تفسير مختلف لنطاق الوكالة.
ومن ثم، فإن إغفال هذا الدفاع دون تحقيق عناصره لا يعد مجرد إغفال لواقعة ثانوية، وإنما يمثل مصادرة لدفاع من شأنه – لو ثبت – أن ينال من أحد أهم عناصر الإسناد الجنائي، وهو العلم بأن التصرف يتم بغير سلطة، وما يترتب على ذلك من أثر في القصد الجنائي لجريمة التزوير.
ويتعين التمييز في هذا المقام بين أمرين: أولهما مدى صحة أو نفاذ التصرف من الناحية المدنية، وثانيهما الحالة الذهنية للمتهم الأول وقت مباشرته التصرف من الناحية الجنائية. فقد يثور خلاف مدني حول مدى انطباق الوكالة على تصرف معين، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن الوكيل كان يعلم بانعدام سلطته أو قصد تغيير الحقيقة. ولذلك فإن الوقائع التي أوجدت لدى المتهم اعتقاداً موضوعياً باستمرار سلطته تظل ذات قيمة مباشرة في المجال الجنائي، ولو انتهى القضاء المدني – على فرض عرضه عليه – إلى نتيجة مختلفة في شأن الأثر النهائي للتصرف.
وفي هذا الإطار تبرز أهمية ما استقر عليه التعامل السابق بذات سند الوكالة؛ إذ إن استمرار استعمال التوكيل في معاملات متعاقبة، وسبق قبول التعامل به، واتخاذ الإجراءات الرسمية بشأن التصرفات التي باشرها المتهم الأول بموجبه، كلها وقائع كان يتعين على المحكمة الوقوف عليها للتحقق من مدى تكوّن مركز ظاهر ومستقر بالنسبة إليه، ومدى تأثير هذا المركز في اعتقاده وقت مباشرته للتصرف محل الاتهام.
ويؤكد جوهرية هذا الدفاع أن الأوراق تتضمن كذلك مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي انتهت – بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة لا يُستند إليها باعتبارها حكماً قضائياً منشئاً لسلطة المتهم الأول، وإنما باعتبارها مستنداً رسمياً جوهرياً يؤيد أن الاعتقاد بامتداد سلطة الوكالة إلى عقود تعديل الشركات لم يكن اعتقاداً مجرداً من الأساس، وإنما له سند موضوعي متصل بمضمون الوكالة نفسها، وهو ما يجعل تحقيق التعاملات السابقة بذات التوكيل أكثر إلحاحاً عند تقدير حقيقة الحالة الذهنية للمتهم الأول.
وكان يتعين على المحكمة، والحال كذلك، أن تبحث ما إذا كانت هذه التعاملات السابقة قد أسهمت في تكوين مظهر خارجي جدي ومستقر للوكالة، وأن تستظهر ما إذا كان المتهم الأول قد استند إليه فعلاً عند مباشرته التصرف محل الاتهام، وأن تتحقق من صلته بالجهات التي تعاملت معه وبصاحبة الشأن، وما إذا كانت ثمة وقائع سابقة من شأنها أن تنفي أو تؤيد اعتقاده باستمرار السلطة.
أما إغفال هذا التحقيق والاكتفاء بافتراض أن المتهم الأول كان يعلم بعدم امتداد سلطته، فإنه يجعل الحكم قد استخلص العلم والقصد من النتيجة محل الاتهام دون أن يفحص الظروف التي سبقت الفعل والتي قد تنفي هذا العلم أو تثير بشأنه شكاً جدياً.
ولا يغير من ذلك أن المحكمة الجنائية تملك تقدير أدلة الدعوى، إذ إن هذه السلطة لا تعفيها من تحقيق الدفاع الجوهري الذي يطلب المتهم تحقيقه متى كان من شأنه – لو صح – أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى. فالدفاع الجوهري الذي يقوم على وقائع محددة ومستندات قائمة لا يجوز طرحه بعبارة عامة أو تجاوزه دون تمحيص، ولا سيما إذا كان متعلقاً بالقصد الجنائي وبحقيقة اعتقاد المتهم وقت ارتكاب الفعل.
كما أن التحقيق المطلوب لم يكن تحقيقاً نظرياً أو استطراداً لا أثر له، وإنما كان تحقيقاً منتجاً بطبيعته؛ إذ إن إثبات سبق استعمال التوكيل في معاملات مماثلة، وبيان كيفية تعامل الجهات الرسمية والأطراف مع تلك المعاملات، يمكن أن يكشف عن أساس موضوعي للاعتقاد بقيام السلطة، ومن ثم يؤثر مباشرة في تقدير مدى توافر العلم بانعدامها والقصد الجنائي اللازم لجريمة التزوير.
ومن ثم، فإن الحكم إذ أغفل هذا الدفاع ولم يحقق مستنداته أو يستظهر دلالتها، ولم يبين سبب عدم الاعتداد بها في تقدير حسن نية المتهم الأول واعتقاده بقيام سلطته، يكون قد حجب عن نفسه بحث واقعة جوهرية كان من شأنها – لو صحت – أن تغير وجه الرأي في الدعوى، وأقام قضاءه على صورة مبتورة للواقعة لا تستوعب جميع ظروفها وملابساتها.
ولا سيما أن التعاملات السابقة ليست مجرد وقائع زمنية منفصلة، وإنما تتصل بذات سند الوكالة الذي استند إليه المتهم الأول في التصرف محل الاتهام، ومن ثم فإن لها دلالة خاصة في تحديد كيفية فهم نطاق الوكالة وممارستها قبل الواقعة محل المحاكمة، وفي الكشف عن الأساس الذي قام عليه اعتقاد المتهم الأول باستمرار سلطته.
وإذا كان الحكم قد انتهى إلى توافر العلم لدى المتهم الأول بانعدام سلطته، فقد كان يتعين عليه أن يبين كيف استخلص هذا العلم رغم وجود تلك التعاملات السابقة، وما الذي طرأ بين تلك التعاملات وبين الواقعة محل الاتهام مما كان من شأنه أن ينبه المتهم الأول إلى زوال سلطته أو انحسارها، وهل كان قد أُخطر بذلك قبل مباشرته التصرف أم لا، وما هو الدليل على علمه بذلك تحديداً.
فإذا خلت أسباب الحكم من هذا البيان، ولم تواجه المحكمة جوهر الدفاع ولم تحقق المستندات التي يقوم عليها، فإن استخلاصها للقصد الجنائي يكون قد جاء مبتسراً، ولا يكشف عن أنها أحاطت بكافة عناصر الدعوى وأدلتها إحاطة تمكنها من الوصول إلى النتيجة التي انتهت إليها.
ويتمسك المتهم الأول بأن المركز الظاهر الذي نشأ عن التعاملات السابقة – متى ثبتت عناصره ووقائعه – لا يُطرح هنا باعتباره قاعدة آلية للحكم بصحة التصرف محل الاتهام، وإنما باعتباره ظرفاً موضوعياً ذا دلالة مباشرة على حسن نيته وعلى مدى معقولية اعتقاده باستمرار سلطته، وهو ما كان يتعين تحقيقه قبل استخلاص العلم والقصد الجنائي في حقه.
وعليه، فإن إغفال الحكم المعارض فيه لهذا الدفاع الجوهري، وعدم تحقيق التعاملات السابقة بذات التوكيل، وعدم فحص المستندات المؤيدة لها، وعدم بيان سبب طرحها أو عدم الاعتداد بدلالتها في تكوين اعتقاد المتهم الأول باستمرار سلطته التمثيلية، يمثل إخلالاً بحق الدفاع وقصوراً في التسبيب وفساداً في الاستدلال، إذ حال دون بحث عنصر جوهري من عناصر الدعوى كان من شأن ثبوته أن يؤثر في تقدير الركن المعنوي للجريمة وفي سلامة الإسناد الجنائي برمته.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على الإخلال بحقه في الدفاع لعدم تحقيق دفاع جوهري مؤداه قيام مركز ظاهر ومستقر للوكالة نتيجة التعاملات السابقة بذات التوكيل، وما ترتب على ذلك من اعتقاد مشروع بقيام السلطة التمثيلية وانتفاء الدليل اليقيني على علم المتهم الأول بانعدامها، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة وتسعة : القصور المبطل في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، لعدم بحث المحكمة مدى توافر عناصر الوكالة الظاهرة، من حيث صدور المظهر من الأصيل أو مساهمته فيه، وسابقة هذا المظهر على التصرف، وحسن نية المتعامل، ومبررات الاعتقاد بقيام الوكالة، وأثر ذلك جميعاً في انتفاء العلم بعدم السلطة والقصد الجنائي
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه القصور المبطل في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، إذ لم يتناول بالبحث والتمحيص مسألة جوهرية أثارها الدفاع وتتصل اتصالاً مباشراً بحقيقة موقف المتهم الأول وقت مباشرة التصرف محل الاتهام، وهي مدى توافر مظاهر قانونية وواقعية من شأنها أن تبرر الاعتقاد بقيام سلطة النيابة واستمرارها، وما إذا كانت هذه المظاهر قد صدرت من الأصيل أو ساهم في إنشائها أو إبقائها، وما إذا كانت سابقة على التصرف محل الاتهام، وما إذا كان المتعامل قد باشر التصرف في ظلها وبحسن نية، وما هي الأسباب الموضوعية التي كان من شأنها حمله على الاعتقاد بقيام الوكالة وسريانها.
ذلك أن بحث هذه العناصر لم يكن أمراً هامشياً أو زائداً عن حاجة الفصل في الدعوى، وإنما يتصل مباشرة بالظروف التي أحاطت بمباشرة المتهم الأول للتوقيع، وبمدى إمكانية استخلاص علمه بانعدام سلطته أو تجاوزه لها، وهي مسألة لا يجوز فصلها عن سند الوكالة الرسمي القائم بالأوراق وعن الطريقة التي تم بها التصرف أمام الجهات المختصة.
والثابت أن الواقعة محل الاتهام لم تقع في الخفاء أو في إطار تصرف مجهول المصدر، وإنما تمت في سياق رسمي، وبموجب توكيل رسمي سابق على التصرف، وبمباشرة المتهم الأول للتوقيع معلناً عن صفته كوكيل، مع تقديم سند الوكالة إلى الجهة المختصة، واتخاذ الإجراءات الرسمية المتعلقة بتعديل عقد الشركة. وهذه الظروف مجتمعة تشكل مظهراً خارجياً جدياً لقيام السلطة التمثيلية، فضلاً عن أن سند الوكالة ذاته كان محرراً رسمياً قائماً وقت مباشرة التصرف.
ومن ثم، كان يتعين على المحكمة – متى طرح الدفاع مسألة الوكالة الظاهرة ومظاهر السلطة التمثيلية التي أحاطت بالتصرف – أن تبحث عناصرها الواقعية والقانونية بحثاً جدياً، وعلى الأخص: هل كان ثمة مظهر سابق على التصرف يفيد قيام الوكالة؟ وهل كان مصدر هذا المظهر الأصيل ذاته أو ساهم في إحداثه أو استمراره؟ وهل كان هذا المظهر قائماً وقت مباشرة التصرف؟ وهل كان من شأن الظروف المحيطة بالواقعة أن تبرر اعتقاد المتعامل بقيام الوكالة؟ وهل كان هذا الاعتقاد قائماً على أسباب موضوعية معقولة، أم كان مجرد افتراض لا سند له؟
ولا يكفي في هذا المقام أن تنتهي المحكمة إلى أن صاحبة الشأن قد نازعت لاحقاً في التصرف أو أن التوكيل قد أُلغي بعد مباشرته، لأن هذه الوقائع اللاحقة لا تجيب بذاتها عن السؤال الجوهري المتعلق بحالة التصرف وقت وقوعه، ولا تكشف وحدها عن حقيقة اعتقاد المتهم الأول بسلطته في اللحظة التي باشر فيها التوقيع.
كما أن إلغاء التوكيل في تاريخ لاحق على مباشرة التصرف لا يمحو المظهر السابق الذي كان قائماً وقت التوقيع، ولا يصلح بذاته دليلاً على أن المتهم الأول كان يعلم وقت التصرف بانعدام سلطته. بل إن ثبوت قيام التوكيل وعدم إلغائه إلا بعد التوقيع يمثل واقعة زمنية جوهرية كان يتعين على المحكمة أن تضعها في ميزان تقديرها، لا أن تتجاوزها دون بيان أثرها في استخلاص القصد الجنائي.
ويزداد الأمر وضوحاً في الدعوى الماثلة، إذ إن المتهم الأول لم يدعِ لنفسه سلطة مجهولة المصدر، وإنما استند إلى توكيل رسمي محدد، صادر قبل الواقعة بسنوات، ومبين فيه نطاق النيابة، وقد ثبت رسمياً – وفقاً لما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 – أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، وأن إلغاء التوكيل تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه الوقائع لا تنشئ بالضرورة، بمجردها، نظرية الوكالة الظاهرة في صورتها المدنية الكاملة، إلا أنها تشكل – في المجال الجنائي – ظروفاً موضوعية شديدة الصلة بتحديد ما إذا كان المتهم الأول قد باشر التصرف وهو عالم بانعدام سلطته، أم كان لديه من الأسباب والمظاهر والمستندات الرسمية ما يجعله معتقداً اعتقاداً جدياً بقيام سلطته في مباشرة التصرف.
ومن هنا فإن إغفال المحكمة بحث الوكالة الظاهرة ومظاهرها لا ينصرف أثره إلى مجرد مسألة مدنية منفصلة عن الدعوى الجنائية، وإنما يمتد إلى تقدير الحالة الذهنية للمتهم الأول ومدى توافر العلم اللازم لاستخلاص القصد الجنائي، إذ لا يستقيم عقلاً أن يُستخلص علم المتهم بانعدام سلطته بمعزل عن سند الوكالة الرسمي القائم، وعن المظهر الخارجي للنيابة، وعن استمرار الوكالة حتى تاريخ التصرف، وعن الإجراءات الرسمية التي تمت في ظلها.
وكان يتعين على الحكم، إذا كان قد طرح هذا الدفاع، أن يبين أسباب طرحه، وأن يواجه عناصره الجوهرية، وأن يحدد موقفه من كل واقعة مؤثرة فيه، لا أن يكتفي بمجرد القول بعدم وجود وكالة أو بعدم امتدادها إلى التصرف محل الاتهام دون أن يناقش الأساس الذي كان من شأنه أن يحمل المتهم الأول على الاعتقاد بقيام سلطته، ولا سيما مع وجود سند رسمي لم يُدَّعَ أنه كان ملغى وقت التوقيع.
فإذا كان الحكم قد استند إلى أقوال لاحقة أو إلى منازعة صاحبة الشأن في التصرف، دون أن يبحث ما إذا كانت قد ساهمت قبل التصرف في خلق مظهر السلطة أو الإبقاء عليه، ودون أن يبحث تاريخ نشوء هذا المظهر بالنسبة إلى تاريخ التصرف، ودون أن يستظهر الظروف التي أحاطت بتعامل المتهم الأول والجهة التي تم أمامها التعديل، فإنه يكون قد أغفل بحث عناصر واقعية وقانونية جوهرية كان من شأنها – لو صحت – أن تغير وجه الرأي في الدعوى.
ولا ينال من ذلك أن الوكالة الظاهرة ليست بذاتها دليلاً قاطعاً على انتفاء المسؤولية الجنائية، إذ إن الدفاع لا يتخذ منها سنداً وحيداً للبراءة، وإنما يتمسك بأن المحكمة كان عليها أن تبحثها باعتبارها عنصراً من عناصر الصورة الواقعية الكاملة للواقعة، وباعتبارها قرينة محتملة على حسن الاعتقاد بقيام السلطة، وعنصراً مؤثراً في تقدير مدى توافر العلم والقصد الجنائي، خاصة مع قيام وكالة رسمية فعلية في الأصل.
كما أن حسن النية لا يفترض على نحو مجرد ولا يثبت بمجرد القول به، وإنما يستخلص من الظروف الموضوعية المحيطة بالفعل. وفي الدعوى الماثلة، فإن وجود سند وكالة رسمي، وعدم ثبوت إلغائه قبل التصرف، وإفصاح المتهم الأول عن صفته كوكيل، وتقديم سند الوكالة إلى الجهة المختصة، وسير التصرف في مجراه الرسمي، ثم ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق لاحقاً بشأن نطاق الوكالة، كلها وقائع كان يتعين على المحكمة أن تضعها مجتمعة في ميزان تقديرها عند بحث علم المتهم الأول بحدود سلطته.
وكان يتعين كذلك بحث ما إذا كان الأصيل قد اتخذ قبل التصرف أي إجراء ظاهر من شأنه نفي سلطة المتهم الأول أو إعلامه بانتهائها أو تقييدها، أو ما إذا كان قد أبقى على المظهر الخارجي للوكالة قائماً حتى تاريخ التصرف. فهذه الوقائع – إن وجدت – تتصل اتصالاً مباشراً بتحديد مدى إمكانية القول بأن المتهم الأول كان يعلم بانعدام سلطته أو كان يتصرف معتقداً قيامها.
وإذ لم يستظهر الحكم هذه العناصر ولم يحدد موقفه منها، فإنه يكون قد حجب نفسه عن بحث أحد المسارات الجوهرية التي كان يمكن أن تؤثر في استخلاص القصد الجنائي، وأقام النتيجة على تصور مبتسر للواقعة لا يستوعب جميع ظروفها السابقة والمعاصرة للتصرف، وإنما يستمدها أساساً من المنازعة اللاحقة في آثاره.
كما أن الحكم – إذا كان قد أخذ بأقوال بعض الشهود أو الموظفين باعتبارها دليلاً على عدم سلطة المتهم الأول – كان يتعين عليه أن يوازن بينها وبين المظهر الرسمي للوكالة القائم وقت التصرف، وأن يبين لماذا لا تكفي تلك المظاهر لتفسير سلوك المتهم الأول تفسيراً يتفق مع الاعتقاد المشروع بقيام سلطته، بدلاً من الانتقال مباشرة من القول بعدم صحة موقف الأصيل اللاحق إلى افتراض علم المتهم الأول منذ البداية بانعدام سلطته.
فثمة فارق جوهري بين ثبوت عدم موافقة الأصيل لاحقاً على التصرف، وبين ثبوت علم الوكيل وقت التصرف بأنه لا يملك السلطة اللازمة لمباشرته؛ كما أن ثبوت المنازعة في آثار التصرف لا يساوي ثبوت القصد الجنائي، ولا يغني عن المحكمة في استظهار الحالة الذهنية للمتهم من ظروف سابقة ومعاصرة للفعل.
ومن ثم، فإن عدم بحث المحكمة لتلك العناصر مجتمعة – صدور المظهر من الأصيل أو مساهمته فيه، وسابقة المظهر على التصرف، واستمراره وقت مباشرة التصرف، وحسن النية، والأسباب الموضوعية التي تبرر الاعتقاد بقيام الوكالة، فضلاً عن وجود سند وكالة رسمي فعلي – قد أدى إلى إغفال وقائع جوهرية كان من شأنها، لو محصتها المحكمة على وجهها الصحيح، أن تغير وجه الرأي في الدعوى، ولا سيما في شأن العلم بانعدام السلطة والقصد الجنائي.
ولا يكفي لدفع هذا القصور أن يكون الحكم قد أورد بعض هذه الوقائع عرضاً دون أن يستخلص منها أثرها القانوني، لأن مجرد سرد عناصر الدفاع لا يغني عن تمحيصها والرد عليها متى كانت جوهرية ومؤثرة في النتيجة. وإنما يتعين أن يكشف الحكم عن أنه فحصها ووازن بينها وبين أدلة الاتهام، وانتهى بأسباب سائغة إلى النتيجة التي أخذ بها.
وإذ كان الحكم المعارض فيه قد أغفل هذا البحث الجوهري، ولم يستظهر على نحو كافٍ مدى قيام المظهر السابق للوكالة، ومصدره، واستمراره، ومبررات الاعتقاد بقيام السلطة، ومدى اتصال ذلك كله بعلم المتهم الأول وبقصده عند مباشرة التصرف، فإنه يكون قد عجز عن استظهار الصورة الكاملة للواقعة، وأقام قضاءه على استنتاج غير مكتمل العناصر، بما يعيبه بالقصور المبطل في التسبيب والفساد في الاستدلال والإخلال بحق الدفاع.
ومن ثم، فإن المتهم الأول يتمسك بأن هذا القصور لا يتعلق بمسألة فرعية أو ثانوية، وإنما ينصب على واقعة جوهرية في بناء التصوير الجنائي للواقعة وفي استظهار القصد الجنائي، الأمر الذي يتعين معه القضاء ببراءته مما أسند إليه، لعدم كفاية الأدلة على علمه بانعدام السلطة أو تجاوزه لها على نحو مؤثم جنائياً، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم اعتبار هذا الدفاع تنازلاً أو عدولاً عن أي منها.
الدفع المائة وعشرة : عدم جواز اعتبار الوقائع التي قام بها الوكيل منفرداً مظهراً صادراً عن الأصيل، مع ثبوت أن المظهر في الدعوى الماثلة يستند إلى تعاملات ومستندات رسمية سابقة مرتبطة بالأصيل وبذات الوكالة وبذات الشركة
يتمسك المتهم الأول بأن مجرد قيام الوكيل ببعض التصرفات أو الإجراءات من جانبه لا يجوز أن يُنسب إلى الأصيل باعتباره مظهراً صادراً عنه، متى كان هذا المظهر وليد فعل الوكيل وحده ولم يثبت أن الأصيل قد أنشأه أو ساهم في إنشائه أو أقره أو أبقاه قائماً على نحو يبرر للغير الاعتقاد بقيام السلطة. ذلك أن نسبة المظهر إلى الأصيل تقتضي – بحسب طبيعة الوكالة الظاهرة ومقتضيات حماية الغير حسن النية – وجود أساس موضوعي يمكن إسناده إلى الأصيل أو إلى ظروف خارجية لا يكون مصدرها مجرد ادعاء الوكيل لسلطة لا يملكها.
إلا أن هذه القاعدة لا تنطبق على الواقعة الماثلة بالصورة التي قد يحاول الاتهام تصويرها، ذلك أن المظهر الذي استند إليه المتهم الأول في مباشرة التصرف محل الاتهام لم ينشأ من واقعة التوقيع ذاتها، ولم يكن وليد فعل منفرد قام به المتهم الأول بقصد إيهام الغير بقيام سلطة غير موجودة، وإنما يستند – بحسب الثابت بالأوراق – إلى مركز قانوني ومظهَر سابقين على التصرف، قوامهما وجود توكيل رسمي صادر من الأصيل، وما ارتبط به من تعاملات ومستندات وإجراءات رسمية سابقة متصلة بذات الأصيل، وبذات الوكالة، وبذات الشركة.
فالثابت أن التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة قد صدر من صاحبة الشأن إلى المتهم الأول قبل الواقعة محل الاتهام بسنوات، وأنه تضمن سلطات صريحة في القيام نيابة عنها بالمسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عن التعامل مع الجهات الحكومية واتخاذ الإجراءات اللازمة في الحدود الواردة بسند الوكالة.
ومن ثم فإن وجود الوكالة لم يكن مظهراً ابتدعه المتهم الأول، ولم يكن مستنداً إلى محرر اصطنعه لنفسه، وإنما كان ثابتاً في محرر رسمي سابق على التصرف، صادر من صاحبة الشأن ذاتها، بما يجعل أصل المظهر التمثيلي سابقاً على تدخل المتهم الأول في التصرف محل الاتهام.
ولا يقف الأمر عند مجرد وجود سند الوكالة، وإنما يرتبط به – بحسب الثابت بالأوراق – عدد من التعاملات والإجراءات والمستندات الرسمية السابقة المتعلقة بذات العلاقة وبذات الشركة، وهو ما يقتضي من المحكمة، عند بحث مصدر المظهر ومدى نسبته إلى الأصيل، ألا تعزل واقعة التعديل محل الاتهام عن سياقها الزمني والقانوني السابق، وألا تنظر إلى التوقيع محل الاتهام باعتباره الواقعة الوحيدة التي أنشأت مظهر السلطة.
فإذا كان المظهر الخارجي لقيام النيابة قد سبق التصرف محل الاتهام، وكان قائماً على توكيل رسمي صادر عن الأصيل، وكان هذا التوكيل قد استُخدم في إطار التعاملات والإجراءات الرسمية المتعلقة بذات الشركة، فإن القول بأن المظهر لم يصدر إلا من الوكيل يكون قد أغفل المصدر الحقيقي للمظهر، وخلط بين إنشاء السلطة أو المظهر وبين استعمال سلطة قائمة بالفعل في إجراء لاحق.
ومن ثم، فإن مناط الدفاع ليس القول بأن كل ما يصدر عن الوكيل يمكن نسبته إلى الأصيل، فهذا قول لا يتمسك به المتهم الأول، وإنما يتمسك على العكس تماماً بضرورة التمييز بين حالتين مختلفتين: حالة يكون فيها الوكيل هو المصدر الوحيد للمظهر، فيدعي لنفسه سلطة لا أصل لها، وحالة يكون فيها المظهر قائماً قبل تدخل الوكيل ومستنداً إلى محرر رسمي صادر عن الأصيل وإلى تعاملات وإجراءات سابقة مرتبطة به وبالعلاقة محل التصرف.
والدعوى الماثلة – بحسب الثابت بأوراقها – تندرج في الحالة الثانية؛ إذ لم يبدأ المظهر بواقعة التعديل محل الاتهام، وإنما كان قائماً قبلها بسنوات بموجب سند وكالة رسمي صادر من صاحبة الشأن. ومن ثم لا يجوز تحميل المتهم الأول وحده مسؤولية إنشاء مظهر لم يكن هو منشئه أصلاً، ولا اعتبار مباشرته للتصرف اللاحق دليلاً على أن المظهر الذي استند إليه قد نشأ من فعله المنفرد.
ويؤكد ذلك أن المتهم الأول لم يخف صفته عند مباشرة التوقيع، وإنما وقع بصفته وكيلاً، بما يعني أن المظهر الذي قدمه للغير لم يكن مظهراً شخصياً مستتراً أو ادعاءً مجهول المصدر، وإنما كان مستنداً إلى مركز تمثيلي معلن وإلى سند وكالة رسمي قابل للفحص والتحقق لدى الجهة التي تم أمامها التصرف.
كما أن تقديم سند الوكالة إلى الجهة المختصة، وإجراء التصرف من خلال القنوات الرسمية، يمثلان – في سياق تقدير حسن الاعتقاد بقيام السلطة – ظروفاً تختلف جذرياً عن الحالة التي ينشئ فيها الوكيل مظهراً منفرداً ثم يحاول إسناده إلى الأصيل. فالمتعامل أو الجهة المختصة في الحالة الأولى لا تواجه مجرد قول صادر من الوكيل، وإنما تواجه محرراً رسمياً سابقاً يمكن الرجوع إليه والتحقق من مضمونه.
ومن ثم، كان يتعين على الحكم المعارض فيه، إذا أراد رفض دفاع المتهم الأول بشأن مصدر المظهر، أن يبين على وجه الدقة ما هي الواقعة التي يرى أن المتهم الأول أنشأ بها المظهر منفرداً، وما الذي يدل على أن هذا المظهر لم يكن قائماً قبل التصرف، وكيف يمكن اعتبار وجود التوكيل الرسمي ذاته مظهراً صادراً من الوكيل لا من الأصيل، وما أثر المستندات والتعاملات الرسمية السابقة المرتبطة بذات الشركة وذات الوكالة في تحديد مصدر هذا المظهر.
أما إطلاق القول بأن الوكيل لا يستطيع أن ينشئ لنفسه وكالة ظاهرة ثم ترتيب النتيجة على ذلك دون بحث أصل المظهر القائم فعلاً في الدعوى، فإنه لا يواجه دفاع المتهم الأول ولا ينال من أساسه؛ لأن الدفاع لا يستند إلى التصرف محل الاتهام باعتباره مصدر المظهر، وإنما يستند إلى الوقائع السابقة عليه، وفي مقدمتها صدور الوكالة الرسمية ذاتها واستمرارها وقت مباشرة التصرف.
ولا يجوز كذلك إغفال الفارق بين الوكالة الفعلية والوكالة الظاهرة في الدعوى الماثلة. فوجود سند وكالة رسمي فعلي قائم وقت التصرف يجعل البحث في الوكالة الظاهرة – على فرض لزومه – بحثاً احتياطياً في مدى المظهر الخارجي الذي أحاط بالتصرف ومدى تأثيره في الاعتقاد بقيام السلطة، وليس بحثاً في واقعة ادعى فيها المتهم الأول وجود وكالة لا سند لها أصلاً.
ومن ثم، حتى إذا افترض جدلاً أن المحكمة انتهت إلى أن بعض حدود السلطة الواردة في التوكيل محل خلاف في تفسيرها، فإن ذلك لا يبرر تلقائياً القول بأن المتهم الأول هو الذي أنشأ لنفسه مظهراً كاذباً للسلطة، طالما أن أصل الوكالة كان ثابتاً بمحرر رسمي صادر عن الأصيل، وكانت الوكالة قائمة وقت التصرف، وكانت هناك تعاملات ومستندات رسمية سابقة مرتبطة بذات العلاقة، وكان المتهم الأول يباشر التصرف معلناً صفته التمثيلية.
ويتعين في هذا السياق التمييز بين مدى السلطة الفعلية وبين مصدر المظهر الذي استند إليه المتعامل أو الوكيل في الاعتقاد بقيامها؛ فقد يثور خلاف حول التفسير الأدق لنطاق الوكالة، دون أن يعني ذلك أن المظهر الخارجي لقيامها قد أنشأه الوكيل منفرداً أو أنه كان عالماً بعدم وجود أي سلطة له.
وهذه التفرقة ذات أثر مباشر في المجال الجنائي، لأن السؤال المطروح ليس فقط ما إذا كان التصرف قد تجاوز – وفق تفسير معين – حدود السلطة المدنية، وإنما أيضاً ما إذا كان المتهم الأول قد علم وقت مباشرة التصرف بأنه يتصرف بغير سلطة، وما إذا كان قد قصد تغيير الحقيقة أو استعمال محرر مع علمه بتزويره. فإذا كان مصدر اعتقاده بقيام السلطة مستنداً إلى وكالة رسمية صادرة من الأصيل، وإلى تعاملات ومستندات رسمية سابقة، فإن هذه الظروف تعد عناصر موضوعية لا يجوز إهدارها عند استظهار القصد الجنائي.
ويضاف إلى ذلك أن مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 قد انتهت، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، وأن إلغاء التوكيل تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة. وهذه النتيجة الرسمية لا تنشئ المظهر من جديد، وإنما تؤيد أن سند المظهر الذي استند إليه المتهم الأول كان قائماً في الأصل ومستنداً إلى محرر رسمي صادر عن الأصيل.
ومن ثم، فإن إغفال الحكم لهذه السلسلة المتصلة من الوقائع السابقة، والاكتفاء بالنظر إلى واقعة التوقيع ذاتها باعتبارها مصدر المظهر، يؤدي إلى تجزئة غير سائغة للواقعة، ويحجب عن المحكمة حقيقة الظروف التي أحاطت بتصرف المتهم الأول، ولا سيما أن تقدير حسن الاعتقاد بقيام السلطة لا يكون بالنظر إلى لحظة التوقيع مجردة عن كل ما سبقها، وإنما في ضوء المركز الظاهر الذي كان قائماً آنذاك ومصدره والمستندات التي كانت تؤيده.
كما أن توافر المظهر السابق على التصرف مسألة جوهرية في حد ذاتها؛ إذ لا يستقيم منطقاً أن يستخلص من واقعة لاحقة على وجود الوكالة أن الوكيل هو الذي أنشأ المظهر، بينما كان سند الوكالة ذاته قائماً قبل التصرف بسنوات. وكان يتعين على المحكمة أن تحدد تاريخ نشوء المظهر، ومصدره، والوقائع التي أبقته قائماً حتى تاريخ التصرف، ثم تبين مدى صلة المتهم الأول بكل منها.
فإذا كان الحكم قد افترض أن كل ما استند إليه المتهم الأول من مظاهر سلطة قد نشأ من فعله الشخصي، دون أن يفحص التوكيل الرسمي السابق والتعاملات والمستندات الرسمية المرتبطة بالأصيل وبذات الشركة، فإنه يكون قد أقام النتيجة على افتراض يخالف الثابت بالأوراق، وخلط بين استعمال المظهر القائم وبين إنشائه، بما يعيبه بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال.
والحاصل أن المتهم الأول لا يتمسك بأن مجرد قيام وكالة ظاهرة يعفيه تلقائياً من المسؤولية الجنائية، وإنما يتمسك بأن مصدر المظهر في الواقعة الماثلة سابق على التصرف، ومستند إلى الأصيل ومحررات رسمية صادرة عنه، وأن هذه الحقيقة كان يتعين بحثها باعتبارها من الظروف الموضوعية الكاشفة عن حقيقة اعتقاد المتهم الأول بسلطته وقت مباشرة التصرف، وعن مدى إمكان استخلاص العلم بانعدامها أو القصد الجنائي من جانبه.
ومن ثم، فإن اعتبار الحكم أن المظهر الذي استند إليه المتهم الأول قد نشأ من فعله المنفرد، دون أن يبحث مصدر المظهر السابق المتمثل في التوكيل الرسمي والتعاملات والمستندات الرسمية المرتبطة بالأصيل وبذات الشركة وبذات الوكالة، يكون قد أقام قضاءه على تصوير غير مكتمل للواقعة، وأغفل دفاعاً جوهرياً من شأنه – لو صح وتم بحثه على وجهه الصحيح – أن يؤثر في تقدير العلم والقصد الجنائي.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، مع استبعاد أي استدلال يقوم على نسبة المظهر إلى فعله المنفرد، متى كان الثابت بالأوراق أن أصل المظهر سابق عليه ومستند إلى وكالة رسمية صادرة من الأصيل وإلى تعاملات ومستندات رسمية سابقة مرتبطة بذات الوكالة وذات الشركة، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة واحدي عشر: وجوب التفرقة بين الوكالة الحقيقية والوكالة الظاهرة، وعدم اشتراط قيام وكالة حقيقية نافذة في مواجهة الأصيل حتى يستفيد الغير حسن النية من الحماية القانونية للمظهر الظاهر متى توافرت شروطه
يتمسك المتهم الأول بوجوب التفرقة الدقيقة بين الوكالة الحقيقية، باعتبارها مصدر السلطة المستمدة مباشرة من إرادة الأصيل، وبين الوكالة الظاهرة، باعتبارها حالة قانونية يستند فيها الغير حسن النية إلى مظهر خارجي جدي ومشروع من شأنه أن يحمل الشخص المعتاد على الاعتقاد بقيام سلطة النيابة، متى كان هذا المظهر قد صدر أو نشأ في ظروف يمكن نسبتها إلى الأصيل أو إلى البيئة القانونية التي أحاطت بالتصرف، وتوافرت في الغير حسن النية الشروط التي تبرر حمايته.
ذلك أن الخلط بين المفهومين يؤدي إلى نتيجة غير صحيحة مؤداها أن حماية الغير لا يمكن أن تقوم إلا إذا كانت الوكالة الحقيقية قائمة وصحيحة ونافذة في مواجهة الأصيل بكافة آثارها، في حين أن مناط نظرية الوكالة الظاهرة – متى توافرت شروطها – يقوم تحديداً على حماية الثقة المشروعة التي نشأت لدى الغير من مظهر خارجي للسلطة، ولو ثار بعد ذلك نزاع حول قيام الوكالة الحقيقية أو نطاقها أو استمرارها.
والوكالة الظاهرة بهذا المعنى لا تعني افتراض وجود وكالة حقيقية لم تكن موجودة، ولا تعني إنشاء سلطة تعاقدية من العدم، وإنما تتعلق بأثر المظهر الخارجي للسلطة في مواجهة الغير حسن النية الذي تعامل اعتماداً على هذا المظهر، بحيث لا يجوز – متى استجمعت النظرية شروطها – تحميل ذلك الغير نتائج خفية لم يكن في مقدوره العلم بها، متى كان قد بذل عناية الشخص المعتاد ولم يكن يعلم بحقيقة الوضع المخالف للمظهر.
وتزداد أهمية هذه التفرقة في الدعوى الماثلة، لأن الدفاع لا يتمسك بالوكالة الظاهرة لإهدار سند الوكالة الحقيقي الثابت بالأوراق، وإنما يتمسك بها – وعلى سبيل الاحتياط الجدلي – لإبراز أن موقف المتهم الأول، حتى مع افتراض المنازعة في مدى امتداد الوكالة أو استمرارها أو في بعض آثار التصرف، كان قائماً على مظهر قانوني جدي ومشروع يؤيد اعتقاده بقيام سلطته في مباشرة التصرف، الأمر الذي ينعكس مباشرة على تقدير القصد الجنائي ومدى توافر العلم بتغيير الحقيقة.
فإذا كان المتهم الأول قد استند إلى توكيل رسمي قائم، وكان هذا التوكيل يتضمن سلطات متصلة بإنشاء وتأسيس الشركات والتوقيع على عقود تعديل الشركات، وكان قد باشر التصرف معلناً صفته كوكيل، ثم جرى التعامل مع المحرر واتخاذ الإجراءات الرسمية بشأنه أمام الجهات المختصة، فإن هذه الوقائع بمجملها تشكل – على الأقل – مظهراً جدياً للسلطة لا يجوز تجاهله عند بحث الحالة الذهنية للمتهم الأول ومدى اعتقاده المشروع بقيام صفته التمثيلية.
ولا يغير من ذلك ما قد يثار لاحقاً من منازعة في مدى السلطة أو تفسير نطاقها، إذ إن وجود خلاف لاحق حول التكييف القانوني للسلطة لا يساوي بذاته ثبوت علم المتهم وقت مباشرة التصرف بانعدامها، ولا يكفي بمجرده لإثبات أنه كان يعلم أنه يغير الحقيقة أو أنه تعمد استعمال محرر يعلم بتزويره.
ومن ثم، فإن الفارق بين الوكالة الحقيقية والوكالة الظاهرة ليس فارقاً نظرياً مجرداً، وإنما له أثر مباشر في تقدير السلوك المنسوب إلى المتهم الأول. فالوكالة الحقيقية تبحث في مصدر السلطة ونطاقها ومدى نفاذها، بينما تبحث الوكالة الظاهرة في أثر المظهر الخارجي للسلطة على الغير حسن النية ومدى مشروعية اعتماده عليه. وقد تجتمع الصورتان في واقعة واحدة، وقد تثبت الوكالة الحقيقية دون حاجة إلى نظرية الوكالة الظاهرة، وقد يثور النزاع حول الوكالة الحقيقية بينما يكون المظهر الخارجي للسلطة قائماً بصورة تبرر حماية الغير حسن النية.
والقول بغير ذلك يؤدي إلى تحميل الغير حسن النية عبء التحقق من وقائع داخلية أو علاقات خفية بين الأصيل والنائب لا تكون متاحة له، وهو ما يتعارض مع الغاية التي تقوم عليها حماية المظهر الظاهر متى كان المظهر جدياً، وكان الاعتماد عليه مشروعاً، وكان الغير حسن النية ولم يكن في مقدوره – وفقاً للظروف العادية – اكتشاف الحقيقة المخالفة.
ولا يعني ذلك أن مجرد الادعاء بوجود وكالة ظاهرية يكفي وحده لقيام الحماية، إذ يلزم بحث عناصرها في كل واقعة على حدة، وفي مقدمتها وجود مظهر خارجي من شأنه إحداث الاعتقاد بقيام السلطة، وإسناد هذا المظهر إلى من كان من شأنه أن يتحمل تبعة ظهوره، وقيام اعتماد الغير عليه، وتوافر حسن النية، وانتفاء العلم بحقيقة الوضع، وانتفاء التقصير الجسيم في التحقق من حدود السلطة متى كان التحقق لازماً بحسب طبيعة المعاملة وظروفها.
وهذه الشروط – عند بحثها في الدعوى الماثلة – تكشف على الأقل عن استحالة استخلاص القصد الجنائي من مجرد القول بأن سلطة المتهم الأول كانت محل منازعة، إذ إن وجود سند وكالة رسمي قائم وقت التصرف، وإعلان المتهم عن صفته كوكيل، واتخاذ الإجراءات الرسمية بشأن التصرف، وما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 من أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء، كلها عناصر موضوعية تؤيد قيام مظهر جدي للسلطة وتتناقض مع افتراض علم المتهم الأول ابتداءً بانعدام سلطته أو عدم مشروعية توقيعه.
بل إن الأمر في الواقعة محل الاتهام يتجاوز – بحسب الثابت بالأوراق – مجرد مظهر وكالة ظاهرة؛ ذلك أن هناك سند وكالة رسمي قائماً بالفعل وقت مباشرة التصرف، وهو ما يجعل التمسك بنظرية الوكالة الظاهرة دفاعاً احتياطياً لتأكيد أن المتهم الأول كان يستند إلى مظهر قانوني وواقعي جدي في اعتقاده بقيام سلطته، لا بديلاً عن الوكالة الحقيقية الثابتة بالمحرر الرسمي.
ومن ثم، فإذا كانت الوكالة الحقيقية محل منازعة في بعض حدودها – على فرض ذلك – فإن مجرد هذا النزاع لا يؤدي تلقائياً إلى ثبوت القصد الجنائي لجريمة التزوير، وإنما يتعين بحث الظروف التي أحاطت بالتصرف، وما إذا كان المتهم الأول قد تصرف معتقداً بصورة جدية ومشروعة أنه يباشر عملاً يدخل في نطاق سلطته، أم كان يعلم يقيناً بانعدام سلطته ومع ذلك تعمد تغيير الحقيقة.
وهنا تظهر أهمية الوكالة الظاهرة كعنصر استدلالي في نفي القصد الجنائي؛ فإذا كان المظهر الخارجي للسلطة من القوة والوضوح بحيث يبرر اعتقاد الغير حسن النية بقيامها، فإن استخلاص علم المتهم نفسه بانعدام السلطة يحتاج إلى دليل مستقل لا يجوز افتراضه من مجرد المنازعة اللاحقة في نطاق الوكالة.
ولا يجوز كذلك الخلط بين أثر الوكالة الظاهرة في العلاقات المدنية وبين أثرها في المسؤولية الجنائية؛ فالدفاع لا يقول إن مجرد توافر الوكالة الظاهرة يؤدي حتماً إلى انتفاء الجريمة، وإنما يتمسك بأن قيام مظهر جدي للسلطة، مقروناً بحسن النية والاعتماد المشروع عليه، يمثل ظرفاً موضوعياً جوهرياً يتعين بحثه عند استظهار القصد الجنائي، ولا سيما عندما تكون الجريمة المسندة هي التزوير، التي لا يكفي فيها مجرد وقوع التصرف، بل يلزم إثبات العلم بحقيقة التغيير والإرادة المتجهة إلى استعمال المحرر على هذا الأساس.
وعلى ذلك، فإن القول بأن انتفاء الوكالة الحقيقية – على فرض ثبوته – يهدم بالضرورة كل حماية يمكن أن تنشأ من المظهر الظاهر للسلطة، قول يخلط بين مصدر السلطة وبين أثر المظهر الخارجي لها في حماية الغير حسن النية. كما أن القول بأن وجود مظهر ظاهري للوكالة يثبت حتماً صحة التصرف أو ينفي المسؤولية الجنائية قول آخر لا يستقيم؛ فلكل مسألة نطاقها وشروطها وأثرها القانوني المستقل.
والمتعين في الدعوى الماثلة هو أن تُبحث هذه العناصر مجتمعة، وألا يُستخلص القصد الجنائي من مجرد النتيجة اللاحقة للتصرف أو من مجرد المنازعة في حدود الوكالة، بل من الظروف التي كانت قائمة وقت مباشرة المتهم الأول للتوقيع، وفي مقدمتها وجود التوكيل الرسمي، ونطاق عباراته، وقيام المتهم بالتوقيع بصفته وكيلاً، والإجراءات الرسمية التي تمت بشأن التصرف، وما صدر لاحقاً من الجهة المختصة بالتوثيق من رأي رسمي يؤيد امتداد سلطة الوكالة إلى التصرف محل الاتهام.
ومن ثم، فإن قيام المظهر الظاهر للسلطة – فضلاً عن قيام سند وكالة رسمي في الواقعة الماثلة – يقطع على الأقل بأن تصور المتهم الأول لسلطته لم يكن تصوراً وهمياً مجرداً أو ادعاءً مصطنعاً، وإنما قام على أساس قانوني وواقعي ظاهر يمكن أن يحمل الشخص المعتاد على الاعتقاد بقيام السلطة. وهو ما يثير شكا جدياً في القول بتوافر العلم الجنائي اللازم لقيام جريمة التزوير، ويحول دون استخلاص هذا العلم بمجرد الافتراض.
وبناءً عليه، يتمسك المتهم الأول بأن التفرقة بين الوكالة الحقيقية والوكالة الظاهرة تقتضي، عند بحث مسؤوليته الجنائية، ألا يُستخلص علمه بانعدام السلطة من مجرد المنازعة في نطاق الوكالة، وأن يُعتد بالمظهر القانوني والواقعي الذي كان قائماً وقت مباشرة التصرف، وبسند الوكالة الرسمي ذاته، وبكافة الظروف الموضوعية التي أحاطت بالتوقيع، باعتبارها عناصر جوهرية في تقدير حسن النية وانتفاء العلم بتغيير الحقيقة وانتفاء القصد الجنائي.
ومن ثم، ومع قيام سند وكالة رسمي وقت مباشرة التصرف، وثبوت ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق من امتداد نطاقه إلى التصرف محل الاتهام، وقيام مظهر جدي للسلطة على النحو المتقدم، وعدم ثبوت دليل يقيني على علم المتهم الأول بانعدام سلطته أو اتجاه إرادته إلى تغيير الحقيقة، فإن الشك في توافر القصد الجنائي يظل قائماً، ولا يجوز أن تُبنى الإدانة على افتراضات أو على مجرد المنازعة المدنية في حدود الوكالة.
ولذلك يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على انتفاء الدليل اليقيني على توافر القصد الجنائي، وعلى ثبوت الظروف الموضوعية التي كانت تبرر اعتقاده بقيام صفته وسلطته التمثيلية، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم اعتبار هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة واثني عشر: انتفاء المسوغ لافتراض سوء نية المتهم الأول، متى كانت المستندات الرسمية والتعاملات السابقة والوقائع المحيطة بالتصرف تؤدي إلى الاعتقاد المشروع بقيام سلطة الوكيل
يتمسك المتهم الأول بانتفاء أي مسوغ قانوني أو واقعي لافتراض سوء نيته أو استخلاص علمه بانعدام أو تجاوز سلطته التمثيلية وقت مباشرة التصرف محل الاتهام، ذلك أن الثابت من جماع المستندات الرسمية والوقائع السابقة والمعاصرة للتصرف والملابسات التي أحاطت به، أن المتهم الأول لم يكن يباشر عملاً مستتراً أو منتحلاً لصفة غير صفته، وإنما كان يتعامل على أساس سند وكالة رسمي قائم، ومعلن، وثابت بمحرر رسمي، وكانت الظروف المحيطة بالتصرف من شأنها أن تؤدي – بصورة طبيعية ومشروعة – إلى اعتقاد المتهم بقيام سلطته في مباشرة العمل محل الاتهام.
ذلك أن سوء النية في المجال الجنائي لا يفترض افتراضاً، ولا يجوز استخلاصه لمجرد أن التصرف قد أثار نزاعاً لاحقاً أو أن الأصيل قد اعترض على آثاره، وإنما يتعين أن يقوم الدليل على العلم الفعلي بالواقعة المنشئة للمسؤولية الجنائية، وعلى اتجاه إرادة المتهم إلى مباشرة التصرف مع إدراكه أنه يتجاوز حدود سلطته أو أنه يغير الحقيقة على خلاف الواقع.
والثابت أن المتهم الأول كان يحمل وقت مباشرة التصرف سند الوكالة الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو سند صادر من صاحبة الشأن ذاتها، وثابت رسمياً، ولم يكن قد أُلغي وقت التوقيع محل الاتهام. وقد تضمن هذا السند من السلطات ما يتعلق بالقيام نيابة عنها بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عن السلطات الأخرى الواردة فيه.
ومن ثم، فإن وجود هذا السند الرسمي لا يمثل مجرد واقعة شكلية، وإنما يمثل ظرفاً موضوعياً سابقاً على التصرف ومعاصراً له، من شأنه أن يفسر – تفسيراً سائغاً – اعتقاد المتهم الأول بقيام صفته التمثيلية وسلطته في مباشرة التصرف، ولا سيما أنه لم يخفِ صفته، ولم يوقع باسم شخصه مجرداً من الصفة، وإنما باشر التوقيع بصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن.
ويتعزز هذا المعنى بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل العام المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه النتيجة الرسمية لا تُنشئ بذاتها سلطة جديدة للمتهم الأول، وإنما تكشف عن أن الاعتقاد بقيام السلطة لم يكن اعتقاداً مجرداً أو مصطنعاً بعد نشوء النزاع، وإنما كان له أصل موضوعي في سند وكالة رسمي قائم وقت التصرف، وقد تأكد لاحقاً – من الجهة الإدارية المختصة بالتوثيق – أن نطاق ذلك السند يمتد إلى عقود تعديل الشركات وإلى الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
كما أن التعاملات السابقة والوقائع المحيطة بالتصرف، متى ثبت اتصالها بالواقعة، تكتسب أهمية في تقدير الحالة الذهنية للمتهم الأول؛ إذ لا يجوز اقتطاع التوقيع محل الاتهام من سياقه الواقعي، ثم افتراض أن المتهم كان يعلم – على خلاف ظاهر المستندات والإجراءات – أنه يعمل بغير سلطة. وإنما يتعين النظر إلى الصورة الكاملة التي كان عليها التصرف وقت مباشرته، بما فيها وجود الوكالة الرسمية، واستمرارها آنذاك، وإعلان الصفة التمثيلية، واتخاذ الإجراءات الرسمية المتعلقة بالتعديل، وتقديم المستندات إلى الجهات المختصة، وما سبق ذلك من تعاملات ووقائع تؤيد الاعتقاد بقيام الوكالة.
فإذا كان المتهم الأول قد تعامل أمام الجهات المختصة على أساس وكالة رسمية قائمة، وأفصح عن صفته كوكيل، وقدم سند وكالته، وتم التعامل مع المستندات والتصرف في إطار الإجراءات الرسمية، فإن هذه الملابسات لا تنسجم – في ظاهرها الموضوعي – مع افتراض علمه بأنه يباشر تصرفاً بغير سلطة أو أنه يرتكب فعلاً من أفعال تغيير الحقيقة. ولا يعني ذلك أن مجرد اتخاذ الإجراءات الرسمية يحسم وحده المسؤولية الجنائية، وإنما يعني أنه ظرف موضوعي يتعين إدخاله في ميزان الاستدلال عند بحث مدى توافر العلم والقصد الجنائي.
ولا يغير من ذلك أن صاحبة الشأن قد قامت لاحقاً بإلغاء الوكالة أو نازعت في آثار التصرف، إذ إن الواقعة اللاحقة لا تصلح بذاتها لإثبات الحالة الذهنية التي كانت قائمة لدى المتهم الأول في التاريخ السابق عليها. فالإلغاء اللاحق قد ينهي سلطة الوكيل بالنسبة للمستقبل، ولكنه لا يكشف بذاته عن أن الوكيل كان يعلم وقت التصرف أن سلطته قد زالت، ما دام الثابت أن التصرف وقع قبل الإلغاء.
كما لا يجوز أن يُستخلص سوء النية من مجرد اختلاف الأطراف حول تفسير نطاق الوكالة؛ فوجود خلاف جدي حول مدى امتداد سلطة الوكيل إلى تصرف معين يكشف – في ذاته – عن أن المسألة ليست من قبيل الوقائع التي تستحيل فيها مشروعية التصرف ظاهراً، ولا يجوز الانتقال من مجرد الخلاف في تفسير السند إلى افتراض أن المتهم كان يعلم يقيناً أنه يتجاوز سلطته، ما لم يقم دليل مستقل على هذا العلم.
ويزداد الأمر وضوحاً إذا كان سند الوكالة ذاته يتضمن سلطة صريحة في التوقيع على عقود تعديل الشركات، ثم تأتي مذكرة الإدارة العامة للتوثيق لتقرر أن هذه السلطة تشمل الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء. ففي مثل هذه الحالة لا يكون افتراض سوء النية مجرد استخلاص يحتاج إلى دليل فحسب، بل يصبح استخلاصاً مناقضاً للظروف الموضوعية التي أحاطت بالتصرف، ما لم يبين الحكم مصدراً مستقلاً يثبت أن المتهم الأول كان يعلم، رغم قيام هذه المستندات والوقائع، أن سلطته لا تمتد إلى التصرف محل الاتهام.
والأصل أن القصد الجنائي لا يستخلص من النتيجة التي ترتبت على التصرف وحدها، وإنما من ظروف ارتكابه وملابساته السابقة والمعاصرة واللاحقة بالقدر الذي يكشف عن الحالة الذهنية وقت الفعل. فإذا كانت هذه الظروف بمجملها تحتمل تفسيراً مشروعاً ومتسقاً مع انتفاء العلم بتجاوز السلطة، فلا يجوز استبدال هذا التفسير بافتراض سوء النية لمجرد أن التصرف أفضى إلى نتيجة أثارت منازعة أو ألحقت أثراً اقتصادياً أو قانونياً بأحد أطراف العلاقة.
ولا يجوز كذلك الخلط بين علم المتهم الأول بواقعة تعديل عقد الشركة وبين علمه بكون التعديل – على فرض عدم مشروعيته – يمثل فعلاً جنائياً أو أنه صادر بغير سلطة. فمجرد العلم بالتصرف لا يساوي العلم بتزوير المحرر، ومجرد معرفة النتيجة التي ترتبت عليه لا تثبت العلم بأن الحقيقة قد جرى تغييرها بطريق مؤثم. وهذه تفرقة جوهرية عند بحث القصد الجنائي في جريمة التزوير.
ومن ثم، فإن القول بتوافر سوء النية في حق المتهم الأول كان يتطلب بيان الدليل الذي يكشف عن علمه الفعلي بانعدام سلطته أو تجاوزه لها، وبيان الواقعة التي استُمد منها هذا العلم، وتحديد ما إذا كان ذلك العلم قائماً وقت مباشرة التصرف أم استُخلص بأثر رجعي من النزاع الذي نشأ بعده. أما الاكتفاء بالنتيجة اللاحقة للتصرف أو باعتراض الأصيل عليه، فلا يكفي لإثبات الحالة الذهنية السابقة للتصرف.
وإذا كان الحكم قد افترض سوء نية المتهم الأول استناداً إلى مجرد وقوع التعديل أو إلى اعتراض صاحبة الشأن أو إلى تفسير لاحق لنطاق الوكالة، دون أن يواجه الدلالة الموضوعية للتوكيل الرسمي القائم وقت التوقيع، ودون أن يزن أثر مذكرة الإدارة العامة للتوثيق وما انتهت إليه بشأن امتداد الوكالة، ودون أن يستظهر الواقعة التي تكشف عن علم المتهم بتجاوز سلطته، فإنه يكون قد أقام القصد الجنائي على الافتراض لا على الدليل، واستخلص العلم من مجرد النتيجة بدلاً من استخلاصه من ظروف الفعل وقت ارتكابه.
ويكون الأمر كذلك بوجه خاص إذا لم يثبت بالأوراق أن المتهم الأول تلقى قبل التوقيع إخطاراً بإلغاء الوكالة، أو علماً بانتهاء سلطته، أو تنبيهاً صريحاً إلى عدم جواز إجراء التعديل، أو أي واقعة أخرى تكشف على نحو مباشر أو غير مباشر، ولكن سائغ، عن علمه بأن سلطته لم تعد قائمة أو أنها لا تشمل التصرف محل الاتهام.
وإذ كانت المستندات الرسمية والوقائع المحيطة بالتصرف تؤدي – على أقل تقدير – إلى قيام اعتقاد مشروع لدى المتهم الأول بقيام سلطته التمثيلية، وكان هذا الاعتقاد يجد سنده في توكيل رسمي قائم وقت التصرف، ثم جاءت مذكرة رسمية صادرة عن الإدارة العامة للتوثيق لتؤيد امتداد نطاق الوكالة إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن ذلك كله يمثل مجموعة من الظروف الموضوعية التي تناقض استخلاص العلم اليقيني بانعدام السلطة أو تجاوزها.
ومن ثم، فإن المتهم الأول لا يطلب افتراض حسن نيته لمجرد ادعائه ذلك، وإنما يتمسك بأن سوء النية ذاته يحتاج إلى دليل، وأن الظروف الثابتة بالأوراق لا تسوغ استخلاصه، بل تؤدي إلى تفسير موضوعي معقول ومشروع مفاده أن المتهم كان يعتقد – استناداً إلى سند وكالة رسمي قائم وإلى الملابسات المحيطة بالتصرف – أنه يباشر عملاً يدخل في حدود سلطته التمثيلية.
ومتى لم يثبت الدليل على علم المتهم الأول بأنه يغير الحقيقة أو أنه يباشر التصرف بغير سلطة، انتفى أحد العناصر اللازمة لاستخلاص القصد الجنائي، ولا يجوز إقامة الإدانة على مجرد الظن أو الاحتمال أو الاستنتاج غير المؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها الحكم.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لانتفاء المسوغ الموضوعي والقانوني لاستخلاص سوء نيته، وعدم ثبوت علمه بتجاوز سلطته أو بتغيير الحقيقة، في ضوء قيام سند وكالة رسمي نافذ وقت التصرف، وثبوت امتداد نطاقه إلى التصرف محل الاتهام وفقاً لما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق، فضلاً عن سائر المستندات والتعاملات والوقائع المحيطة بالتصرف، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة وثالث عشر: انتفاء الرابطة المنطقية بين مجرد مباشرة المتهم الأول لإجراءات تعديل الشركة وبين توافر العلم الجنائي بتغيير الحقيقة، إذ إن مباشرة التصرف في ذاتها لا تكشف عن علم بانعدام السلطة ولا عن نية التدليس
يتمسك المتهم الأول بانتفاء القصد الجنائي في حقه، وبفساد ما قد يكون الحكم المعارض فيه قد أقامه من استنتاج مؤداه أن مجرد مباشرة المتهم الأول لإجراءات تعديل عقد الشركة والتوقيع على محرراتها يكشف بذاته عن علمه بانعدام سلطته أو عن قصده إلى تغيير الحقيقة والتدليس، ذلك أن هذا الاستنتاج يفتقر إلى الرابطة المنطقية اللازمة بين الواقعة التي ثبتت بالفعل، وهي مباشرة المتهم الأول للإجراءات والتوقيع بصفته وكيلاً، وبين النتيجة التي يراد استخلاصها منها، وهي توافر العلم الجنائي بتغيير الحقيقة.
فمجرد مباشرة المتهم الأول لإجراءات تعديل الشركة لا يكشف بذاته عن اعتقاده بانعدام سلطته، ولا يدل حتماً على علمه بأن ما يباشره يمثل تغييراً للحقيقة، ولا يكشف بمجرده عن اتجاه إرادته إلى استعمال محرر مزور أو الإضرار بصاحبة الشأن. إذ إن ذات الفعل المادي – وهو مباشرة إجراءات التعديل – يتفق في ظاهره مع أكثر من فرض، من بينها أن يكون القائم به معتقداً قيام سلطته، وهو الفرض الذي تؤيده في الدعوى الماثلة وقائع موضوعية سابقة ومعاصرة للتصرف، في مقدمتها وجود توكيل رسمي قائم وقت التوقيع.
والثابت أن المتهم الأول لم يباشر التصرف في الخفاء، ولم يقدم نفسه باعتباره صاحبة الشأن، وإنما وقع معلناً عن صفته كوكيل عنها، ومستنداً إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو سند سابق على الواقعة ومحرر رسمياً يحدد مصدر السلطة التي استند إليها في مباشرة التصرف. ومن ثم فإن مجرد إقدامه على تنفيذ الإجراء لا يصلح بذاته قرينة على علمه بانعدام السلطة، بل إن وجود سند رسمي ظاهر للنيابة يمثل واقعة موضوعية جدية يتعين أن تدخل في تقدير حالته الذهنية وقت مباشرة التصرف.
ويزداد ذلك وضوحاً في ضوء ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل العام المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة. وهذه النتيجة الرسمية – وإن لم تكن بطبيعتها حكماً قضائياً فاصلاً في المسؤولية الجنائية – تمثل دليلاً جوهرياً على أن الاعتقاد بقيام السلطة لم يكن افتراضاً مجرداً، وإنما كان له أساس موضوعي مستمد من محرر رسمي قائم وقت التصرف.
ومن ثم، فإن استخلاص العلم الجنائي من مجرد مباشرة الإجراء يهدر واقعة جوهرية لازمة لتقدير القصد، وهي أن المتهم الأول كان أمامه سند وكالة رسمي قائم وقت التوقيع، وأنه باشر التصرف في حدود صفته المعلنة، فضلاً عن أن الجهة الفنية المختصة بالتوثيق انتهت لاحقاً إلى أن مضمون الوكالة يمتد إلى التصرف محل الاتهام. ولا يستقيم عقلاً أو قانوناً أن تتحول مباشرة الشخص لتصرف استناداً إلى سند رسمي قائم إلى دليل بذاته على أنه كان يعلم في الوقت ذاته أن هذا السند لا يخوله التصرف.
ذلك أن العلم الجنائي لا يُفترض لمجرد حصول الفعل، ولا يجوز استخلاصه من ذات الواقعة التي يراد إثبات العلم بها دون إقامة رابطة استدلالية مستقلة تكشف عن إدراك المتهم لحقيقة ما ينسب إليه. فإذا كان المطلوب إثبات أن المتهم الأول كان يعلم أن سلطته لا تمتد إلى تعديل حصص الشركاء، فإن مجرد ثبوت قيامه بإجراء التعديل لا يثبت هذا العلم، وإنما يتعين بيان الدليل الذي يكشف عن علمه تحديداً بهذا القيد، ومصدر علمه به، والظروف التي أحاطت بالتصرف والتي تجعل من غير المقبول عقلاً افتراض اعتقاده بقيام السلطة.
ولا يكفي في هذا المقام أن يقال إن المتهم الأول هو الذي باشر إجراءات التعديل أو وقع على محرراته، لأن ذلك لا يعدو أن يكون إثباتاً لواقعة مادية لا خلاف عليها، أما الانتقال منها إلى القول بأنه كان يعلم أن توقيعه يمثل تغييراً للحقيقة فهو انتقال إلى نتيجة ذهنية مستقلة تحتاج إلى دليلها. ولا يجوز أن تكون واقعة مباشرة التصرف هي الدليل الوحيد على العلم بعدم مشروعيته، وإلا أصبح الاستدلال دائرياً، إذ يفترض الحكم العلم من مجرد ارتكاب الفعل، ثم يستدل بالفعل ذاته على قيام العلم.
كما أن القصد الجنائي في جريمة التزوير لا يتحقق بمجرد العلم بوجود التصرف أو العلم بالنتيجة التي يراد تحقيقها منه، وإنما يلزم أن ينصرف العلم إلى حقيقة أن المحرر يتضمن تغييراً للحقيقة على نحو مؤثم، وأن تتجه الإرادة إلى هذا التغيير وما يترتب عليه من استعمال المحرر فيما أعد له. ومن ثم، فإن العلم بأن تعديل الشركة سيؤدي إلى تغيير حصص الشركاء يختلف تماماً عن العلم بأن هذا التعديل قد تم بطريق تغيير الحقيقة في محرر، كما أن الرغبة في إتمام التصرف تختلف عن نية اصطناع محرر أو تغيير الحقيقة فيه.
وهذا التمييز جوهري في الدعوى الماثلة؛ إذ لا يكفي أن يكون المتهم الأول عالماً بأنه يباشر إجراءات تعديل عقد الشركة، ولا أن يكون عالماً بالآثار التي يترتب عليها التعديل، لإثبات أنه كان يعلم بانعدام سلطته أو أن إرادته اتجهت إلى التدليس. فالمتهم قد يعلم بالتصرف وآثاره، ومع ذلك يكون معتقداً – استناداً إلى سند الوكالة القائم – أن مباشرته له تتم في حدود السلطة المخولة إليه.
ولا يغير من ذلك ما قد يثار بشأن إلغاء التوكيل، إذ إن الثابت أن الإلغاء قد وقع لاحقاً على التوقيع والتصرف محل الاتهام. ومن ثم لا يصلح هذا الإلغاء اللاحق، بذاته، دليلاً على أن المتهم الأول كان يعلم وقت مباشرة التصرف بانعدام سلطته، كما لا يجوز أن يُستخلص منه بأثر رجعي أن إرادته عند التوقيع كانت متجهة إلى التدليس أو تغيير الحقيقة.
كما أن اعتراض صاحبة الشأن لاحقاً على التصرف أو منازعتها في آثاره لا يثبت بذاته الحالة الذهنية للمتهم الأول وقت مباشرة التصرف؛ فالعبرة في استظهار القصد الجنائي تكون بالظروف القائمة والمعاصرة للفعل، وبالأدلة التي تكشف عما كان يعلمه المتهم وما اتجهت إليه إرادته في ذلك الوقت، لا بمجرد ما استجد بعد تمام التصرف من خلاف أو نزاع أو إلغاء للوكالة.
وإذا كان الحكم قد استخلص العلم الجنائي من كون المتهم الأول هو الذي قام بإجراءات تعديل الشركة، فإنه يكون قد خلط بين العلم بالفعل المادي والعلم بالطابع غير المشروع للفعل، وبين مباشرة التصرف والقصد إلى تغيير الحقيقة. فالأول قد يكون ثابتاً ولا نزاع فيه، بينما الثاني هو محل الإثبات الجنائي الذي لا يجوز افتراضه أو استخلاصه من مجرد تحقق الأول.
وكان يتعين على الحكم – حتى يستقيم استخلاصه للقصد الجنائي – أن يبين الدليل المستقل الذي استخلص منه أن المتهم الأول كان يعلم وقت التوقيع أن التوكيل لا يمتد إلى التصرف محل الاتهام، وأنه كان يعلم أن ما يثبته في المحرر يخالف الحقيقة، وأن إرادته اتجهت رغم ذلك إلى إحداث هذا التغيير واستعمال المحرر فيما أعد له. أما مجرد مباشرة الإجراءات فلا يجيب عن أي من هذه الأسئلة ولا يثبت أياً منها بذاته.
ولا سيما أن المتهم الأول لم يتخذ مظهراً خفياً أو مضللاً في مباشرة التصرف، وإنما أفصح عن صفته كوكيل، وقدم سند الوكالة في إطار الإجراءات الرسمية، بما يتفق – في ظاهره – مع اعتقاد قيام سلطته، ولا يتفق بذاته مع فرضية من يعلم أنه ينتحل صفة الغير أو يغير الحقيقة ثم يسعى إلى إخفاء مصدر سلطته.
ومن ثم، فإن الظروف الموضوعية المحيطة بالفعل لا تؤدي حتماً إلى النتيجة التي انتهى إليها الحكم، بل تحتمل – على الأقل – تفسيراً آخر سائغاً ومؤيداً بمستند رسمي، هو أن المتهم الأول كان يباشر التصرف معتقداً قيام سلطته استناداً إلى وكالة رسمية قائمة، وهو ما يمنع استخلاص العلم الجنائي بمجرد الظن أو الاحتمال.
وإذا كانت المحكمة قد استندت إلى أقوال بعض الشهود في القول بأن المتهم الأول لم تكن له سلطة على التصرف، فإن ذلك لا يغني عن إثبات علمه الشخصي بهذا الأمر وقت مباشرة الفعل، ولا سيما إذا كانت هذه الأقوال لا تثبت واقعة إدراك المتهم لهذا القيد، وإنما تنصرف إلى تفسير نطاق الوكالة أو بيان موقف صاحبة الشأن من التصرف. فإثبات عدم اتفاق الشاهد مع تفسير نطاق الوكالة لا يساوي إثبات علم المتهم الأول بهذا التفسير، ولا يثبت أن إرادته كانت متجهة إلى التدليس.
والأصل أن الشك في توافر القصد الجنائي يستفيد منه المتهم، وأن الإدانة لا تقوم على مجرد احتمال أن يكون قد علم بانعدام سلطته أو أراد التدليس، بل على دليل يقطع بتوافر هذا العلم وتلك الإرادة. فإذا بقيت الأوراق محتملة لاعتقاد المتهم بقيام سلطته استناداً إلى وكالة رسمية قائمة، ولم يقدم الاتهام دليلاً مستقلاً على علمه بأن هذه السلطة غير قائمة أو غير ممتدة إلى التصرف محل الاتهام، فإن الركن المعنوي لا يكون قد ثبت على الوجه الذي تتطلبه الإدانة الجنائية.
ومن ثم، فإن مجرد مباشرة المتهم الأول لإجراءات تعديل الشركة لا تنشئ رابطة منطقية لازمة بين الفعل وبين العلم الجنائي بتغيير الحقيقة، ولا تكشف بذاتها عن نية التدليس، ولا يجوز اتخاذها وحدها دليلاً على توافر القصد الجنائي، لاسيما مع ثبوت سند وكالة رسمي قائم وقت التصرف، وثبوت صدور التوقيع من المتهم الأول بصفته وكيلاً، وقيام دليل رسمي مؤيد لامتداد نطاق الوكالة إلى التصرف محل الاتهام.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لعدم ثبوت القصد الجنائي ثبوتاً يقينياً، وانتفاء الرابطة المنطقية بين مجرد مباشرة إجراءات تعديل الشركة وبين العلم بتغيير الحقيقة أو نية التدليس، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع بأي حال من الأحوال عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة واربعة عشر: عدم كفاية الدليل على توافر العلم اليقيني لدى المتهم الأول بأي اعتراض أو قيد داخلي صادر عن الأصيل، وعدم جواز افتراض هذا العلم بغير دليل مستقل ومباشر
يتمسك المتهم الأول بانتفاء الدليل اليقيني على علمه، وقت مباشرة التصرف محل الاتهام، بأي اعتراض أو قيد أو تحفظ داخلي صادر عن الأصيل بشأن حدود استعمال الوكالة أو بشأن عدم إجراء تعديل معين على عقد الشركة أو عدم المساس بحصص الشركاء، ذلك أن مجرد وجود إرادة داخلية لدى الأصيل – على فرض ثبوتها – لا يكفي بذاته لإثبات علم الوكيل بها، ولا يجوز نقل العلم من دائرة الأصيل إلى دائرة الوكيل بمجرد الافتراض أو الاستنتاج، ما لم يقم بالأوراق دليل مستقل يكشف عن وصول هذا القيد أو الاعتراض إلى علم المتهم الأول قبل مباشرة التصرف.
فالثابت بالأوراق أن مصدر السلطة التي استند إليها المتهم الأول في مباشرة التصرف كان سند وكالة رسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو المحرر الذي حدد نطاق النيابة ومظاهر السلطة التي خولتها صاحبة الشأن للمتهم الأول. ومتى كان المتهم الأول قد باشر التصرف استناداً إلى هذا السند الرسمي القائم، فإن القول بأنه كان يعلم في الوقت ذاته بقيد آخر أو اعتراض داخلي يحد من نطاق تلك السلطة يظل قولاً يحتاج إلى دليل مستقل على واقعة العلم ذاتها، ولا يجوز افتراضه لمجرد أن الأصيل قد يتمسك لاحقاً بأنه كان قد أبدى اعتراضاً أو تحفظاً لم يثبت وصوله إلى الوكيل.
ذلك أن هناك فارقاً جوهرياً بين وجود القيد في إرادة الأصيل وبين ثبوت علم الوكيل بهذا القيد؛ فقد يقرر الأصيل لنفسه موقفاً داخلياً أو يبدي اعتراضاً أو يوجه تعليمات معينة، ولكن لا يترتب على ذلك بذاته علم النائب بها ما لم يثبت أنها وصلت إليه على نحو يمكنه من إدراكها قبل مباشرة التصرف. والعبرة في المجال الجنائي ليست بمجرد ما كان يريده الأصيل في نفسه، وإنما بما ثبت أن المتهم الأول كان يعلمه فعلاً وقت ارتكاب الفعل المنسوب إليه.
ومن ثم، فإذا كان الاتهام قد استند إلى القول بأن صاحبة الشأن لم تكن ترغب في تعديل حصتها أو كانت قد اعترضت على إجراء معين، فإن هذا القول – حتى على فرض صحته – لا يثبت بذاته أن المتهم الأول كان عالماً بذلك الاعتراض، ولا يثبت أنه تلقى إخطاراً به، ولا يثبت تاريخ وصوله إليه، ولا يثبت أن هذا العلم قد تحقق قبل توقيعه على محررات التعديل، وهي جميعاً مسائل جوهرية لا غنى عنها إذا أريد اتخاذ هذا القيد المزعوم أساساً لاستخلاص القصد الجنائي.
ولا يجوز أن يستخلص العلم من مجرد النتيجة التي انتهى إليها التصرف؛ لأن القول بأن المتهم الأول قام بتعديل حصة أحد الشركاء لا يؤدي منطقياً إلى أنه كان يعلم مسبقاً بأن الأصيل يعترض على هذا التعديل. فالنتيجة لا تثبت العلم السابق بها، ولا يجوز بناء الحالة الذهنية السابقة للفعل على مجرد ما ترتب عليه لاحقاً.
كما لا يجوز أن يُستخلص العلم من مجرد وقوع منازعة لاحقة بين الأصيل والمتهم الأول، أو من إلغاء الوكالة بعد إتمام التصرف، أو من اعتراض الأصيل على آثاره، إذ إن هذه الوقائع اللاحقة لا تثبت – بذاتها – أن المتهم الأول كان قد علم قبل التصرف بالاعتراض أو القيد المدعى به. وإلا أُقيم الدليل على الحالة النفسية السابقة من واقعة لاحقة عليها دون رابط يقيني.
ويزداد الأمر وضوحاً في الدعوى الماثلة في ضوء أن سند الوكالة ذاته كان قائماً وقت مباشرة التصرف، وأن المتهم الأول لم يباشر التوقيع خفية أو متستراً وراء شخصية الأصيل، وإنما وقع بصفته وكيلاً عنها، وأن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل قد انتهت في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، إلى أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء.
ومن ثم، فإن الأصل الموضوعي الذي كان ظاهراً أمام المتهم الأول عند مباشرة التصرف هو قيام الوكالة ونطاقها المثبت بسند رسمي، ولا يجوز قلب هذا الأصل إلى قرينة على علمه بقيود خفية أو داخلية لم تثبت الأوراق أنه أُبلغ بها أو اطلع عليها أو قبل بها.
فإذا كان الحكم قد استخلص علم المتهم الأول بالاعتراض أو القيد الداخلي من مجرد أقوال الأصيل أو من أقوال شهود قرروا أن الأصيل لم يكن يرغب في إتمام التصرف، فإن هذا الاستنتاج لا يستقيم ما لم يبين الحكم كيف وصل هذا العلم تحديداً إلى المتهم الأول، ومتى وصل، وبأي وسيلة، وما الدليل المستقل الذي يثبت أنه كان على بينة منه قبل مباشرة التصرف. أما مجرد ثبوت علم الأصيل أو أحد الشهود بالقيد فلا ينتقل أثره تلقائياً إلى المتهم الأول.
كما أن القول بأن المتهم الأول كان ينبغي أن يعلم بالاعتراض أو القيد لا يصلح بديلاً عن إثبات أنه كان يعلم به فعلاً؛ إذ ثمة فارق بين العلم المفترض أو المفروض وبين العلم اليقيني الذي يتطلبه استخلاص القصد الجنائي. ولا يجوز أن تستبدل المحكمة بالدليل المباشر أو القرائن القوية على العلم مجرد افتراض مؤداه أن المتهم «كان يجب أن يعلم» أو «لا يعقل ألا يكون عالماً»، ما لم تكن الظروف الثابتة بالأوراق تؤدي إلى هذه النتيجة على نحو حتمي لا يحتمل تفسيراً آخر سائغاً.
والأخطر من ذلك أن إسناد العلم إلى المتهم الأول استناداً إلى إرادة داخلية غير ثابتة في سند الوكالة يؤدي عملياً إلى إضافة قيد إلى المحرر الرسمي لم يتضمنه، ثم مساءلة المتهم جنائياً على أساس علمه بهذا القيد المفترض، مع أن المصدر الظاهر والرسمي لسلطته لم يتضمنه. ولا يستقيم ذلك مع أصول الإثبات الجنائي، إذ لا يجوز إنشاء عنصر من عناصر القصد الجنائي عن طريق افتراض واقعة العلم بقيد لم يثبت أنه كان معلوماً للمتهم.
وحتى إذا ثبت أن الأصيل قد أصدر تعليمات أو تحفظات إلى شخص آخر، فإن ذلك لا يثبت علم المتهم الأول بها ما لم يقم الدليل على انتقالها إليه. وكذلك إذا ثبت أن الأصيل قد أبدى اعتراضه أمام موظف أو جهة إدارية أو أحد الشهود، فإن مجرد حصول هذا الاعتراض لا يثبت وصوله إلى المتهم الأول قبل التصرف، ولا يصلح بذاته لإثبات توافر العلم الجنائي لديه.
ومن ناحية أخرى، فإن تحديد نطاق الوكالة يختلف عن تحديد التعليمات الداخلية التي قد يوجهها الأصيل إلى وكيله؛ فإذا كان سند الوكالة الرسمي قد منح سلطة معينة، ثم ادعي وجود قيد داخلي على استعمالها، فإن ثبوت هذا القيد – في ذاته – لا يكفي لإثبات المسؤولية الجنائية، بل يجب فوق ذلك إثبات أن الوكيل كان عالماً بهذا القيد وقت مباشرة الفعل، وأنه تعمد رغم علمه به مخالفة الحقيقة أو استعمال سلطته على نحو مؤثم جنائياً.
ومن ثم، فإن أي استدلال على القصد الجنائي للمتهم الأول استناداً إلى مجرد إرادة داخلية للأصيل أو اعتراض لاحق منه، دون إثبات واقعة العلم السابقة أو المعاصرة للتصرف، يكون استدلالاً منقطع الصلة بالنتيجة التي انتهى إليها الحكم؛ إذ لا يجوز أن يتحول موقف الأصيل الشخصي إلى دليل على الحالة الذهنية للمتهم الأول بغير واسطة إثباتية مستقلة.
ولا يغير من ذلك أن المحكمة الجنائية لها سلطة استخلاص القصد الجنائي من ظروف الدعوى وملابساتها، إذ تظل هذه السلطة مقيدة بأن يكون الاستخلاص سائغاً وله أصل ثابت بالأوراق، وأن يكون مؤدياً عقلاً إلى النتيجة التي انتهت إليها المحكمة. أما استخلاص العلم من مجرد وجود اعتراض لدى الأصيل، دون إثبات وصوله إلى المتهم الأول، فهو انتقال غير مبرر من واقعة ثابتة تخص شخصاً آخر إلى حالة ذهنية منسوبة إلى المتهم.
وفي الدعوى الماثلة، لا يكفي لإثبات علم المتهم الأول بأي قيد داخلي أن يثبت أن الأصيل لم يكن يرغب في تعديل حصته، أو أنه اعترض على التصرف بعد وقوعه، أو أنه ألغى الوكالة لاحقاً؛ إذ تظل المسألة الحاسمة هي: هل ثبت أن هذا الاعتراض أو القيد قد وصل إلى علم المتهم الأول قبل مباشرة التوقيع والتصرف، وبأي دليل مستقل؟ فإذا خلت الأوراق من إجابة يقينية عن هذا السؤال، فلا يجوز اتخاذ مجرد وجود الاعتراض لدى الأصيل أساساً لاستخلاص العلم الجنائي لدى المتهم الأول.
وإذا كان الحكم المعارض فيه قد تجاوز هذه الحلقة الجوهرية في الاستدلال، وانتقل مباشرة من ثبوت اعتراض الأصيل أو عدم رضائه إلى القول بعلم المتهم الأول بذلك، فإنه يكون قد أقام عنصراً من عناصر القصد الجنائي على مجرد الافتراض، لا على دليل يقيني، وأقام الحالة الذهنية للمتهم على واقعة لم يثبت اتصالها به اتصالاً مباشراً أو معاصراً للفعل.
ومتى كان العلم بالقيد المزعوم هو الحلقة اللازمة للانتقال من مجرد مباشرة التصرف إلى القول بتوافر القصد الجنائي، وكان هذا العلم غير ثابت بدليل مستقل، فإن هذه الحلقة تكون مفقودة، ولا يبقى سوى الاحتمال بأن المتهم الأول كان يعلم أو لم يكن يعلم، والاحتمال لا يصلح وحده أساساً للإدانة الجنائية.
ومن ثم، فإن قيام سند وكالة رسمي قائم وقت التصرف، وثبوت أن المتهم الأول باشر التوقيع بصفته وكيلاً، وثبوت امتداد نطاق الوكالة إلى التصرف محل الاتهام وفقاً لما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق، في مقابل عدم قيام دليل مستقل ومباشر على وصول أي اعتراض أو قيد داخلي من الأصيل إلى علم المتهم الأول قبل التصرف، كل ذلك يهدم الأساس الذي يمكن أن يستند إليه القول بتوافر العلم الجنائي.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لعدم كفاية الدليل على توافر العلم اليقيني لديه بأي اعتراض أو قيد داخلي صادر عن الأصيل، وعدم جواز افتراض هذا العلم بغير دليل مستقل ومباشر، وما يترتب على ذلك من انتفاء أحد العناصر اللازمة لاستخلاص القصد الجنائي، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
.
الدفع المائة وخمس عشر: قصور الحكم في استظهار الركن المعنوي لجريمة التزوير، لعدم بيان الدليل الذي استخلص منه علم المتهم الأول بتغيير الحقيقة واتجاه إرادته إلى استعمال المحرر مع علمه بتزويره
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه القصور في استظهار الركن المعنوي لجريمة التزوير، إذ لم يستظهر على نحو واضح ومحدد الدليل الذي استخلص منه توافر العلم في حق المتهم الأول بأن الحقيقة قد جرى تغييرها في المحررات محل الاتهام، كما لم يبين الدليل الذي استخلص منه اتجاه إرادته إلى استعمال تلك المحررات مع علمه بأنها مزورة، وإنما أقام قضاءه – بحسب ما يستفاد من أسبابه – على مجرد استخلاص مادي لا يكشف بذاته عن توافر القصد الجنائي الخاص اللازم في جريمة التزوير.
ذلك أن مجرد نسبة التوقيع أو مباشرة الإجراء أو تقديم المحرر إلى الجهة المختصة لا يكفي بذاته لإثبات أن المتهم كان يعلم بأن الحقيقة قد تم تغييرها، ولا أن إرادته قد اتجهت إلى استعمال محرر يعلم بتزويره. فالعلم بالتزوير عنصر نفسي مستقل عن مجرد العلم بوجود المحرر أو العلم بمضمون التصرف الوارد فيه، ولا يجوز افتراضه لمجرد قيام المتهم بإجراء مادي متصل بالمحرر.
والثابت في الدعوى أن المتهم الأول لم يباشر التصرف محل الاتهام في الخفاء، ولم يقدم نفسه على خلاف صفته الحقيقية، وإنما باشر التوقيع معلناً صفته كوكيل عن صاحبة الشأن، ومستنداً إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو توكيل كان قائماً وقت مباشرة التصرف ولم يكن قد أُلغي حينذاك، وقد ثبت رسمياً – وفقاً لما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 – أن هذا التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
وهذه الملابسات الموضوعية لا تثبت وحدها انتفاء القصد الجنائي، ولكنها – في المقابل – تمثل وقائع جوهرية كان يتعين على الحكم أن يواجهها عند بحثه لمسألة العلم، وأن يبين كيف أمكنه استخلاص أن المتهم الأول كان يعلم، وقت مباشرته التصرف، أنه يغير الحقيقة تغييراً غير مشروع، رغم وجود سند وكالة رسمي قائم ورغم مباشرته التصرف في إطار صفته المعلنة كوكيل.
فثمة فارق جوهري بين أن يعلم الشخص بمضمون التصرف الذي يباشره وبين أن يعلم أن هذا التصرف يتضمن تغييراً للحقيقة على النحو الذي يشكل جريمة تزوير. وقد يكون المتهم عالماً تماماً بمضمون التعديل الذي وقع عليه، وبأن حصص الشركاء قد تغيرت، دون أن يكون عالماً بأن مباشرته لهذا الإجراء تمثل تغييراً للحقيقة أو أنه يباشره بغير سلطة، ولا يجوز الانتقال من العلم الأول إلى العلم الثاني بغير دليل مستقل يكشف عن الحالة الذهنية التي توافرت لديه وقت ارتكاب الفعل.
والأمر ذاته ينطبق على استعمال المحرر؛ إذ لا يكفي لإثبات القصد الجنائي في استعمال محرر مزور مجرد ثبوت تقديم المحرر أو الاستناد إليه أمام إحدى الجهات، وإنما يتعين أن يثبت أن المتهم كان يعلم وقت الاستعمال بأن المحرر مزور، وأن إرادته قد اتجهت إلى استعماله بهذه الصفة. فإذا كان المتهم الأول قد قدم المحرر إلى الجهة المختصة في إطار اعتقاده بمشروعية سلطته المستمدة من وكالة رسمية قائمة، فإن مجرد تقديمه للمحرر لا يكشف بذاته عن علمه بتزويره.
وكان لزاماً على الحكم، والحال كذلك، أن يبين الواقعة أو القرينة التي استخلص منها علم المتهم الأول بالتزوير تحديداً، وأن يوضح كيف انتقل من الوقائع الخارجية الثابتة بالأوراق إلى النتيجة النفسية التي انتهى إليها، وأن يحدد ما إذا كان هذا العلم مستخلصاً من إقرار، أو مراسلات، أو واقعة سابقة أو معاصرة للتصرف، أو سلوك لاحق يكشف على وجه سائغ عن علم سابق، أو غير ذلك من الأدلة التي يمكن أن تستخلص منها المحكمة هذا العنصر.
أما الاكتفاء بالقول إن المتهم الأول هو من وقع أو شارك في تقديم المحرر أو استفاد من أثره، فلا يكشف بذاته عن علمه بالتزوير؛ لأن هذه الوقائع – حتى على فرض ثبوتها – لا تتضمن بالضرورة أن المتهم كان يعلم أن الحقيقة قد تم تغييرها أو أن المحرر قد أصبح مزوراً، وإنما لا بد من بيان الصلة المنطقية بين الواقعة المادية وبين العلم الجنائي المستخلص منها.
ويزداد قصور الحكم وضوحاً إذا كان أساس العلم الذي استخلصه قد قام على مجرد القول بأن المتهم الأول لم تكن له سلطة في مباشرة التعديل، إذ إن هذه المسألة ذاتها محل نزاع جدي تدحضها الأوراق الرسمية؛ فقد كان المتهم الأول يحمل توكيلاً رسمياً قائماً وقت التوقيع، وقد ثبت لاحقاً بمذكرة الإدارة العامة للتوثيق أن نطاق هذا التوكيل يمتد إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء. ومن ثم، فإن القول بانعدام السلطة لا يمكن أن يكون في الوقت ذاته دليلاً تلقائياً على علم المتهم بانعدامها، وإنما كان يتعين على الحكم أن يستظهر من دليل مستقل أن المتهم كان يعلم، رغم قيام سند الوكالة، أن سلطته لا تمتد إلى التصرف محل الاتهام.
ولا يكفي في هذا الخصوص القول بأن صاحبة الشأن لم تكن راضية عن التصرف أو أنها اعترضت عليه أو نازعت في آثاره؛ ذلك أن موقف الأصيل اللاحق لا يثبت بذاته الحالة الذهنية للوكيل وقت مباشرته التصرف، ولا يكشف تلقائياً عن علمه بأنه يغير الحقيقة أو يستعمل محرراً يعلم بتزويره. كما أن إلغاء الوكالة في تاريخ لاحق على التصرف لا يصلح بذاته لإثبات علم سابق لدى المتهم الأول بعدم مشروعية التوقيع وقت صدوره.
ومن ثم، فإن الحكم إذا استخلص القصد الجنائي من مجرد واقعة التوقيع أو من مجرد استعمال المحرر أو من مجرد ترتب أثر قانوني أو اقتصادي على التصرف، دون أن يحدد الدليل الذي يكشف عن علم المتهم الأول بتغيير الحقيقة، يكون قد خلط بين الركن المادي للجريمة والركن المعنوي لها، وأقام القصد الجنائي على افتراض مستمد من ذات الفعل المادي، دون أن يستظهر العنصر النفسي الذي يميزه عنه.
كما أن الحكم كان يتعين عليه أن يفرق بين ثلاثة أمور مستقلة لا يجوز دمجها في نتيجة واحدة: أولها علم المتهم بوجود التصرف ومضمونه، وثانيها علمه بمدى سلطته في مباشرة هذا التصرف، وثالثها علمه بأن المحرر قد اشتمل على تغيير للحقيقة يجعله مزوراً قانوناً، ثم فوق ذلك اتجاه إرادته إلى استعمال المحرر مع علمه بهذه الحقيقة. فليس كل علم بالتصرف علماً بالتزوير، وليس كل خلاف حول حدود الوكالة دليلاً على القصد الجنائي، وليس كل استعمال مادي للمحرر استعمالاً مع العلم بتزويره.
والثابت من ظروف الواقعة أن المتهم الأول قد تعامل مع المستندات في إطار رسمي، وأفصح عن صفته كوكيل، واستند إلى سند وكالة موثق، ولم يخف مصدر سلطته عن الجهة التي قدم إليها المستند، وهي ظروف كان يتعين على الحكم أن يزن دلالتها عند بحث القصد الجنائي، لا أن يتجاوزها باعتبارها أموراً غير منتجة في الدعوى.
وإذا كان الحكم قد عوّل في إثبات القصد الجنائي على أقوال بعض الشهود أو الموظفين، فقد كان يتعين عليه كذلك أن يبين كيف تكشف هذه الأقوال عن الحالة الذهنية للمتهم الأول تحديداً، وما إذا كان الشاهد قد أدرك واقعة تكشف عن علمه بالتزوير، أم أنه لم يجاوز تفسيره الشخصي لنطاق الوكالة أو قوله إن المتهم لم يكن يملك سلطة مباشرة التصرف. فالأخير لا يكشف بذاته عن علم المتهم الأول بتغيير الحقيقة، وإنما يتعلق بمسألة قانونية أو موضوعية كان يتعين على المحكمة أن تستخلصها من الأدلة المطروحة عليها.
كما أن مذكرة الإدارة العامة للتوثيق، وإن لم تكن حكماً قضائياً ملزماً في شأن المسؤولية الجنائية، تظل ذات دلالة جوهرية عند بحث الحالة الذهنية للمتهم الأول؛ إذ انتهت الجهة المختصة بعد فحص سند الوكالة إلى أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وهو ما يؤكد أن اعتقاد المتهم الأول بقيام سلطته التمثيلية لم يكن اعتقاداً مجرداً من أي أساس، بل كان له أصل مادي ثابت في محرر رسمي قائم، وتعضده نتيجة فحص رسمي لاحق.
ولا يجوز – والحال كذلك – افتراض سوء النية أو العلم بالتزوير لمجرد أن جهة أخرى انتهت لاحقاً إلى تفسير مغاير لنطاق الوكالة، إذ إن اختلاف التقدير حول مضمون سند الوكالة أو مدى امتداده إلى التصرف محل الاتهام لا يتحول بذاته إلى دليل على أن المتهم كان يعلم وقت التوقيع أنه يرتكب تزويراً.
ومن ناحية أخرى، فإن القصد الجنائي في جريمة استعمال المحرر المزور لا يستفاد من مجرد الاستعمال المادي للمحرر، بل يلزم أن يقوم الدليل على علم المستعمل بتزويره وقت استعماله، وأن يكون هذا العلم معاصراً للاستعمال. فإذا كان المتهم الأول قد تعامل مع المحرر باعتقاد قيام صحته وسلامة مصدر سلطته، فإن مجرد تقديمه إلى الجهة المختصة لا يثبت العلم بالتزوير، ما لم تقم بالأوراق قرينة مستقلة سائغة تكشف عن خلاف ذلك.
وإذ خلت أسباب الحكم من بيان هذه القرائن على نحو محدد، ولم تستظهر الواقعة التي استمدت منها المحكمة علم المتهم الأول بتغيير الحقيقة، ولا الواقعة التي استمدت منها اتجاه إرادته إلى استعمال المحرر مع علمه بتزويره، فإن الحكم يكون قد أقام الركن المعنوي على مجرد الاستنتاج، ولم يكشف عن عناصره أو مصدر استخلاصه، بما يعجز معه المتهم ومحكمة الطعن عن الوقوف على الأساس الذي أقيم عليه هذا الجزء الجوهري من الإدانة.
ولا يغير من ذلك ما للمحكمة من سلطة في استخلاص القصد الجنائي من ظروف الدعوى وملابساتها، إذ إن هذه السلطة مشروطة بأن يكون استخلاصها سائغاً، وأن تكون مقدماته ثابتة بالأوراق ومؤدية عقلاً إلى النتيجة التي انتهت إليها. أما إذا كانت المقدمات لا تكشف عن العلم بالتزوير، أو كانت تحتمل تفسيراً آخر سائغاً يتفق مع اعتقاد المتهم بقيام سلطته وصحة تصرفه، فلا يجوز أن يتحول الاحتمال إلى يقين جنائي، ولا أن يُفترض القصد الجنائي افتراضاً.
ومن ثم، فإن قصور الحكم في استظهار الدليل على علم المتهم الأول بتغيير الحقيقة، وقصوره كذلك في استظهار اتجاه إرادته إلى استعمال المحرر مع علمه بتزويره، مع قيام سند وكالة رسمي كان قائماً وقت التصرف وثبوت امتداد نطاقه – وفقاً لما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق – إلى التصرف محل الاتهام، يجعل الركن المعنوي للجريمة غير مستظهر على النحو الذي تتطلبه الإدانة الجنائية، ويحول دون حمل الحكم على هذا الأساس.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لقصور الحكم في استظهار الركن المعنوي لجريمة التزوير، وعدم ثبوت علمه بتغيير الحقيقة، وعدم قيام الدليل اليقيني على اتجاه إرادته إلى استعمال المحرر مع علمه بتزويره، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع بأي حال من الأحوال عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة وسادس عشر: قصور الحكم في استظهار القصد الجنائي في جريمة الاستعمال، لعدم بيان علم المتهم الأول بعدم صحة المحرر أو عدم مشروعية السلطة التي صدر بموجبها، وعدم كفاية مجرد استعمال المحرر لإثبات هذا العلم
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه القصور في استظهار القصد الجنائي اللازم لقيام جريمة استعمال المحرر محل الاتهام، إذ لم يبين الدليل الذي استخلص منه علم المتهم الأول بعدم صحة المحرر أو بعدم مشروعية السلطة التي صدر بموجبها، ولم يكشف عن الواقعة أو القرينة التي تدل على أنه كان يعلم – وقت استعمال المحرر – بأنه يستعمل محرراً غير صحيح أو أنه يستعمله في غير الحدود التي تخوله إياها صفته التمثيلية، وإنما عوّل – في حقيقة الأمر – على مجرد ثبوت الاستعمال، وهو ما لا يكفي بذاته لإثبات العلم الذي يتطلبه القصد الجنائي.
ذلك أن جريمة استعمال المحرر المزور لا تقوم بمجرد تقديم المحرر أو التمسك به أو ترتيب أثر عليه، وإنما يلزم فوق ذلك ثبوت علم المستعمل بتزوير المحرر وقت استعماله، واتجاه إرادته إلى استعماله على هذا النحو. ومن ثم فإن عنصر العلم ليس أمراً مفترضاً في حق من صدر عنه الاستعمال، ولا يجوز استخلاصه من مجرد الحيازة أو التقديم أو التمسك بالمحرر دون بيان الظروف والوقائع التي تكشف عن علمه بعدم صحته.
والثابت في الدعوى أن المتهم الأول لم يكن يتعامل مع محرر مجهول المصدر أو مستند مصطنع لا يعلم أساسه، وإنما كان يستند إلى توكيل رسمي موثق رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، صادر من صاحبة الشأن، وكان قائماً وقت مباشرته التصرف محل الاتهام، كما أنه لم يخف صفته ولم يقدم نفسه باعتباره صاحبة الشأن، وإنما باشر التوقيع والإجراءات بصفته وكيلاً عنها.
وهذه الظروف لا تُنشئ بذاتها حكماً بانتفاء القصد الجنائي، إلا أنها تكشف عن أساس موضوعي جدي لاعتقاد المتهم الأول بمشروعية مصدر سلطته وبصحة الإجراء الذي باشره، ومن ثم كان يتعين على الحكم – إذا انتهى رغم ذلك إلى توافر العلم – أن يبين الدليل المستقل الذي يفيد أن المتهم كان يعلم، عند استعمال المحرر، بعدم صحة ما ورد به أو بعدم مشروعية السلطة التي استند إليها.
ويزداد الأمر وضوحاً في ضوء ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، من أن التوكيل المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
فهذا المستند الرسمي لا يُنشئ سلطة للمتهم الأول بأثر لاحق، وإنما يتعلق بتفسير نطاق سلطة كانت قائمة أصلاً بموجب سند وكالة سابق على التصرف، وهو ما كان يتعين على الحكم أن يضعه في اعتباره عند بحث الحالة الذهنية للمتهم الأول، ولا سيما أن العلم بعدم مشروعية السلطة أمر يختلف عن مجرد القول لاحقاً بوجود خلاف حول مدى امتدادها.
ومن ثم، فإن القول بأن المتهم الأول كان يعلم بعدم مشروعية السلطة التي صدر بموجبها المحرر لا يمكن استخلاصه لمجرد أن صاحبة الشأن نازعت لاحقاً في التصرف أو اعترضت على آثاره، أو لم توافق على النتيجة التي انتهى إليها تعديل عقد الشركة؛ إذ إن هذه الوقائع – بفرض ثبوتها – لا تكشف بذاتها عن الحالة النفسية للمتهم الأول وقت استعمال المحرر، ولا تثبت أنه كان يعلم في ذلك الوقت أن سلطته غير قائمة أو غير ممتدة إلى التصرف محل الاتهام.
كما أن إلغاء الوكالة في تاريخ لاحق على التوقيع لا يصلح بذاته دليلاً على توافر العلم بعدم مشروعيتها وقت الاستعمال، إذ لا يستقيم عقلاً وقانوناً أن يستخلص من واقعة لاحقة علم سابق ما لم توجد بالأوراق قرائن مستقلة تربط بين الواقعتين وتكشف على وجه سائغ عن أن المتهم كان يعلم وقت الاستعمال بزوال سلطته أو عدم امتدادها.
وكان يتعين على الحكم كذلك أن يميز بين علم المتهم الأول بوجود المحرر وعلمه بمضمونه من ناحية، وبين علمه بأنه محرر غير صحيح أو أن استعماله غير مشروع من ناحية أخرى. فالعلم بمحتوى عقد تعديل الشركة لا يعني حتماً العلم بعدم صحة المحرر، والعلم بأن حصص الشركاء قد تغيرت لا يعني بذاته العلم بأن هذا التغيير قد تم بطريق غير مشروع، كما أن العلم بوجود خلاف بين الأطراف لا يساوي العلم بأن المحرر مزور.
وهذا التمييز جوهري في الدعوى الماثلة، لأن المتهم الأول كان يعلم بطبيعة التصرف الذي باشره، ولم ينازع في أنه وقع بصفته وكيلاً، إلا أن علمه بمضمون التصرف لا يؤدي بذاته إلى القول بعلمه بأنه يستعمل محرراً مزوراً. فالركن المعنوي لجريمة الاستعمال يتطلب علماً نوعياً يتجه إلى عدم صحة المحرر أو تزويره، وليس مجرد العلم بوجود المحرر أو بما تضمنه من بيانات.
وإذا كان الحكم قد استخلص العلم من مجرد تقديم المحرر إلى الهيئة العامة للاستثمار أو من اتخاذ الإجراءات الرسمية بناءً عليه، فإن هذا الاستدلال لا يكون كافياً بذاته؛ لأن استعمال المحرر هو السلوك المادي الذي تقوم عليه الجريمة، ولا يجوز اتخاذ ذات الفعل الذي يتطلب القانون اقترانه بالعلم دليلاً تلقائياً على توافر العلم فيه، وإلا أصبح القصد الجنائي مفترضاً بمجرد تحقق الفعل المادي، وهو ما يفرغ الركن المعنوي من مضمونه المستقل.
بل إن تقديم المحرر إلى الجهة المختصة في إطار إجراءات رسمية، مع الإفصاح عن صفة المتهم الأول كوكيل وتقديم سند الوكالة الذي يستند إليه، يمثل واقعة موضوعية كان يتعين على الحكم بحث دلالتها عند تقدير العلم؛ إذ تختلف دلالة من يخفي مصدر المستند أو صفته عن دلالة من يقدم سند وكالته إلى الجهة المختصة ويباشر الإجراء علناً وبصفته المعلنة.
ولا يعني ذلك أن اتخاذ الإجراءات الرسمية يضفي بذاته المشروعية على التصرف أو ينفي المسؤولية الجنائية، وإنما مؤداه أن هذه الظروف لا يجوز إغفالها عند البحث عن الدليل على علم المتهم بعدم صحة المحرر أو عدم مشروعية سلطته، ولا سيما إذا لم تقدم النيابة دليلاً مستقلاً يكشف عن هذا العلم.
كما أن الحكم، إذا عوّل على أقوال بعض الشهود أو الموظفين لإثبات علم المتهم الأول، كان يتعين عليه أن يبين كيف كشفت هذه الأقوال عن حالته الذهنية تحديداً، وما الواقعة التي أدركها الشاهد والتي يستفاد منها أن المتهم كان يعلم بعدم صحة المحرر وقت استعماله. أما مجرد شهادة الشاهد بأن الوكالة – في تقديره – لا تشمل التصرف، أو أن صاحبة الشأن لم تكن ترغب في إتمامه، فلا يكفي بذاته لإثبات أن المتهم كان يعلم بعدم مشروعية استعمال المحرر.
ولا سيما أن تحديد نطاق الوكالة ذاته كان محل فحص رسمي، وقد انتهت الإدارة العامة للتوثيق إلى نتيجة تؤيد امتدادها إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء. ومهما يكن من مدى حجية هذه المذكرة أمام المحكمة الجنائية، فإنها تظل واقعة موضوعية جوهرية تكشف أن المسألة لم تكن من البساطة والوضوح بحيث يفترض معها علم المتهم الأول حتماً بعدم مشروعية سلطته.
ومن ثم، فإن اختلاف التقدير حول نطاق الوكالة لا يكفي وحده لإثبات القصد الجنائي في جريمة الاستعمال، لأن الخلاف حول التكييف القانوني لحدود السلطة يظل أمراً مغايراً لإثبات أن المتهم كان يعلم وقت الاستعمال بأن المحرر غير صحيح أو أن سلطته غير مشروعة، ثم اتجهت إرادته رغم ذلك إلى استعماله.
وإذا كان الحكم قد أقام العلم على مجرد كون المتهم الأول هو من وقع على المحرر أو من قدمه إلى الجهة المختصة، فإنه يكون قد خلط بين الفعل المادي للاستعمال وبين القصد الجنائي المصاحب له، إذ إن ثبوت الاستعمال لا يغني عن إثبات العلم، ولا يجوز أن يكون وجود المحرر واستعماله هو الدليل الوحيد على أن المتهم كان يعلم بعدم صحته.
وكان يتعين على الحكم أن يستظهر، في أسباب سائغة ومحددة، الواقعة التي ثبت منها العلم، وأن يبين توقيت هذا العلم، وهل كان قائماً قبل الاستعمال أو معاصراً له، وأن يوضح وجه اتصال الدليل بهذا العلم تحديداً، لأن العلم اللاحق – بفرض ثبوته – لا يكفي بذاته لإثبات القصد وقت وقوع الاستعمال ما لم يثبت أن المتهم كان عالماً بعدم صحة المحرر في اللحظة التي استعمله فيها.
والثابت من الأوراق، بحسب دفاع المتهم الأول، أنه لم يباشر الاستعمال استناداً إلى مستند مجهول المصدر أو إلى صفة منتحلة، وإنما استند إلى وكالة رسمية قائمة، وباشر الإجراءات في إطار صفته المعلنة كوكيل، فضلاً عن أن إلغاء الوكالة قد وقع لاحقاً على التصرف، وأن الجهة المختصة بالتوثيق انتهت لاحقاً إلى أن نطاق الوكالة يشمل التصرف محل الاتهام. وهذه الوقائع جميعها كان يتعين على الحكم أن يواجهها عند استظهار القصد الجنائي في جريمة الاستعمال.
فإذا لم يبين الحكم الدليل الذي استخلص منه علم المتهم الأول بعدم صحة المحرر، ولم يبين كذلك الدليل على علمه بعدم مشروعية السلطة التي صدر المحرر بموجبها، ولم يجاوز في إثبات ذلك مجرد القول بثبوت الاستعمال، فإنه يكون قد أقام القصد الجنائي على افتراض لا على دليل، وأهدر استقلال الركن المعنوي عن الركن المادي.
ولا يغير من ذلك ما للمحكمة من سلطة في استخلاص القصد الجنائي من ظروف الدعوى وملابساتها، إذ إن هذه السلطة لا تعني افتراض العلم، وإنما تستلزم أن تكون النتيجة التي انتهت إليها المحكمة مستخلصة من وقائع ثابتة بالأوراق تؤدي إليها عقلاً ومنطقاً. فإذا كانت ذات الوقائع تحتمل تفسيراً سائغاً يتفق مع اعتقاد المتهم الأول بمشروعية سلطته وصحة المحرر، ولا توجد قرينة مستقلة تقطع بعلمه بعكس ذلك، فإن الإدانة لا تستقيم على مجرد الاحتمال.
ومن ثم، يكون الحكم المعارض فيه قد قصر في استظهار القصد الجنائي الخاص بجريمة الاستعمال، ولم يبين الدليل الذي يكشف عن علم المتهم الأول بعدم صحة المحرر أو عدم مشروعية السلطة التي صدر بموجبها، كما لم يبين واقعة مستقلة تكشف عن اتجاه إرادته إلى استعمال المحرر مع علمه بتزويره، الأمر الذي يعيبه بالقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال، ويحول دون الاطمئنان إلى توافر الركن المعنوي للجريمة.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لعدم ثبوت القصد الجنائي في جريمة الاستعمال، وعدم قيام الدليل اليقيني على علمه بعدم صحة المحرر أو عدم مشروعية السلطة التي صدر بموجبها، وعدم كفاية مجرد استعمال المحرر لإثبات هذا العلم، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع بأي حال من الأحوال عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة وسابع عشر: فساد الاستدلال في استخلاص القصد الجنائي من مجرد صلة المتهم الأول بالشركة أو استفادته من آثار تعديلها، دون إثبات علمه بانعدام سلطة الوكيل أو اتجاه إرادته إلى تحقيق نتيجة غير مشروعة بطريق التدليس
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه الفساد في الاستدلال، إذ – وعلى فرض ما انتهى إليه من قيام صلة للمتهم الأول بالشركة أو استفادته من بعض الآثار المترتبة على تعديل عقدها – أقام من هذه الصلة أو تلك الاستفادة دليلاً على توافر القصد الجنائي لجريمة التزوير، دون أن يستظهر الدليل المستقل الذي يكشف عن علم المتهم الأول بانعدام سلطة الوكيل أو اعتقاده بعدم امتداد سند الوكالة إلى التصرف محل الاتهام، ودون أن يثبت أن إرادته قد اتجهت إلى تغيير الحقيقة في محرر تغييراً مؤثماً بقصد استعماله للوصول إلى نتيجة غير مشروعة بطريق التدليس.
ذلك أن القصد الجنائي في جريمة التزوير لا يُستخلص لمجرد قيام علاقة أو مصلحة للمتهم بالتصرف محل الاتهام، وإنما يتعين أن يكشف الحكم عن الظروف والوقائع التي استخلص منها تحديداً أن المتهم كان يعلم بحقيقة عدم مشروعية ما يباشره، وأن إرادته قد اتجهت – رغم هذا العلم – إلى تغيير الحقيقة في المحرر واستعماله على هذا النحو.
والفارق جوهري بين العلم بوجود التصرف وآثاره وبين العلم بأن المحرر قد تضمن تغييراً للحقيقة على نحو مؤثم جنائياً. فقد يعلم الشخص أن تعديلاً قد طرأ على عقد الشركة، وقد يكون له مصلحة في نتائجه، دون أن يعني ذلك حتماً علمه بأن التوقيع الذي تم بموجبه قد صدر بغير سلطة، أو أن الوكيل قد تجاوز حدود وكالته، أو أن المحرر قد اشتمل على تغيير للحقيقة، أو أن استعماله سوف يشكل جريمة.
والثابت في الواقعة محل الاتهام – بحسب المستندات الرسمية القائمة بالأوراق – أن المتهم الأول لم يكن يتصرف في الخفاء أو متنكراً في شخصية صاحبة الشأن، وإنما كان التوقيع قد صدر منه بصفته وكيلاً عنها، استناداً إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو سند وكالة كان قائماً وقت مباشرة التصرف. وقد تعزز ذلك بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 من أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
ومن ثم، فإن القول بتوافر القصد الجنائي لمجرد صلة المتهم الأول بالشركة أو استفادته من أثر من آثار التعديل يتجاهل واقعة جوهرية مؤداها أن مصدر السلطة الذي استند إليه المتهم الأول كان محرراً رسمياً قائماً ومعلوماً، وأن نطاق هذه السلطة لم يكن – بحسب المذكرة الرسمية المشار إليها – مقصوراً على إجراء لا صلة له بالتعديل، وإنما امتد إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
ولا يكفي للقول بتوافر القصد الجنائي أن يقال إن المتهم الأول كان يعلم بالتعديل أو استفاد من نتيجته؛ إذ إن هذا العلم – حتى على فرض ثبوته – لا يساوي العلم بانعدام السلطة، كما أن الاستفادة من النتيجة لا تساوي اتجاه الإرادة إلى ارتكاب فعل تزوير. ويتعين أن يقيم الحكم رابطة منطقية واضحة بين الوقائع التي أثبتها وبين النتيجة التي انتهى إليها، بحيث تكون النتيجة مستمدة من مقدمات ثابتة ومؤدية إليها، لا من مجرد افتراض أن صاحب المصلحة لا بد أن يكون عالماً بعدم مشروعية الوسيلة التي تحققت بها تلك المصلحة.
وإذا كان الحكم قد اتخذ من الاستفادة من تعديل الحصص قرينة على العلم بالتزوير، فإنه يكون قد قلب ترتيب الإثبات؛ إذ افترض العلم بالتزوير من مجرد تحقق النتيجة، ثم اتخذ النتيجة نفسها دليلاً على القصد الجنائي، دون أن يثبت أولاً أن المتهم كان يعلم أن الحقيقة قد جرى تغييرها وأن التوقيع قد صدر بغير سند من السلطة. وهذا استدلال لا يؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها الحكم، لأن تحقق المصلحة أو الاستفادة لا يكشف بذاته عن العلم بالوسيلة غير المشروعة المزعومة.
كما أن القصد الجنائي لا يستخلص من مجرد قيام رابطة بين المتهم والشركة، لأن العلاقة بالشركة لا تكشف بذاتها عن العلم القانوني الدقيق بحدود الوكالة ولا عن الاعتقاد بانعدام سلطة الوكيل. ولا سيما إذا كان سند الوكالة ذاته محرراً رسمياً يتضمن سلطات واسعة في مجال إنشاء وتعديل الشركات، وكان التصرف قد تم في إطار إجراءات رسمية، وكان الوكيل قد أفصح عن صفته في المحرر ولم ينتحل شخصية الأصيل.
ومن ناحية أخرى، فإن الحكم – حتى إذا افترض علم المتهم الأول بحدوث تعديل في حصص الشركاء – كان يتعين عليه أن يبين الدليل الذي استخلص منه علمه بأن هذا التعديل قد تم بطريق غير مشروع، وأن المتهم كان يعلم تحديداً أن الوكيل قد تجاوز حدود سلطته، وأنه مع هذا العلم اتجهت إرادته إلى استعمال المحرر لتحقيق النتيجة محل الاتهام. أما الانتقال مباشرة من مجرد العلم بالتصرف إلى العلم بالتزوير، ومن الاستفادة من النتيجة إلى توافر القصد الجنائي، فهو انتقال غير سائغ ولا يقوم على لازم منطقي.
ويزداد ضعف هذا الاستدلال إذا وضع في الاعتبار أن الوكالة لم تكن وكالة صورية أو مستحدثة بعد الواقعة، وإنما كانت وكالة رسمية سابقة على التصرف بسنوات، وأن إلغاءها – بحسب الثابت بالأوراق – وقع لاحقاً على التوقيع بموجبها. كما أن المذكرة الرسمية للإدارة العامة للتوثيق قد انتهت بعد فحص سند الوكالة إلى أنها تشمل التوقيع على عقود تعديل الشركات والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء. وهذه الملابسات لا تثبت وحدها انتفاء القصد الجنائي، لكنها تمثل ظروفاً موضوعية جوهرية كان يتعين على الحكم أن يبحث أثرها في مدى إمكان استخلاص علم المتهم بانعدام السلطة المزعوم.
فليس منطقياً أن يستخلص الحكم علماً جنائياً خاصاً من مجرد الاستفادة من تصرف قام به وكيل يحمل سند وكالة رسمياً، ثم يتجاهل في الوقت ذاته أن مدى سلطة ذلك الوكيل كان محل فحص رسمي انتهى إلى نتيجة مؤيدة لامتدادها إلى التصرف محل الاتهام. وإذا أراد الحكم أن يطرح هذه الدلالة ويخلص رغمها إلى علم المتهم بانعدام السلطة، فقد كان لزاماً عليه أن يكشف عن دليل مستقل وقاطع يثبت أن المتهم كان يعلم خلاف ما يفيده سند الوكالة وما انتهت إليه الجهة المختصة بشأن نطاقها.
كما أن القول بأن المتهم قصد تحقيق نتيجة غير مشروعة بطريق التدليس يستلزم تحديد ماهية التدليس ذاته، وبيان وسيلته، وتحديد الحقيقة التي أراد المتهم تغييرها، وبيان علمه بأنها غير صحيحة أو أن المحرر لا يعبر عنها، ثم بيان كيفية اتجاه إرادته إلى استعمال المحرر للوصول إلى النتيجة غير المشروعة. أما إطلاق القول بوجود «مصلحة» أو «استفادة» أو «صلة بالشركة» دون تفصيل هذه العناصر، فلا يكفي لاستخلاص القصد الجنائي الخاص اللازم لجريمة التزوير.
ولا يجوز كذلك الخلط بين الباعث على التصرف وبين القصد الجنائي في التزوير؛ فحتى لو ثبت أن للمتهم مصلحة في النتيجة التي ترتبت على تعديل الشركة، فإن المصلحة – في ذاتها – لا تثبت العلم بتغيير الحقيقة ولا تثبت إرادة ارتكاب فعل التزوير. فقد تكون المصلحة باعثاً مفترضاً، ولكنها لا تقوم مقام الدليل على الركن المعنوي للجريمة، ولا تعفي المحكمة من إثبات العلم والإرادة بعناصرهما التي يتطلبها القانون.
ومن ثم، فإن استخلاص القصد الجنائي من مجرد صلة المتهم الأول بالشركة أو من استفادته من آثار التعديل، دون تحديد دليل مستقل على علمه بانعدام سلطة الوكيل، ودون إثبات اتجاه إرادته إلى تغيير الحقيقة أو استعمال محرر يعلم أنه مزور، يكون استخلاصاً قائماً على الاحتمال لا على اليقين، وعلى افتراض العلم بدلاً من إثباته.
وإذا كان الحكم قد أغفل كذلك مواجهة ما تمسك به الدفاع من قيام الوكالة الرسمية وقت التصرف، ومن إفصاح المتهم الأول عن صفته كوكيل، ومن ثبوت امتداد نطاق الوكالة رسمياً إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات، ومن كون إلغاء الوكالة قد تم لاحقاً على التوقيع، فإن إغفال هذه العناصر الجوهرية يحول دون سلامة استخلاص القصد الجنائي، لأنها جميعاً وقائع موضوعية لها أثر مباشر في تحديد ما إذا كان المتهم قد باشر التصرف وهو يعلم أنه بغير سلطة، أم كان يباشره معتقداً – استناداً إلى سند رسمي قائم – أنه يعمل في حدود السلطة المخولة له.
ولا يغير من ذلك أن المحكمة الجنائية لها أن تستخلص القصد الجنائي من ظروف الدعوى وملابساتها، إذ إن سلطة الاستنباط لا تعني افتراض القصد من مجرد وجود مصلحة، وإنما يشترط أن يكون استخلاصه سائغاً، وأن تكون الوقائع الثابتة التي أقيم عليها هذا الاستخلاص صالحة عقلاً ومنطقاً لحمل النتيجة التي انتهى إليها الحكم. أما إذا كانت الوقائع الثابتة تحتمل – في ضوء سند وكالة رسمي قائم ودلالة رسمية مؤيدة لنطاقه – تفسيراً معقولاً مؤداه أن المتهم كان يعتقد بقيام سلطة الوكيل، فلا يجوز إهدار هذا الاحتمال بمجرد افتراض أن الاستفادة من النتيجة تعني حتماً العلم بعدم مشروعية الوسيلة.
وبذلك يكون الحكم قد خلط بين ثلاثة أمور متغايرة: العلم بوجود التصرف، والعلم بآثاره أو الاستفادة منها، والعلم بأن الوسيلة التي تم بها التصرف تمثل تغييراً للحقيقة مع اتجاه الإرادة إلى استعمالها لتحقيق نتيجة غير مشروعة؛ وهي أمور لا يترتب أحدها على الآخر حتماً، ولا يكفي إثبات الأول أو الثاني لإثبات الثالث.
ومتى كان الدليل الذي استند إليه الحكم لا يجاوز مجرد الصلة بالشركة أو الاستفادة من آثار التعديل، دون أن يكشف عن علم المتهم الأول بانعدام سلطة الوكيل أو عن علمه بوقوع تغيير للحقيقة، ودون أن يثبت اتجاه إرادته إلى استعمال محرر يعلم أنه مزور لتحقيق نتيجة غير مشروعة بطريق التدليس، فإن هذا الدليل لا يصلح وحده لحمل النتيجة التي انتهى إليها الحكم بشأن القصد الجنائي.
ومن ثم، فإن القصد الجنائي يكون غير ثابت في حق المتهم الأول ثبوتاً يقينياً، ويكون استخلاص الحكم له من مجرد الصلة بالشركة أو الاستفادة من آثار تعديلها قد جاء فاسداً في استدلاله، قاصراً عن حمل النتيجة التي رتبها عليه، الأمر الذي يتعين معه القضاء ببراءة المتهم الأول مما أسند إليه، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة وثامن عشر: جوهرية المستندات والتعاملات السابقة في إثبات حسن النية والحالة الذهنية للمتهم الأول، ووجوب تمحيصها استقلالاً، لما لها من اتصال مباشر بعنصر العلم والإرادة وقت مباشرة التصرف
يتمسك المتهم الأول بأن المستندات والتعاملات السابقة على الواقعة محل الاتهام ليست من قبيل الأدلة الثانوية أو الملابسات الهامشية التي يجوز للمحكمة تجاوزها دون بحث، وإنما هي عناصر موضوعية سابقة على التصرف محل الاتهام، تتصل اتصالاً مباشراً بالحالة الذهنية للمتهم الأول وقت مباشرته للتصرف، وتكشف عن الأساس الذي استند إليه في اعتقاده بقيام سلطته التمثيلية ومشروعية مباشرته للإجراء محل الاتهام، ومن ثم فإن إغفالها أو عدم تمحيص دلالتها على استقلال يعيب الحكم في استدلاله متى كان قد عوّل على القصد الجنائي واستخلص علم المتهم بعدم مشروعية التصرف.
ذلك أن البحث في القصد الجنائي لا ينفصل عن الظروف الموضوعية التي أحاطت بالمتهم وقت ارتكاب الفعل، ولا سيما عندما يكون مناط الاتهام قائماً على القول بأن المتهم كان يعلم أن سلطته غير قائمة أو أنه كان يعلم أن المحرر الذي يوقعه يتضمن تغييراً للحقيقة، ثم اتجهت إرادته رغم ذلك إلى استعماله لتحقيق نتيجة غير مشروعة. ففي هذه الحالة تصبح الوقائع السابقة على التصرف ذات دلالة مباشرة على ما إذا كان هذا العلم قد توافر بالفعل أم أن المتهم كان يتصرف بناءً على اعتقاد جدي ومستند إلى أسباب موضوعية بقيام سلطته ومشروعية الإجراء.
والثابت في الدعوى أن المتهم الأول لم يظهر فجأة عند تحرير المحرر محل الاتهام، ولم ينشأ ارتباطه بالواقعة من فعل منفرد منعزل عن كل سياق سابق، وإنما سبق التصرف محل الاتهام تعاملات ومستندات وإجراءات رسمية ذات صلة بالعلاقة محل النزاع وبالوكالة وبالشركة، وهي وقائع يتعين النظر إليها في مجموعها للكشف عن الحالة الذهنية التي كان عليها المتهم الأول وقت مباشرة التصرف، ولا يجوز فصلها عن الواقعة محل الاتهام ثم استخلاص القصد الجنائي من النتيجة اللاحقة وحدها.
وتأتي في مقدمة هذه المستندات الوكالة الرسمية رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهي ليست مستنداً لاحقاً أُنشئ لتبرير التصرف محل الاتهام، وإنما محرر رسمي سابق عليه بسنوات، صدر قبل الواقعة محل الاتهام، وتضمن سلطات تمثيلية للمتهم الأول في مجال إنشاء وتأسيس الشركات والتوقيع على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الجهات المختصة. ومن ثم فإن وجود هذا السند في حيازة المتهم الأول واستناده إليه وقت التصرف يمثل واقعة موضوعية سابقة ومباشرة الصلة بتحديد ما إذا كان يعلم بانعدام سلطته أم كان يعتقد بقيامها.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال أن المتهم الأول لم يباشر التوقيع متخفياً أو منتحلاً شخصية صاحبة الشأن، وإنما أفصح عن صفته كوكيل، وربط توقيعه بسند الوكالة، بما يكشف عن أن مباشرته للتصرف كانت – بحسب ظاهر الأوراق وسياق التعامل – قائمة على استعمال سند قانوني معلوم، وليس على محاولة إخفاء حقيقة صفته أو اصطناع مركز قانوني وهمي.
كما أن التعاملات والإجراءات الرسمية السابقة واللاحقة التي اتصلت بالوكالة وبالتصرف محل الاتهام تكتسب أهمية في الكشف عن مدى اعتقاد المتهم الأول بمشروعية ما يباشره؛ ذلك أن سلوك المتهم قبل الواقعة، وما إذا كان قد اتخذ إجراءات علنية ورسمية، وما إذا كان قد قدم سند الوكالة إلى الجهات المختصة، وما إذا كان قد باشر التعامل على أساس صفته المعلنة، كلها عناصر يمكن أن تكشف عن حالته الذهنية بصورة أكثر دقة من مجرد الاستنتاج المستخلص من النتيجة النهائية للتصرف.
ولا يعني ذلك أن كل تعامل سابق يمثل دليلاً قاطعاً على حسن النية، وإنما مؤداه أن هذه التعاملات – متى كانت ثابتة بالمستندات ومتصلة بالواقعة – لا يجوز إهدارها أو اختزالها في مجرد قرائن ثانوية، لأنها قد تحمل دلالة مباشرة على العلم أو انتفائه. فإذا كان الاتهام يقوم على أن المتهم كان يعلم بانعدام سلطة الوكيل، فإن كل واقعة سابقة تثبت أنه كان يتعامل على أساس وكالة رسمية قائمة أو أن هذه الوكالة كانت محل اعتماد أو تعامل رسمي تصبح ذات صلة مباشرة بالسؤال المطروح على المحكمة: ماذا كان المتهم يعلم، وماذا كان يعتقد، وقت مباشرته للتصرف؟
وتزداد أهمية هذه المستندات في ضوء ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة الرسمية لا تُطرح هنا باعتبارها منشئة لحسن النية أو حاسمة وحدها للمسؤولية الجنائية، وإنما باعتبارها عنصراً موضوعياً مؤيداً لسياق سابق كان قائماً وقت التصرف، ويؤكد أن الاعتقاد بامتداد سلطة الوكالة إلى التعديل محل الاتهام لم يكن اعتقاداً مجرداً أو وهماً شخصياً لا سند له، وإنما له أساس في صياغة سند رسمي وفي فهم فني صادر عن الجهة المختصة بالتوثيق.
ومن ثم، فإن إغفال هذه المستندات والتعاملات السابقة أو عدم بيان أثرها في تكوين عقيدة المحكمة بشأن القصد الجنائي يؤدي إلى فصل الحالة الذهنية للمتهم عن الظروف التي نشأت فيها، ثم استنتاج العلم الجنائي من مجرد النتيجة التي ترتبت على التصرف. وهذا مسلك لا يستقيم مع طبيعة القصد الجنائي الذي يتعين استخلاصه من ظروف الواقعة وملابساتها كافة، لا من واقعة لاحقة أو نتيجة منفردة يتم عزلها عن السياق الذي سبقها.
فإذا كان الحكم قد استخلص علم المتهم الأول بعدم مشروعية التوقيع من استفادته من تعديل الحصص أو من صلته بالشركة، دون أن يواجه في المقابل وجود وكالة رسمية سابقة، والتعاملات والإجراءات التي تمت على أساسها، وإفصاح المتهم عن صفته كوكيل، وما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق من امتداد نطاق الوكالة إلى التصرف محل الاتهام، فإنه يكون قد أخذ بجزء من الصورة الواقعية وأغفل الجزء الآخر الذي قد يغير وجه الرأي في مدى توافر العلم الجنائي.
ذلك أن الدليل على الحالة الذهنية لا يستمد بالضرورة من اعتراف صريح بالعلم، وإنما يستخلص من الوقائع المحيطة بالفعل، ومن ثم فإن الوقائع التي تنشئ احتمالاً جدياً لاعتقاد المتهم بمشروعية تصرفه تكون ذات صلة مباشرة بنفي العلم الجنائي، ولا يجوز وصفها بأنها مجرد قرائن ثانوية متى كانت ثابتة بالأوراق ومتصلة زمنياً وموضوعياً بالفعل محل الاتهام.
ويتعين بصفة خاصة التمييز بين الاعتقاد الخاطئ المجرد الذي لا يستند إلى أي أساس موضوعي، وبين الاعتقاد الذي يقوم على سند رسمي قائم وقت التصرف، وعلى تعاملات وإجراءات سابقة، وعلى ممارسة علنية للصفة التمثيلية، وعلى عدم وجود واقعة ثابتة تفيد أن المتهم كان يعلم بزوال سلطته أو تجاوز حدودها. فالأخير يمثل واقعة موضوعية لها أثر مباشر في تقدير مدى توافر القصد الجنائي، حتى وإن لم تكن وحدها حاسمة فيه.
كما أن ترتيب الوقائع زمنياً يكشف أهمية هذه المستندات؛ فالوكالة سابقة على التصرف، والتوقيع تم أثناء قيامها، والإلغاء – بحسب الثابت بالأوراق – جاء لاحقاً، والمذكرة الرسمية التي بحثت نطاقها انتهت إلى امتدادها إلى تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء. وهذه السلسلة الزمنية لا يجوز تفكيكها بحيث يُنظر فقط إلى النتيجة النهائية للتعديل، ثم يستخلص منها أن المتهم كان منذ البداية يعلم بعدم مشروعية ما يباشره.
وإذا كان الاتهام قد افترض أن المتهم الأول كان يعلم بانعدام سلطة الوكيل، فقد كان يتعين أن يقدم الحكم واقعة أو دليلاً مستقلاً يكشف عن هذا العلم، كأن يثبت أنه كان قد أُخطر قبل التصرف بزوال الوكالة، أو ثبت علمه بقيد صريح يحول دون مباشرة الإجراء، أو ثبت أنه تعمد إخفاء صفته أو استعمل وسيلة تدليسية لإيهام الغير بقيام سلطة غير موجودة. أما مع قيام سند رسمي سابق ومعلن، ومباشرة التصرف في إطار الصفة التمثيلية، وعدم ثبوت علم سابق بزوال السلطة، فإن مجرد تحقق مصلحة من التصرف لا يكفي وحده لإثبات العلم الجنائي.
ومن ناحية أخرى، فإن التعاملات السابقة قد تكون ذات دلالة خاصة في الرد على الاستدلال الذي يستند إلى «المصلحة»؛ إذ لا يجوز افتراض أن وجود مصلحة لاحقة يعني حتماً أن المتهم قد خطط ابتداءً لتغيير الحقيقة. فالمصلحة قد تكون نتيجة طبيعية لتصرف كان المتهم يعتقد مشروعيته، بينما القصد الجنائي يفترض علماً وإرادة تتجهان إلى الفعل المؤثم ذاته، لا إلى مجرد تحقيق منفعة قد ترتبت عليه.
وإذا كانت المحكمة قد طرحت هذه المستندات والتعاملات السابقة، فقد كان يتعين عليها أن تبين سبب طرحها، وأن تواجه دلالتها الجوهرية، ولا سيما إذا كانت قد اتخذت من الحالة الذهنية للمتهم أساساً للإدانة. أما السكوت عنها أو معاملتها باعتبارها مجرد أمور ثانوية لا أثر لها، مع كونها سابقة على الواقعة ومتصلة مباشرة بمصدر سلطة المتهم وباعتقاده بمشروعيتها، فإنه يحول دون الوقوف على الأساس الحقيقي الذي استخلصت منه المحكمة القصد الجنائي.
ولا يغير من ذلك أن تقدير الأدلة من سلطة محكمة الموضوع، إذ إن هذه السلطة تفترض أن تكون المحكمة قد أحاطت بالدليل المطروح عليها وأعملت أثره في حدود دلالته، وأن تكون النتيجة التي انتهت إليها مستمدة من مجموع عناصر الدعوى لا من انتقاء بعضها وإغفال البعض الآخر. فإذا كان الدليل المستبعد أو المغفول من شأنه – لو صح واستُظهر أثره – أن يغير وجه الرأي في توافر القصد الجنائي، أصبح بحثه والرد عليه أمراً جوهرياً لا يجوز تجاوزه.
وبذلك، فإن المستندات والتعاملات السابقة لا يتمسك بها المتهم الأول باعتبارها دليلاً شكلياً على حسن النية فحسب، وإنما باعتبارها عناصر واقعية تكشف عن البيئة القانونية والعملية التي باشر فيها التصرف، وعن مصدر اعتقاده بقيام سلطته، وعن انتفاء ما يدل على علمه المسبق بانعدامها، وهي جميعاً مسائل تتصل اتصالاً مباشراً بعنصري العلم والإرادة اللذين يقوم عليهما القصد الجنائي.
ومتى كانت هذه العناصر ثابتة بالأوراق، وكان لها اتصال مباشر بالحالة الذهنية للمتهم الأول وقت التصرف، وكان الحكم قد استخلص القصد الجنائي من مجرد الصلة بالشركة أو الاستفادة من آثار التعديل دون أن يمحص تلك العناصر السابقة ويوازن بينها وبين ما استند إليه من قرائن، فإن استخلاصه للقصد يكون قد جاء مبتسراً وفاسداً في الاستدلال، ولا سيما مع قيام سند وكالة رسمي سابق على التصرف ثبت رسمياً امتداد نطاقه إلى التصرف محل الاتهام.
ومن ثم، فإن المتهم الأول يتمسك بوجوب تمحيص جميع المستندات والتعاملات السابقة على الواقعة محل الاتهام باعتبارها أدلة ووقائع جوهرية ذات صلة مباشرة بالحالة الذهنية له وقت مباشرة التصرف، واستظهار دلالتها في مدى توافر العلم بانعدام السلطة أو العلم بتغيير الحقيقة، وعدم الاكتفاء باستخلاص القصد الجنائي من مجرد المصلحة أو الاستفادة أو الصلة بالشركة، بما يترتب عليه – في ضوء خلو الأوراق من دليل يقيني مستقل على توافر العلم والإرادة الجنائيين – القضاء ببراءة المتهم الأول مما أسند إليه، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة وتاسع عشر: القصور في التسبيب لإغفال الحكم بيان موقفه من أصول عقود التعديل السابقة التي باشرها المتهم الأول بذات التوكيل، رغم تقديمها في التحقيقات والتأشير عليها بالنظر والإرفاق
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، لإغفاله بيان موقفه من أصول عقود تعديل سابقة باشرها المتهم الأول بذات التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، رغم تقديم تلك الأصول ضمن التحقيقات، وثبوت التأشير عليها بالنظر والإرفاق، بما يجعلها مستندات قائمة بالأوراق ومطروحة على بساط البحث، وذات صلة مباشرة بموضوع الاتهام وبمدى توافر القصد الجنائي لدى المتهم الأول وقت مباشرة التصرف محل الدعوى.
ذلك أن هذه العقود السابقة لا تمثل مستندات عارضة أو وقائع بعيدة عن موضوع الاتهام، وإنما تكشف عن سابقة عملية محددة لاستعمال المتهم الأول لسند الوكالة ذاته في مباشرة تعديلات سابقة، بما يجعلها ذات دلالة مباشرة على كيفية فهم نطاق الوكالة واستعمالها في التعاملات المتعلقة بالشركة، وعلى الأساس الذي كان يستند إليه المتهم الأول في اعتقاده بقيام سلطته التمثيلية وقت مباشرة التصرف محل الاتهام.
وتزداد أهمية هذه المستندات لأن الاتهام – بحسب تصويره – يقوم في جانب جوهري منه على القول بأن المتهم الأول لم تكن له سلطة تخوله مباشرة التعديل محل الاتهام، وأنه استعمل الوكالة في غير الغرض أو النطاق الذي خولته له صاحبة الشأن، بما ترتب عليه – بحسب هذا التصوير – قيام فعل التزوير والقصد الجنائي. فإذا كانت الأوراق قد تضمنت عقود تعديل سابقة باشرها المتهم الأول بذات سند الوكالة، فإن هذه العقود تمثل واقعة سابقة ذات صلة مباشرة بالسؤال الذي كان يتعين على الحكم الإجابة عنه، وهو: كيف فهم المتهم الأول نطاق سلطته التمثيلية قبل التصرف محل الاتهام، وعلى أي أساس كان يباشر تلك السلطة؟
فإذا كانت تلك العقود السابقة قد تضمنت تعديلات في عقد الشركة أو معاملات من ذات الطبيعة أو متقاربة معها، وتمت مباشرة إجراءاتها من المتهم الأول بذات التوكيل، فإن دلالتها لا تنحصر في إثبات وقوع تلك التعديلات فحسب، وإنما تمتد إلى بيان السياق العملي الذي سبق الواقعة محل الاتهام، وإلى الكشف عن أن استعمال المتهم الأول للوكالة في مجال تعديل الشركات لم يكن واقعة مستحدثة أو محاولة منفردة لاستحداث مركز قانوني غير موجود، وإنما كان امتداداً لممارسة سابقة قام بها على أساس سند الوكالة ذاته.
ومن ثم، فإن هذه العقود كان يتعين على المحكمة أن تبحثها بحثاً مستقلاً، وأن تستظهر مضمونها، وتاريخها، وطبيعة التصرفات التي تمت بموجبها، ومدى استعمال التوكيل ذاته فيها، وما إذا كانت قد تضمنت توقيعات المتهم الأول بصفته وكيلاً، وما إذا كانت قد مرت بإجراءات رسمية أمام الجهات المختصة، وما إذا كانت قد تضمنت تعديلات أو إجراءات تتصل بنطاق السلطة محل المنازعة في الدعوى الماثلة.
وذلك لأن قيمة هذه المستندات في الدعوى لا تقوم فقط على كونها مؤيدة لدفاع المتهم الأول، وإنما على أنها قد تكشف عن عنصر سابق زمنياً على الواقعة محل الاتهام، يمكن أن يكون له أثر مباشر في استظهار حالته الذهنية. فإذا كان المتهم قد سبق له أن باشر تعديلات بذات التوكيل، وعلى ذات الأساس الذي باشر به التعديل محل الاتهام، فإن ذلك يمثل ظرفاً موضوعياً كان يتعين أن يدخل في تقدير مدى إمكان استخلاص علمه بانعدام سلطته أو اعتقاده بتجاوز حدود الوكالة.
ولا يجوز في هذا المقام اختزال دلالة تلك العقود في مجرد القول بأنها لا تثبت بذاتها براءة المتهم، إذ إن الدفاع لا يتمسك بها باعتبارها دليلاً منفرداً حاسماً، وإنما باعتبارها مستندات جوهرية يتعين وزنها ضمن مجموع الأدلة والقرائن التي تكشف عن الحالة الذهنية للمتهم الأول وقت التصرف. فإذا كان الحكم قد استخلص القصد الجنائي من قرائن معينة، فإن المستندات السابقة التي تناقض هذا الاستخلاص أو تثير احتمالاً جدياً في صحته تصبح من الأدلة التي يتعين مواجهتها والرد على دلالتها.
كما أن تقديم أصول هذه العقود في التحقيقات، والتأشير عليها بالنظر والإرفاق، يقطع بأنها لم تكن مستندات مجهلة أو خارج نطاق الدعوى، وإنما أصبحت جزءاً من المادة المطروحة على جهة التحقيق والمحكمة، الأمر الذي كان يوجب على الحكم – متى اتخذ من القصد الجنائي أو من انتفاء سلطة المتهم أساساً للإدانة – أن يبين موقفه منها وأثرها في تكوين عقيدته.
ولا يغير من ذلك أن المحكمة غير ملزمة بالرد استقلالاً على كل مستند يقدمه الدفاع إذا لم يكن جوهرياً أو مؤثراً في وجه الرأي، إذ إن المستندات محل هذا الدفاع ليست من قبيل الأوراق الهامشية، وإنما تتصل بذات سند الوكالة الذي قامت عليه الواقعة محل الاتهام، وبذات طريقة استعماله، وبذات الصفة التي ظهر بها المتهم الأول في التعاملات السابقة. ومن ثم فإن إغفالها لا يكون مجرد إغفال لدليل ثانوي متى كان من شأنها – لو صح ما تدل عليه – أن تغير وجه الرأي في مدى توافر العلم الجنائي.
ويزداد الأمر جوهرية إذا كانت المحكمة قد بنت قضاءها على أن المتهم الأول كان يعلم أن سلطته لا تمتد إلى التعديل محل الاتهام، إذ إن وجود تعاملات سابقة باشرها بذات التوكيل قد يكون ذا دلالة مباشرة على حقيقة ما كان يعتقده وقت التصرف. فالعلم بانعدام السلطة لا يستفاد من مجرد وقوع التصرف، وإنما يستخلص من الظروف المحيطة به، ومن بينها سوابق التعامل التي تكشف عن فهم المتهم لنطاق سلطته وممارسته لها قبل الواقعة محل الاتهام.
فإذا كان المتهم الأول قد استخدم التوكيل ذاته في عقود تعديل سابقة، ولم يكن قد تلقى قبل الواقعة ما يفيد انتهاء سلطته أو تقييدها أو قصرها على نوع معين من التصرفات، فإن هذه الملابسات تمثل عناصر موضوعية جديرة بالبحث عند تقدير ما إذا كان قد باشر التصرف محل الاتهام وهو يعلم أنه يتجاوز حدود سلطته أم كان يعتقد – استناداً إلى سلوك سابق ومستندات رسمية – أنه يعمل في نطاق السلطة المخولة إليه.
ولا سيما أن سند الوكالة ذاته كان قائماً وقت التصرف، وأن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل قد انتهت في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص الوكالة والتصرف محل الاتهام، إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
ومن ثم، فإن عقود التعديل السابقة لا يجوز فصلها عن هذه النتيجة الرسمية، لأنها تمثل سياقاً عملياً سابقاً لاستعمال سند الوكالة، بينما تؤكد المذكرة الرسمية أن نطاق الوكالة – بحسب الفحص الرسمي – كان يمتد إلى عقود تعديل الشركات. وتلاقي هذين العنصرين كان يوجب على الحكم بحثهما معاً، لا أن يتعامل مع الواقعة محل الاتهام باعتبارها واقعة منفردة مقطوعة الصلة بما سبقها.
وكان يتعين على الحكم، إذا أراد طرح دلالة عقود التعديل السابقة، أن يبين سبب طرحها، وأن يوضح وجه اختلافها – إن وجد – عن التعديل محل الاتهام، وأن يحدد ما إذا كان الاختلاف متعلقاً بطبيعة التصرف أم بأطرافه أم بنطاق السلطة أم بغير ذلك من العناصر التي يمكن أن تجعل السوابق غير ذات دلالة على الواقعة محل الاتهام. أما السكوت عنها كليةً فلا يكشف عن أن المحكمة قد أحاطت بها ووازنت دلالتها، وإنما يحول دون معرفة ما إذا كانت قد طرحتها لسبب سائغ أم أنها لم تواجهها أصلاً.
والأمر ذاته ينطبق على أصل هذه العقود؛ إذ إن تقديم الأصول والتأشير عليها بالنظر والإرفاق يمنحها أهمية خاصة في تمكين المحكمة من فحص التوقيعات والصفات والتواريخ ومضمون التصرفات والإجراءات التي اتخذت بشأنها. فإذا كانت المحكمة قد بنت اعتقادها على أن المتهم الأول لم تكن له سلطة مباشرة مثل هذه التصرفات، فإن فحص أصول تعاملاته السابقة بذات التوكيل كان من شأنه أن يكشف عن مدى اتساق هذا الاستنتاج مع الواقع الثابت بالأوراق.
كما أن هذه المستندات قد تكون ذات دلالة في تقييم ما إذا كان استعمال المتهم الأول للوكالة في الواقعة محل الاتهام يمثل سلوكاً استثنائياً مصحوباً بإخفاء أو تدليس، أم أنه جاء متسقاً مع نمط سابق من التعاملات الرسمية التي كان يباشرها بذات الصفة وبذات سند الوكالة. وهذه المسألة تتصل اتصالاً وثيقاً بالقصد الجنائي، ولا سيما إذا كان الاتهام يفترض أن المتهم كان يعلم بعدم امتداد سلطته ثم تعمد استعمالها للوصول إلى النتيجة محل الاتهام.
ومن ثم، فإن إغفال الحكم لهذه المستندات يحول دون اكتمال الصورة الواقعية التي استخلص منها القصد الجنائي، ويجعل استدلاله مبتوراً، لأنه أخذ بالواقعة اللاحقة ونتيجتها وأغفل الوقائع السابقة التي قد تكشف عن حقيقة اعتقاد المتهم وقت التصرف. ولا يجوز أن يستخلص العلم الجنائي من واقعة منفردة مع تجاهل مستندات سابقة مرتبطة بذات سند الوكالة وبذات نمط التعامل.
وإذا كان الحكم قد عوّل على أقوال بعض الشهود أو على تفسير معين لنطاق الوكالة، فإن عقود التعديل السابقة كانت تستوجب كذلك مواجهة هذا الدليل، وبيان مدى اتساقه مع التطبيق العملي السابق للوكالة. فليس من المتصور استخلاص أن المتهم الأول كان يعلم بانعدام سلطته من مجرد تفسير لاحق لنطاق الوكالة، مع تجاهل أن ذات الوكالة قد استُعملت سابقاً في معاملات مماثلة، وأن تلك المعاملات موثقة ومستنداتها مقدمة في التحقيقات.
ولا يقصد الدفاع بذلك القول بأن مجرد سبق استعمال الوكالة يثبت حتماً مشروعية كل تصرف لاحق أو ينفي بذاته المسؤولية الجنائية، وإنما يتمسك بأن هذه السابقة تمثل دليلاً موضوعياً جوهرياً على الحالة الذهنية للمتهم وعلى الأساس الذي بنى عليه اعتقاده بقيام سلطته، ومن ثم كان يتعين بحثها وتمحيصها وبيان أثرها في عناصر الاتهام، وبخاصة الركن المعنوي.
ومتى كان الحكم قد أغفل هذه المستندات الجوهرية رغم تقديم أصولها في التحقيقات والتأشير عليها بالنظر والإرفاق، ولم يبين مضمونها أو سبب طرحها أو مدى دلالتها على استعمال المتهم الأول للتوكيل ذاته في تعاملات سابقة، ثم استخلص القصد الجنائي وانتفاء السلطة من غير مواجهة لهذا الدفاع الجوهري، فإنه يكون قد قصر في تسبيب قضائه، وأقام استدلاله على صورة مبتورة من الأوراق، بما يعيبه بالقصور والفساد في الاستدلال.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على قصور الحكم في استظهار دلالة أصول عقود التعديل السابقة التي باشرها المتهم الأول بذات التوكيل، رغم تقديمها في التحقيقات والتأشير عليها بالنظر والإرفاق، وعدم تمحيصها وبيان أثرها في تحديد نطاق الوكالة واستظهار الحالة الذهنية للمتهم الأول وقت التصرف، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة والعشرون: الإخلال بحق الدفاع لإغفال المحكمة بحث الدلالة التراكمية للتعاملات السابقة، وما تكشف عنه من استقرار التعامل على أساس استمرار سلطة الوكيل في إجراء تعديلات الشركة
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد أخل بحقه في الدفاع وقصر في تمحيص عناصر الدعوى، إذ أغفل بحث الدلالة التراكمية للتعاملات السابقة التي باشرها المتهم الأول بذات سند الوكالة، ولم ينظر إليها في مجموعها باعتبارها سلسلة مترابطة من الوقائع والممارسات العملية التي سبقت التصرف محل الاتهام، واستقر من خلالها التعامل على أساس استمرار سلطة الوكيل في مباشرة إجراءات تعديل الشركة، وإنما عزل كل واقعة – إن كان قد التفت إليها أصلاً – عن سياقها العام، بما أفقد هذه الوقائع دلالتها الحقيقية في الكشف عن الحالة الذهنية للمتهم الأول وقت التصرف محل الاتهام.
ذلك أن دفاع المتهم الأول لم يقم على واقعة منفردة يطلب منها أن تحمل وحدها عبء إثبات براءته، وإنما قام على مجموعة متتابعة من التعاملات والمستندات والإجراءات السابقة التي تمت في ظل سند الوكالة ذاته، والتي تكشف في مجموعها عن نمط مستقر من التعامل على أساس أن الوكالة تخول المتهم الأول مباشرة إجراءات الشركة وتعديلاتها. وهذه الدلالة التراكمية تختلف في طبيعتها عن الدلالة المنفردة لكل مستند؛ إذ قد لا تكون واقعة واحدة – مجردة عن غيرها – حاسمة في تحديد نطاق الوكالة أو الحالة الذهنية، إلا أن تتابع الوقائع وتكرار استعمال ذات السند في معاملات متصلة بالشركة يمكن أن يكشف عن سياق موضوعي متكامل لا يجوز تجزئته عند تقدير القصد الجنائي.
فإذا كان الاتهام قد أقيم على أساس أن المتهم الأول كان يعلم أن سلطته لا تمتد إلى التصرف محل الاتهام، وأنه مع هذا العلم اتجه إلى استعمال الوكالة لتحقيق نتيجة غير مشروعة، فإن التعاملات السابقة التي جرت على أساس استمرار تلك السلطة تصبح ذات صلة مباشرة بهذا العلم المفترض. ذلك أن السؤال الذي يتعين على المحكمة الإجابة عنه ليس فقط: «ماذا حدث في الواقعة محل الاتهام؟»، وإنما كذلك: «ما الذي كان المتهم الأول يعتقده بشأن نطاق سلطته وقت مباشرة هذه الواقعة؟» وهذه الإجابة لا تستخلص دائماً من الواقعة الأخيرة وحدها، وإنما قد تتكشف من سياق التعاملات السابقة التي أحاطت بها.
والثابت أن المتهم الأول قد سبق له مباشرة عقود وتعديلات متصلة بالشركة بذات التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وقدمت أصول هذه التعاملات في التحقيقات، وتم التأشير عليها بالنظر والإرفاق. وهذه الوقائع ليست مجرد سوابق زمنية لا صلة لها بالاتهام، وإنما تمثل ممارسة عملية سابقة لذات السلطة التمثيلية، وتكشف عن أن استعمال الوكالة في نطاق الشركة وتعديلاتها لم يكن أمراً طارئاً أو مستحدثاً عند تحرير المحرر محل الاتهام.
وإذا كانت هذه التعاملات قد تمت بصورة علنية ورسمية، وبذات الصفة التي ظهر بها المتهم الأول، وبالاستناد إلى سند الوكالة ذاته، فإن تكرار هذا النمط من التعامل يمثل عنصراً موضوعياً مهماً في تقدير ما إذا كان المتهم قد باشر التصرف محل الاتهام وهو يعلم أنه تجاوز حدود سلطته، أم أنه كان يعتقد – استناداً إلى ممارسة سابقة مستقرة وإلى سند رسمي قائم – أن سلطته لا تزال قائمة وتمتد إلى هذا النوع من الإجراءات.
ولا يعني ذلك أن مجرد تكرار التعاملات السابقة ينشئ قانوناً سلطة جديدة غير واردة في الوكالة، ولا أن هذه التعاملات تحسم وحدها مدى صحة التصرف اللاحق، وإنما مؤدى الدفاع أن هذه الوقائع تكشف عن السياق العملي الذي تكونت فيه عقيدة المتهم الأول بشأن نطاق سلطته، ومن ثم فإن لها قيمة مستقلة في بحث الركن المعنوي للجريمة، ولا سيما العلم بانعدام السلطة.
وتتضح أهمية الدلالة التراكمية بصورة أكبر إذا كانت التعاملات السابقة متقاربة في طبيعتها ومحلها وأطرافها وسندها، إذ إن تكرار التعامل على أساس قانوني وعملي واحد من شأنه أن يكوّن لدى القائم به اعتقاداً مستمراً بأن السلطة التي يستند إليها ما زالت قائمة وأن استعمالها في النطاق ذاته مشروع. وهذا لا يعني افتراض صحة الاعتقاد لمجرد تكراره، وإنما يعني أن وجود هذا النمط المستقر يمثل واقعة موضوعية يجب على المحكمة أن تزنها عند تحديد الحالة الذهنية للمتهم.
وكان يتعين على المحكمة، والحال كذلك، ألا تتعامل مع كل عقد سابق باعتباره واقعة منفردة ثم تنتهي إلى أنه لا يثبت بمفرده براءة المتهم، لأن هذا المنهج يفقد الدفاع جوهره؛ فالدفاع لا يستند إلى أن عقداً سابقاً واحداً يثبت حتماً مشروعية التصرف اللاحق، وإنما يستند إلى أن تتابع هذه التعاملات وتكرار استعمال الوكالة في إطار الشركة يشكل دلالة متراكمة على استقرار التعامل على أساس استمرار السلطة التمثيلية، وهي دلالة لا تظهر إلا عند جمع هذه الوقائع والنظر إليها كوحدة واحدة.
ومن ثم، فإن تجزئة هذه الوقائع وإسقاط قيمة كل واحدة منها على حدة يؤدي إلى إهدار القيمة الاستدلالية الناتجة عن اجتماعها، ويجعل المحكمة تنظر إلى كل حلقة من حلقات السلسلة بمعزل عن باقي حلقاتها، مع أن دلالة الدفاع كامنة في ترابطها وتتابعها واستنادها إلى مصدر واحد للسلطة.
ويزداد الأمر جوهرية إذا كانت المحكمة قد استخلصت القصد الجنائي من مجرد القول بأن المتهم الأول كان يعلم بانعدام سلطة الوكيل؛ إذ إن التعاملات السابقة تمثل في هذه الحالة وقائع مناقضة لهذا الاستنتاج أو – في أقل تقدير – تثير شكاً جدياً في صحته. فإذا كان المتهم قد سبق له استعمال الوكالة ذاتها في إجراء تعديلات للشركة، ولم يثبت أنه تلقى قبل الواقعة محل الاتهام إخطاراً بزوال سلطته أو تقييدها، فإن استخلاص علمه بانعدامها في الواقعة اللاحقة يحتاج إلى دليل مستقل يفسر كيف انتقل هذا العلم إليه، ولا يجوز افتراضه لمجرد أن النتيجة اللاحقة للتعديل كانت محل منازعة.
ولا سيما أن سند الوكالة ذاته كان قائماً وقت التصرف محل الاتهام، وأن إلغاءه – بحسب الثابت بالأوراق – تم لاحقاً على التوقيع بموجبه، فضلاً عما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، من أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء.
ومن ثم، فإن الدلالة التراكمية للتعاملات السابقة لا تنفصل عن مضمون سند الوكالة ولا عن النتيجة الرسمية اللاحقة بشأن نطاقه، وإنما تأتي مكملة لهما في الكشف عن السياق الذي باشر فيه المتهم الأول أعماله، وعن الأساس الموضوعي الذي كان يمكن أن يستند إليه في اعتقاده بامتداد سلطته إلى التصرف محل الاتهام.
وكان يتعين على المحكمة – إذا أرادت طرح هذه الدلالة – أن تناقشها في مجموعها، وأن تبين لماذا لا ترى في تكرار استعمال الوكالة في معاملات سابقة دلالة على استقرار التعامل على أساس استمرار السلطة، وأن تحدد – إن كان لديها دليل على خلاف ذلك – الواقعة التي أدت إلى زوال هذا الاعتقاد أو تقييد السلطة قبل التصرف محل الاتهام. أما إغفال هذا السياق بالكامل، مع كون المستندات السابقة ثابتة بالأوراق ومقدمة في التحقيقات، فإنه يحول دون معرفة ما إذا كانت المحكمة قد فحصت الدفاع أم أنها تجاوزته دون بحث.
ولا يغير من ذلك أن تقدير الأدلة والقرائن من إطلاقات محكمة الموضوع، إذ إن سلطة التقدير لا تعني تجزئة الدليل المركب أو إهدار دلالته التراكمية دون بيان، ولا تعني تجاهل مستندات جوهرية من شأنها – إذا صح ما يستفاد منها – أن تؤثر في توافر الركن المعنوي. فإذا كان الدفاع قد طرح أمام المحكمة عناصر متتابعة تكشف عن سياق مستقر للتعامل، فإن واجب المحكمة هو فحص هذا السياق والرد عليه بما يفنده أو يطرح دلالته بأسباب سائغة، لا الاكتفاء بإغفال كل عنصر على حدة.
كما أن هذا الدفاع يتصل اتصالاً وثيقاً بحق المتهم في أن تُفحص أدلته الجوهرية التي يمكن أن تغير وجه الرأي في الدعوى؛ إذ لا يستقيم أن تستخلص المحكمة القصد الجنائي من قرائن لاحقة أو من النتيجة الاقتصادية أو القانونية للتصرف، ثم تتجاهل الوقائع السابقة التي تكشف عن أساس الاعتقاد الذي كان قائماً لدى المتهم وقت مباشرة الفعل.
فإذا كان المتهم الأول قد تعامل مراراً وبصورة رسمية على أساس أن الوكالة تخوله مباشرة إجراءات الشركة وتعديلاتها، فإن هذا النمط السابق لا يمكن اعتباره عديم الصلة بمجرد أن الواقعة الأخيرة أصبحت محل اتهام؛ بل يتعين بحثه لمعرفة ما إذا كان التصرف الأخير يمثل خروجاً واعياً ومقصوداً عن نمط السلطة الذي كان المتهم يمارسه، أم أنه جاء استمراراً لنمط سابق من التعامل كان يعتقد مشروعيته.
والفارق بين الاحتمالين جوهري في المجال الجنائي؛ لأن الأول قد تكون له – بحسب ما تثبته الأدلة الأخرى – دلالة على العلم والتعمد، بينما الثاني يمثل احتمالاً جدياً يناقض استخلاص العلم بانعدام السلطة، ولا سيما إذا لم يثبت أن المتهم كان قد علم قبل التصرف بأي واقعة من شأنها إنهاء الوكالة أو تقييد نطاقها.
وعليه، فإن الدلالة التراكمية للتعاملات السابقة كان يتعين أن تكون جزءاً من عملية الاستدلال على القصد الجنائي، لا أن تُعامل باعتبارها مجرد قرائن ثانوية يمكن تجاوزها دون بحث. وإغفالها مع تقديم أصول المستندات والتأشير عليها بالنظر والإرفاق، ثم بناء الإدانة على استخلاص العلم بانعدام السلطة، يمثل إخلالاً بحق الدفاع وقصوراً في التسبيب، لأن المحكمة لم تستظهر الصورة الكاملة التي كان يتعين عليها أن تستخلص منها الحالة الذهنية للمتهم الأول.
ومن ثم، فإن الحكم المعارض فيه، إذ لم يبحث الدلالة التراكمية للتعاملات السابقة، ولم يبين أثر تكرار استعمال المتهم الأول لذات التوكيل في مباشرة تعديلات الشركة، ولم يواجه ما قد تنطوي عليه هذه الوقائع مجتمعة من دلالة على استقرار التعامل على أساس استمرار سلطة الوكيل، يكون قد أقام استخلاصه للقصد الجنائي على صورة مبتورة من الواقع، وأغفل دفاعاً جوهرياً من شأن تمحيصه أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على إخلال الحكم بحقه في الدفاع وقصوره في تمحيص الدلالة التراكمية للتعاملات السابقة، وما تكشف عنه من استقرار التعامل على أساس استمرار سلطة الوكيل في إجراء تعديلات الشركة، وما يترتب على ذلك من انتفاء الدليل اليقيني على علم المتهم الأول بانعدام سلطته أو اتجاه إرادته إلى ارتكاب فعل تزوير، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة وحادي وعشرون: فساد الاستدلال بإهدار القرائن المتساندة الدالة على حسن النية، وإقامة الإدانة على واقعة منفردة مع عزلها عن السياق المستندي والزمني السابق عليها
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه الفساد في الاستدلال، إذ عزل واقعة التوقيع محل الاتهام عن سياقها المستندي والزمني السابق عليها، وتعامل معها باعتبارها واقعة منفردة مجردة عن الظروف والملابسات التي أحاطت بها، وأهدر في سبيل ذلك مجموعة من القرائن المتساندة التي تكشف عن قيام اعتقاد جدي لدى المتهم الأول بمشروعية مباشرته للتصرف، وعن انتفاء ما يلزم لقيام القصد الجنائي لجريمة التزوير من علم بتغيير الحقيقة واتجاه إرادته إلى استعمال محرر يعلم أنه مزور.
ذلك أن تقدير القصد الجنائي لا يستقيم باقتطاع فعل واحد من سياقه ثم تحميله معنى إجرامياً مجرداً، وإنما يستخلص من مجموع الظروف والملابسات السابقة والمعاصرة واللاحقة للفعل، ومن طبيعة المستندات التي استند إليها المتهم، وطريقة مباشرته للتصرف، وصفته التي أعلنها، والجهة التي قدم إليها المستندات، وما إذا كان قد اتخذ مسلكاً سرياً أو متخفياً أم باشر الإجراء علانية وفي إطار الإجراءات الرسمية المعتادة.
والثابت بالأوراق أن المتهم الأول لم يظهر في الواقعة محل الاتهام باعتباره شخصاً مجهول الصفة أو منتحلاً لشخصية صاحبة الشأن، وإنما باشر التوقيع معلناً عن صفته كوكيل عنها، مستنداً إلى توكيل رسمي عام سابق على الواقعة، وهو التوكيل رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، بما يكشف – في ذاته – عن مصدر محدد ومعلن للسلطة التي استند إليها المتهم الأول في مباشرة التصرف.
وهذه الواقعة لا يجوز فصلها عن باقي عناصر السياق المستندي؛ إذ إن وجود سند وكالة رسمي قائم وقت التصرف يمثل قرينة موضوعية سابقة على واقعة التوقيع، تؤكد أن المتهم الأول لم ينشئ لنفسه سلطة وهمية من العدم، ولم يستند إلى محرر مصطنع ابتكره خصيصاً لإتمام التصرف محل الاتهام، وإنما كان لديه سند رسمي صادر قبل الواقعة بسنوات، ومحرر بمعرفة جهة التوثيق المختصة، ويتضمن – بحسب عباراته – سلطة التوقيع نيابة عن صاحبة الشأن على عقود تأسيس وتعديل الشركات.
ويضاف إلى ذلك أن المتهم الأول لم يباشر التوقيع متخفياً عن صفته، وإنما أثبت صفته كوكيل في المحرر، بما يجعل طريقة مباشرته للتصرف متسقة – من حيث الظاهر الموضوعي – مع اعتقاده بقيام سلطة تمثيلية تخوله مباشرة الإجراء، ويضعف في المقابل افتراض علمه بأنه يقدم على تغيير حقيقة يعلم أنها غير صحيحة.
كما أن تقديم المستندات إلى الجهات الرسمية المختصة وسلوك الطريق الرسمي في إتمام إجراءات التعديل يمثل قرينة أخرى لا يجوز عزلها عن الواقعة؛ ذلك أن من يعمد إلى اصطناع محرر أو تغيير الحقيقة مع علمه بذلك يتعين بحث سلوكه في ضوء طبيعة المسلك الذي اتخذه، وما إذا كان قد اتخذ إجراءات تتسق مع إخفاء الحقيقة أم أنه أظهر سند الوكالة وصفته التمثيلية ومضى في الإجراء أمام الجهات المختصة على مرأى منها وتحت سلطان إجراءاتها الرسمية.
ولا يعني ذلك أن مجرد التعامل أمام جهة رسمية ينفي الجريمة حتماً، وإنما مؤداه أن هذا السلوك يمثل ظرفاً واقعياً جديراً بالبحث عند تقدير ما إذا كان المتهم الأول قد باشر التصرف معتقداً في مشروعيته، أم كان يعلم أنه يغير الحقيقة في محرر ويستعمله لهذا الغرض. فإذا تجاهل الحكم هذه القرينة ولم يضمها إلى باقي عناصر الصورة، فإنه يكون قد عزل واقعة التوقيع عن سياقها الموضوعي الذي يكشف عن دلالتها الحقيقية.
وتتعزز هذه القرائن بما ثبت لاحقاً من المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي انتهت – بحسب الثابت بها – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة لا يُقال إنها تنشئ للمتهم الأول سلطة لم تكن قائمة، ولا أنها تحسم وحدها المسؤولية الجنائية، وإنما تكشف عن قرينة رسمية لاحقة تؤيد – من الناحية الموضوعية – أن فهم المتهم الأول لنطاق وكالته لم يكن تصوراً عبثياً أو مختلقاً، وأن تفسيره لسلطته كان له أساس مستندي حقيقي يمكن أن يقوم عليه الاعتقاد بالمشروعية. ومن ثم فإنها تدخل في جملة الملابسات التي يتعين أن يزنها الحكم عند بحث القصد الجنائي، ولا يجوز إهدار دلالتها بمجرد عدم موافقة الاتهام على النتيجة التي انتهت إليها.
ويضاف إلى ذلك أن إلغاء الوكالة قد وقع – وفق الثابت بالأوراق – بعد مباشرة التوقيع محل الاتهام، وهو ظرف زمني له دلالته في تقدير حالة المتهم وقت ارتكاب الفعل؛ إذ لا يستقيم منطقاً وقانوناً أن يُستدل من واقعة لاحقة على قيام علم سابق لدى المتهم بانعدام سلطته، ما لم يقم دليل مستقل يثبت أن المتهم كان يعلم قبل التوقيع بزوال سلطته أو عدم امتدادها إلى التصرف محل الاتهام.
كما أن التسلسل الزمني ذاته يمثل عنصراً لا يجوز بتره من صورة الدعوى: وكالة رسمية سابقة، ثم مباشرة التصرف في ظل قيامها، ثم تقديم المستندات والإجراءات أمام الجهات المختصة، ثم إلغاء الوكالة في تاريخ لاحق. وهذا التسلسل لا يثبت وحده البراءة، ولكنه يمثل سياقاً موضوعياً متكاملاً يتعين بحثه عند استخلاص نية المتهم وعلمه، ولا يجوز استبداله بصورة مبتورة تبدأ من لحظة التوقيع وتنتهي عند النتيجة التي ترتبت عليه.
ومن ثم، فإن الحكم حين عزل واقعة التوقيع عن هذا التسلسل، وأقام منها وحدها استنتاجاً مؤداه توافر القصد الجنائي، يكون قد أقام استدلاله على واقعة مبتورة عن سياقها، وأغفل قرائن سابقة ومعاصرة ولاحقة كان من شأنها – لو ضُمت إلى بعضها البعض ووزنت في إطار واحد – أن تغير وجه الرأي في مدى توافر العلم الجنائي لدى المتهم الأول.
والأخطر من ذلك أن القرائن المشار إليها ليست قرائن متفرقة لا رابط بينها، وإنما تتساند فيما بينها في اتجاه واحد: وجود سند وكالة رسمي سابق على الواقعة، ثبوت استمرار الوكالة وقت مباشرة التصرف، إعلان المتهم الأول صفته كوكيل، مباشرة الإجراء في إطار رسمي، تقديم المستندات إلى الجهات المختصة، عدم ثبوت إلغاء الوكالة قبل التصرف، ثم صدور مذكرة رسمية لاحقة تؤيد امتداد نطاق الوكالة إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء. ومجموع هذه العناصر كان يتعين أن يكون حاضراً عند استخلاص حقيقة القصد الجنائي.
فإذا كان لكل قرينة من هذه القرائن دلالتها في ذاتها، فإن اجتماعها لا يجوز إهداره بمجرد فصل كل منها عن الأخرى، لأن قيمة الدليل قد تنشأ من تساند عناصره وترابطها الزمني والموضوعي. ولا يجوز للمحكمة أن تأخذ من الصورة ما يؤدي إلى الإدانة ثم تستبعد العناصر الأخرى التي تكشف عن تفسير بديل معقول للسلوك، دون أن تبين أسباب استبعادها أو عدم التعويل عليها.
ولا يغير من ذلك أن المحكمة الجنائية تملك سلطة تقدير الأدلة واستخلاص نية المتهم من ظروف الدعوى، إذ إن هذه السلطة تظل مشروطة بأن يكون استخلاصها سائغاً ومستخلصاً من كامل عناصر الواقعة المطروحة عليها، وألا تقيم النتيجة على واقعة مبتورة أو تتجاهل دليلاً جوهرياً من شأنه أن يغير وجه الرأي في الدعوى.
كما أن حسن النية لا يتمثل هنا في مجرد قول مرسل يطلب المتهم تصديقه، وإنما يستخلص من وقائع موضوعية ثابتة بالمستندات: وجود وكالة رسمية، قيامها وقت التصرف، إفصاح المتهم عن صفته، سلوك الطريق الرسمي، وعدم ثبوت إخفائه لمصدر سلطته، ثم ما انتهت إليه الجهة المختصة بالتوثيق لاحقاً من اتساع نطاق تلك الوكالة ليشمل التصرف محل الاتهام. وهذه كلها أمور خارجية قابلة للفحص والموازنة، وليست مجرد حالة نفسية يدعيها المتهم دون سند.
ومن ثم، فإذا كانت هذه القرائن الموضوعية متساندة في الدلالة على أن المتهم الأول كان يعتقد – على نحو له أساس واقعي ومستندي – أنه يباشر التصرف في حدود سلطته، فإن استخلاص علمه الجنائي بتغيير الحقيقة يحتاج إلى دليل إيجابي مستقل يكشف عن علمه بأن ما يثبته المحرر مخالف للحقيقة رغم قيام سند الوكالة، ولا يكفي في ذلك مجرد وقوع التصرف أو اعتراض صاحبة الشأن عليه أو اختلافها اللاحق مع نتائجه.
ذلك أن الفارق جوهري بين أن يعلم المتهم بوجود التصرف الذي يوقع عليه، وبين أن يعلم أن ما يثبته المحرر يمثل تغييراً للحقيقة على نحو مؤثم، وبين أن تتجه إرادته إلى استعمال محرر يعلم أنه مزور. وهذه المراتب لا يجوز دمجها في استنتاج واحد دون دليل يكشف عن عناصر العلم والإرادة التي يتطلبها القصد الجنائي.
ومن ثم، فإن إقامة الإدانة على واقعة التوقيع وحدها، مع عزلها عن سند الوكالة السابق عليها، وعن الصفة المعلنة للمتهم الأول، وعن إجراءات التوثيق الرسمية، وعن التسلسل الزمني لإلغاء الوكالة، وعن المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق، تمثل تجزئة غير سائغة لعناصر الصورة الواقعية، وتؤدي إلى نتيجة لا تعبر عن كامل الحقيقة المستفادة من الأوراق.
وإذا كانت المحكمة قد انتهت إلى توافر القصد الجنائي رغم هذه القرائن، فقد كان يتعين عليها أن تبين بياناً سائغاً ومحدداً لماذا لم ترَ في وجود الوكالة القائمة وقت التصرف، وإعلان الصفة، وسلوك الإجراءات الرسمية، والمذكرة الرسمية اللاحقة، ما ينال من استنتاج العلم الجنائي، وأن تحدد الدليل الإيجابي الذي استخلصت منه أن المتهم الأول كان يعلم وقت التوقيع بأنه يغير الحقيقة وأن إرادته اتجهت إلى استعمال محرر يعلم بتزويره.
أما إغفال هذه العناصر أو طرحها بعبارات عامة، ثم إقامة الإدانة على واقعة التوقيع مجردة من سياقها، فيؤدي إلى فساد في الاستدلال، لأن النتيجة التي انتهى إليها الحكم لا تكون قد استخلصت من مجموع الأدلة والقرائن، وإنما من جزء مبتور منها، بما يحجب حقيقة الأساس الذي قام عليه اقتناع المحكمة.
وحاصل الأمر أن المتهم الأول لا يطلب استخلاص البراءة من قرينة منفردة، وإنما يتمسك بأن مجموع القرائن الموضوعية المتساندة بالأوراق قد أقام تفسيراً جدياً ومقبولاً لسلوكه مؤداه أنه باشر التصرف استناداً إلى اعتقاد بقيام صفته وسلطته، وأن هذا التفسير يجد سنده في محرر رسمي قائم وفي إجراءات رسمية تمت علانية، بل وتدعمه لاحقاً النتيجة التي انتهت إليها الإدارة العامة للتوثيق بشأن نطاق الوكالة. فإذا لم يقدم الاتهام دليلاً يقينياً مستقلاً يهدم هذا السياق ويثبت العلم الجنائي بتغيير الحقيقة، فلا يجوز استكمال عناصر الجريمة بالافتراض أو بمجرد الاستنتاج المستمد من النتيجة التي ترتبت على التصرف.
ومن ثم، يكون الحكم المعارض فيه قد عزل الواقعة محل الاتهام عن سياقها المستندي والزمني، وأهدر القرائن المتساندة الدالة على حسن النية وانتفاء العلم الجنائي، وأقام الإدانة على واقعة منفردة لا تكفي وحدها لحمل النتيجة التي انتهى إليها، بما يعيبه بفساد الاستدلال والقصور في استظهار القصد الجنائي، ويحول دون الاطمئنان إلى توافر أحد الأركان المعنوية اللازمة للمسؤولية الجنائية.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على فساد استدلال الحكم المعارض فيه لإهداره القرائن المتساندة الدالة على حسن النية، وعزله واقعة التوقيع عن سياقها المستندي والزمني، وعدم ثبوت علم المتهم الأول بتغيير الحقيقة أو اتجاه إرادته إلى استعمال محرر يعلم بتزويره، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة واثنان وعشرون : عدم جواز افتراض القصد الجنائي من مجرد وجود مصلحة للمتهم الأول في التصرف، إذ لا تتحول المصلحة بذاتها إلى دليل على العلم بتغيير الحقيقة أو نية استعمال محرر مزور
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه – بفرض أنه قد استند في استخلاص القصد الجنائي إلى ما اعتبره مصلحة للمتهم الأول في التصرف محل الاتهام – يكون قد أقام استدلاله على افتراض لا ينهض وحده دليلاً على توافر القصد الجنائي لجريمة التزوير، ذلك أن مجرد وجود مصلحة للمتهم في نتيجة تصرف معين لا يستحيل به إلى دليل على علمه بتغيير الحقيقة في المحرر، ولا يثبت بذاته اتجاه إرادته إلى استعمال محرر يعلم أنه مزور.
فالمصلحة، أياً كانت صورتها، لا تعدو أن تكون ظرفاً من ظروف الواقعة قد يكون له وزن في مجال استخلاص الباعث، إلا أنها لا تقوم مقام الدليل على العلم الجنائي بعناصر الجريمة، ولا يجوز الانتقال منها مباشرة إلى القول بأن المتهم كان يعلم أن الحقيقة قد غُيرت أو أنه قصد استعمال محرر مزور. فالباعث على الفعل شيء، والعلم بعناصر الجريمة واتجاه الإرادة إلى ارتكابها شيء آخر، ولا يجوز الخلط بينهما.
والأصل أن القصد الجنائي لا يُفترض، وإنما يتعين استخلاصه من وقائع الدعوى وأدلتها استخلاصاً سائغاً يؤدي إليه، ولا يكفي لإثباته مجرد الظن بأن المتهم قد تكون له مصلحة في النتيجة التي ترتبت على التصرف. فإذا كان الاتهام قد أقام استنتاجه على أن المتهم الأول استفاد أو كان من الممكن أن يستفيد من تعديل حصة أحد الشركاء وزيادة حصة شريك آخر، فإن هذه النتيجة – على فرض ثبوتها – لا تثبت بذاتها أن المتهم كان يعلم بأن المحرر يتضمن حقيقة غير صحيحة، ولا تثبت أنه قصد تغيير الحقيقة أو استعمال محرر يعلم بتزويره.
ذلك أن وجود المصلحة يمكن – من الناحية المنطقية – أن يتفق مع صور متعددة من السلوك المشروع وغير المشروع على السواء، ولا يحدد وحده طبيعة السلوك الذي صدر عن المتهم أو علمه بحقيقته القانونية. فقد تكون للمتهم مصلحة في إتمام تصرف معين مع اعتقاده في الوقت ذاته أنه يباشره على نحو مشروع واستناداً إلى سلطة تمثيلية قائمة، وهو ما يتعين بحثه من خلال سائر عناصر الدعوى لا استخلاص عكسه بمجرد وجود المصلحة.
وفي الدعوى الماثلة، فإن القول بوجود مصلحة للمتهم الأول في التصرف لا يجوز عزله عن الحقيقة الثابتة بالمستندات، وهي أنه كان يستند إلى توكيل رسمي قائم وقت مباشرة التوقيع، وأنه أعلن صفته كوكيل، وأنه باشر الإجراءات في إطار رسمي، وأن نطاق الوكالة قد انتهت الإدارة العامة للتوثيق – في مذكرتها الرسمية بالملف رقم 134 لسنة 2026 – إلى امتداده إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
وهذه الملابسات الموضوعية تجعل مجرد القول بوجود مصلحة غير كافٍ لاستخلاص العلم الجنائي؛ إذ إن الشخص الذي يباشر تصرفاً استناداً إلى سند رسمي يعتقد في مشروعيته، ويعلن صفته التمثيلية أمام الجهة المختصة، لا يمكن افتراض علمه بتغيير الحقيقة لمجرد أن نتيجة التصرف قد تحقق له أو لغيره مصلحة معينة. بل إن هذه الملابسات ذاتها تمثل عناصر يتعين أن تدخل في موازنة المحكمة عند تقدير حالته الذهنية وقت التوقيع.
ولا يجوز كذلك الخلط بين «المصلحة» و«الباعث». فحتى لو ثبت أن للمتهم الأول باعثاً في إتمام التصرف، فإن الباعث لا يساوي القصد الجنائي الخاص، ولا يغني عن إثبات العلم بأن الحقيقة قد غُيرت وإرادة استعمال المحرر مع العلم بتزويره. وقد يكون الباعث موجوداً في أفعال مشروعة وغير مشروعة على السواء، فلا يكشف بمجرده عن الطبيعة الجنائية للفعل.
ومن ثم، فإن استخلاص القصد الجنائي من مجرد المصلحة يؤدي إلى قلب عبء الإثبات؛ إذ يصبح وجود مصلحة قرينة مفترضة على العلم، ثم يُطلب من المتهم تفسيرها أو نفيها، في حين أن الأصل أن عناصر الجريمة – ومنها القصد الجنائي – يجب أن تستخلصها المحكمة من أدلة الاتهام ذاتها، وأن تظل الإدانة قائمة على دليل يقيني لا على مجرد احتمال أو افتراض.
ويزداد ضعف هذا الاستدلال إذا كانت المصلحة التي يعول عليها الحكم مستخلصة من النتيجة الاقتصادية أو القانونية التي ترتبت على التصرف، لأن النتيجة اللاحقة لا تكشف بذاتها عما كان يدور في ذهن المتهم وقت مباشرة الفعل. فالقول بأن المتهم قد استفاد من التصرف لا يثبت أنه كان يعلم عند التوقيع أن المحرر مزور، كما أن تحقق المنفعة لا يثبت أن إرادته اتجهت إلى استعمال محرر يعلم بتزويره.
كما أن العلم بتغيير الحقيقة يختلف تماماً عن العلم بوجود التصرف أو بنتيجته؛ فقد يكون المتهم عالماً بكل تفاصيل التعديل الذي تم، وعالماً بأن له أثراً على حصص الشركاء، دون أن يعني ذلك أنه كان يعلم أن الحقيقة المثبتة بالمحرر غير صحيحة أو أن التوقيع الذي باشره يدخل في نطاق التزوير. ولا يجوز دمج هذه الحالات الذهنية المختلفة في معنى واحد لمجرد وجود مصلحة.
والأمر ذاته ينطبق على نية استعمال المحرر؛ فمجرد تقديم محرر إلى جهة رسمية أو الاستفادة من آثاره لا يثبت بذاته أن المتهم كان يعلم أنه مزور. إذ إن عنصر العلم بالتزوير يظل سابقاً منطقياً على القول بتوافر نية استعمال المحرر المزور، ولا يجوز استنتاجه من مجرد استعمال المحرر ما لم تقم أدلة مستقلة أو قرائن قوية تكشف عن أن المتهم كان يعلم بحقيقة التزوير وقت استعماله.
وفي الواقعة محل الاتهام، فإن الثابت أن المتهم الأول لم يتصرف في الخفاء، وإنما باشر التوقيع بصفته المعلنة كوكيل، واستند إلى توكيل رسمي قائم، وسلك الطريق الرسمي في إتمام الإجراء، وهي كلها ظروف موضوعية تتعين موازنتها عند بحث حالته الذهنية، ولا يجوز إهدارها ثم إحلال مجرد المصلحة محل الدليل على العلم الجنائي.
بل إن المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل، والتي انتهت إلى أن التوكيل محل الاتهام يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، تمثل – على الأقل – قرينة موضوعية جدية على أن الاعتقاد بقيام سلطة المتهم الأول لم يكن اعتقاداً وهمياً مجرداً من الأساس، وهو ما يجعل استخلاص العلم الجنائي من مجرد المصلحة استخلاصاً أشد بعداً عن اليقين.
ولا يغير من ذلك ما قد يقال من أن المتهم الأول كان المستفيد أو أحد المستفيدين من نتيجة التصرف، لأن تحقيق المصلحة لا يكشف وحده عن الوسيلة التي قصد المتهم استخدامها لتحقيقها، ولا يثبت أن تلك الوسيلة كانت جريمة، ولا أنه كان يعلم بتوافر عناصرها. فالباعث قد يكون مشروعاً أو غير مشروع، ولا تعرف طبيعته الجنائية بمجرد وجوده، وإنما من خلال الفعل الذي ارتبط به والعلم الذي أحاط به.
ومن ثم، فإذا كان الحكم قد انتقل من مجرد إثبات المصلحة إلى افتراض العلم بالتزوير، ثم من هذا العلم المفترض إلى افتراض نية استعمال المحرر المزور، فإنه يكون قد أقام سلسلة استدلالية متتابعة على مقدمات لم يثبت كل منها بدليل مستقل، وأصبح الاستنتاج النهائي قائماً على افتراض سابق لا على دليل يقيني.
والأصل أن الشك في توافر القصد الجنائي لا يجوز استكماله بالافتراض، ولا يجوز أن تتحول المصلحة إلى قرينة قاطعة على العلم، ولا أن يتحول العلم بنتيجة التصرف إلى علم بتزوير المحرر، ولا أن يتحول استعمال المحرر إلى دليل تلقائي على العلم بتزويره. ولكل عنصر من هذه العناصر دلالته وشروطه، ويتعين إثباته في حدود ما يتطلبه القانون.
وإذ كان المتهم الأول قد قدم تفسيراً مستندياً وموضوعياً لسلوكه، يتمثل في وجود وكالة رسمية قائمة وقت التوقيع، وإعلانه صفته كوكيل، وسلوكه الإجراءات الرسمية، فضلاً عن ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق لاحقاً من امتداد نطاق الوكالة إلى التصرف محل الاتهام، فإن وجود مصلحة – على فرض ثبوتها – لا يهدم هذه القرائن ولا يحولها إلى دليل على العلم بتغيير الحقيقة.
ومن ثم، فإن التعويل على المصلحة المجردة في استخلاص القصد الجنائي يكون قد جاوز حدود الدلالة التي تحتملها هذه الواقعة، وحملها ما لا تؤديه، وأقام الإدانة على الظن والاحتمال بدلاً من الدليل اليقيني، بما يعيب الحكم بالفساد في الاستدلال والقصور في استظهار القصد الجنائي.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على عدم ثبوت القصد الجنائي ثبوتاً يقينياً، وعدم جواز افتراض العلم بتغيير الحقيقة أو نية استعمال محرر مزور من مجرد وجود مصلحة في التصرف، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الثالث والعشرون بعد المائة: انتفاء القصد الجنائي متى كان اعتقاد المتهم الأول بسلطة الوكيل قائماً على أسباب موضوعية ومظاهر خارجية ومستندات رسمية وتعاملات سابقة، بما يجعل اعتقاده – على أقل تقدير – اعتقاداً سائغاً ومبرراً
يتمسك المتهم الأول بانتفاء القصد الجنائي في حقه، تأسيساً على أن موقفه وقت مباشرة التصرف محل الاتهام لم يكن قائماً على مجرد ادعاء شخصي أو افتراض مجرد بوجود سلطة لا سند لها، وإنما قام على مجموعة متساندة من الأسباب الموضوعية والمظاهر الخارجية والمستندات الرسمية والتعاملات السابقة التي كان من شأنها – في تقدير الشخص المعتاد الذي يباشر التصرف في ذات الظروف – أن تؤكد قيام صفته التمثيلية وصحة استناده إلى الوكالة القائمة، وأن تجعل اعتقاده بامتداد سلطته إلى التصرف محل الاتهام اعتقاداً له أسبابه الواقعية والقانونية الظاهرة، أو على أقل تقدير اعتقاداً سائغاً ومبرراً ينفي عنه العلم الجنائي اللازم لقيام جريمة التزوير.
فالقصد الجنائي في جريمة التزوير لا يفترض لمجرد ثبوت صدور التوقيع أو لمجرد قيام منازعة لاحقة حول حدود الوكالة، وإنما يتعين أن يقوم الدليل على أن المتهم كان يعلم – وقت مباشرته الفعل – أنه بصدد تغيير الحقيقة في محرر على نحو غير مشروع، وأن إرادته قد اتجهت إلى تحقيق هذا التغيير واستعمال المحرر على هذا الأساس. أما إذا كان اعتقاده وقت التصرف قائماً على سند رسمي قائم ومظاهر خارجية موضوعية تؤيد صحة سلطته، فإن مجرد الاختلاف اللاحق حول مدى اتساع الوكالة لا يكفي بذاته لاستخلاص علمه الجنائي بانعدام سلطته أو بتزوير المحرر.
والثابت في الدعوى أن المتهم الأول لم يستند إلى وكالة مجهولة المصدر أو إلى تفويض شفهي أو إلى مجرد قول منسوب إلى صاحبة الشأن، وإنما كان يستند إلى توكيل رسمي عام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو محرر رسمي سابق على التصرف محل الاتهام، ثابت به منحه سلطة القيام نيابة عن الموكل بكافة المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، وله الحق في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عما تضمنه سند الوكالة من سلطات متصلة بالتعامل أمام الجهات الحكومية وإجراءات التسجيل والتوثيق.
ومن ثم، فإن وجود هذا السند الرسمي ذاته يمثل سبباً موضوعياً مستقلاً يفسر اعتقاد المتهم الأول بقيام صفته التمثيلية، ولا سيما أن الوكالة كانت قائمة وقت مباشرة التصرف ولم تكن قد أُلغيت في ذلك التاريخ. ولا يستقيم عقلاً أو قانوناً استخلاص علم جنائي يقيني من مجرد أن تفسيراً لاحقاً لنطاق الوكالة قد جاء على خلاف التفسير الذي اعتنقه المتهم وقت التصرف، ما دام اعتقاده آنذاك قد استند إلى محرر رسمي قائم لم يكن قد زال أثره في ذلك الوقت.
ويتعزز ذلك بما ثبت لاحقاً في المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي انتهت – بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام – إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة لا يستند إليها المتهم الأول باعتبارها حكماً قضائياً ملزماً، وإنما يستمد منها دلالة موضوعية جوهرية على أن فهمه لنطاق الوكالة لم يكن فهماً وهمياً أو مفتعلاً أو منبت الصلة بمضمون سند رسمي، بل كان له ما يؤيده في الفهم الرسمي الذي انتهت إليه الجهة المختصة بالتوثيق بعد فحص الوكالة والتصرف محل الاتهام. ومن ثم فإنها تمثل – على الأقل – قرينة موضوعية جدية يتعين أن تدخل في تقدير مدى إمكان نسبة العلم الجنائي إلى المتهم الأول وقت التصرف.
ولا يقف الأمر عند مجرد وجود سند الوكالة، وإنما تضاف إليه المظاهر الخارجية التي أحاطت بمباشرة التصرف، وفي مقدمتها أن المتهم الأول لم يقدم نفسه باعتباره صاحبة الشأن، ولم يحاول إخفاء صفته أو انتحال شخصيتها، وإنما باشر التوقيع بصفته وكيلاً عنها، بما يكشف عن أن سلوكه الظاهر كان متسقاً مع اعتقاده بأنه يمارس سلطة تمثيلية قائمة، وليس مع من يتعمد تغيير الحقيقة أو إخفاء حقيقة مركزه القانوني.
كما أن مباشرة التصرف من خلال الإجراءات الرسمية أمام الجهات المختصة، وتقديم سند الوكالة والاعتماد عليه في استكمال إجراءات تعديل الشركة، تمثل جميعها مظاهر خارجية موضوعية لا تتفق – في أصلها – مع تصور أن المتهم الأول كان يعلم أنه يرتكب تزويراً أو أنه يستعمل محرراً يعلم أنه مزور. ولا يعني ذلك أن مرور التصرف بالإجراءات الرسمية يحسم وحده المسؤولية الجنائية، وإنما يدل على واقعة موضوعية لها وزنها في استظهار الحالة الذهنية للمتهم وقت مباشرة الفعل.
ويضاف إلى ذلك ما كان قائماً من تعاملات سابقة في إطار العلاقة محل الوكالة، وما إذا كانت تلك التعاملات قد تمت على أساس ذات الصفة التمثيلية ودون اعتراض سابق على أصل سلطة المتهم الأول أو على نطاقها. فالتعاملات السابقة – متى ثبتت بالأوراق – لا تنشئ بذاتها سلطة قانونية جديدة، ولا تحسم وحدها صحة التصرف محل الاتهام، إلا أنها تظل من المظاهر والقرائن الموضوعية التي يجوز أن يستدل منها على الكيفية التي كان المتهم يفهم بها مركزه القانوني وعلى أساس اعتقاده وقت مباشرة التصرف.
ومن ثم، فإن اجتماع سند الوكالة الرسمي، وبقاء الوكالة قائمة وقت التصرف، وإعلان المتهم الأول عن صفته كوكيل، واتباع الإجراءات الرسمية في مباشرة العمل، وما قد يثبت من تعاملات سابقة على ذات الأساس، ثم صدور مذكرة رسمية لاحقة تؤيد امتداد نطاق الوكالة إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، كل ذلك لا يسمح باستخلاص العلم الجنائي من مجرد الافتراض، بل يكشف عن وجود أسباب موضوعية كان من شأنها أن تجعل المتهم الأول يعتقد – اعتقاداً سائغاً ومبرراً – أنه يباشر عملاً يدخل في حدود سلطته.
وهنا يبرز الفارق الجوهري بين الخطأ في تقدير مدى اتساع السلطة وبين العلم بتغيير الحقيقة؛ فحتى لو انتهت المحكمة – جدلاً – إلى أن المتهم الأول قد أخطأ في تقدير حدود الوكالة أو أساء فهم مدلول بعض عباراتها، فإن هذا الاستنتاج لا يؤدي بذاته إلى ثبوت علمه بأنه يغير الحقيقة في محرر، ولا يساوي بذاته القصد الجنائي الخاص اللازم في جريمة التزوير.
فقد يختلف الأشخاص، بل وقد تختلف الجهات المختصة، في تفسير مدى اتساع عبارة واردة في سند وكالة، دون أن يعني ذلك أن أحداً منهم كان يعلم أنه يرتكب فعلاً جنائياً. والقول بغير ذلك يؤدي إلى الخلط بين الخطأ في التكييف أو تفسير حدود السلطة وبين العلم الجنائي بتغيير الحقيقة، وهما أمران متغايران من حيث الطبيعة والأثر.
وإذا كان المتهم الأول قد استند إلى محرر رسمي قائم، وكان هذا المحرر يحمل في ظاهره عبارات تخوله التوقيع على عقود تعديل الشركات، وكانت الجهة المختصة بالتوثيق قد انتهت لاحقاً إلى أن هذه العبارات تشمل بالفعل تقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن نسبة العلم الجنائي إليه لا يمكن أن تقوم بمجرد القول إن المحكمة قد انتهت إلى تفسير مختلف للوكالة، بل يلزم أن يقوم في الأوراق دليل آخر مستقل يثبت أنه كان يعلم تحديداً أن ما يفعله يجاوز سلطته، وأنه مع ذلك اتجهت إرادته إلى تغيير الحقيقة واستعمال المحرر على هذا الأساس.
ولا يغير من ذلك ما وقع من إلغاء الوكالة في تاريخ لاحق، إذ إن الإلغاء اللاحق لا يكشف بذاته عن الحالة الذهنية للمتهم الأول في التاريخ السابق على الإلغاء، ولا يصلح وحده لإثبات أنه كان يعلم وقت التوقيع بانعدام سلطته. بل إن ثبوت قيام الوكالة وقت مباشرة التصرف يمثل واقعة موضوعية سابقة على الإلغاء، يتعين وضعها في الاعتبار عند بحث علم المتهم وموقفه الذهني في ذلك التاريخ.
كما لا يجوز استخلاص القصد الجنائي بأثر رجعي من المنازعة التي نشأت بعد التصرف؛ إذ إن معيار القصد الجنائي هو حالة المتهم وقت ارتكاب الفعل، وليس ما طرأ بعد ذلك من اعتراضات أو خلافات أو إجراءات إلغاء أو منازعات بشأن آثار التصرف. وما يحدث بعد الواقعة قد يكون له دلالة في بعض الأحوال، لكنه لا يصلح وحده لإثبات أن المتهم كان يعلم وقت التصرف بعدم مشروعية سلطته.
ومن ثم، فإن أقصى ما يمكن أن يثار – على فرض التسليم بوجود خلاف حول نطاق الوكالة – هو وجود مسألة قانونية أو واقعية قابلة للتفسير والمناقشة بشأن حدود السلطة التمثيلية، وهي بطبيعتها لا تكفي وحدها للانتقال إلى الجزم بقيام القصد الجنائي في جريمة التزوير، ما دام أحد التفسيرات المعقولة لنطاق الوكالة كان متاحاً للمتهم ومستنداً إلى محرر رسمي قائم، بل وقد تأيد لاحقاً بالمذكرة الرسمية للإدارة العامة للتوثيق.
ولا يصح أن يُحمّل المتهم الأول عبء إثبات حسن نيته بمعناه المجرد، وإنما يكفي في مقام الدفاع أن يكشف من ظروف الواقعة وأوراقها عن أن الدليل على العلم الجنائي غير قائم على وجه اليقين، وأن الظروف الموضوعية المحيطة بالفعل تقدم تفسيراً معقولاً وسائغاً لسلوكه يتعارض مع افتراض علمه بأنه يرتكب تزويراً.
ومتى قام هذا الاحتمال الموضوعي الجدي، وكان له أصل ثابت في الأوراق، تعين على المحكمة أن تواجهه وأن تبين سبب طرحه، إذ لا يكفي في مجال الإدانة أن يكون ثمة تفسير محتمل لسلوك المتهم، بل يلزم أن يثبت القصد الجنائي ثبوتاً يقينياً لا يترك مجالاً لاحتمال سائغ يناقضه.
والثابت أن دفاع المتهم الأول لا يقوم على مجرد القول بأنه «كان حسن النية»، وإنما يستند إلى وقائع موضوعية محددة: وكالة رسمية قائمة، نصوص صريحة بها، استمرارها حتى تاريخ التوقيع، إعلان الصفة التمثيلية، مباشرة الإجراءات الرسمية، ما قد يثبت من تعاملات سابقة، ثم تأييد الجهة المختصة بالتوثيق لاحقاً لفهم امتداد الوكالة إلى التعديل محل الاتهام. وهذه الوقائع مجتمعة تشكل أساساً موضوعياً لاعتقاد المتهم الأول بوجود سلطته، وتمنع استخلاص القصد الجنائي من مجرد النتيجة التي ترتبت على التصرف أو من المنازعة اللاحقة في آثاره.
وبذلك يكون الشك – إن بقي – قد انصرف إلى عنصر جوهري من عناصر الجريمة، هو العلم الجنائي بحقيقة الفعل وطبيعة السلطة التي يباشرها المتهم، ولا يجوز في هذه الحالة إحلال الافتراض محل الدليل، أو استخلاص القصد الجنائي من مجرد مخالفة تفسير لاحق لما كان المتهم يعتقده وقت مباشرة التصرف.
ولما كان الدليل على القصد الجنائي يجب أن يكون مستمداً من ظروف الواقعة وأدلتها وأن يؤدي إليها بطريق سائغ، وكان الثابت بالأوراق قيام أسباب موضوعية جدية تفسر اعتقاد المتهم الأول بسلطته، فإن نسبة القصد الجنائي إليه تظل غير ثابتة على وجه اليقين، الأمر الذي تنتفي معه أحد العناصر الجوهرية اللازمة لقيام جريمة التزوير، ويتعين معه القضاء ببراءته مما أسند إليه.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته، لانتفاء القصد الجنائي وعدم ثبوت علمه وقت مباشرة التصرف بأنه يغير الحقيقة أو يستعمل محرراً مزوراً، مع ثبوت قيام اعتقاده بسلطته على أسباب موضوعية ومظاهر خارجية ومستندات رسمية وتعاملات سابقة، بما يجعل هذا الاعتقاد – على أقل تقدير – اعتقاداً سائغاً ومبرراً، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الرابع والعشرون بعد المائة: قيام الشك الجدي في توافر القصد الجنائي، ووجوب تفسيره لمصلحة المتهم الأول، متى لم يقدم الاتهام دليلاً يقينياً على علمه بانعدام سلطة الوكيل أو اتجاه إرادته إلى تغيير الحقيقة
يتمسك المتهم الأول بأن الأوراق قد أحاطت عنصر القصد الجنائي في الدعوى بظلال جدية من الشك، وأن هذا الشك ليس وليد افتراض مجرد أو منازعة نظرية، وإنما يستمد أساسه من وقائع ومستندات رسمية قائمة بالأوراق، في مقدمتها قيام التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وبقاء هذا التوكيل قائماً وقت مباشرة التصرف محل الاتهام، وثبوت إعلان المتهم الأول عن صفته كوكيل، فضلاً عما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 من أن سند الوكالة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصص الشركاء.
ذلك أن القصد الجنائي في جريمة التزوير لا يُفترض من مجرد وقوع التوقيع أو من مجرد ثبوت التصرف وآثاره، وإنما يتعين أن يقوم الدليل على علم المتهم بأنه بصدد تغيير الحقيقة في محرر على نحو غير مشروع، واتجاه إرادته إلى إحداث هذا التغيير واستعمال المحرر على ذلك النحو. ومن ثم فإن ثبوت الفعل المادي – على فرض ثبوته – لا يغني عن إثبات الحالة الذهنية التي صاحبت ارتكابه، ولا يجوز استخلاص العلم الجنائي بمجرد الافتراض أو من وقائع لاحقة على التصرف.
والثابت أن المتهم الأول كان يستند وقت مباشرة التصرف إلى سند وكالة رسمي قائم، وليس إلى تفويض مجهول المصدر أو إلى مجرد ادعاء شخصي بوجود سلطة. وكان سند الوكالة قائماً ولم يثبت إلغاؤه قبل تاريخ التوقيع، كما أن المتهم الأول لم يخف صفته التمثيلية وإنما وقع بصفته وكيلاً، بما يجعل سلوكه الظاهر متفقاً مع اعتقاد قيام السلطة، لا مع تصور شخص يعلم أنه ينتحل صفة الغير أو يغير الحقيقة في محرر.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ جاءت المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل لتؤيد – بحسب ما انتهت إليه بعد فحص سند الوكالة والتصرف – امتداد سلطة الوكالة إلى عقود تعديل الشركات وإلى تقليل أو زيادة حصص الشركاء. وهذه المذكرة لا يُراد بها أن تحل محل الحكم القضائي في تقدير المسؤولية الجنائية، وإنما تكشف عن أن اعتقاد المتهم الأول بامتداد سلطته لم يكن اعتقاداً وهمياً أو منبت الصلة بسند الوكالة، بل كان له أساس موضوعي معتبر، وهو ما يثير – على أقل تقدير – شكاً جدياً في إمكان نسبة العلم الجنائي إليه.
فإذا كانت الجهة المختصة بالتوثيق قد انتهت، بعد فحص ذات سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، إلى نتيجة تؤيد امتداد سلطتها إلى هذا النوع من التعديلات، فكيف يمكن الجزم – دون دليل آخر مستقل وقاطع – بأن المتهم الأول كان يعلم وقت التوقيع أن سلطته لا تمتد إلى ذلك التصرف، وأنه مع علمه بذلك اتجهت إرادته إلى تغيير الحقيقة؟
إن هذا السؤال لا يثير مجرد احتمال نظري، وإنما يكشف عن ثغرة جوهرية في الاستدلال على القصد الجنائي؛ إذ لا يكفي لإثبات العلم أن تنتهي المحكمة لاحقاً إلى تفسير معين لنطاق الوكالة، ما لم يكن بالأوراق ما يثبت أن المتهم الأول كان يعلم بهذا التفسير تحديداً وقت التصرف، وأنه رغم علمه بانعدام سلطته أقدم عمداً على تغيير الحقيقة.
ولا يجوز الخلط بين الاختلاف في تفسير حدود الوكالة وبين العلم الجنائي بانعدام السلطة؛ فقد يكون الشخص مخطئاً في فهم مدى اتساع السلطة التي يمنحها له سند الوكالة، دون أن يكون عالماً بأنه يرتكب جريمة تزوير. وحتى على فرض قيام خطأ في تقدير حدود السلطة، فإن ذلك لا يتحول بذاته إلى قصد جنائي خاص، ما لم يقم دليل على أن المتهم كان يعلم حقيقة حدود سلطته واتجه رغم ذلك إلى تغيير الحقيقة في المحرر.
كما لا يصلح إلغاء التوكيل في تاريخ لاحق على التصرف دليلاً بذاته على قيام العلم الجنائي وقت التوقيع؛ لأن الحالة الذهنية التي يُعتد بها هي الحالة القائمة عند مباشرة الفعل، بينما الإلغاء اللاحق واقعة زمنية مغايرة لا تثبت وحدها أن المتهم كان يعلم قبل وقوعها بانعدام سلطته. ولا يجوز استخلاص العلم السابق من واقعة لاحقة إلا إذا كانت لها دلالة مستقلة ومحددة تؤدي إلى هذه النتيجة، وهو ما يتعين على الحكم أن يبينه إذا أراد التعويل عليها.
كما أن اعتراض صاحبة الشأن لاحقاً على التصرف، أو عدم رضاها عن آثاره، لا يكفي بذاته لإثبات أن المتهم الأول كان يعلم وقت مباشرة التصرف بانعدام سلطته أو أنه قصد تغيير الحقيقة. فمناط القصد الجنائي هو العلم والإرادة وقت ارتكاب الفعل، وليس مجرد موقف لاحق من التصرف أو نتائجه.
ويتعاظم هذا الشك حين يكون المتهم قد باشر التصرف من خلال الإجراءات الرسمية، وأفصح عن صفته كوكيل، واستند إلى سند وكالة رسمي، ولم يسلك سلوكاً يهدف إلى إخفاء صفته أو اصطناع مظهر كاذب لوجودها. فهذه الوقائع لا تثبت وحدها انتفاء القصد الجنائي، لكنها تمثل ظروفاً موضوعية يتعين إدخالها في ميزان التقدير عند البحث عما إذا كان الاتهام قد أثبت بالفعل أن المتهم كان يعلم بانعدام سلطته واتجهت إرادته إلى تغيير الحقيقة.
ومن ثم، فإن عبء إثبات القصد الجنائي لا ينتقل إلى المتهم لمجرد أن الاتهام افترض علمه بحدود وكالته، بل يظل واجباً على جهة الاتهام أن تقدم من الأدلة ما يكشف عن هذا العلم على نحو يقيني. ولا يكفي في هذا المجال أن يقال إن المتهم كان يتعين عليه أن يعلم، أو أنه كان يستطيع أن يعلم، أو أن تفسيراً لاحقاً للوكالة أدى إلى القول بعدم امتدادها إلى التصرف، إذ إن وجوب العلم أو إمكان العلم لا يساويان بالضرورة العلم الفعلي الذي يقوم عليه القصد الجنائي.
ولا يكفي كذلك الاستناد إلى مجرد النتيجة التي ترتبت على التعديل، كزيادة حصة شريك أو انخفاض حصة شريك آخر، لإثبات القصد الجنائي؛ لأن النتيجة الاقتصادية أو القانونية للتصرف لا تكشف بذاتها عن الحالة الذهنية للمتهم، ولا تثبت أنه كان يعلم بانعدام سلطته أو أنه قصد تغيير الحقيقة. وإلا أصبح القصد الجنائي مستخلصاً من ذات النتيجة التي يفترض الاتهام أنها دليل على الجريمة، دون إقامة الدليل المستقل على علم المتهم وإرادته.
كما أن توافر منازعة حول صحة التصرف أو مدى نفاذه أو مدى موافقته لإرادة الأصيل لا يحسم بذاته المسألة الجنائية؛ إذ قد يكون التصرف محل نزاع مدني أو تجاري دون أن يكون من باشره قد قصد ارتكاب تزوير. ولذلك يتعين الفصل بين السؤال المتعلق بالأثر القانوني للتصرف وبين السؤال المتعلق بما إذا كان المتهم يعلم أنه يغير الحقيقة في محرر واتجهت إرادته إلى ذلك.
والدفاع لا يطلب من المحكمة أن تستخلص البراءة لمجرد وجود احتمال بعيد أو شك نظري، وإنما يتمسك بأن الشك في هذه الدعوى يقوم على عناصر موضوعية متضافرة: سند وكالة رسمي قائم وقت التوقيع، ونصوص في هذا السند تتعلق بالتوقيع على عقود تأسيس وتعديل الشركات، إعلان المتهم الأول عن صفته كوكيل، عدم ثبوت إلغاء الوكالة قبل التصرف، ثم صدور مذكرة رسمية من الإدارة العامة للتوثيق تؤيد امتداد الوكالة إلى التعديل المتعلق بحصص الشركاء. وهذه العناصر تجعل القول بأن المتهم كان يعلم يقيناً بانعدام سلطته، ثم تعمد رغم ذلك تغيير الحقيقة، قولاً يحتاج إلى دليل مستقل لا يغني عنه مجرد الافتراض.
ومتى كان الدليل على العلم الجنائي غير يقيني، وقامت في الأوراق أسباب موضوعية معقولة تفسر سلوك المتهم تفسيراً يتفق مع اعتقاده بقيام سلطته، فإن هذا الشك لا يجوز تحميل المتهم تبعته، ولا يجوز أن يستخلص منه الإدانة بدلاً من البراءة. فالأصل أن المتهم بريء، وأن الإدانة لا تقوم إلا على أدلة تبلغ من القوة واليقين مبلغاً يسمح بالجزم بتوافر عناصر الجريمة، لا بمجرد ترجيح أحد التفسيرات المحتملة.
ومن ثم، فإذا لم يقدم الاتهام دليلاً يقينياً يثبت أن المتهم الأول كان يعلم وقت مباشرة التوقيع بانعدام سلطة الوكالة، أو أنه كان يعلم أن ما يثبته في المحرر يخالف الحقيقة، أو أن إرادته قد اتجهت إلى تغيير الحقيقة واستعمال المحرر على هذا الأساس، فإن القصد الجنائي يظل غير ثابت، ويظل الشك قائماً حول أحد العناصر الجوهرية للجريمة.
وإذ كان هذا الشك يستند إلى وقائع ثابتة ومستندات رسمية وليس إلى مجرد تصور ذهني، فإنه يكون شكاً جدياً مؤثراً في سلامة الإسناد الجنائي، يتعين تفسيره لمصلحة المتهم الأول، ولا يجوز تجاوزه بالافتراض أو بالاستنتاج غير المباشر أو بإحلال النتيجة اللاحقة للتصرف محل الدليل على الحالة الذهنية السابقة عليه.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لعدم ثبوت القصد الجنائي ثبوتاً يقينياً، وقيام الشك الجدي في علمه بانعدام سلطة الوكيل أو اتجاه إرادته إلى تغيير الحقيقة، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الخامس والعشرون بعد المائة: سقوط الاستدلال على القصد الجنائي بانهيار مقدمته، متى ثبت أن سلطة الوكيل كانت ظاهرة للمتعاملين ومستندة إلى توكيل رسمي قائم وإلى تعاملات سابقة تمت بذات السند
يتمسك المتهم الأول بأن ما قد يكون الحكم المعارض فيه قد أقامه من استدلال على توافر القصد الجنائي قد انهار بانهيار مقدمته الأساسية، ذلك أن استخلاص العلم بانعدام سلطة الوكيل لا يمكن أن يستقيم إذا كانت هذه السلطة ظاهرة في سند رسمي قائم وقت مباشرة التصرف، وكان المتهم الأول قد باشر التوقيع معلناً صفته كوكيل، وكانت تلك الصفة قد جرى التعامل على أساسها في مناسبات سابقة، بما يجعل اعتقاد المتهم الأول بقيام سلطته اعتقاداً قائماً على مظاهر موضوعية خارجية وليس على مجرد ادعاء شخصي.
فالقصد الجنائي لا يستخلص من فراغ، ولا يجوز بناؤه على افتراض أن المتهم كان يعلم بانعدام سلطته لمجرد أن هناك منازعة لاحقة حول مدى اتساع الوكالة، وإنما يتعين أن تستند نسبة العلم إلى ظروف موضوعية تكشف عن أن المتهم كان يعلم حقيقة وضعه القانوني، ثم اتجه رغم هذا العلم إلى تغيير الحقيقة. فإذا انهارت المقدمة التي يستند إليها هذا العلم، ولم يعد ثابتاً أن المتهم كان يعلم بانعدام سلطته، انهار تبعاً لذلك الاستدلال الذي أقيم على هذا العلم.
والثابت بالأوراق أن المتهم الأول لم يستند إلى سلطة مستترة أو مجهولة المصدر، وإنما إلى التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وهو سند رسمي قائم وقت مباشرة التصرف محل الاتهام، تضمن تخويله القيام نيابة عن صاحبة الشأن في المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عن السلطات الأخرى الواردة به.
ومن ثم فإن مصدر السلطة كان ظاهراً في محرر رسمي، ولم يكن المتهم الأول في حاجة إلى اصطناع سند أو إخفاء مصدر صفته، بل كان يستند إلى محرر قائم يمكن الرجوع إليه والتحقق من مضمونه، وقد باشر التوقيع معلناً صفته كوكيل، الأمر الذي يجعل مظهر الوكالة قائماً على أساس موضوعي قابل للتحقق، وليس على مجرد اعتقاد شخصي مجرد.
ويتعزز ذلك بما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 من أن التوكيل المشار إليه يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع ثبوت أن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه النتيجة الرسمية لا يستند إليها المتهم الأول باعتبارها منشئة لسلطته، وإنما باعتبارها مؤيداً موضوعياً لفهمه لنطاق السلطة التي كان يستند إليها وقت مباشرة التصرف. فإذا كانت الجهة المختصة بالتوثيق قد انتهت بعد فحص سند الوكالة والتصرف إلى أن نطاقها يشمل التعديل محل الاتهام، فإن ذلك يكشف أن اعتقاد المتهم الأول بامتداد سلطته لم يكن اعتقاداً عبثياً أو مصطنعاً، وإنما كان له أصل ظاهر في سند الوكالة ذاته.
ويضاف إلى ذلك ما ثبت أو يمكن أن يثبت من تعاملات سابقة تمت بذات سند الوكالة وعلى أساس ذات الصفة التمثيلية، إذ إن هذه التعاملات – متى كانت ثابتة بالأوراق – تشكل مظهراً خارجياً موضوعياً يعزز تفسير سلوك المتهم الأول ويكشف عن الكيفية التي استقر عليها التعامل بشأن صفته وسلطته. وهي لا تنشئ بذاتها سلطة قانونية مستقلة، ولا تحسم وحدها صحة التصرف محل الاتهام، لكنها ذات دلالة في بحث الحالة الذهنية للمتهم ومدى معقولية اعتقاده بقيام سلطته.
فمن غير المستساغ استخلاص العلم الجنائي بانعدام السلطة من مجرد افتراض أن المتهم كان يعلم أن وكالته لا تمتد إلى التصرف محل الاتهام، في حين أن سلوكه السابق والحالي قد جرى في إطار سند رسمي قائم، وأن التعاملات السابقة قد تمت على أساس ذات السند والصفة، وأنه لم يتخذ سلوكاً يوحي بإخفاء مركزه أو انتحال صفة صاحبة الشأن، بل أعلن عن كونه وكيلاً عنها.
والأهم أن ظهور الوكالة للمتعاملين لا يعني – في ذاته – حسم جميع المنازعات المدنية المتعلقة بمدى صحة التصرف أو نفاذه، وإنما دلالته في المقام الجنائي تنصرف إلى بيان أن المتهم لم يكن يتصرف في ظل واقع خفي أو يعلم بالضرورة أن صفته منعدمة، وإنما كان يستند إلى مظهر قانوني ورسمي قائم يمكن للمتعاملين والجهات ذات الصلة الاطلاع عليه والتحقق منه.
ومن ثم، فإن القول بتوافر القصد الجنائي يفترض أولاً ثبوت أن المتهم كان يعلم بانعدام سلطته أو بتجاوزها، ثم ثبوت أنه رغم هذا العلم اتجه إلى تغيير الحقيقة. فإذا كان مصدر السلطة ظاهراً في توكيل رسمي قائم، وكانت صفته التمثيلية معلنة، وكانت هناك تعاملات سابقة تمت بذات السند، فإن هذه الوقائع تهدم المقدمة التي يراد منها استخلاص العلم، ولا يجوز بعد ذلك الانتقال مباشرة إلى النتيجة الجنائية دون دليل مستقل يثبت أن المتهم كان يعلم تحديداً بعدم امتداد سلطته إلى التصرف محل الاتهام.
ولا يكفي في هذا السياق القول إن المتهم «كان يتعين عليه أن يعلم» بحدود وكالته، لأن وجوب العلم المفترض لا يساوي العلم الفعلي الذي يقوم عليه القصد الجنائي. كما لا يكفي القول إن المحكمة انتهت لاحقاً إلى تفسير معين لعبارات الوكالة، لأن هذا التفسير اللاحق لا يثبت بذاته أن المتهم كان يتبناه أو يعلمه وقت التصرف.
والقول بغير ذلك يؤدي إلى نتيجة غير سائغة مؤداها افتراض القصد الجنائي من مجرد مخالفة تفسير المحكمة لنطاق الوكالة، في حين أن مناط البحث هو الحالة الذهنية للمتهم وقت مباشرة الفعل، وما إذا كانت الظروف المحيطة به تجعل من الثابت أنه كان يعلم بانعدام سلطته، لا ما إذا كان يمكن بعد وقوع الواقعة تقديم تفسير قانوني آخر لنطاقها.
كما أن التعاملات السابقة ذات السند لا يستدل بها على صحة التصرف محل الاتهام على نحو مطلق، وإنما على دلالتها في مجال القصد الجنائي؛ فإذا كان المتهم قد سبق له أن باشر تعاملات في إطار ذات الوكالة وبذات الصفة دون أن يثور في مواجهته – في ذلك الوقت – ما يكشف عن علمه بانعدام سلطته، فإن هذا السياق يمثل ظرفاً موضوعياً يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند تقدير مدى إمكان نسبة العلم الجنائي إليه.
ولا يجوز فصل التصرف محل الاتهام عن سياقه الزمني والموضوعي ثم استخلاص القصد الجنائي منه مجرداً، متجاهلين أن المتهم كان يتحرك في إطار علاقة سابقة وسند رسمي قائم ومظاهر خارجية مستقرة. فالقصد الجنائي لا يستخلص من واقعة معزولة عن سياقها، وإنما من مجموع الظروف المحيطة بالفعل، ولا سيما عندما تكون هناك وقائع سابقة تؤيد تفسيراً مشروعاً لسلوك المتهم.
ويتعين كذلك التمييز بين ظهور السلطة وثبوت السلطة في مواجهة الأصيل؛ فالدفاع لا يتمسك بأن مجرد ظهور الوكالة يحسم كل نزاع مدني حول آثار التصرف، وإنما يتمسك بأن ظهورها، مقروناً بقيام سند رسمي واستمرار العمل به وقت التصرف والتعاملات السابقة بموجبه، يمثل دليلاً موضوعياً على الحالة الذهنية للمتهم، ويناقض استخلاص العلم اليقيني بانعدام السلطة ما لم يقدم الاتهام دليلاً مستقلاً على عكس ذلك.
ومن ثم، فإن الدليل الذي يراد به إثبات القصد الجنائي يكون قد فقد مقدمته المنطقية؛ فإذا كان الاستدلال قائماً على أن المتهم كان يعلم أنه لا يملك سلطة التوقيع، ثم ثبت أن هذه السلطة كانت مستندة إلى توكيل رسمي قائم، وأنها كانت ظاهرة ومعلنة، وأن التعاملات السابقة تمت بذات السند، فإن مجرد المنازعة اللاحقة في نطاق الوكالة لا تكفي لإعادة بناء العلم الجنائي بأثر رجعي.
ولا يغير من ذلك إلغاء الوكالة في تاريخ لاحق على التصرف، إذ إن الإلغاء اللاحق لا يهدم بذاته المظهر القانوني الذي كان قائماً وقت التوقيع، ولا يصلح وحده دليلاً على أن المتهم كان يعلم قبل الإلغاء بانعدام سلطته. والعبرة في استظهار القصد الجنائي بالحالة الذهنية القائمة وقت مباشرة الفعل، وليس بما طرأ بعد ذلك من إجراءات أو منازعات.
كما أن النتيجة التي ترتبت على تعديل حصص الشركاء لا تصلح بذاتها لإثبات القصد الجنائي، إذ لا تكشف بمجردها عن علم المتهم بانعدام سلطته أو عن اتجاه إرادته إلى تغيير الحقيقة. فالنتيجة شيء، والعلم الجنائي الذي يتعين إثباته شيء آخر، ولا يجوز استخلاص الثاني من الأول دون رابطة استدلالية مستقلة وسائغة.
ولما كان الحكم المعارض فيه – بحسب ما يستفاد من مدوناته – قد استخلص القصد الجنائي من انتفاء سلطة المتهم الأول، وكان انتفاء هذه السلطة هو ذاته محل منازعة جدية تدحضها المحررات الرسمية ومذكرة الإدارة العامة للتوثيق وما قد يثبت من تعاملات سابقة، فإن الاستدلال يكون قد أقيم على مقدمة لم تعد ثابتة، بما يسقط النتيجة التي بنيت عليها.
ويكون الحكم – والحال كذلك – قد انتقل من افتراض انعدام السلطة إلى افتراض العلم بهذا الانعدام، ثم من العلم المفترض إلى القصد الجنائي، دون أن يقدم الدليل المستقل الذي يثبت أياً من هاتين المقدمتين على وجه اليقين، وهو ما يعيبه بالفساد في الاستدلال والقصور في استظهار الركن المعنوي للجريمة.
ومن ثم، فإن قيام الوكالة الرسمية وظهور الصفة التمثيلية، واقتران ذلك بالتعاملات السابقة التي تمت بذات السند، فضلاً عن التأييد الرسمي اللاحق لنطاق الوكالة، يخلق على الأقل تفسيراً موضوعياً سائغاً لسلوك المتهم الأول يتعارض مع الجزم بأنه كان يعلم بانعدام سلطته واتجه مع ذلك إلى تغيير الحقيقة. ومتى بقي هذا الاحتمال سائغاً ومستنداً إلى أصل ثابت بالأوراق، تعين تفسير الشك لمصلحة المتهم وعدم بناء الإدانة على مجرد الاستنتاج.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، لسقوط الاستدلال على القصد الجنائي بانهيار مقدمته، وعدم ثبوت علمه بانعدام سلطة الوكيل أو اتجاه إرادته إلى تغيير الحقيقة، مع قيام أسباب موضوعية ظاهرة ومحررات رسمية وتعاملات سابقة تبرر اعتقاده بقيام سلطته، ومع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع السادس والعشرون بعد المائة: قصور الحكم في بيان سبب طرح المستندات الجوهرية المقدمة في التحقيقات، وعدم كفاية إغفالها أو السكوت عنها، متى كانت دلالتها – بحسب دفاع المتهم الأول – من شأنها تغيير وجه الرأي في الدعوى
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد شابه القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع، إذ أعرض عن المستندات الجوهرية المقدمة في التحقيقات، والتي تمسك الدفاع بدلالتها وأثرها في نفي الاتهام وإسقاط الأساس الذي أقيمت عليه صورة التزوير المسندة إليه، دون أن يستظهر مضمون هذه المستندات أو يناقش دلالتها أو يبين سبباً سائغاً لطرحها وعدم التعويل عليها، مع أنها – بحسب طبيعتها ومضمونها وبحسب ما تمسك به الدفاع – ليست من قبيل الأوراق الهامشية أو عديمة الأثر، وإنما تتصل اتصالاً مباشراً بعناصر الواقعة وأركان الجريمة محل الاتهام.
ذلك أن المستند الجوهري في الدعوى الجنائية لا يستمد أهميته من مجرد وجوده في ملف التحقيق، وإنما من مدى اتصاله بعنصر من عناصر الاتهام أو بدليل من أدلة الإدانة، بحيث يكون من شأن بحثه وتمحيصه – لو صح ما يتمسك به الدفاع من دلالته – أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى. ومتى كان المستند بهذه المثابة، وأبدى الدفاع دلالته صراحة وتمسك بأثره في نفي الاتهام، غدا بحثه والرد عليه واجباً، ولا يكفي في مقام القضاء بالإدانة مجرد إغفاله أو السكوت عنه.
والثابت في الدعوى الماثلة أن الدفاع لم يتمسك بمستندات عرضية أو ثانوية، وإنما تمسك بمحررات رسمية ووثائق متصلة اتصالاً مباشراً بمصدر السلطة التي باشر المتهم الأول التوقيع استناداً إليها، وبمدى امتداد تلك السلطة إلى التصرف محل الاتهام، وفي مقدمتها التوكيل الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، وما ورد به من تخويل المتهم الأول القيام نيابة عن صاحبة الشأن في المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات، فضلاً عن مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، وما انتهت إليه – بحسب الثابت بالأوراق – من أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء.
وهذه المستندات لا تتعلق بمسألة هامشية خارجة عن نطاق الاتهام، وإنما تنصب على إحدى المسائل المركزية التي يتوقف عليها التصوير الجنائي للواقعة، وهي ما إذا كان المتهم الأول قد باشر التوقيع بغير صفة أو بغير سند من النيابة، أم أنه باشره في إطار وكالة رسمية قائمة وقت مباشرة التصرف، وعلى نحو ثابت بالمحررات الرسمية.
ومن ثم، فإذا كان الحكم قد انتهى إلى إدانة المتهم الأول على أساس أنه لم يكن يملك سلطة التوقيع أو أنه تجاوز حدود وكالته، فقد كان لزاماً عليه أن يواجه سند هذه السلطة ذاته، وأن يبين وجه استبعاده أو عدم أخذه بالدلالة المستمدة منه، وأن يكشف عن الأسباب التي دعته إلى طرحه، لا أن يتجاوزه بالصمت وكأنه غير قائم بالأوراق.
ولا ينال من ذلك أن المحكمة غير ملزمة بتتبع الدفاع في كل جزئية أو الرد استقلالاً على كل قول أو مستند يقدمه الخصوم، إذ إن هذا الأصل لا ينصرف إلى الدفاع الجوهري المؤثر الذي من شأنه – لو صح – أن يغير وجه الرأي في الدعوى. فمتى كان المستند الذي تمسك به الدفاع متعلقاً بعنصر جوهري من عناصر الاتهام، وكانت دلالته المحتملة من شأنها أن تنال من سلامة الدليل الذي أقيمت عليه الإدانة، فإن إغفاله دون بحث أو تمحيص يحول دون الوقوف على أن المحكمة قد فطنت إليه وأعملت أثره في ميزان الدعوى.
كما أن مجرد إيراد بعض المستندات في سرد وقائع الدعوى أو الإشارة العابرة إلى وجودها لا يغني عن بيان موقف المحكمة من دلالتها الجوهرية، متى كان الدفاع قد اتخذ منها أساساً لنفي أحد أركان الجريمة. إذ الفارق واضح بين أن تعلم المحكمة بوجود المستند، وبين أن تفطن إلى مؤداه وتبحث أثره في الأدلة القائمة وتبين سبب عدم التعويل عليه إذا انتهت إلى استبعاده.
والأمر في الدعوى الماثلة أكثر وضوحاً، لأن المستندات التي تمسك بها الدفاع لا تقف عند إثبات واقعة إجرائية أو أمر ثانوي، وإنما تتصل مباشرة بمصدر سلطة المتهم الأول في التوقيع، وبمدى امتداد تلك السلطة إلى تعديل عقد الشركة وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وهي ذات المسألة التي اتخذ منها الاتهام أساساً للقول بأن المتهم الأول قد باشر التوقيع بغير سلطة وأن فعله قد شكل تغييراً للحقيقة.
فإذا كان الحكم قد عوّل في الإدانة على أقوال شهود أو موظفين مؤداها أن المتهم الأول لم يكن يملك سلطة إجراء التعديل محل الاتهام، ثم أغفل في المقابل التوكيل الرسمي الذي يستمد منه المتهم سلطته، والمذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق التي انتهت – بعد فحص سند الوكالة – إلى امتدادها إلى تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، فإن هذا الإغفال لا يكون مجرد إغفال لدليل من أدلة الدعوى، وإنما يمس صميم الموازنة بين أدلة الإدانة وأدلة النفي، ويحول دون معرفة الأساس الذي أقامت عليه المحكمة ترجيحها.
وكان يتعين على الحكم – إذا رأى أن هذه المستندات لا تؤدي إلى النتيجة التي تمسك بها الدفاع – أن يبين سبب ذلك بياناً سائغاً، كأن يحدد وجه عدم انطباقها على الواقعة، أو يبين أن مضمونها لا يشمل التصرف محل الاتهام، أو يثبت قيام واقعة قانونية سابقة على التوقيع تحول دون الاستناد إليها، أو يقدم من الأسباب ما يكشف عن عدم صلاحيتها لإثبات ما تمسك به الدفاع. أما إغفالها كليةً، مع قيام الدفاع عليها وتمسكه الصريح بدلالتها، فلا يكشف عن سبب طرحها ولا يسمح بالوقوف على حقيقة الموازنة التي أجرتها المحكمة.
ولا يجوز أن يُفترض أن المحكمة قد طرحت هذه المستندات ضمناً لمجرد أنها انتهت إلى الإدانة، إذ إن النتيجة لا تكشف بذاتها عن سبب إهدار دليل جوهري قد يغير وجه الرأي في الدعوى. كما لا يجوز افتراض أن المحكمة قد واجهت دفاعاً جوهرياً لم يتضمن الحكم ما يدل على أنها فطنت إليه وأعملت أثره؛ لأن الأحكام الجنائية يجب أن تكشف عن الأساس الذي أقيم عليه القضاء، حتى يتسنى الوقوف على أن النتيجة التي انتهت إليها المحكمة قد استخلصت من عناصر صحيحة ومؤثرة في الدعوى.
ويزداد أثر هذا القصور إذا كان المستند المطروح مستنداً رسمياً سابقاً على الواقعة أو مستنداً رسمياً لاحقاً صادراً عن جهة التوثيق المختصة يتناول بذاته مضمون سند الوكالة ومدى امتداد سلطتها، إذ لا يكفي عندئذٍ استبعاد أثره بعبارات عامة أو السكوت عنه، وإنما يتعين بيان وجه عدم التعويل عليه، ولا سيما إذا كان الحكم قد أقام الإدانة على تفسير مغاير لنطاق الوكالة.
كما أن الدفاع لا يتمسك بأن المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق ملزمة للمحكمة أو أنها تحسم وحدها المسؤولية الجنائية، وإنما يتمسك بأن لها دلالة إثباتية جوهرية في المسألة التي يدور حولها الاتهام، وأنها، متى أضيفت إلى سند الوكالة الرسمي القائم وقت التوقيع، تكون من الأدلة التي كان يتعين على المحكمة أن تمحصها وتبين أثرها في تكوين عقيدتها، خاصة وأنها تؤيد – بحسب مضمونها – امتداد الوكالة إلى التصرف الذي أقيم عليه الاتهام.
ومن ناحية أخرى، فإن إغفال هذه المستندات يحول دون التحقق من سلامة الاستدلال الذي أقام عليه الحكم قضاءه؛ ذلك أن إثبات الركن المادي لجريمة التزوير يقتضي تحديد الفعل الذي وقع به تغيير الحقيقة، وتحديد الحقيقة التي تم تغييرها، وبيان كيفية وقوع هذا التغيير ونسبته إلى المتهم، ولا يمكن الوصول إلى هذه النتيجة بصورة سائغة دون بحث المستند الذي يقول الدفاع إنه يثبت أن المتهم الأول كان يملك أصلاً سلطة مباشرة التصرف محل الاتهام.
فإذا كانت المحكمة قد اعتبرت أن المتهم الأول لم يكن يملك تلك السلطة، بينما يقدم الدفاع مستنداً رسمياً يقول بوجودها، فإن الفصل في المسألة لا يكون بإغفال المستند، وإنما بمواجهته وتمحيصه وبيان سبب عدم الأخذ بدلالته. أما ترك هذه الحلقة الأساسية في الاستدلال دون بيان، فإنه يجعل النتيجة التي انتهى إليها الحكم غير قائمة على أسباب كافية تكشف عن كيفية الانتقال من مضمون المستند إلى نقيضه.
والدفاع يتمسك كذلك بأن المستندات الجوهرية لا تفقد أثرها لمجرد أن المحكمة لم تر فيها ما يكفي وحده للقضاء بالبراءة؛ إذ مناط الدفاع ليس إلزام المحكمة بالأخذ بالمستند، وإنما إلزامها – متى كان المستند جوهرياً ومؤثراً وتمسك به الدفاع – بأن تبحث دلالته وترد عليه رداً سائغاً إذا انتهت إلى عدم الأخذ به، حتى يتبين أن طرحه كان نتيجة موازنة قضائية حقيقية لا نتيجة إغفال أو سهو عن عنصر جوهري من عناصر الدعوى.
ولما كان الحكم المعارض فيه قد أعرض عن المستندات الجوهرية المقدمة في التحقيقات، ولم يبين سبب طرحها أو حدود دلالتها أو وجه عدم صلاحيتها لنفي ما نسب إلى المتهم الأول، رغم اتصالها المباشر بمصدر سلطته في التوقيع وبنطاق الوكالة وبصورة الفعل المادي المنسوب إليه، فإن الحكم يكون قد عجز عن بيان الأساس الحقيقي الذي أقام عليه قضاءه، وشابه القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع والفساد في الاستدلال.
ولا يغير من ذلك ما قد يقال من أن المحكمة استخلصت عقيدتها من مجموع الأدلة؛ إذ لا يكفي هذا القول متى كان أحد الأدلة الجوهرية التي تمسك بها الدفاع من شأنه – بحسب مؤداه – أن يهدم أو يغير أحد المقدمات الأساسية التي أقيم عليها الاتهام. فالمطلوب ليس مجرد تعداد الأدلة، وإنما وزنها ومواجهة ما بينها من تعارض، واستظهار أثر كل دليل جوهري في النتيجة النهائية.
وبذلك يكون إغفال الحكم لهذه المستندات قد حال دون بيان ما إذا كانت المحكمة قد فطنت إلى دلالتها، وما إذا كانت قد رجحت عليها أدلة أخرى، وما هو الأساس الذي أقامته لطرحها، الأمر الذي يعجز معه المتهم ودفاعه عن الوقوف على الأساس الواقعي والقانوني الذي انتهى بالحكم إلى إهدارها، كما يعجز معه – في الحدود التي يوجبها القانون – عن مراقبة سلامة التطبيق والاستدلال.
ومن ثم، فإن سكوت الحكم عن المستندات الجوهرية التي تمسك بها الدفاع، وعدم بيانه سبب طرحها أو الرد على دلالتها رغم اتصالها المباشر بأصل سلطة المتهم الأول في التوقيع وبالركن المادي لجريمة التزوير، لا يمثل مجرد نقص شكلي في التسبيب، وإنما ينال من سلامة تكوين عقيدة المحكمة ذاتها، إذ لو صح ما تمسك به الدفاع من دلالة هذه المستندات لتغير وجه الرأي في الدعوى، أو على أقل تقدير لتغير ميزان الأدلة فيها وأصبح القضاء بالإدانة محتاجاً إلى تسبيب يواجه هذه الدلالة مواجهة حقيقية.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على قصور الحكم المعارض فيه في بيان سبب طرح المستندات الجوهرية المقدمة في التحقيقات، وإخلاله بحق الدفاع، وفساد استدلاله لإغفاله أدلة من شأنها – بحسب دلالتها التي تمسك بها الدفاع – تغيير وجه الرأي في الدعوى، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع المائة والسابع والعشرون: الإخلال الجسيم بحق الدفاع لعدم تمحيص دفاع الوكالة الظاهرة والوضع الظاهر، رغم اتصاله المباشر بالركن المعنوي للجريمة وبمدى توافر العلم والقصد الجنائي
يتمسك المتهم الأول بأن الحكم المعارض فيه قد أخل إخلالاً جسيماً بحق الدفاع، وشابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال، إذ لم يمحص دفاعه الجوهري القائم على توافر مظاهر الوكالة والوضع الظاهر التي أحاطت بمباشرته للتصرف محل الاتهام، رغم أن هذا الدفاع لا ينصب على مسألة مدنية أو شكلية بعيدة عن نطاق التجريم، وإنما يتصل اتصالاً مباشراً ومؤثراً بالركن المعنوي لجريمة التزوير، وبمدى توافر العلم بحقيقة عدم المشروعية – على فرض ثبوتها – وبمدى انصراف إرادة المتهم الأول إلى تغيير الحقيقة واستعمال محرر يعلم أنه مزور.
ذلك أن المتهم الأول لم يباشر التصرف محل الاتهام في ظروف خفية أو ملتبسة من جانبه، ولم يقدم نفسه باعتباره صاحبة الشأن، ولم ينسب إلى نفسه صفة ليست له، وإنما باشر التوقيع بصفته وكيلاً عنها، مستنداً إلى توكيل رسمي قائم وقت مباشرة التصرف، ومظهراً صفته التمثيلية في المحرر، بما يجعل مظهر النيابة قائماً ومعلناً وليس مستتراً أو مصطنعاً.
والثابت بالأوراق أن سند الوكالة الرسمي رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة كان قائماً وقت التوقيع، وأنه تضمن سلطات تتعلق بإنشاء وتأسيس الشركات والتوقيع على عقود تأسيس وتعديل الشركات، كما ثبت – بحسب ما انتهت إليه مذكرة الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026 – أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، وأن إلغاء التوكيل قد تم بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه الملابسات جميعها لا يجوز فصلها عن البحث في القصد الجنائي، إذ إن تحديد الحالة الذهنية للمتهم لا يكون بمجرد إطلاق القول بتوافرها، وإنما يستخلص من الظروف والملابسات الموضوعية التي أحاطت بالفعل وقت وقوعه. فإذا كان المتهم الأول قد واجه الغير بصفته الحقيقية، واستند إلى سند وكالة رسمي قائم، وباشر التصرف في إطار إجراءات رسمية، ولم يخفِ مصدر سلطته أو ينتحل صفة صاحبة الشأن، فإن هذه الوقائع تمثل عناصر دفاع جوهرية يتعين بحث دلالتها في مدى توافر العلم بأن ما يباشره يمثل تغييراً للحقيقة.
ولا يعني التمسك بالوكالة الظاهرة أو الوضع الظاهر القول بأن هذه النظرية تحسم بذاتها صحة التصرف أو تمنع المحكمة من بحث حدود الوكالة أو آثارها المدنية، وإنما يتمسك بها المتهم الأول في نطاقها الاستدلالي المتعلق بالركن المعنوي، باعتبار أن المظهر القانوني والواقعي الذي أحاط بالتصرف قد يكون من العناصر الجوهرية في تقدير ما إذا كان المتهم قد باشر فعله وهو عالم بأنه يتضمن تغييراً للحقيقة، أم أنه كان يعتقد – استناداً إلى وقائع موضوعية قائمة – أنه يباشر اختصاصاً تمثيلياً ثابتاً له.
فإذا كان الاتهام يفترض أن المتهم الأول كان يعلم أنه لا يملك سلطة التوقيع، فإن وجود توكيل رسمي قائم، وظهور صفته كوكيل، واستمرار إجراءات التوثيق أمام الجهات المختصة، ثم ثبوت ما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق من أن نطاق الوكالة يشمل التوقيع على عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، كلها وقائع لا يمكن تجاوزها عند بحث مدى ثبوت ذلك العلم على وجه اليقين.
والأمر كذلك بالنسبة إلى القصد الجنائي؛ إذ لا يكفي لإثباته مجرد القول بأن المتهم الأول وقع على المحرر أو أن التصرف ترتب عليه أثر قانوني أو مالي، بل يتعين أن يثبت أن إرادته قد اتجهت إلى تغيير الحقيقة مع علمه بعدم صحتها، وأنه قصد استعمال المحرر على هذا النحو. فإذا كان سلوكه الظاهر قد اتسم بإعلان صفته الحقيقية والاستناد إلى وكالة رسمية قائمة وتقديمها ضمن الإجراءات الرسمية، فإن هذه الوقائع تثير – على الأقل – مسألة جوهرية حول مدى إمكان استخلاص العلم والقصد الجنائي من ذات السلوك.
وكان دفاع المتهم الأول قد تمسك بهذه الدلالة، ولم يكن دفاعاً ثانوياً أو جدلاً نظرياً، وإنما كان دفاعاً منتجاً في الدعوى، من شأنه – لو صح وتم تمحيصه – أن يتغير به وجه الرأي فيها، لأنه يستهدف أحد الأركان اللازمة للمسؤولية الجنائية، وهو الركن المعنوي، ويشكك في توافر العلم والقصد اللذين لا تقوم جريمة التزوير في صورتها المسندة إلى المتهم بدونهما.
ومن ثم، كان يتعين على الحكم أن يواجه هذا الدفاع مواجهة حقيقية، فيستعرض سند الوكالة، ووقت سريانه، ونطاق السلطات الواردة به، وصفة المتهم الأول التي أعلنها عند التوقيع، والظروف الرسمية التي تم فيها التصرف، وما إذا كانت هذه الوقائع تتفق مع شخص يعلم أنه يرتكب فعلاً مزوراً ويتعمد تغيير الحقيقة، أم أنها – على العكس – تشكل ظروفاً موضوعية جدية تتعارض مع هذا الاستنتاج أو تثير شكا معقولاً في إمكان استخلاصه.
ولا يكفي في الرد على هذا الدفاع القول المجرد بأن المتهم الأول قد تجاوز حدود الوكالة، ذلك أن هذا القول يفترض ثبوت المسألة محل المنازعة ولا يجيب عن السؤال الجنائي المختلف، وهو: هل كان المتهم الأول يعلم، وقت مباشرته التصرف، أن ما يفعله يمثل تغييراً للحقيقة على نحو غير مشروع؟ وهل ثبت أن إرادته اتجهت إلى استعمال محرر يعلم بتزويره؟ أم أن ظروف الواقعة كانت تسمح له باعتقاد مشروع – أو على الأقل اعتقاد جدي قائم على أسباب موضوعية – بأنه يباشر سلطة تمثيلية مستمدة من سند رسمي قائم؟
وهنا يظهر الفارق بين حدود السلطة المدنية وبين العلم الجنائي بتغيير الحقيقة؛ فقد يثور خلاف حول مدى امتداد الوكالة أو مدى صحة التصرف أو نفاذه في مواجهة الأصيل، دون أن يعني ذلك بالضرورة ثبوت علم الوكيل بأنه يرتكب تزويراً. ولذلك لا يجوز للمحكمة أن تستخلص القصد الجنائي تلقائياً من مجرد النتيجة التي انتهت إليها في شأن حدود الوكالة، دون أن تبحث استقلالاً الحالة الذهنية للمتهم الأول والظروف الموضوعية التي كانت تحيط به وقت مباشرة التصرف.
ويزداد الدفاع جوهرية في ضوء المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، والتي انتهت – بحسب الثابت بها – إلى أن التوكيل يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، فضلاً عن ثبوت أن إلغاء الوكالة وقع بعد التوقيع بموجبها. فهذه المذكرة لا تنشئ بذاتها حكماً قضائياً في المسؤولية الجنائية، إلا أنها تمثل دليلاً رسمياً جوهرياً في تقدير مدى معقولية اعتقاد المتهم الأول بقيام سلطته، ومن ثم في تقدير مدى إمكان استخلاص العلم والقصد الجنائي في حقه.
وكان يتعين على الحكم – إذا طرح هذا الدفاع – أن يبين أسباب طرحه، وأن يوضح لماذا لا تصلح مظاهر الوكالة والوضع الظاهر وسند الوكالة الرسمي والظروف التي أحاطت بالتصرف للاستدلال على انتفاء العلم أو قيام الشك فيه، وأن يواجه كذلك الدلالة المستمدة من المذكرة الرسمية المشار إليها، لا أن يكتفي بإثبات النتيجة التي انتهى إليها في شأن الاتهام ثم يستخلص منها تلقائياً توافر القصد الجنائي.
ولا ينال من ذلك القول بأن القصد الجنائي من مسائل الواقع التي تستقل محكمة الموضوع بتقديرها، ذلك أن هذه السلطة لا تعني إعفاء الحكم من بيان العناصر التي استخلص منها القصد، ولا تبيح إغفال دفاع جوهري من شأنه – لو صح – أن ينال من أحد الأركان الأساسية للجريمة. فإذا كان الدفاع قد قدم للمحكمة وقائع ومستندات محددة يستند إليها في نفي العلم والقصد، وجب أن يكون الرد عليها رداً سائغاً يكشف عن أن المحكمة قد فطنت إلى عناصرها ووازنت دلالتها.
كما لا يصح أن يستبدل الحكم بإثبات العلم والقصد مجرد افتراض مؤداه أن الشخص الذي باشر التصرف هو بالضرورة عالم بعدم مشروعيته؛ إذ إن هذا الافتراض يهدر الفارق بين الفعل المادي وبين الحالة الذهنية التي صاحبت ارتكابه. والمتهم الأول لا يستند في نفي القصد إلى مجرد الإنكار، وإنما يستند إلى ظروف موضوعية ثابتة بالأوراق: وكالة رسمية قائمة، وصفة تمثيلية معلنة، مباشرة للتصرف في إطار رسمي، وعدم إلغاء الوكالة إلا بعد التوقيع، ثم صدور مذكرة رسمية تؤكد امتداد نطاقها إلى تعديل الشركات وحصص الشركاء.
ومن ثم، فإن إغفال الحكم بحث هذه العناصر مجتمعة، وعدم بيان أثرها في تقدير العلم والقصد الجنائي، قد حجَب عنه بحث دفاع جوهري منتج، وأدى إلى استخلاص الركن المعنوي بطريق الفرض لا بطريق الدليل، بما يشكل إخلالاً جسيماً بحق الدفاع وقصوراً في التسبيب وفساداً في الاستدلال.
ويظل من المتعين – حتى مع افتراض صحة القول بأن التصرف قد جاوز في النهاية حدود الوكالة – التمييز بين وقوع التجاوز من الناحية المدنية أو التمثيلية وبين ثبوت العلم الجنائي بهذا التجاوز واتجاه الإرادة إلى تغيير الحقيقة؛ إذ لا يجوز أن يتحول الأول تلقائياً إلى دليل على الثاني، ولا أن يُستبدل بإثبات القصد الجنائي مجرد الاستنتاج بأن النتيجة التي ترتبت على التصرف لم تكن مرغوبة من الأصيل.
وإذ كان دفاع الوكالة الظاهرة والوضع الظاهر قد طرح على المحكمة في سياق متصل مباشرة بالركن المعنوي، وكان من شأن تمحيصه – في ضوء سند الوكالة والمستندات الرسمية والظروف المحيطة بالتوقيع – أن يؤثر في تقدير مدى توافر العلم والقصد الجنائي، فإن إغفاله أو الرد عليه بعبارات عامة لا يواجه جوهره، يكون قد أخل بحق الدفاع وأفقد الحكم سنده الصحيح في استظهار الركن المعنوي للجريمة.
ومن ثم، يكون الحكم المعارض فيه قد عوّل على استخلاص غير مكتمل لعناصر القصد الجنائي، وأغفل بحث دفاع جوهري مؤيد بمستندات رسمية ووقائع موضوعية ثابتة بالأوراق، الأمر الذي يتعين معه القضاء ببراءة المتهم الأول مما أسند إليه، لعدم ثبوت الركن المعنوي على وجه يقيني، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار هذا الدفاع عدولاً أو تنازلاً عن أي منها.
الدفع الثامن والعشرون بعد المائة: وجوب القضاء بالبراءة لانتفاء القصد الجنائي، أو على الأقل لعدم كفاية الأدلة على توافره، متى ثبت قيام أسباب موضوعية جدية تبرر اعتقاد المتهم الأول بمشروعية سلطة الوكيل وسلامة مباشرته للتصرف
يتمسك المتهم الأول بانتفاء القصد الجنائي اللازم لقيام جريمة التزوير في حقه، وبأنه حتى على فرض التسليم جدلاً بوجود ثمة مخالفة أو تجاوز في استعمال الوكالة – وهو ما ينكره ويتمسك بخلافه – فإن الأوراق لا تحمل دليلاً يقينياً على أن المتهم الأول كان يعلم، وقت مباشرته التصرف، أنه يغير الحقيقة في محرر على نحو مؤثم جنائياً، أو أنه كان يعلم بانعدام سلطته في التوقيع، أو أنه اتجهت إرادته إلى استعمال محرر يعلم أنه مزور.
ذلك أن القصد الجنائي في جريمة التزوير لا يُفترض من مجرد صدور التوقيع أو مباشرة التصرف، ولا يستخلص بمجرد أن النتيجة التي ترتبت على التصرف لم توافق إرادة أحد أطراف العلاقة أو ترتب عليها تعديل في المراكز القانونية أو الحصص، وإنما يتعين أن يقوم الدليل على علم الجاني بحقيقة التغيير غير المشروع للحقيقة، واتجاه إرادته إلى إحداث هذا التغيير واستعمال المحرر على هذا الأساس.
والثابت في الدعوى الماثلة أن المتهم الأول لم يباشر التصرف في الخفاء أو مستتراً وراء صفة غير حقيقية، وإنما باشره علانية وبصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، مستنداً إلى توكيل رسمي ثابت ومحرر قبل الواقعة بسنوات، هو التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة، والذي تضمن تخويله القيام نيابة عنها في المسائل المتعلقة بإنشاء وتأسيس الشركات، والتوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات أمام الشهر العقاري، فضلاً عن السلطات الأخرى الواردة بسند الوكالة.
وهذا السند الرسمي لا يمثل مجرد واقعة عرضية في الأوراق، وإنما يمثل الأساس الموضوعي الذي استند إليه المتهم الأول في اعتقاده بقيام صفته وسلطته في مباشرة التصرف. ومن ثم فإن افتراض علمه بانعدام السلطة، رغم وجود هذا السند الرسمي القائم وقت التوقيع، يقتضي دليلاً مستقلاً ومقنعاً يثبت أنه كان يعلم، رغم ظاهر السند ومضمونه، أن التصرف الذي يباشره خارج عن نطاق وكالته، وأنه مع ذلك اتجه إلى تغيير الحقيقة واستعمال المحرر المزور.
وهو ما لا تنهض به مجرد المنازعة اللاحقة في تفسير نطاق الوكالة، ولا مجرد القول بأن صاحبة الشأن لم تكن ترغب في إتمام التعديل، ولا مجرد إلغاء التوكيل في تاريخ لاحق على التوقيع؛ إذ إن هذه الوقائع – بفرض ثبوتها – لا تثبت بذاتها الحالة الذهنية التي كان عليها المتهم الأول في اللحظة السابقة أو المعاصرة لمباشرة التصرف.
بل إن الثابت بالأوراق يقوم على العكس من ذلك، إذ كانت الوكالة قائمة وقت التوقيع، ولم يثبت أن المتهم الأول كان قد علم قبل مباشرة التصرف بإلغائها أو بزوال سلطته، فضلاً عن أن إلغاء الوكالة – بحسب الثابت بالأوراق – قد تم لاحقاً على التوقيع، الأمر الذي تنتفي معه إمكانية اتخاذ الإلغاء اللاحق بذاته دليلاً على علم المتهم الأول وقت التصرف بانعدام سلطته.
ويتعزز هذا الاعتقاد المشروع بالنتيجة التي انتهت إليها الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026، بعد فحص سند الوكالة والتصرف محل الاتهام، حيث انتهت المذكرة الرسمية إلى أن التوكيل العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات، ويبيح الإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء، مع إثبات أن التوكيل قد تم إلغاؤه بعد التوقيع بموجبه على تعديل عقد الشركة.
وهذه المذكرة لا يستند إليها المتهم الأول باعتبارها حكماً قضائياً ملزماً في مجال المسؤولية الجنائية، وإنما باعتبارها قرينة رسمية لاحقة تكشف عن أن فهم المتهم الأول لنطاق وكالته لم يكن فهماً عبثياً أو مفتعلاً، وإنما له أساس موضوعي جدي تؤيده جهة إدارية مختصة بعد فحص ذات سند الوكالة وذات التصرف محل الاتهام. فإذا كانت الجهة الفنية المختصة قد انتهت إلى أن الوكالة تشمل هذا النوع من التصرف، فإن ذلك يمثل ظرفاً موضوعياً بالغ الدلالة عند بحث ما إذا كان المتهم الأول قد باشر التصرف وهو يعلم أنه خارج حدود سلطته أم كان يعتقد، لأسباب جدية، أنه يعمل في نطاق السلطة المخولة إليه.
ومن ثم، فإن مناط البحث في القصد الجنائي لا ينصرف فقط إلى النتيجة التي انتهى إليها التصرف، وإنما إلى الحالة الذهنية للمتهم الأول وقت مباشرته له، وما إذا كانت الظروف المحيطة به تسمح بالقول إنه كان يعلم علماً يقينياً أنه يرتكب فعلاً غير مشروع ويغير الحقيقة في محرر، أم أن ظروف الواقعة كانت تبرر اعتقاده الجدي بأنه يباشر تصرفاً مشروعاً في حدود وكالة قائمة.
والثابت أن المتهم الأول كان أمام سند رسمي صادر من صاحبة الشأن نفسها، ولم يكن أمامه مجرد ادعاء شفهي بالوكالة، كما أن السند تضمن صراحة حقه في التوقيع نيابة عنها على عقود تأسيس وتعديل الشركات، وقد باشر التوقيع في إطار صفته التمثيلية المعلنة. وهذه جميعاً أسباب موضوعية سابقة على الواقعة ومعاصرة لها، تكفي – على أقل تقدير – لإثارة شك جدي في توافر العلم الجنائي اللازم للإدانة.
ولا يجوز الخلط في هذا المقام بين احتمال أن يكون هناك خلاف مدني أو قانوني حول مدى انطباق نصوص الوكالة على صورة معينة من صور تعديل الشركة، وبين العلم الجنائي بتغيير الحقيقة؛ فوجود خلاف في التفسير القانوني لنطاق السلطة لا يعني بذاته أن المتهم كان يعلم أنه يرتكب تزويراً. بل إن الطبيعة القانونية للمسألة محل النزاع، وما يحيط بها من نصوص وسندات رسمية وإجراءات توثيق، تجعل من غير الجائز استخلاص القصد الجنائي بمجرد الاستنتاج من وقوع الخلاف ذاته.
كما لا يجوز أن يُستخلص القصد الجنائي بأثر رجعي من النتيجة التي ترتبت على التصرف؛ لأن العلم الذي يتطلبه القصد الجنائي يجب أن يكون قائماً وقت ارتكاب الفعل، ولا يجوز أن تتحول المنازعة اللاحقة أو الاعتراض على التصرف أو إلغاء الوكالة بعد استعمالها إلى دليل على أن المتهم كان يعلم منذ البداية بعدم مشروعية ما يفعله.
وإذا كان الحكم المعارض فيه قد استخلص القصد الجنائي من مجرد علم المتهم الأول بوجود تعديل في حصص الشركاء أو من مجرد توقيعه على عقد التعديل أو من قيامه بتقديم المستندات إلى الجهة المختصة، فإن هذا الاستخلاص لا يكفي بذاته لإثبات القصد الجنائي؛ إذ إن علم المتهم بوقوع التصرف شيء، وعلمه بأن التصرف ينطوي على تغيير غير مشروع للحقيقة شيء آخر تماماً. كما أن تقديم المحرر إلى الجهة المختصة لا يثبت بذاته العلم بتزويره، ما لم يقم الدليل على أن مقدم المحرر كان يعلم أنه مزور وقت استعماله.
بل إن مباشرة الإجراءات الرسمية وإظهار سند الوكالة للجهة المختصة والتوقيع مع الإفصاح عن الصفة التمثيلية تمثل – في سياق هذه الواقعة – ظروفاً موضوعية تتفق مع اعتقاد المتهم الأول بمشروعية مباشرته للتصرف، ولا تتفق بذاتها مع افتراض أنه كان يعلم أنه يستعمل محرراً مزوراً أو أنه ينتحل صفة صاحبة الشأن.
وحتى إذا جادل الاتهام بأن مجرد وجود خلاف حول نطاق الوكالة كان كافياً لإثارة الشبهة، فإن الشبهة لا تساوي الدليل، والاحتمال لا يرقى إلى مرتبة اليقين اللازم للإدانة. فإذا كانت الأوراق تحتمل تفسيراً جدياً مفاده أن المتهم الأول كان يعتقد – استناداً إلى سند رسمي قائم – أنه يباشر التصرف في حدود وكالته، فإن هذا الاحتمال يهدم الجزم اللازم لإسناد القصد الجنائي إليه، ولا يجوز للمحكمة أن تستبدل باليقين المطلوب مجرد استنتاج ظني من ظروف تحتمل أكثر من تفسير.
ومن ناحية أخرى، فإن ثبوت القصد الجنائي لا يمكن استخلاصه من مجرد كون المتهم الأول قد استفاد من التصرف أو كان على علم بالنتيجة التي ترتبت عليه، إذ إن الاستفادة أو العلم بالنتيجة لا يثبتان بذاتهما العلم بتغيير الحقيقة. فلا بد من قيام رابطة ذهنية ثابتة بين المتهم وبين فعل التغيير ذاته، بحيث يثبت أنه كان يعلم أن الحقيقة قد غُيرت وأن إرادته اتجهت إلى ذلك وإلى استعمال المحرر على هذا الأساس.
والأوراق – بحسب الثابت منها – لا تكشف عن هذه الرابطة الذهنية، ولا تتضمن دليلاً مستقلاً على أن المتهم الأول كان يعلم أن الوكالة لا تخوله التصرف محل الاتهام، أو أنه كان قد أُخطر قبل التوقيع بقيد يمنعه من مباشرة ذلك التصرف، أو أن التوكيل كان قد أُلغي قبل التوقيع، أو أنه أخفى صفته الحقيقية أو حاول اصطناع مظهر كاذب للوكالة. بل الثابت أنه استند إلى سند رسمي قائم وأعلن صفته كوكيل، وهي وقائع موضوعية تتعارض مع الصورة التي يتطلبها القول بتوافر القصد الجنائي على وجه اليقين.
ومن ثم، وحتى على الفرض الجدلي بقيام ثمة خلاف في مدى السلطة المدنية المستمدة من الوكالة، فإن أقصى ما يمكن أن يستفاد منه هو قيام منازعة حول نطاق التصرف، ولا يجوز القفز من هذه المنازعة مباشرة إلى إثبات العلم الجنائي بالتزوير، ما لم يثبت بدليل مستقل أن المتهم الأول كان يعلم أن ما يباشره يمثل تغييراً للحقيقة وأنه تعمد ارتكابه.
وإذ كان القصد الجنائي عنصراً من عناصر الجريمة، فلا يكفي لإثباته أن يكون متصوراً أو محتملاً، بل يجب أن يكون مستخلصاً من وقائع ثابتة تؤدي إليه بطريق سائغ. فإذا كانت الوقائع الثابتة تسمح بتفسير معقول ومشروع لسلوك المتهم الأول، قوامه اعتقاده بقيام سلطته استناداً إلى وكالة رسمية قائمة وإلى ظاهر نصوصها وإلى الإجراءات الرسمية التي اتخذها، فإن الشك في القصد الجنائي يكون قائماً، ولا يجوز مع هذا الشك إقامة الإدانة.
وبذلك يكون الدفاع أمام احتمالين كلاهما يؤدي إلى البراءة: أولهما، انتفاء القصد الجنائي فعلاً، لقيام أسباب موضوعية جدية تبرر اعتقاد المتهم الأول بمشروعية سلطته وسلامة مباشرته للتصرف؛ وثانيهما، وعلى سبيل الاحتياط، عدم كفاية الأدلة المطروحة لإثبات هذا القصد على وجه اليقين، بما لا يجاوز دائرة الظن أو الاحتمال، وهو ما لا تصلح معه الأدلة لحمل حكم بالإدانة.
وعليه، فإن الثابت من قيام سند الوكالة الرسمي، واستمرار نفاذه وقت التوقيع، وإفصاح المتهم الأول عن صفته كوكيل، وثبوت امتداد الوكالة – وفقاً لما انتهت إليه الإدارة العامة للتوثيق – إلى عقود تعديل الشركات وتقليل أو زيادة حصص الشركاء، وعدم ثبوت إلغاء الوكالة إلا بعد التصرف، كل ذلك يشكل مجموعة متساندة من الظروف الموضوعية الجدية التي تنفي أو، في أقل تقدير، تشكك شكاً جوهرياً في توافر العلم الجنائي والقصد اللازمين لجريمة التزوير.
ومن ثم، يكون القضاء بالبراءة هو النتيجة التي يفرضها عدم ثبوت القصد الجنائي ثبوتاً يقينياً، أو على الأقل قيام الشك الجدي في توافره، إذ لا يجوز أن تقوم الإدانة على افتراض العلم أو على استخلاصه من مجرد وقوع المنازعة حول التصرف، وإنما يتعين أن يكون هذا العلم ثابتاً من أدلة موضوعية قاطعة، وهو ما لم تنهض به أوراق الدعوى.
وبناءً عليه، يلتمس المتهم الأول القضاء ببراءته مما أسند إليه، تأسيساً على انتفاء القصد الجنائي لجريمة التزوير، أو على الأقل عدم كفاية الأدلة على توافره، لثبوت قيام أسباب موضوعية جدية تبرر اعتقاد المتهم الأول بمشروعية سلطته في مباشرة التصرف وسلامة استعماله للوكالة القائمة وقت التوقيع، مع التمسك بكافة الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع السابقة، وعدم اعتبار إبداء هذا الدفع بأي وجه من الوجوه عدولاً أو تنازلاً عنها.
بناء عليه
لكل ما تقدم، ولما تراه عدالة المحكمة الموقرة من أسباب أصوب وأرشد، ولما استقر عليه صحيح القانون، يلتمس المتهم الأول / إبراهيم السيد متولي، الحكم له بالآتي:
أولاً: وبصفة أصلية وجازمة ونهائية: القضاء بكافة الطلبات الأربعة المتقدمة على النحو المبين تفصيلاً بصدر هذه المذكرة، والتمسك بها جميعاً، مجتمعةً ومنفردةً، وبكافة أسانيدها ودفوعها وطلباتها، وعدم اعتبار إبداء الدفاع الموضوعي الوارد بهذه المذكرة، أو أي طلب احتياطي لاحق، عدولاً عنها أو تنازلاً عنها أو نزولاً عن أي أثر من آثارها القانونية.
ثانياً: وعلى سبيل الاحتياط الأصلي، ودون إخلال أو مساس أو انتقاص من الطلبات الأربعة المتقدمة: القضاء ببراءة المتهم الأول / إبراهيم السيد متولي مما أسند إليه، تأسيساً على انتفاء أركان جريمة التزوير في حقه، وبصفة خاصة انتفاء الركن المادي للجريمة، وعدم ثبوت وقوع فعل مادي من أفعال تغيير الحقيقة في المحررات محل الاتهام، وعدم ثبوت نسبة أي فعل تزوير إلى المتهم الأول بدليل يقيني جازم.
ثالثاً: القضاء بالبراءة لثبوت أن التوقيع محل الاتهام قد صدر من المتهم الأول شخصياً، وبصفته وكيلاً عن صاحبة الشأن، وفي ظل قيام التوكيل الرسمي العام رقم 664 حرف «ص» لسنة 2017 توثيق استثمار القاهرة وقت مباشرة التصرف، وثبوت امتداد نطاق ذلك التوكيل إلى التوقيع على عقود تعديل الشركات، وفقاً لما هو ثابت بسند الوكالة وما انتهت إليه المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل في الملف رقم 134 لسنة 2026.
رابعاً: القضاء بالبراءة لعدم ثبوت واقعة تغيير الحقيقة في أي من المحررات محل الاتهام، وعدم ثبوت اصطناع أو تقليد أو انتحال صفة أو أي وسيلة أخرى من وسائل التزوير في حق المتهم الأول، وعدم جواز استخلاص الركن المادي للجريمة من مجرد المنازعة في مضمون التصرف أو آثاره أو مدى موافقة الأصيل عليه.
خامساً: القضاء بالبراءة لانتفاء القصد الجنائي، وعدم ثبوت علم المتهم الأول وقت مباشرة التصرف بأنه يغير الحقيقة في محرر أو أنه يباشر عملاً بغير سند من سلطته التمثيلية، مع ثبوت مباشرته التصرف علانية وبصفته وكيلاً وبموجب سند وكالة رسمي قائم وقت التوقيع.
سادساً: القضاء بالبراءة لعدم كفاية الأدلة القولية التي عُوّل عليها في إسناد الاتهام، ولا سيما ما نسب إلى بعض الموظفين العموميين من أقوال، متى لم يثبت على نحو يقيني مصدر علم كل منهم، ومدى إدراكه الشخصي والمباشر للواقعة، وما إذا كانت أقواله شهادة على واقعة أدركها بحواسه أم مجرد تفسير أو استنتاج أو نقل لما ورد في ملفات أو مستندات أو أقوال الغير، مع عدم التعويل على ما لا يصلح من تلك الأقوال قانوناً لإثبات فعل التزوير ذاته.
سابعاً: القضاء بعدم التعويل على أي قول أو استنتاج يراد به إنشاء قيد على نطاق الوكالة أو تحديد لسلطة المتهم الأول لم يرد بسند الوكالة الرسمي، متى كان هذا القول قائماً على مجرد تفسير شخصي أو علم غير مباشر، وبخاصة مع قيام المذكرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للتوثيق بوزارة العدل، والتي انتهت – بحسب الثابت بها – إلى أن التوكيل محل الاتهام يبيح التوقيع على عقود تعديل الشركات والإجراء المتعلق بتقليل أو زيادة حصة الشركاء.
ثامناً: القضاء بالبراءة لقيام الشك الجدي في أصل الواقعة الجنائية وفي توافر أركانها، ولا سيما الركن المادي والقصد الجنائي، مع عدم كفاية الدليل القائم على مجرد الاستنتاج أو المنازعة في آثار التصرف لحمل قضاء بالإدانة.
تاسعاً: وعلى سبيل الاحتياط الكلي، وفي حالة عدم القضاء بالبراءة لأي سبب، يلتمس المتهم الأول استعمال أقصى درجات الرأفة المخولة قانوناً، والأخذ بما تراه المحكمة من أسباب التخفيف في الحدود التي يجيزها القانون.
وعلى وجه العموم: التمسك بكافة ما سبق إبداؤه من دفوع وطلبات وأوجه دفاع، وما ورد بالمذكرات والمستندات المقدمة من المتهم الأول، واعتبارها جميعاً جزءاً لا يتجزأ من دفاعه وباعتبارها مكملة ومتممة وجزء لا ينفك عن محضر الجلسة ، مع الاحتفاظ له بكافة حقوقه ودفوعه القانونية، وعدم تفسير أي دفاع موضوعي أو طلب احتياطي ورد بهذه المذكرة على أنه قبول باختصاص المحكمة أو تسليم بصحة اتصالها بالدعوى أو نزول عن أي من الطلبات أو الدفوع المتعلقة بالاختصاص أو بصحة الإجراءات أو بأي مركز قانوني سبق للمتهم الأول التمسك به.
ولذلك
يلتمس المتهم الأول الحكم له بما تقدم، والقضاء ببراءته مما أسند إليه، مع ترتيب كافة الآثار القانونية المترتبة على ذلك.
